Author Archive

هــل مرّت الثورة من هنا ؟

التلفزة التونسية

التلفزة التونسية

الإعلام العمومي السمعي البصري في تونس تركة ثقيلة من عهد بن علي من الصعب تجاهلها أو توهم القدرة على إصلاحها بمجرّد تغيير القوانين أو إضفاء لمسة من الديمقراطية الثورية عليها، والجماهير تؤكد ذلك بأكثر من وسيلة وتقول إن دار لقمان هي إلى الآن على حالها مع وجود بعض الاستثناءات البادية للعيان والتي لا يمكن إنكارها رغم أنها تبدو أقرب إلى الماكياج الثوري منها إلى التعبير عن حالة صحوة حقيقية تبعث على الاستبشار.

أزمة الإعلام السمعي البصري العمومي في تونس مبنية على جملة من العوامل الأساسية لا يمكن لعمليات الإصلاح والترميم أن تتجاهلها أو تقفز عليها، أولها ارتباطه لسنوات طويلة بالجهاز الاستشاري في القصر الرئاسي ارتباطا يتجاوز عقد الولاء السياسي إلى التبعية الآلية لشخص المستشار، لقد حاول الهيكل الوزاري المشرف على القطاع تنظيم وسائل الإعلام العمومية وتغيير هيكلتها وإعطاءها دفعا تستطيع أن تواجه به تراجع شعبيتها وانعدام قدراتها التنافسية إلا أن الصراعات السياسية ظلت العائق الحقيقي أمام كل مشاريع الإصلاح وظلّت مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية بمختلف قنواتها محطّ أطماع عديد الأطراف. (مواصلة القراءة…)


أم زيـــــــاد

نزيهة رجيبة (أم زياد)

لن نتردّد ونحن نحتفل يوم 13 أوت بعيد المرأة في توجيه الأنظار تحية واحتراما للسيدة نزيهة رجيبة أصيلة القلعة الصغرى المعروفة بكنية “أم زياد” تتويجا لما بذلته طيلة ثلاثة وعشرين عاما من المقاومة المستمرّة.

لقد أصبح عيد المرأة جديرا بالاحتفال بعد أن فرّت “السيدة الفاضلة” رفقة زوجها “الأب الحنون” يوم 14 جانفي ولحقت بهما رئيسة جمعية الأمهات منذ أيام فقط ليزول شبح السابع من نوفمبر تدريجيا عن هذه المناسبة الوطنية الهامة، فلطالما اعتقد الزعيم الحبيب بورقيبة أن مجلة الأحوال الشخصية هي أهم إنجاز قام به في حياته حتى لتكاد تغطي على حدث الاستقلال ذاته، وهو محق في ذلك قطعا إذ ما فتئ التاريخ يؤكّد أن تحرير البلاد من ربقة الاستعمار كان ثمرة جهاد وكفاح استمرا أكثر من خمسين عاما سقطت فيها أرواح الأبرياء في جنوب البلاد وشمالها، أمّا تحرير المرأة من نيّر عبودية المجتمع التقليدي الغارق في الأمية والعادات البالية في ذلك الوقت المبكر فقد كان للعامل الذاتي فيه أثر حاسم.

دقّت أم زياد أول نواقيس الخطر عندما تصدّت بشجاعة نادرة لسلوك انتهازي مقيت جعل الطبقة المثقفة والنخبة التي أفرزها العهد البورقيبي تُبارك استيلاء الجنرال زين العابدين بن علي على مقاليد الحكم صبيحة السابع من نوفمبر، لقد توفرت لها الجرأة كي تنظر إلى الرجل من الزاوية التي تحاشى الجميع النظر منها، فوزراؤه ومستشاروه وأتباعه الخلّص والطامعون في بركاته والمتشعبطون من مختلف الدرجات والرّتب كانوا يعرفون أكثر من غيرهم ضحالة مستواه التعليمي بما لا يليق بدولة راهنت منذ استقلالها على التعليم ولكنهم لم يمانعوا في تصديق حكاية طرده من المدرسة بسبب نشاطه الدستوري! ، وهم يعرفون أن يديه ملطختان بدماء العمال الذين سقطوا على الأرصفة الحزينة يوم الخميس الأسود (1978) والبسطاء الذين انتفضوا دفاعا عن حقهم في الخبز والحياة الكريمة ذات شتاء ثمانيني حافل بالمفاجآت (1984) ولم يمانعوا في نفي هذه الذكريات المؤلمة وتأجيل الاعتراف بها إلى حين حتى لا تلطّخ نقاوةَ الجنرال الملاك مبعوثِ العناية الإلهية إلى الأرض يوم 7 نوفمبر 1987 صباحا لإنقاذ الشعب التونسي الذي كانت تحاك من حوله الدسائس في قصر الرجل العجوز بينما كان هو يغطّ في نوم عميق. هؤلاء الذين عَنَـتْهُم أم زياد في مقالها “نشاز” هم الذين صنعوا من بن علي أكذوبة صدّقها الجميع تقريبا تحت وهج الانبهار بفصاحة بيان التحوّل وجاذبية أضواء الثورة الهادئة، ولم يكن توجيه الأنظار إلى الحقيقة عملا سهلا بينما كان المشهد السياسي التونسي يتشكل شيئا فشيئا على نحو جديد بدا قادرا على خلب الألباب قبل أن يكشر الرئيس الجديد عن الأنياب ويبدأ رحلة النكوص على الأعقاب، لقد استطاعت آنذاك أن تقف أمام عنفوان الأسد، فلم تخفْ سطوةَ زئيره ولا شراسةَ أنيابه ولا حدّةَ نظراته النارية، ولم ترهبِ الذئابَ التي ظلّت تحيط به إلى آخر رمق من عهده السعيد قبل أن يفرّ ويتركها في حالة يرثى لها من الخوف والفزع والانهيار، وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما ظلّت أم زياد تدفع بالتقسيط المملّ ثمن المشروع الباهظ، مشروع الرفض والعصيان والتمرّد، الثمن الذي تقاسمته مع رجال ونساء من معترك الحياة السياسية قاوموا نظام بن علي بشراسة فكرية تضاهي شراسته البوليسية، ونغصوا عليه فرحة الحياة التي كان يُـغرِق في إنائها العسلي جموع التونسيين والتونسيات، فكانوا معا عرضة لشتى صنوف التعذيب والملاحقة والتجريح والامتهان من قبل البوليس السياسي وبيادق النظام. (مواصلة القراءة…)


زرزيس: على هذه الأرض ما يستحق الحياة !

عندما دعاني الصديق  جمال الزرن إلى المشاركة في مراسم العرض الأول لشريط “زرزيس” لم أمانع البتة في الانضمام إلى قافلة الإعلاميـين والضيوف الذين ستأخذهم طائرة الخطوط الداخلية من مطار تونس قرطاج الدولي إلى مطار جربة ومن ثمة عبر الحافلة السياحية إلى مدينة جرجيس حيث سيستقبل المخرج ضيوفا اختار كثيرا منهم بعناية فائقة لتنفيذ هذه الفكرة بالنجاح الذي تستحق.

الفكرةُ، أن يُعرض فيلم “زرزيس” وسط الناس الذين صنعوه ببساطتهم وعفويتهم ونقاء الأفق الذي ينظرون إليه وأن يشارك في هذه الاحتفالية السينمائية الخارجة عن السياق المعتاد رجال عايشوا سينما محمد الزرن وأحبوها منذ “الفاصلة” و “كسّار الحصى” في بدايات تجربته حال عودته من فرنسا إلى تونس نهايةَ الثمانينات وصولا إلى أفلامه الجديدة التي حقق بها نجاحات فنية وجماهيرية وحصد بها تتويجات لا يستهان بأهميتها في سياق تطور تجربة سينمائي من الجنوب وتقدم خطوته بثبات، وهي أفلام أسقطت الضوء على المدينة وعرّت جراحها، فرسمت أوجاعَ مُتسوِّليها وسكّانَ أحيائها الخلفية الفقيرة المؤلمة حيث يكمن جمال نادر لن تتفطن إليه إلا عينُ رسّام مُـلهَم (السيدة)، أو تغنت بحلم مجنون في شوارع عاصمة صنعت تاريخها الجمالي والعاطفي أكشاك بيع الورد في “شارع الشوارع” قبل أن تقضي عليها يد التغيـــير القاسية وتطرد من سمائها العصافير (الأمير).

في هذه الرحلة الحالمة التي اكتنفها ربيع الجنوب التونسي الساحر شاهدنا “زرزيس” لأول مرة في جرجيس، ثم تجولنا في شوارعها مرفـــوقــين بالناس البسطاء الذين صنعوا الفيلم، زرنا بدءا  حانوت سيمون العطار اليهودي فعاينّا إقبال العامّة من أهالي المدينة عليه وتحادثنا مع ابنته، سيمون توفي في الفترة الفاصلة بين التصوير وسنة العرض فلم يتسن له التمتّع بالهالة التي واكبت حضوره في هذا العمل فقد اعتبر البعضُ حانوتَـه “صُـرّة العالم” في جرجـيس مؤكدين أن طيبته (السينمائية) المفرطة و إيجابيته الاجتماعية والنفسية تفتح أبواب الريبة على مصراعيها، بل ويذهب البعض حدّ القول: إن التركيز لم يكن  على جرجيس كمدينة حافلة بالموروث الثقافي والاجتماعي وغيره بقدر ما هو إبراز لفكرة أن اليهود يمثلون جزءا من حياة المدينة بل هم الجزء المضيء الذي يتوفر على قدر عال من الحكمة والطيبة والرحمة والتقدير للمحيط الاجتماعي والديني… (مواصلة القراءة…)


عندما يتحدّث نهر النيل

حمدي قنديل

حمدي قنديل

بقامته الفارعة وهدوئه الأخاذ، ومن وراء دخان سجائره المتواضعة ونظرته الخضراء الحادّة يحدثك حمدي قنديل، يأسرك هذا الرجل القادم من أعماق تجربته إلى المستقبل الواعد مشدودا بخيط الأمل والتفاؤل. حكايته بسيطة متواضعة بلا نتوءات أو تضاريس، حكاية طفل اكتشف العالم من بين سطور الجريدة التي كان يحملها والده إلى البيت كل مساء، ثم فكر في تغييره عندما اجتـذبته أضواء الاشتراكية وأحلامها الثورية وهو يتأمل باندهاش وذهول جاره الذي كان يلوح ويختفي ذهابا وإيابا إلى المعتقـل.

“فتنني جارنا لطفي فطين بفكرة العدالة الاجتماعية التي تنهض عليها الإيديولوجيا اليسارية ولكن أبي نبهني برفق إلى أن العدالة الاجتماعية موجودة في الإسلام، واستدرجني إلى الانخراط في جمعية الشبان المسلمين فوجدت في الدين منبعا من المنابع التي يمكن أن أستقي منها مبادئ أحدّد في ضوئها اتجاهي”، يصمت حمدي قنديل قليلا وهو يرشق نظرته في الحقول الخضراء الممتدة حتى قدمي بوقرنين والسحب التي تهاجم ذلك المساء الصيفي الرطب، يلقي سيجارته أرضا ويركب السيارة التي تقله من المنستير إلى تونس وهو يقول: أظن أنني حافظت طيلة حياتي الماضية وحتى الآن على خيط يربط بين اليسار والدين ولا أعتقد أنْ  ثمة تناقض بينهما.

في القاهرة، في الربع ساعة الأخير قبل ثورة الضباط الأحرار تطور وعيه السياسي في المنتديات الثقافية وبتأثير لا ينكره لكتابات أحمد بهاء الدين عليه، تلك التي تتحدث عن الامبريالية وتفضح أساليبها المُـضمرة في مختلف أشكال الدعم الاقتصادي لدول العالم الثالث، وهو يتذكر إلى الآن رغم مضي أكثر من نصف قرن كتابه “النقطة الرابعة تعني الحرب”. (مواصلة القراءة…)


3 أوت: عيدُهم جميعا

في مثل هذا اليوم (3 أوت) من سنة 1977 وفي غمرة الاحتفالات بعيد ميلاد المجاهد الأكبر الحبيب بورقيبة انطلق في الطابق السفلي لقصر المؤتمرات صوت إذاعة المنستير لأول مرّة، وكان لزاما علينا سنة 2002 ونحن نعدّ لإصدار كتاب وثائقي يؤرخ لهذا الحدث بمناسبة مرور ربع قرن أن نجد مخرجا لهذا المأزق الكبير: أن نقول الحقيقة دون أن نقولها، أن نعدّل فيها قليلا، أن نستغني عن بعض التفاصيل دون أن نمسّ الجوهر، أن نعيد صياغة الجملة التاريخية فنقدّم بعض الوقائع ونؤخر البعض الآخر من غير أن نزيّف شيئا، وتلك كانت من أشدّ مآزق السابع من نوفمبر في التعامل مع مادّة التاريخ وإحدى مطباته الكثيرة في تعهّد الذاكرة الوطنية.

وجدنا صيغة مقبولة نسبيا، أن نضع في الواجهة تاريخ 19 سبتمبر عندما انطلقت أول شبكة برامج واضحة ورسمية ومحدّدة كما تقول الوثائق المتبـقية من الاحتفالات السابقة وأهمها احتفال العشرية الذي وقع أشهرا قليلة قبل الانقلاب على بورقيبة والإطاحة به، هذه الصيغة حاولت التخفيف من وطأة الترابط المعروف بين ميلاد الإذاعة وميلاد الزعيم التاريخي شكليا ومؤقتا،  فوافقت عليها رئاسة الجمهورية، وهكذا قُــــبِلت مقدّمةُ الكتاب وصدر الإذنُ بطبعه في شكله النهائي بعد التأشير كذلك وفي وقت جدّ متأخر على الصورة اليتيمة التي سيظهر فيها الرئيس السابق الحبيب بورقيبة على صفحات هذا الكتاب التوثيقي بعد أن تتصدَّره كما هو معمول به في مثل هذه المناسبات النوفمبرية السعيدة كلمات لصانع التغيير وراعي حرية الإعلام والتعبير منقذ البلاد والعباد، ولقد كانت فعلا مناسبة نوفمبرية في شهر أوت لأنها تنزلت في سياق الجملة الأولى من بيان السابع من نوفمبر (…لذلك أحببناه وقدرناه وعملنا السنين الطوال تحت إمرته في مختلف المستويات….)، ولأنها أتاحت المجال لزين العابدين بن علي كي يضع بصمته الخاصة على هذا الحدث التاريخي بإرسال رسالة عن طريق مستشاره المختص في الشأن الإعلامي موجهة إلى كافة أفراد الأسرة الإذاعية تلقفتها حال هبوطها من السماء وسائل الإعلام وأصبحت مرجعا في الحديث عن إذاعة المنستير والتأريخ لها !!!

إنّ هذا المجهود الذهني الكبير المبذول في مسألة بسيطة كهذه يكشف طبيعة العهد السياسي السابق سيما في تعامله مع الملف البورقيبي وحرص فريق المستشارين الرئاسيـين على النفخ في صورة مُؤَجِّرِهِم وتفريغ الماضي والحاضر والمستقبل من كلِّ الرموز والعلامات لأجله حتى يتسنى له اعتقال التاريخ والجغرافيا ورهن الذاكرة خدمة لكاريزما مصطنعة، ولكن هذا المجهود القائم على المناورة وعلى مبدأ الأخذ والعطاء كان ضروريا في هذا السياق بالذات لتسريب مشروع إبداعي عاطفي أساسا يقوم على الاعتراف بالجميل ونكران الذات في سبيل إعطاء القوس لباريها وتكريم أولي الفضل من الذين وضعوا لبنات الصرح وأشادوا بعرقهم الطاهر الزكي مجدا قد لا يستحقه اليوم بعض المنتسبين إليه زورا والمتشــدِّقين به بهتانا، لقد كانت ذكرى مرور ربع قرن على تأسيس الإذاعة فرصة سانحة خصوصا بعد وفاة بورقيبة لاستئناف الاحتفال بهذا الحدث من غير الوقوع في شبهة الاحتفال المُــقنَّع بميلاد الزعيم، وكانت محطة ضرورية للإشادة بالأدوار المهمّة التي قام بها رجال محترمون في صياغة الإذاعة بما هي مشروع ثقافي تنموي أساسا، فالذين عاشوا تلك الفترة يروون بأدق التفاصيل كيف أحسّ الجميع بالوقوع فيما يشبه المأزق بعد أن انفضّــت احتفالات عيد الميلاد التي جُـلبت لأجلها من الإذاعة التونسية ومن إذاعة صفاقس معداتُ الإنتاج الإذاعي وبرامجُ وأغان متنوعة وصار لزاما على هذه الإذاعة التي ارتُجِل قرارُ إنشائها ارتجالا أن تنطلق فعلا وأن تكون إذاعة بحق لا مجّرد أداة من أدوات الزينة تُــسْــتعملُ في الاحتفال بذكرى الميلاد كالشماريخ الملونة التي كانت تملأ سماء مدن الساحل وقراه في هذه المناسبة المجيدة، فأوكلت المسألةُ إلى لفيف من المثقفين بشكل تطوعي لفرض المشروع فرضا وإعلاء صوت هذه الإذاعة الوليدة رغم كل شيء وذلك ما كان…

اليوم وبعد مضيّ أربعة وثلاثين عاما على هذا الحدث، وبعد عودة تمثال الزعيم النصفي إلى مكانه الطبيعي في بهو الإذاعة، يمكن كتابة هذه الجملة التاريخية بشكلها الأصلي، فالإذاعة بعثت للوجود بقرار سياسي مرتجل لتكون انطلاقة صوتها على الموجة المتوسطة وبقوة عشرين كيلواط فقط من محطة الإرسال بالغدير يوم عيد ميلاد الزعيم، أما ما حدث بعد ذلك فقد كان واجبا نضاليا وأخلاقيا وثقافيا تصدى له ببسالة رجال عاهدوا الله فصدقوا، وكانوا يعملون دون انتظار الأجر أو المقابل أو المجد الشخصي خدمة لفكرة آمنوا بها ورجل أحبوه فخدموا مشروعه السياسي والحضاري بتفان وإخلاص، ولا شكّ أن المؤرخ الحصيف سيشهد أيضا أنّ كلّ مديري الإذاعة من المرحوم قاسم المسدّي إلى الزميل الفاضل نبيل المؤدب كانوا يرتعدون لثقل هذه الأمانة الملقاة على عاتقهم فتحملوها بشجاعة ورباطة جأش وأرادوا بها الأفضل والأبهى والأجمل دون التنكّر للماضي والاعتداء على السابقين، لم يحدث أن فكّر أحد هؤلاء المديرين الذين تعاقبوا على هذه الإذاعة طيلة ثلاثة عقود بطريقة “إني وإن كنتُ الأخيرَ زمانُه لآتٍ بما لم يستطعهُ الأوائــــــلُ”، فنجح كل واحد منهم في ترك بصمته الخاصة وأسلوبه المميّز، وقد فسّر صديقنا القديم “الصادق بوعبان” هذه المسألة بقولة بسيطة وبليغة في آن: “إذا أردت النجاح في هذه الإذاعة فعليك أن تحبّها أكثر من حبّك لذاتك”، وما من شكّ في أن كل الذين كلفوا بإدارتها في “العهود البائدة” أدركوا هذه الحكمة وعملوا بها بشكل أو بآخر رغم خصوصية الظرف السياسي وحرص السلطة دائما على جذب طرف اللحاف إليها.

إن عيد ميلاد إذاعة المنستير إذن هو عيد الحبيب بورقيبة الذي زرع البذرة الأولى وسقاها بماء أبوته الصافي، وهو عيد كلّ الذين تعهّدوا هذه البذرة كي تكبر وتنمو وترتفع هامتها ويفوح عطرها، فهؤلاء خدموا فكرة وحققوا مجدا، وكلما نظرت في صورهم المعلقة على جدار القلب والذاكرة تزاحمت في رأسي ذكريات الأمس بقايا رغوة الماضي وهو يرتدّ إلى الأعماق مثل الموج الهادر بعد أن يرتطم بصخرة الحاضر وينكسر عليها، إنها الذكريات تــنبض تحت رماد العمر بكثير من الشوق والألق والتوهج، ففي هذا المكان أصوات وأصوات لم يكن يجمعها إلا الحبّ عندما كان للحبّ معنى…


من بلد “الفرح الدّائم” الى بلد الفرح الممكن

الثورة مخاض وولادة الجديد من رحم القديم.

وككل ولادة هناك نصيب من الألم و الفرح والخوف والاكتئاب.

هذه المقالة هي محاولة لفهم و تجاوز حالة الاحباط التي تعترينا ما بعد الثورة والبحث عن منفذ مضيء للمستقبل الممكن.

  • خمس وخمسون سنة من الكذب:

من شعار” فرحة الحياة” البورقيبي الى شعار “بلد الفرح الدّائم” للمخلوع لم يجني الشعب التونسي الا الخيبات و الأحزان. وكما يقول الشاعرمنوّر صمادح الذي مات بخيبته “شيئان في بلدي قد خيّبا أملي .. الصدق في القول والاخلاصُ في العملِ”. لنعترف الآن اذا أنــّه كُذب علينا مرارا وتكرارا وأنـّنا لطيبتنا أو غفلتنا قد صدّقنا واقتتنا بهذه الأكاذيب المخدّرة وربّما باهينا بها بين الأمم ضانين انّنا بصدد الخروج من بوتقةالعالم المتخلف. نصحو من اثر ثورة أدركنا فيها مثلا أن نسبة العيش تحت خط الفقر الحقيقيّة هي 25 بالمائة وليست 4 بالمائة كما رُوّج لها . وبالتالي أن 80 بالمائة من التونسيين هم من الطبقة الوسطى التي تمتلك مسكنها هي حسابيّا كذبة أخرى وقس على ذلك نسبة العاطلين عن العمل. وحدّث ولاحرج عن نتائج الانتخابات، ونسبة النمو الاقتصادي وكل المؤشرات الاقتصادية والاجتماعية المغشوشة.

قد يكون من طباع التونسي انــّه يفضـل حلاوة الوهم على مرارة الواقع من باب “قل لي اللـّي نحبّْ .. حتــّى بالكذبْ” لكن جرس الاستفاقة قد دق. من حق التونسي أن يكون سعيدا في حياته وبحياته أوّلا لأن تونس بلد في غاية الجمال ولاأقول هذا لأنني تونسي بل لانني طوّفت كثيرا أو قليلا من بلاد العالم لأرى و أستتنتج ان جمال الطبيعة والضوء الذي حبتنا بهما الطبيعة نادريْ الوجود. يبقى ان الانسان لا يعيش بالمناظر الجميلة والخبز فقط بل يلزمه الكثير من الكرامة. لقد ثار التونسيّن لأنهم أرادو أن يمارسو حقهم الطبيعي في أن يكونوا تونسيين بمعنى انّ هذا البلد الجميل ملك للجميع ومن حق الجميع أن يأخذو نصيبهم منه. فعندما وصل سيل الانتهازية و السرقة والاهانة الزبى … قال التونسيون لا…  وتقيؤوا الورم الخبيث.

  • الدكتاتوريّة لا تعرف الضحك

هل رأيتم أو سمعتم بشعب عاش سعيدا في ظل حكم دكتاتوري؟ أنا لم أر ولم أسمع. ان طبيعة الدكتاتورية هي المراقبة والحجـْر. فلا عجب اذن أن ضمرت في تونس كل فنون الضحك والسخرية. ففن الكاريكاتور مثلا في تونس باهت بلا رائحة او مذاق. وفن الغناء الهزلي والساخر مات مع موت صالح الخميسي اي سنوات قليلة قبل بداية الدكتاتورية البورقيبية باغتيال صالح بن يوسف و منع الأحزاب. الأدب الساخر يكاد يكون معدوم الوجود. بقي المجال “للفوكاهجيّة” وثيمتهم الأبديّة عن البدويّ في المدينة… خمسون عاما من اجترار نفس الموضوع بتنويعات. كأنه من أجل أن يضحك يجب على التونسي أن يستهزأ من لهجة وتصرفات و عقليّة تونسي آخر أسفل منه في سلـّم القفز. “قفز يقفز فهو قافز”. ان حرمان التونسي من حقه في الفرح وفي الضحك وتضييق مواضيع ضحكه أدّت الى أزمة نفسيّة وسلوكيّة. فصرنا “نعيش في بلاد كل مافيها يسير بفورة الغضب” كما يقول الراحل محمود درويش. لم يكن ممكنا لهذا الوضع أن يستمر لأنه لا يمكن أن تمنع شعبا من الفرح والضحك. وخبث الدكتاتوريةالتونسية يكمن في أنـّها قتلت الكثير من الأحلام الجميلة بمسميات تلك الأحلام نفسها… فقتلت الديمقراطية و حقوق الانسان باسم  الديمقراطية و حقوق الانسان  كما قـُتل الفرح باسم الفرح الدّائم. “ابتسم انك في تونس” تقول لك يافطة اشهارية وأنت تنزل مطار تونس قرطاج … تم يعترضك الشرطي ثم الدّيواني ثم حمّال البضائع ووجوههم مُكـمـّشة كَـكـِرْشة البقـّـاري المُعلـّـقة عند جزار الحومة. ويريدوننا أن نبتسم… وأثاث المطارملوّن  بنفس ذلك اللون الأزرق البوليسي الذي نجده في مراكز الشرطة.

  • أيّ فرح ممكن؟

انـّه من حق التونسي أن يكون سعيدا هنا، الآن، على هاته الأرض التي ما زال فيها ما يستحق الحياة من أجله. لكن هناك مفاتيح لهذا الفرح الممكن والتي لا يمكن تصوّر أيّ احتمال للسعادة بدونها: الحريّة، الكرامة، المساوات والحق في تقاسم ثروات البلد. فتونس للتونسيين جميعا ولا حق لفئة اقتصادية أو اجتماعيّة أو سياسية أو دينيّة أن تستأثر بها مرّة أخرى. ان الثورة المضادّة واقع و ليس وهما. ان القوى الخفيّة الخبيثة التي تحرّك الخيوط لاحباط معنويّات التونسيين والتقليل من قيمة انجازهم ستضع ما لديها من أجل ذلك لأنـّها الخاسر الأكبر من جرّاء ثورة هدفها الوحيد اعادة البلاد لأهلها. أملنا أن التونسي الصبور بطبعه لن ينجرّ للخوف والاحباط وهو الذي صبر ربع قرن على حاكم جاهل، عديم الفهم والذوق علاوة على خساسته الاجراميّة. الفرح القادم ممكن لكن يجب العمل من أجله… لن ينزل من السماء.. هو هنا يتنظر ارادتنا لكي يتحقق .. جيلا بعد جيل. فلا تكونة متفائلين بغباوة .. ولا متشائمين بسلبيّة بل لنكن شعبا اراديّا.. لأننا شعب ارادة الحياة


غـــابة تتذكّر أحـــزانها

270724_2120525487252_2283783_nتتضمن هذه المجموعة نصوص عامر بوعزة الشعرية الأولى التي ظهرت خلال مرحلة التسعينات  في الصحافة التونسية والعربية وأبرز المجلات الأدبية المتخصصة، وهي بهذا المعنى العتبات الأولى…

أفضت هذه العتبات بصاحبها من عالم الذات إلى الأفق الرحب من خلال معايشة التحولات التي عصفت بالعالم في نهاية الألفية الماضية. ففي هذه النصوص تتحاور وقائع وأحداث وشخوص في سياق رؤية يتزاوج فيها العاطفي المشترك بالجمالي المتفرّد وهي في بعض وجوهها محاولة من الشاعر “لاعتقال لحظة هاربة” والقبض على خيط دخان الزمن.

كل نص من نصوص هذه المجموعة يستمدّ إيقاعه من ذاته ومن توهجه الشعري الذي تغذيه الرؤيا أساسا وهكذا تجاورت نصوص النثر مع قصائد التفعيلة وعلا صوت الموسيقى وانخفض وفق طبيعة الحالة واللحظة، فهذه النصوص كلها في الأصل لحظات وانفعالات وصور أوْمضت ثم اختفت تاركة أثرا ما تعقّبه الشاعر حتى أخذه إلى غابة الشعر وتركه بين سيقان أشجارها الباسقة واخضرار آفاقها وارتسام الأشعة الدافئة على أوراقها الكثيفة التي تكسو الأرض.

وعامر بوعزة الذي انتزعته الصحافة الإذاعية من هذه الغابة الساحرة لسنوات طويلة، يطمح بإصداره هذا العمل الأول في هذا التوقيت بالذات إلى أن يصحّح قليلا مسار القطار الذي ركبه منذ مغادرته أسوار كلية الآداب بمنوبة ذات صيف ثمانيني لا يُنسى، وهو يعمل حاليا على مشاريع أدبية أخرى منها مجموعة نصوص بعنوان “نظرية الموز”، ومجموعة شعرية جديدة بعنوان “الأنين المتصاعد من أحلام النيام” و لم يكن ممكنا أن يتجاهل هذه النصوص ويتجاوز فكرة نشرها وها هي الآن تحتلّ موقعها بين إصدارات “إنــانــا” التي ما فتئت تتقدّم بخطى ثابتة في عالم النشر.



عامر بوعزة يقدّم المجموعة في برنامج صباح الخير على القناة الوطنية الأولى:

 


أحمد الكرفاعي : عندما خرجنا من بيت طاعة الزعيم

احتلت جريدة الرأي طيلة عقد كامل من الزمن (1977-1987) مكانة ممتازة في التجربة الصحفية التونسية بوصفها محطة مهمة من محطات النضال ضدّ الاستبداد السياسي والعمل من أجل إرساء الديمقراطية الحقيقية في مناخ سياسي تسوده كاريزما الزعيم فتلقي بظلالها الحادة والقاتمة على مشهد شمولي ينزلق بسرعة ضدّ حركة التحرّر.

أحمد الكرفاعي رئيس تحرير صحيفة الراي

أحمد الكرفاعي رئيس تحرير صحيفة الراي

في هذا السياق تتنزل تجربة السيد أحمد الكرفاعي إذ تفتح وعيه السياسي في مناخ الحزب الحرّ الدستوري وفي أحضان رعاية بورقيبة الرمز والانسان  للشباب الدستوري المؤتمن على وضع لبنات الدولة الحديثة وإنجاح مرحلة الاستقلال ولكنه سرعان ما وجد نفسه منذ بداية السبعينات وبعد تجربة مهمة في جريدة العمل الناطقة بلسان الحزب منساقا ومندفعا في اتجاه مغاير اتجاه يؤمن بالديمقراطية سبيلا إلى تحقيق الانعتاق الحقيقي والخروج بالانسان التونسي من القهر والهيمنة أيا كان مأتاها الاستعمار الامبريالي أم طموح الدولة الحديثة.

وهكذا كانت صحيفة الرأي التي ظهرت في نهاية سنة 77 أياما قليلة قبل الخميس الأسود (26 جانفي 1978)  نقطة الجذب القوية التي التف حولها الديمقراطيون والمثقفون وعلى صفحاتها بدأت تظهر الأفكار المتحرّرة والأساليب المجدّدة في مقاربة الواقع السياسي بعينين مختلفتين تؤمنان بالحرية

هذا الحوار الإذاعي الذي أجريناه مع السيد أحمد الكرفاعي يعود الفضل فيه إلى مبادرة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بالتنويه إلى مسيرة الرجل النضالية وحقه في التكريم في عهد ما بعد الثورة باعتبار أن جيله مهّد الطريق ولا شكّ أما ما تشهده تونس اليوم من رغبة في إرساء نموذج سياسي ديمقراطي حقيقي ولأن للسيد أحمد الكرفاعي كما قال الدكتور المنصف المرزوقي يومها أسلوبا لا يستهان بأهميته في استقطاب الأقلام واستمالتها ومنحها الثقة في النفس وهو ما يغلب العامل الانساني في تجربة الرأي على شتى العوامل الأخرى.

استقبلنا السيد أحمد الكرفاعي ( 77 سنة ) في بيته الكائن بمنطقة رادس جنوب العاصمة التونسية والكائن أمام محطة قطارات الضواحي وبحضور الشاعرين محمد بن صالح وحسين العوري وبقية أفراد الأسرة الصغيرة استمتعنا قرابة ساعة من الزمن بسرد أطوار من حياة الضيف ونضالاته في سبيل حرية التعبير وكرامة الانسان.

استمع إلى الحوار كاملا


المعبوكة

محمد صخر الماطري

محمد صخر الماطري

محمد صخر الماطري يسأل من “منــفاه” والعهدة على من روى: اشنية هاالمعبوكة ؟

ومعنى ذلك أن ثورة 14 جانفي التي وقف لها العالم إجلالا واحتراما لأنها أيقظت في الشباب العربي جذوة النخوة والمهابة والعزة فعصفت بكل أسباب الخنوع والاستكانة هي لدى هذا الثري المدلل المغرم بشرب النارجيلة وتربية القطط والكلاب والنمور لا تعدو أن تكون معبوكة!!!

إن الصورة الملائكية التي كان يبدو عليها صهر الرئيس الفاسد هذا قبل الثورة اعتقلت بمهارة فائقة عقول التونسيـين البسطاء الذين يخافون على وطنهم من الفتنة ويحلمون دائما بالاستمرار إيمانا بالحكمة الانتهازية المتوارثة: “ليس بالإمكان أفضل مما كان !!، فصار صخر في أذهان الكثيرين البديل الأقل سوءً لصهره الذي بدأت تلوح عليه آثار الشيخوخة رغم ما يبذله في سبيل إخفائها.

البسطاء الذين لم يخطر على بالهم أنه يمكن قلب نظام الحكم وطرد الطغمة الفاسدة من القصر الرئاسي بقوة الإرادة الشعبية والعزيمة والإصرار كانوا يفكرون في أن هذا الشاب “النظيف” قد يكون الحلّ السحري الذي سينقذ البلاد والعباد من هيمنة السراق والوصوليين ويخرجها من المآزق الاجتماعية والسياسية التي تردّت فيها، فهو شاب والبلاد تعاني من شيخوخة رئيسها، وهو صاحب مشاريع اقتصادية تشغل الآلاف من طالبي الشغل والبلاد تعاني من أزمة التشغيل وتفاقم عدد العاطلين، وهو متديّن و صاحب أول إذاعة متدينة وراجت إشاعات قوية لا أحد يعرف مصدرها تتحدث عن ارتداء زوجته ابنة الرئيس الحجاب (نعم هكذا !) في وقت كانت فيه كل مظاهر التدين مدعاة للريبة والشك والملاحقة والاعتقال والتنكيل، وعندما وجه له مؤسس حركة النهضة برقية يهنئه فيها ببعث أول إذاعة للقرآن الكريم نزلت تلك البرقية بردا وسلاما على نفوس الكثير من المتشائلين، إذ أن تصدي بن علي للإسلام السياسي تحت غطاء مقاومة الإرهاب كان عملته الرمزية لإقناع العالم الغربي الحرّ بأن التمشي السياسي التونسي مثالي ونموذجي وأن الديمقراطية تُــتَـناول على جرعات لا دفعة واحدة وأن الأمن الاجتماعي القائم على القهر والتخويف ضروري لتواصل المصلحة الاقتصادية ونمائها بما يخدم سعادة كل الأطراف.

وعندما بدأت العامة تـنزع من مخيلتها نهائيا فكرة أن ينتهي حكم بن علي نهاية ديمقراطية وأصبح موضوع الخلافة حديث المجالس وصار بمستطاع أي كان أن يصف لك مختلف السيناريوهات الممكنة كان صخر الماطري أحد البدائل المطروحة بقوة خصوصا وأنه دخل معترك المشهد السياسي من خلال وجوده تحت قبة البرلمان ونشاطه التجمعي العلني الذي كان دائما ما يظهر فيه مرفوقا بعرّابه عبد العزيز بن ضياء.

بعد هروب بن علي في تلك الليلة الغاضبة التي لم تستطع حتى الآن أن تبوح بكل أسرارها ظلّ بعض الناس يفكرون في أن هذا الشاب الطموح قد يكون ضحية فساد أصهاره وأنه ربما قد وُجد في المكان الخطأ في الزمن الخطأ وذلك لغلبة صورة الشاب المتديّن على سواها ومتانة القناع الذي كان يرتديه، ولكن نص الإحالة الذي نشر مؤخرا والمتعلق بواحدة من القضايا المدعو فيها صخر الماطري إلى المثول أمام القضاء التونسي رفقة زوجته ووالدها والتي تعرف بقضية “أراضي البحيرة” يكشف بكثير من الدقة تفاصيل عمليات تربّح غير مشروع قد يصعب تفنيدها والتفصّي منها ونسبتها إلى المصلحة العامة، كما أن التونسي لم ينس بعد أن الثورة كانت تشتعل بضراوة في الداخل بينما كان صخر الماطري يسرع في إبرام صفقة هامة تجعله يضع اليد على واحدة من أكبر شركات الاتصال في مناخ تنافسي مشبوه سيجعل منه اللاعب الأبرز مستقبلا بعد ضمور القطاع العام والعبث بمقدراته كما هو الحال في شتى القطاعات.

ليس هذا مهما الآن، فالعدالة سوف تأخذ مجراها وتعطي لكل ذي حق حقه ولكن الأهم في سياق الحرب النفسية التي عقبت الثورة والتي هي حسب الخبراء جزء من الثورة المضادة سؤال السيد صخر الماطري من “منفاه” عن المعبوكة، في ثاني ظهور استفزازي لأقارب المخلوع وأتباعه بعد خطاب سليم شيبوب أمام أنصار الترجي الرياضي التونسي بمناسبة حصوله على بطولة هذا العام “أول بطولة بعد الثورة” على حدّ تعبيره هو !!!، واستجابة لهذا السؤال الكبير عن “المعبوكة” من المهم أن يعرف السيد صخر الماطري أنها مشتقة من فعل عبك وقد جاء في لسان العرب أن العَـبْكَةَ هي خَلطُكَ الشَّيْءَ فيقال : عَبَكَ الشَّيْءَ بِالشَّيْءِ والعبْكَةُ هي القطعةُ من الشيْءِ فيقال : ماذُقْتُ عَبْكَةً ولا لبْكَةً.

والمعبوكة في الموضوع التونسي هي ما يعقب المخاض من آلام لا تشعر بها النفساء لأن ابتسامة وليدها أجمل من كل الدنيا..


وعادت حليمة لعادتها القديمة

لم تعد حليمة لعادتها القديمة فيما يخص تعامل البوليس مع المعتصمين
حليمة لم تفارق أبدا عادتها القديمة انـّما استراحت قليلا لتجمّع قواها. حليمة “مهبولة وزغرطولها في وذنها” لم تعد تميّز ما تفعل ولا لماذا تفعل أومن يفعل بها.

ليس المهم أن نكون مع أو ضد الاعتصام وأهدافه ومَن وراءه. يمكن أن يكون ذلك موضوع جدل سياسي لكن المهم هو أخذ موقف من العنف المسلـّط على المتظاهرين بصفة سلميّة لا غبار عليها. ان وزارةالدّاخليّة و أجهزتها أضاعت أكثر من فرصة للآعتذار عن ماضيها و بداية صفحة جديدة مع الشعب أساسها الاحترام المتبادل. انّ تونس لا تمرّ بمرحلة انتقاليّة حرجة فقط بل أصبحت عبارة على لوحة سُرياليّة يلزمها الكثير من آليّات التحليل النفسي والسلوكي لمحاولة فهم ما يحدث.

التناقض الحكومي

من المفروض أن الحكومة الانتقاليّة في مرحلة ثوريّة تسعى الى ردّ السلطة والاعتبار للشعب الثائر. وهي كذلك في خطابها وتسمية مؤسساتها الثوريّة الانتقاليّة لكنـّها في سلوكها تفعل عكس ذلك تماما. الخطاب السياسي الحكومي أجوف وغارق في العموميات. ستة أشهر مرّت على فرار المخلوع ولا نعرف من قتل وبأوامر من؟ القناصة اشاعة. ملفات الشهداْ أمام القضاء وملفات الفساد أمام اللجان المختصّة. الحكومة تنفي أنّها اقترضت رسميّا مليارات الدّولارات من دول الثمانية وفي نفس الوقت نكتشف مخططات تنمية من 2012 الى 2016. هل هذه الحكومة تستحق الثـقة؟ هل تدرك أنّ الثورة ليست اشتباكات عقب مباراة كرة قدم تهدأ النفوس بعدها لترجع حليمة لكرتها القديمة؟ لقد نعت الباجي قايد السبسي وزير الدّاخليّة السابق فرحات الرّاجحي بالغباء السياسي. طيّب أين هو الذكاء أو الدّهاء السياسي للحكومة الحاليّة؟ في التلكــّأ والالتفاف على المطالب. في سياسسة الدم البارد والرّيق البارد الذي تتبعها و الشارع مازال في حالة غليان. هل تريد هذه الحكومة أن تختبر مدى صبر الشعب عليها بمماطلته لعلّ وعسى يرضخ لعنفها و تهديديها ويعود الى بيته فرحا مسرورا تاركا أمر الشأن العام لمحترفي السياسة التي ألفناها في الربع القرن الأخير التي أثبتيت في الربع الساعة الأخير قبل رحيل المخلوع أنها كانت كذبة كبرى. هل تريد منــّا هذه الحكومة تصديق كذبة أخرى لأنها أحدث.

التناقض البوليسي

“ضربني وبكي سبقني و شكى” و”كف وبُرج بقلاوة” هذه هي عملة الجهاز البوليسي. بعد مظاهرات ونقابة وتصريحات تعد الشعب بالتزام الحياد ازاء تظاهراته السلميّة تنزل العصيّ على ظهور المتظاهرين والمارّين العابرين كمطر غسّالة النوادر لكن في عز الصيف. ويخرج علينا المسؤول ليصرّح أن تلك المعاملة قانونية بصفة أن المظاهرة لم تتحصّـل على ترخيص مسبق. ثم يخرج متحدّث باسم قوّات التدخـّل ليعتذرعن العنف المفرط و يقول انـّها تجاوزات فرديّة. هل هذه الوزارة و مصدر القرار فيها أفعى بٍاس أو رأسين و بسبعة رؤوس. هل هناك تطاحن ومعارك أجنحة بين الأجهزة تجعل القرارات والتصريحات في تلك الحالة السريالية من التذبذب والتناقض؟ الناس لا يصدّقون الا ما يرونه… لأن الخطابات و التصريحات لا قيمة لها. الواقع هو المحك والواقع اليوم هو أنّ دار لقمان بقيت على حالها بل أتعس. هل هناك خطـّة لجر البلاد لما لا يُحمد عقباه لتبرير تأجيل جديد للانتخابات بتعلّـة القوّة القاهرة. ان الاعتداء على المصلّيين داخل مسجد القصبة سابقة لم تحصل أبدا. فهل هناك نيّة في اخراج الغول القديم الذي استعمله بن علي زهاء ربع قرن للوصول الى السلطة والمكوث فيها. انّ البوليس السياسي لم يتعلّم ولم يألف ولم يُتقن الا تلك الأغنية .. الغول الذي يتربّص بنا. وكما يقولون:” عندما تكون الأداة الوحيدة التي لديك مطرقة فان كل المشاكل تتراءى لك في شكل مساميير”

هناك نخبة سياسية وفكريّة لا تروق لها ديمقراطية الأغلبية. هذه النخبةالأثينيّة لا تعترف الا بدمقراطيّة اقصائيّة تماما كما كانت الديمقراطية في اغورا أثينة تقصي النساء والعبيد ولا تخصّ الا ما يقارب 10 بالمائة من مجموع السكان. الأحزاب والنخب التي لم تكن مع القصبة 1 والقصبة 2 لن تكون بطبيعة رؤيتها للمشهد السياسي ومصالحها مع القصبة 3. هناك من الأحزاب الانتهازية من يرى زعمائها انفسهم على كراسي الرئاسة والوزارة ليمارسو نفس لعبة السياسة البنعليّة بأسماء جديدة. هم لم يفهموا الثورة ولم يساندوها من يومها الأوّل وارتموا في أحضان المخلوع في الربع الساعة الأخيروحسبوا أنفسهم مؤهلين لقيادة المرحلة المقبلة. أحزاب “الكسكروتات” لا تستطيع الا أن تكون ضدّ أي نفس ثوري. هي تريد قطف انجازات الثورة فقط لا الثورة ذاتها. فهي مع أكل الغلّـة و سب الملـّـة .. وقسْ عليها شرائح من المثقفين الذين لم نسمع لهم صوتا معارضا فيما مضى وشرائح من المسيّسين الذين لا همّ لهم سوى أن يكونوا ضدّ ذلك التيـــّــار أو ذلك الاتجاه. الرّائحة متعفــّنة … ليس في مملكة الدنمارك فحسب وانــّما في ممالك الانتهازيين الجدد الذين يعتقدون قباقيبهم تيجانا على رؤوسهم. يردون الحريّة التي لم يضحّوا من أجلها ويسبّون الثوؤيين الذين دفعوا دماءهم لأجلها. يريدون المناصاب و يُنفقون من المال القذر فقط لنرى وجوههم ونألفها كما نألف مواد التنظيف ولتذكـّرنا بالمخلوعين أجمعين. دم الشهداء لم يجف بعد و هم يقيمون مراقص الوليمة ليغنموا من لحم الشعب و لحم أبنائه. ان كانت تلك هي السياسة فتبّا لها


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress