مقالات رأي

الريزو طايح

قبل أن أتجه نحو بوابة العبور حيث الطائرة المتجهة من الدوحة إلى تونس، كان لا بد من اغتنام الفرصة، والقيام بجولة سريعة في السوق الحرة. فمطار حمد الدولي مصنف ضمن أفخم مطارات العالم وأكثرها رفاهية، والجولة في سوقه تحت زخات الضوء وابتسامات الحسناوات المنهمرة من كل مكان إغراء لا يقاوم.

                اقتنيت بعض الحلويات وانتظرت دوري أكثر من خمس دقائق اعتراني خلالها بعض السأم، بل تأففت في داخلي أكثر من مرة لأن مسافرة أوروبية أطالت الوقوف لسبب لم أتبينه أمام المحاسب الذي كان بصدد إنهاء معاملتها بكثير من الرفق والكياسة والصبر. ويلتفت إلي بين الفينة والأخرى تعبيرا عن تواطؤ خفي، وكأن لسان حاله يقول: ماذا تريدني أن أفعل…!

tpe-paiement-carte-bleu-1غادرت المرأة، وتقدمت، فحياني الشاب بلطف وطلب مني جواز السفر وبطاقة العبور، وبعد أن أعادهما إلي سألني هل سأدفع نقدا؟ قلت بالبطاقة البنكية. فرد بطريقة سريعة (تي هي 50 ريال)! وعندما هممت بسحب البطاقة من جيبي انتبهت إلى أن المتبقي بحوزتي من العملة القطرية يفي بالغرض، فعلقت على كلمته تلك قائلا: (طيب، لا بأس، سأدفع نقدا).

كان المحاسب شابا تونسيا في العقد الثالث من العمر، وسيما وفي منتهى الأناقة مثلما تقتضي مهنته وصرامة الضوابط الإدارية والتنظيمية في المطار. وقد أكد لي تصرفه أنه تونسي جدا! تونسي حتى النخاع، تونسي أكثر مما يجب! وإلا فأي معنى لعبارته تلك؟ وهل كان سيقولها لمسافر ياباني أو إنجليزي أو أمريكي؟ ولو فعل كيف ستترجم تلك (تي) اللعينة إلى لغات العالم، وهي التي على قصرها تحمل شحنة من التأفف والضجر لا نعرف سرّهما إلا نحن التونسيين!

أرجح أن (تي) فرطت منه دون أن يدري عندما وجد أمامه مسافرا يشبهه. أرجح أنها قفزت من أعمق أعماق شخصيته التونسية الساكنة في اللاشعور، تلك الشخصية القلقة منغرسة في ذواتنا كالنصل الحاد، كالإبرة، أو كالشوكة التي يصعب استئصالها عندما تنغرس في الجسد. تلك الشوكة ذاتها جعلتني قبل قليل لا أحتمل الصبر طويلا أمام المرأة التي كانت تنهي أمامي معاملتها بكثير من البطء وراحة البال وقلة الاكتراث بالآخرين.

ولكي نفهم سرّ (تي) هذه علينا أن نتخيل مثلا أن هذا الشاب كان يعمل محاسبا في أحد الفضاءات التجارية الكبرى في تونس. قبل أن يظفر بهذه الوظيفة، فعندما تقدم بطاقتك البنكية هناك للقيام بعملية دفع الكتروني عليك أن تكون على الدوام جاهزا نفسيا لعبارة (الريزو طايح) وهي عبارة فضفاضة تستخدم لتفسير كل شيء، خصوصا حين ترفض الآلة إتمام عملية الخلاص بعد دقائق طويلة من الدوران في الفراغ لا تفضي إلى شيء.

لقد شهدت في قطر خلال العشرية الماضية كيف تم تنفيذ عملية الانتقال الرقمي بتدرّج وحزم وصرامة. وكيف أصبح الدفع الالكتروني إلزاميا أيا كان المبلغ المطلوب. وكانت شبكة الاتصالات فائقة السرعة مفتاح النجاح الأساسي، كما إن المشروع لم يتعطل بسبب وجود أفراد لا يستخدمون البطاقة البنكية أو يعيشون خارج عصر الانترنت، بل أوجد لهم حلولا تساعد ولا تعطل. لكن المعاملات الالكترونية عندنا أصبحت بسبب اهتراء الشبكة وبطئها اختبارا بسيكولوجيا مريرا. فبعد تكرار المحاولة أكثر من مرة عليك أن تسحب البطاقة تحت أنظار طابور من المتأففين. وفيما تلتهم الأعين الشرهة مقتنياتك التي ستدفع ثمنها يجتاحك شعور بالحرج والحشمة ويتصبب منك عرق بارد، لأنك تخشى في لا وعيك أن يعتقد هؤلاء أنك تجاوزت ما يسمح به رصيدك البنكي.

ويا لها من ورطة، لو كنت غير متهيئ لمثل هذا الموقف السخيف، فتركك سلة المشتريات وانصرافك (وهو الموقف الطبيعي في مثل هذه الحالات لأنك غير مسؤول عن حالة التخلف هذه) ستعتبره تلك العيون المفترسة موقفا غير متحضر ومتعجرف! لكنك لن تفعل وستدفع نقدا لأننا في الحقيقة مسالمون، وسبب تخلفنا عن الركب هو تواضع إمكانيات الشبكة الوطنية للاتصالات لا الجهل، لكن الإدارة التونسية تشعرك كلما دفعت دفعا إلى اعتماد الحلول الرقمية (كما حدث في خضم جائحة كورونا) بأننا نعيش في مجتمع غارق في الجهل والأمية والتخلف. وقصة «الريزو الطايح» ليست إلا ذريعة لإلقاء المسؤولية على المواطن بدل تحملها بشجاعة. و(تي) التي جلبها هذا المحاسب الشاب معه من تونس (دون أن يدري) تعكس حالة القلق السائدة في هذا المجتمع الذي يمشي على رأسه بدل استخدام قدميه مثل كل المجتمعات!


راديو البشير رجب

 

على مشارف بلدة الصمار الجنوبية كنا نحن الثلاثةَ تخترق بنا السيارة صمت الخلاء وقيظ بواكير الصيف الأولى، كان سي البشير رجب يلقي بصوته الوقور الدافئ من حين لآخر كلمات تحرّك ذلك الهدوء الجاثم على صدر الظهيرة ثم سرعان ما نسرح بنظرنا معا في الفراغ الشاسع الممتدّ والطريق.

لقد قررنا يومها أن نغادر الفندق السياحي ونتوغل قليلا في الجنوب في اتجاه بني قردان، والحق أن سي البشير رجب فاجأني منذ يومنا الأول معا في تطاوين بل منذ بدايات الرحلة الإذاعية الشيقة برغبته العارمة في التهام المناظر والصور ومعرفة الأسماء والتفاصيل والإنصات بعمق وانتباه إلى الآخرين، رغبة لا حدّ لها في احتضان المكان والتجاوب بعمق مع فيض المشاعر والأحاسيس التي اكتنفتنا ولذا كان البقاء في غرفة الفندق شيئا مملا بالنسبة إليه حتى في هذه القيلولة الشاقة.

والبشير رجب الإذاعي الكبير الذي تسيلُ شعبيته لعابَ كلّ محترفي الإذاعة وتحرّك غيرتهم، ما يزال يحافظ على تواضعه الجمّ وتلقائيته الصادقة رغم شهرته الواسعة وحبّ الناس الجارف له، وليس عسيرا إدراكُ السرّ في هذا النجاح الأسطوري فقد كان واضحا أن البشير رجب ينتمي إلى جيل لا يضع مساحيق على صوته الإذاعي ولا يتجمل بمناسبة الذهاب إلى الأستوديو ولا يضع قناعا فاصلا بين روحه الاجتماعية وشخصيته الإذاعية وإنما صوتُه يوم الأحد بعض منه وقطعة من تجربته وخلاصة عمره الذي قضى أكثره في شارع الحرية.

بشير رجب وبابا بلقاسم

بشير رجب وبابا بلقاسم

بينما بدأت تلوح في الأفق ملامح البلدة العائمة في الفراغ الصحرواي مشبعةً بالتفاصيل الريفية القاسية ملفوفةً في وهج القيلولة، أخرج سي البشير هاتفه النقال من جيب سترته وأجرى اتصالا هاتفيا سريعا مع “بابا بلقاسم” أحد مستمعي برنامجه الأسبوعي “ميعاد الأحد” وأحد كبار المساهمين في تنشيط فقرته الشهيرة “مع آبائنا المسنين” ، وكان واضحا من خلال ما وصلنا من هذه المكالمة أن الصدفة وحدها جعلت بابا بلقاسم العائد للتو من صلاة الجمعة يلتقط المكالمة الهاتفية بعد أن ترك هاتفه النقال في البيت، وأن القدر كان يرتب له لقاء من نوع خاص…

كان يمكن لبابا بلقاسم أن يتأخر قليلا في الرد على هذه المكالمة التي خطر فجأة ببال سي البشير أن يُجريها قبل أن تُـسرع السيارة في تجاوز بلدة الصمار…

كان يمكن لهذه المكالمة أن تظلّ معلقة على خيط الانتظار…

لو حدث ذلك لما أخذنا قليلا من الراحة في بيت بابا بلقاسم ولما كان هذا المقال الصحفي الذي أكتبه الآن وأتذكر فيه تفاصيل لقاء غير مرتب بين الإذاعة والواقع، بين الصوت وصداه، بين سي البشير وبابا بلقاسم، هناك في الصمار في أعماق الجنوب التونسي و قاع هدوئه الرتيب…

– أستأذنكم في بضع دقائق نقضيها مع بابا بلقاسم، سنرتاح قليلا ثمّ نواصل طريقنا، لن نـتأخر…

لم نكن نملك إزاء فكرة سي البشير هذه غير الموافقة فقد كان سائـقُنا مستمتعا برحلته الجنوبية إلى أقصى الحدود أو لنقل كان مستمتعا برفقة البشير رجب منذ لحظة خروجهما من العاصمة وقد شعرت بهذا عندما التحقا بي في المنستير لمواصلة الرحلة معا إلى تطاوين حيث دعتنا الإذاعة إلى تنشيط دورة تكوينية في فن إدارة الحوار الإذاعي…

وما هي إلا أن توغلت بنا السيارة في بلدة الصمار التي كانت تغفو في كنف الظهيرة ،كانت البيوت المتواضعة البيضاء رابضة في هدوء رصين والشوارع الضيقة مستقيمة في انضباط صارم، وكان المارة القليلون الذين يَجُرّون الخطى عائدين من المسجد، يتحرّكون في هذه اللوحة الزيتية الساكنة ويذلّلون المسافة بين الحلم والواقع.

لم يصدق بابا بلقاسم عينيه عندما توقفت السيارة أمام بيته ورأى ضيفه يترجل منها ويتجه إليه ليعانقه، اختلطت المشاعر بالمشاعر عندما تعانق الرجلان وانهال بابا بلقاسم لثما وتقبيلا على صديقه الذي يزوره عبر ذبذبات الأثير كل يوم أحد والذي يضبط إيقاع حياته الرتيبة على موعد إطلالته الأسبوعية تلك…

أخذنا بابا بلقاسم إلى بيته، قال: هاذاكة الحانوت، وهاذي داري بينهما بضعة أمتار، هذا صاحبي يطلّ عليّ مرة كل نصف شهر، يجيب السلعة من المهدية يبات ليلة ثم يرجع، أولادي كبرو، عرسو ومشاو على رواحهم…

كان بابا بلقاسم كما يصرّ على تسميته سي البشير رجب رجلا في حوالي الثمانين من العمر تقريبا، يحتفظ بصلابة ورثها من قساوة الحياة التي عاشها، حدَّثـنا في لحظات عن عمره الشاسع الطويل، طفق يسرد بحماس بعضا من طفولته وكيف بدأ حياته راعيا في الحقول مُختصرا ما يناهز القرن في كلمات قليلة طافحة بالرضى عن النفس والقناعة التونسية الأصيلة: ربيت أولادي وكبرتهم الحمد الله….

ثم سرعان ما ينتبه مجدّدا إلى سي البشير فيـتوقف قليلا ليتأمله ثم ينطلق بصوت متهدّج في تذكر الألغاز التي كان يقترحها على المستمعين في البرنامج ويحدّثنا عن الظروف التي ابتكرها فيها، كان يتمتّع بحافظة عجيبة وصفاء ذهن نادر ولم يكن من السهل علينا أن نغادر هذا الصدفة الجميلة دون أن نصيب شيئا من ضيافة بابا بلقاسم، لقد ألحّ في ذلك ولا فائدة في معاندته، وبينما كان يتحدّث بغزارة وسخاء عن ذكرياته مع برنامج ميعاد الأحد كان أفراد أسرته يتحرّكون في كل الاتجاهات لتنظيم غداء مرتجل للزائر المفاجئ ورفاقه…

بعد الغداء والقهوة اللذيذة وحكايات بابا بلقاسم عن برنامجه الإذاعي الذي ينتظره صبيحة كل يوم أحد والذي خصص لأجله خطي هاتف قار أحدهما في البيت والآخر في الحانوت إضافة إلى الهاتف النقال الذي لولاه لما كان هذا اللقاء، بعد استراحة قصيرة في بيت جنوبي مضياف اهتـز سكونه بمناسبة نزول الإذاعة ضيفة عليه، بعد عبارات الوداع المرتجلة كانت الطريق في انتظارنا لتخترق بنا مجدّدا فراغ الفيافي وامتداد المدى حتى الحدود الشرقية للبلاد التونسية.

عامر بوعزة والبشير رجب

عامر بوعزة والبشير رجب

وفي الساعات الأخيرة من إقامتنا بتطاوين حرصت جمعية الخير لرعاية المسنين على أن تستضيف البشير رجب في النادي النهاري الذي يلتمّ فيه شمل الآباء والأمهات لممارسة أنشطة شتى، وحول مائدة عامرة بالحلويات والمشروبات تحدّث مستمعو ميعاد الأحد إلى منشطهم المحبوب ولخّصوا في كلمات قليلة فيض الحياة العارم المعتمل في نفوسهم معربين عن رغبتهم في المشاركة في هذا البرنامج ولو بأحجية أو طرفة أو زجل شعبي آملين في أن يجد نشاط النادي صدى في البرنامج وهو ما وعدهم به سي البشير بعد أن تهاطلت عليه أرقام الهاتف من كل الجهات.

في طريق العودة الطويلة إلى العاصمة وبينما كانت زياتين صفاقس تغطي خضرة المدى متلامعة تحت ضوء الأفق الطلق،تذكرت سعادة بابا بلقاسم وروحه الجميلة وانتظار رواد نادي الخير لضيفهم ما يناهز الساعتين دون ملل أو شعور بالصدأ وأحسست أنّ هذا المقال قد أصبح في مرتبة الضرورة فمن خلاله يمكن أن نقلب النظر مجددا في هذه العلاقة العجيبة التي تجمع الإذاعيين بعشاق الراديو في زمن يتوهم فيه البعض أن لم يعد للراديو زمن يسبح فيه وتلك حكاية أخرى.


أعلى من النسيان

عواطف حميدةعواطف حميدة أول امرأة تونسية تدير الإذاعة الوطنية على امتداد تاريخها الطويل، عُيّنت في هذا المنصب في شهر أوت العام 2001، لكنْ بعد أشهر قليلة فقط رحلت بشكل صاعق ومفاجئ، فانتهت قبل الأوان واحدة من أجمل التجارب الإذاعية وأكثرها تنوّعا وفرادة. لقد احتلّت عواطف حميدة مكانة ممتازة في ذاكرة الإعلام الوطني، و أضحت علامة فارقة في تاريخه، إذ أشرفت بشكل مباشر على المرحلة التحضيرية المكثفة التي سبقت انطلاقة إذاعة الشباب في العام 1995، فلم يقتصر عملها على تخطيط الدورات البرامجية واستنباط الأفكار وصياغة العناوين والألحان المميزة بل تجاوز ذلك ليشتمل على وضع برنامج تدريب عمليّ لتأطير الوافدين الجدد وتكوينهم، ثمّ كُلّفت بإدارة هذه الإذاعة من 1997 إلى 2001، وسَعت أثناء ذلك باجتهاد يشهد به القاصي والداني في تحقيق أهداف هذه التجربة الفتية، إذ أريد لها أن تكون منطلقا لتجديد الإذاعة وتطوير مضامينها بضخّ دماء جديدة في شرايينها ومقاومة الشيخوخة التي دبّت في أوصالها وهي على مشارف قرن جديد.

 ولقد كان لإذاعة الشباب فعلا دور كبير في إنجاز نقلة نوعية حقيقية داخل مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية وفي المشهد الإعلامي عموما، ناهيك عمّا كانت تقوم به الإذاعات الجهوية وقناة 21 التلفزيونية أيضا من أدوار مهمة في اكتشاف المواهب ورعايتها، وكثير من نجوم الميكروفون والشاشة اليوم هم نتاج تلك المرحلة وثمارُها، ولا أدلّ على ذلك أيضا من عواطف حميدة ذاتها، فتجربتها بدأت ذات صيف من أصياف نهاية الثمانينات في إذاعة المنستير، ولم يكن أحد ليتوقّع عندئذ أن تفضي بها تلك البداياتُ الخجول إلى ما آلت إليه في عقد وجيز من الزمن.

        التحقت عواطف حميدة بإذاعة المنستير صائفة العام 1988 متعاونة في نطاق مشروع الإذاعة السياحية وتعلّمت فيها أبجديات العمل الإذاعي، كان لهذه الإذاعة أسلوب متفرد لاسيما في مجال المنوعات الفنية المباشرة والبرامج الترفيهية والأفكار المجدّدة، لكن عواطف تكلّمت امام الميكروفون أولا باللّغة الألمانية التي كانت تتقنها جيدا، إذ كانت متحصّلة على الأستاذية المزدوجة في اللّغات من معهد بورقيبة للّغات الحيّة، ولم تشتغل في مجال الترجمة، بل درّست اللّغة الفرنسية في المعاهد الثانوية كما هو شأن معظم خريجي هذه الشعبة وكثير من خريجي معهد الصحافة في تلك الأيام. وبعد نهاية تجربة الإذاعة السياحية ظلّت تتردّد على الإذاعة لإنجاز برامج قصيرة مسجلة إلى جانب عملها في المعهد الثانوي بالوردانين، فعايشت فترة من أخصب الفترات في تاريخ إذاعة المنستير.

 حاول صالح شبيل الذي تولى الإدارة العام 1989 خلفا للمنصف الهرقلي أن يحدث تغييرات عميقة في إذاعة المنستير وأن يكسبها شخصية جديدة مختلفة تتناسب وطبيعة المرحلة، واقتضى منه ذلك بمعية الإذاعي الصادق بوعبان الذي أوكل إليه مهمة الإشراف على قطاع الإنتاج البحثَ عن أصوات جديدة ذات كفاءة علمية عالية لتقديم المنوّعات ومخاطبة الجمهور في أوقات الذروة، ولم ينهجا المنهج السائد آنذاك والذي يحصر دور المتعاونين مع الإذاعة من الجامعيين في تقديم البرامج الثقافية الليلية الموجّهة إلى النخبة.

اقتحمت عواطف حميدة مجال المنوّعات الإذاعية ببرنامج «همس المساء» ثم طوّرت تجربتها وأداءها في وقت وجيز بشغف وإخلاص ومثابرة، فقدّمت أعمالا كثيرة يصعب حصرها، من أبرزها «بشائر الصباح» المنوعة التي كانت مجالا للتنافس بين فريق من المنشطين يطمح كل واحد منهم إلى تقديمها بأسلوب مختلف تظهر فيه بصمته الخاصة، ولم تكن عواطف ترتجل شيئا من الكلام حتى في هذه المنوعة التي يعتقد البعض خطأ أنها تقوم على التخاطب العفوي التلقائي مع الجمهور، بل كانت تُعدّ كل شيء وتكتبه بدءا من التحية الأولى وصولا إلى الخاتمة وهي عادة أغنية كاملة لنجاة الصغيرة المطربة المفضلة لديها أو مقطع محدّد من أشهر مطوّلاتها تسهر على اختياره بعناية فائقة قبل موعد البث. كان ذلك دأبُها في كل البرامج التي أنتجتها بحرص فطري على الإتقان وهوس عجيب بالتفاصيل واندماج كلّي في ما تذيعه يبلغ حدّ الذوبان.

       

حفل بإذاعة المنستير

حفل بإذاعة المنستير

ومن الأعمال التي أنتجتها للإذاعة أو اشتركت في إنتاجها مع زملاء آخرين ما كان يستدعي جهدا كبيرا ووقتا طويلا في التخطيط والإعداد والتنسيق، حتى باتت الإذاعة تستحوذ على وقتها كله بعد ساعات الدرس. من هذه البرامج على سبيل الذكر «مخبر الحياة» و«قوس قزح» و«على خطّ التماس» وهي سهرة رياضية تُقدّم لأول مرة بصوت نسائي. ثمّ دفعها عبد القادر عقير الذي تولّى إدارة الإذاعة في العام 1991 دفعا إلى الاضطلاع ببعض مهامّ الإنتاج بعد أن لاحظ جدارتها بذلك من خلال مشاركتها الفاعلة والحاسمة في الإعداد المادي لملتقى أدب التسعينات[1]، لكنها خيّرت في خريف العام 1994 أن تقتحم غمار الإنتاج التلفزيوني بالإشراف على إعداد برنامج «شباب على الدوام» فحقّقت به نجاحا منقطع النظير منذ عرض حلقاته الأولى في قناة 21، وسرعان ما دعاها عبد الحفيظ الهرقام المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية للانضمام إلى الفريق المكلّف بتأسيس إذاعة الشباب، فأخذت مسيرتها الإعلامية منعرجا حاسما، إذ ابتعدت عن المكروفون والتدريس نهائيا وتفرّغت كلّيا للعمل الإداري.

في ملتقى علمي نظّمه مهرجان المنستير الدولي العام 1989 التقيت عواطف حميدة لأول مرة، كنّا في السّاحة الخلفية لمسرح الرباط الأثري مع تقني الإذاعة الذي جهّز كلّ شيء لتسجيل المحاضرات بينما كانت الكراسيُّ ما تزال فارغة في انتظار أوّل القادمين. في قيظ تلك الظهيرة تعارفنا. وأمام باب الإذاعة في نهج الكويت بالعاصمة رأيتها آخر مرة خريف العام 2001، كان لقاء سريعا خاطفا لأنها كانت مشغولة بوضع اللمسات الأخيرة على البرمجة الرمضانية في الإذاعة الوطنية، وكعادتها في مثل هذه المناسبات كانت تعيش حالة توتّر إبداعي قصوى، فيستبدّ بها التفكير في كل التفاصيل حتى تكاد لا تجد متّسعا من الوقت لأيّ شأن آخر من شؤون الحياة.

وبين هذين المشهدين مرّت اثنتا عشرة سنة بحلوها ومرّها، بأفراحها وخيباتها، بأحلامها وانكساراتها، وتدفّقت مياه غزيرة تحت الجسور. كانت التسعينات مرحلة خصبة وغنية بالأحداث الحاسمة وطنيا وإقليميا وعلى نطاق العالم بأسره، وكان لذلك انعكاس مباشر على المضامين الإعلامية في مشهد يطمح إلى أن يتغيّر من الدّاخل دون التفريط في الجوهر. كانت الإذاعة مخبرا حقيقيا لفهم مختلف التوازنات والإكراهات، بين الانحياز للرأي العام والالتزام بالخطاب الرسمي، بين التحفّظ ومسايرة وعي الجمهور، بين الشعارات والواقع.

في تلك المرحلة التأسيسية خطت عواطف حميدة في الإذاعة خطوات عملاقة بفضل قدرتها على التعلم الذاتي وامتثالها لضوابط العمل الجماعي وقوة شخصيتها، وكانت تفرض في كل عمل تقوم به أو تساهم فيه أسلوبها الخاص الذي يجمع بين الدقّة والصرامة من جهة والمشاعر الإنسانية الراقية النبيلة من جهة أخرى. فتجعل من كل فريق تنضمّ إليه أسرة صغيرة، وفي إذاعة الشباب تجلّى حرصها على أن تكون الروابط الإنسانية أقوى وأعمق من علاقات الزمالة وواجبات الوظيفة، وكان مكتبها مفتوحا على الدوام أمام أبناء الإذاعة كلهم، امتدادا لقاعات الإنتاج واستوديوهات التسجيل، وخلق هذا الجوّ الأسري إحساسا جماعيا بالانتماء إلى فكرة وحلم وطموح، وأصبح العمل مصدر متعة لا تضاهيها متع أخرى، ولربّما كان هذا من الأسباب التي جعلتها تتقبّل نبأ تكليفها بإدارة الإذاعة الوطنية بمزيج غريب من الفرح والكآبة. فاعتزازها بالنّجاح لم يكن ليحجب حزنها العميق على مغادرة إذاعة الشباب التي كانت تشعر أنها جزء منها، وهي لم تخطط يوما لنيل منصب إداري ولم تفكر مطلقا في السلّم الوظيفي، إنما كانت الإذاعة حياتها كلّها وكان أسلوبها في العمل وفي نسج العلاقات العامة والصداقات صورة عنها بلا تكلّف ولا مساحيق.

تجربة عواطف حميدة في الإذاعة التونسية عبر مختلف المحطّات التي مرّت بها قصّة نجاح غنية بالرموز والمعاني، لقد كانت تعتبر «السيدة علياء ببّو» مثلها الأعلى وتكنّ لها مودّة عميقة وأنجزت عنها أجمل البورتريهات تكريما لها واعترافا بفضلها على أجيال من التونسيين في وقت كانت الإذاعة فيه أداة للتنشئة الاجتماعية، هكذا صاغت تجربتها الخاصّة بالإصغاء الجيد إلى تجارب الآخرين ولم تشعر يوما أنها نسيجُ وحدِها، لم تفصل بين حياتها والإذاعة فقد كانت الإذاعة حياة بأسرها، ولم تدّخر جهدا في مساعدة الآخرين في وقت لم يكن فيه طريق النجاح معبدا أو محفوفا بالورود والأزهار. كرّست عواطف حميدة ولاءها للعمل وجعلت من خبرتها وتجربتها جسرا عبر عليه جيل جديد من الإذاعيين تحيا كلماتها فيهم على مرّ السنين.

[1] ملتقى أدبي دولي نظمته إذاعة المنستير في دورات متعددة من 1991 إلى 1997


فلتة لسان المرزوقي!

تكاد تجمع الآراء على أن الرئيس قيس سعيّد قدّم لمعارضيه هدية ثمينة بدعوته السلطة القضائية إلى التحرّك ضدّ الرئيس الأسبق المنصف المرزوقي على خلفية تصريحات صحفية، وذلك لسببين على الأقل: أولا أن إصدار بطاقة جلب دولية ضدّ «المظنون فيه» بسرعة قياسية يعزّز التهمة الموجهة للقضاء التونسي بأنه (قضاء تعليمات) بما يضعفه في الخارج والداخل. وثانيا، إمكانية توظيف هذه القضية لتعزيز الفكرة التي تحاول المعارضة ترويجها في الأوساط الدولية حول ميول الرئيس الاستبدادية وضيق أفقه الديمقراطي.

الدكتور المنصف المرزوقي
الدكتور المنصف المرزوقي

وخصوم الرئيس الذين يشكلون كتلة واحدة تحمل ملامح جبهة 18 أكتوبر التاريخية، يدافعون بلا تحفظ عن حقّ المرزوقي في أن يقول ما يشاء، أينما يشاء، وكيفما يشاء، تحت لافتة حرية التعبير!  والحال أن قضيته تبدو في الظاهر قضية سياسية حقوقية لكن لو دققنا النظر في بعض تفاصيلها لبدت مختلفة. فبالعودة إلى الحوار الذي أجرته قناة «فرنسا 24» مع الدكتور المنصف المرزوقي يوم 13 أكتوبر سأله الصحفي عمّا إذا كان معنيا باتهام الرئيس أشخاصا لم يذكرهم بالاسم يسعون إلى التأثير على سلطة القرار الفرنكوفونية من أجل تأجيل القمة التي كان مزمعا عقدها في جزيرة جربة أو إبطالها، فأكّد ذلك وأردف بأنه فخور بما فعل! لأن تنظيم هذه القمة في بلد يشهد انقلابا هو تأييد للدكتاتورية، وفق تعبيره.  ويأتي هذا الموقف بمنتهى الصراحة والوضوح وبشكل لا يختلف فيه اثنان، ولا يسمح بالقول لاحقا بأنه قد انتزع من سياقه، والدليل على ذلك أن كبريات وكالات الأنباء والقنوات الإخبارية عبر العالم قد تناقلته بنفس الصيغة وصدّرت به عناوين برقياتها.

ويبدو أن الدكتور المنصف المرزوقي قد انتبه إلى أن إجابته تلك فُهمت بشكل مختلف عما قصده، وأنه أعطى لنفسه من حيث لا يدري دورا لا يتناسب وحجمه الحقيقي، حين أوهمت طريقته في الإجابة عن السؤال بأنه مؤثر في القرار الفرنكوفوني. ولذلك سعى إلى تعديل موقفه بعد فوات الأوان، ففي حوار أجراه معه موقع الجزيرة نت يوم 15 أكتوبر قال «أنا أكذب تكذيبا قطعيا هذا، فأنا لم أتدخل أبدا لدى الفرنسيين لإلغاء هذه القمة، ولم أتدخل أو أتصل بأي طرف، وكل ما فعلتُ هو أنني عبّرت عن موقفي وكتبت هذا في صفحتي على الفيسبوك.. وأنا أفتخر بهذا الموقف الذي اتخذته لأنه موقف الدفاع عن الديمقراطية في بلدي».

               أدى هذا التلعثم الواضح في التعبير عن موقف خطير إلى أن يجد كل طرف ضالته، فبينما اعتمد القضاء الصيغة الأولى ذهب أصدقاء المرزوقي وأعداء قيس سعيّد معا في الاتجاه الثاني، فقال أحمد نجيب الشابي «إن ما صرح به الدكتور المرزوقي رأي وموقف سياسي، اتفقنا معه أم خالفناه» واعتبر سمير ديلو أن مذكرة الجلب الدولية يمكن أن تشوه سمعة البلاد أكثر من «ترحيب المرزوقي بتأجيل القمة الفرنكوفونية»، وأقرّ عشرات النشطاء الحقوقيين والمثقفين من مشارب مختلفة في عريضة مساندة وقّعوا عليها بحقّ الدكتور المنصف المرزوقي في التعبير عن آرائه في علاقة بالوضع في تونس، بعد انفراد الرئيس قيس سعيد بالحكم.

من الواضح أن جبهة المساندة هذه لم تأخذ بعين الاعتبار مسؤولية المرزوقي في الورطة التي وضع نفسه فيها بحضوره المستمر وغير المدروس في المنابر الإعلامية وعدم قدرته على التعبير بدقة في سياقات تتطلب كثيرا من الحذر، وهو ما يستوجب الاعتذار قبل المعاندة واتهام الآخرين بالتحريف والتزوير. وقبل اتهام الرئاسة بالتغول فالرئيس لم يرتكب جرما عندما يطلب من وزيرة العدل إثارة التتبع القضائي، ولا يمكن مقارنة ذلك إذا ما اعتبرناه تدخّلا في سير القضاء بممارسات أخرى لم نشهد ضدها احتجاجات مماثلة على غرار حجب ملفات القضايا الإرهابية والمماطلة في التحقيقات أو التعسف في استخدام الإيقاف التحفظي وتحجير السفر.

وفي ظلّ ما تشهده المرحلة من تمزّق في نسيج الوحدة الوطنية بفعل تصاعد الشعارات الشعبوية المعادية للنخب، من المؤسف أن تنزلق هذه الجبهة التي تتألف من خيرة السياسيين والأكاديميين والمثقفين وراء «فلتة لسان» يتحمل صاحبها وحده مسؤوليتها، من المؤسف حقا أن تترك وراءها سياقا كاملا للانتقال الديمقراطي أفضى إلى لحظة 25 جويلية وسط هتافات الجماهير التي لا يمكن بأي حال التظاهر بعدم رؤيتها لتدافع عن فلتة لسان!،  إن ذلك يؤكد مرة أخرى عمق الهوة التي تفصل هذه النخبة عن الشعب، وكأنها لا تكترث البتة بالصورة التي يحملها عنها ولا تتطلع يوما إلى رأب الصدع. فلئن أفضت تحركاتها هذه في مساندة المرزوقي إلى تحشيد المنظمات الحقوقية الأجنبية جريا على العادة فإنها لن تزيدها في الداخل إلا عزلة بوجود قيس سعيّد أو بدونه.


قيس سعيّد والإسلام السياسي

بإعلانه تجميد اختصاصات مجلس الشعب وجّه الرئيس قيس سعيّد أعنف ضربة سياسية من نوعها لحزب حركة النهضة خلال عشر سنوات كاملة من الممارسة الفعلية والمتواصلة للسلطة. وتركزت القراءات الأولى لقرارات الخامس والعشرين من جويلية في اتجاهين: اتجاه يرى أن ما حدث يمثل تصحيحا لا بد منه لمسار ديمقراطي معطوب، واتجاه يصفه بالانقلاب الذي سينهي تجربة الإسلام السياسي في تونس.

الانقلاب في مواجهة الانتفاضة:

الرئيس التونسي قيس سعيد

الرئيس التونسي قيس سعيد

كانت حركة النهضة أول من وصف قرارات 25 جويلية بالانقلاب لأن الرئيس عند استخدامه الفصل ثمانين من الدستور الذي يتيح له اتخاذ تدابير في مواجهة «خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها» لم يتقيّد بشرطين أساسيين: بقاءِ المجلس في حال انعقاد دائم وعدمِ حلّ الحكومة. من ثمة لا تمثل هذه القرارات من وجهة نظرها انقلابا على الشرعية فحسب، بل خرقا جسيما للدستور، بما يوحي ضمنيا بتوفر الشرط الذي يتيح للمجلس -لو قُدّر له أن ينعقد من جديد- سحبَ الثقة من الرئيس!

(مواصلة القراءة…)


كرسيّ باردو

بعد الانتخابات التشريعية العام 2019، لم يتركز اهتمام حركة النهضة صاحبة المرتبة الأولى على تشكيل الحكومة بقدر ما انصبّ اهتمامها على تمكين رئيسها راشد الغنوشي من كرسي الرئاسة في مجلس الشعب. ولتحقيق هذه الغاية لم يكن أمامها الا التحالف مع «قلب تونس» صاحب المرتبة الثانية، وهو الحزب الذي بنت حملتها الانتخابية كلها على تشويهه واعتباره الرمز المطلق للفساد. وبجلوس الغنوشي على كرسي باردو لم تعد النهضة سيدة قرارها وأصبحت مطالبة بردّ الدّين وتمكين قلب تونس من دخول الحكومة بأي ثمن.

 REUTERS/Jihed Abidellaoui

REUTERS/Jihed Abidellaoui

ولم يكن الأمر سهلا، بل كان بمثابة السيف المسلط على رقبة النهضة في مرحلة تكليف الحبيب الجملي بتكوين حكومة سياسية، وشهدت المفاوضات تعثرا آل إلى الانسداد ما دعا رئيس الجمهورية إلى التدخل يوم 23 ديسمبر 2020 بدعوة مختلف الأطراف إلى جلسة في قصر قرطاج من أجل إنقاذ حكومة الجملي قبل الذهاب إلى جلسة منح الثقة، لكن راشد الغنوشي أوصد الباب بصلف قائلا: «إن الوقت تأخر وإنه لا يمكن العودة إلى المفاوضات»، ولئن كان محمد عبو في كتابه (ضدّ التيار، تجربة من داخل الحكم) يعتبر عدم رضى راشد الغنوشي عن حكومة الجملي «سببا غريبا لكنه من سمات التنظيمات التي لا تعرف الديمقراطية في التسيير» ص58، فإن الأحداث التي جرت لاحقا تؤكد أن رئاسة الحكومة ليست من اهتمامات النهضة لعدة اعتبارات أهمها عدم الرغبة في تحمل مسؤولية الحكم بشكل مباشر والحرص على البقاء في منطقة مريحة للمناورة، فتشريك قلب تونس مثلا في حكومة ائتلافية سيكون أيسر عندما يكون المكلف بتشكيلها من اختيار القصر الرئاسي.

لكن إلياس الفخفاخ الذي كلفه الرئيس بتشكيل الحكومة بعد فشل الجملي لم يسلك هذا المسلك وامتنع عن تشريك قلب تونس في حكومته، ورغم أن النهضة تحصلت على حقائب توازي حجمها الانتخابي فقد ظلت أمام تصلّب رئيس الحكومة الجديد إزاء قلب تونس عاجزة عن تسديد ثمن كرسي باردو، ولم يكن متاحا لها أن تتنكر لوعودها، فقد كان بمستطاع فريق نبيل القروي داخل البرلمان الانضمام في أي لحظة إلى القوى السياسية المطالبة بسحب الثقة من الغنوشي الذي بدا ضعيفا وعاجزا عن استيعاب الاختلافات الدامية التي تجري تحت أنظاره، بل وجعل نفسه لقمة سائغة لمعارضته الشرسة زعيمة الحزب الدستوري الحر عبير موسي. ولذلك لم يكن أمام النهضة حفاظا على كرسي باردو إلا إسقاط الحكومة التي هي جزء منها تحت غطاء تضارب المصالح.

ورغم وجود اقتناع بأن التركيبة الحكومية التي شكلها إلياس الفخفاخ هي أفضل ما يمكن إيجاده في ظل النظام السياسي الراهن بتناقضاته المختلفة وما أفضت إليه الانتخابات، ورغم ما أظهرته هذه الحكومة من جدية في مباشرة الملفات الكبرى ومواجهة أزمة كورونا فإن وعد الغنوشي لنبيل القروي الذي يشبه وعد بلفور (وعد من لا يملك لمن لا يستحق) قد أفضى بنا إلى حكومة جديدة اختار لها الرئيس موظفا ساميا ينتمي إلى سلك الإدارة وبلا سجل سياسي بغاية التحكم في اختياراته بسهولة، لكن المشيشي فهم درس الفخفاخ جيدا وأراد أن يتجنبه بتشكيل حزام سياسي يلائم تطلعاته واقترح تغييرا وزاريا يرضي الثنائي النهضة وقلب تونس وحاز على ثقة البرلمان. وهنا تدخل الرئيس لتعطيل الصفقة بالامتناع عن تمكين الوزراء الجدد من أداء اليمين.

نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس

نبيل القروي رئيس حزب قلب تونس

هكذا دخلت البلاد في ظل أزمة سياسية خانقة تعطلت فيها لغة الحوار بين رأسي السلطة التنفيذية من جهة وبين رئيس الجمهورية ومجلس الشعب من جهة أخرى، لكن موازين القوى لم تكن متكافئة، فرئيس الجمهورية هو صاحب الموقع الأكثر أمانا واستقرارا لا سيما في غياب إمكانية سحب الثقة منه، خصوصا بعد رفض الصيغة الجديدة التي اقترحها المجلس النيابي لانتخاب أعضاء المحكمة الدستورية وقد كان واضحا أن تسريع المجلس في تركيز هذه المؤسسة بعد خمس سنوات من المماطلة هدفه إيجاد الآلية الدستورية الضرورية لسحب الثقة من الرئيس، بينما  جعلت هذه الأزمة كرسي باردو أكثر من أي وقت مضى في مهب الرياح العاتية، ومع الضعف الفادح في إدارة شؤون الدولة ومواجهة جائحة كورونا التي بلغت أوجها لم يكن رئيس الحكومة يأمل في أكثر من طريقة لائقة للخروج من المشهد. وهكذا اتخذ الرئيس قراراته الحاسمة ليلة 25 جويلية واستخدم الفصل 80 من الدستور باعتبار الوضع السياسي القائم خطرا داهما يعطل استمرارية الدولة.

لو أعدنا الآن مشاهدة الشريط من بدايته لرأينا أن راشد الغنوشي زعيم حركة النهضة يتحمل هو وبطانته المسؤولية الأولى عن انحراف مسار الديمقراطية في تونس، فترشحه للانتخابات النيابية لم يكن يحظى بالموافقة حتى في داخل النهضة التي بدأت لأول مرة تطفو فيها الخلافات على السطح، لكنه تنكر لوعده سنة 2011 إبان عودته من الخارج بعدم الترشح لأي منصب، ومن أجل كرسي باردو تنكر أيضا لكل وعوده الانتخابية بما أفقد حزبه الرصيد الأخلاقي والقيمي الذي يمثله في المجتمع باعتبار مرجعيته الدينية.

 ولعله من المفيد في هذا السياق التنويه إلى أن ترجمة الموقف الشعبي من راشد الغنوشي إلى إقصاء للنهضة وللإسلام السياسي هو ضرب من التمويه، بغاية التغاضي عن الأخطاء الشخصية المنافية لروح الديمقراطية وتحاشي النقد الذاتي، فعبد الفتاح مورو (الرجل الثاني في الحركة تاريخيا) كان النائب الأول لرئيس مجلس النواب من 2014 إلى 2019 ولم يثر ذلك حفيظة أحد، ناهيك عن رئاسته المجلس بالنيابة خلال الفترة التي تولى فيها محمد الناصر رئيس المجلس رئاسة الجمهورية مؤقتا بعد وفاة الرئيس السابق.

ولذلك يبدو القول بأن النهضة مُنعت من أن تحكم (وهو ما يردده قادتها المنحازون إلى الغنوشي أساسا) بمثابة التمويه الاستراتيجي الذي يريد إظهار الحزب في ثوب الضحية دائما والتنصل من أي مسؤولية، وفي أفضل الحالات يلوّح هؤلاء بضرورة تقاسم المسؤوليات وتعويم الخطيئة، ففي بيان الحركة الأول بعد 25 جويلية تحمل النهضة «الطبقة السياسية برمتها كلا من موقعه، وبحسب حجم مشاركته في المشهد السياسي، مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع » بينما تؤكد الوقائع كلها أن المصيدة التي وقعت  فيها النهضة بسبب كرسي باردو هي الخطيئة الأصلية وهي التي أخرجت قطار الديمقراطية عن سكته..


أين الأعداء؟ قراءة سريعة في رواية «زندالي»

تلفت انتباهك رواية أمين الغزي الصادرة عن دار زينب للنشر والمتوّجة بجائزة الاتّحاد الأوروبي للأدب لسنة 2021، بالإشارة في صفحة الغلاف إلى ليلة 14 جانفي 2011. فلا تدري بدءا إن كانت تلك الإشارة عنوانا فرعيا إلى جانب عبارة (زندالي) التي تقوم مقام العنوان الرئيسي أم إنها تقوم مقام المضاف إليه، ولا يمكن قراءة العنوان إلا مركبا كاملا من هذين العبارتين. وبالنظر إلى الأهمية الرمزية التي يكتسيها هذا التاريخ وغموض الأحداث التي وقعت فيه ورافقت الرئيس الراحل زين العابدين بن علي إلى منفاه في المملكة العربية السعودية يمكن اعتبار هذا العنوان المُركّب مفتاح الرواية الأساسي.

الوظيفة الأولى لهذا العنوان الفرعي (وهي الفرضية البديهية باعتبار الإخراج البصري الذي وضع هذا التاريخ تحت عبارة زندالي) تتمثل في تحديد الإطار الزماني الذي تقع فيه أحداث الرواية. إنها تستغرق ليلة واحدة تبدأ من لحظة ظهور الوزير الأول الأسبق مرفوقا برئيس مجلس النواب ورئيس مجلس المستشارين على شاشة التلفاز للإعلان عن شغور مؤقت في منصب الرئاسة. ويمثل هذا المشهد الفقرة الأولى في الرواية حيث قام الكاتب بنقل الصورة التلفزيونية المعروفة بشكل مختلف، فبدا محمد الغنوشي «كمن اصطاد سمكة لأول مرة» وظهر فؤاد المبزع «كخزانة عريقة»، أما عبد الله القلال فكانت «ذراعاه وراء ظهره كمن يتشبث بإهداء الحلوى لحبيبة لم تأت».

(مواصلة القراءة…)


أولاد أحمد، الشعر والشاعر

ارتقى أولاد أحمد أثناء مُفاوضاته مع الموت إلى مرتبة ليس من السّهل أن يذهب إليها الانسان سائرا على قدميه، غادر الدنيا وهو يسمع النّاس يردّدون أنه شاعر كبير وخالد ويسبغون عليه الكثير من الأوصاف التي لا تمنح عادة الاّ للموتى أو الذين هم قاب قوسين من الموت، ولا شكّ أنّ الشّعور الذي يثيره مشهد شخص يسير نحو موته وهو في أتمّ مدارك وعيه قد تكون القادح الذي يدفع كثيرا من النّاس دفعا إلى التعبير عن مشاعرهم الحقيقية المكبوتة، ألم يقل شوقي بزيع: “الناس نيامٌ فإذا الشّاعر مات انتبهُوا؟”

اعترف التونسيّون بأولاد أحمد شاعرا فذّا بعد أن توقّفت بهم آلة الزمن طويلا عند أبي القاسم الشّابي واختصروا الشعر على حدّ قوله في بيت “أكلته الجرذان ولم تُبق منه الاّ إذا ولابدّ”. كان تهكّمه واضحا في مئوية الشابي بتوزر عام 2009 أمام لفيف من الشعراء تهاطلوا على المصدح، أمّا هو فقد قال: سأقرأ رسالة إلى أبي القاسم، فإذا لم تنل إعجابكم اطمئنوا إلى أنها مجرّد رسالة، وانبرى يُلقي سهامه أمام ناظري وزير الثقافة الذي كان يستطيع أن يعتدّ أمام ضيوفه ليلتها بذلك النصّ السّليط ليبرهن على أن وزارته لا تستخدم المقصّ مع الشّعراء، أمّا الشّاعر فقد أسرّ لجليسه بعد أن هبط من المنصّة: كلّ هؤلاء الشّعراء يحلمون بمئوية كهذه!

الصغير أولاد أحمد

الصغير أولاد أحمد

كان الصغيّر أولاد أحمد دائما وأبدا الرقم الأصعب في كل المعادلات، بين الشّعر والصّحافة، بين الحرّية والانضباط، بين الحلم والبراغماتية، بين بحر المتقارب والواقع، شاعر صعلوك مشاكس أصبح مديرا دون أن يتمكّن أحدٌ من ترويضه، كان بيتُه الكائن في المدينة العتيقة بيتا حقيقيا للشّعر لا للطّاعة، وظلّ كالسّائر فوق حبل رفيع لا يتوازن الاّ بالفوضى. في بداية التسعينات، كانت أسطورته الشخصية قد نضجت في بيت الشعر، حكاية الفتى المتمرّد الذي لا يرتاد قاعة محمد المرزوقي في بناية اتحاد الكتاب التونسيين بل يتناثر كلّ مساء في حانات العاصمة، الشاعر الذي جعل نصوصه سهاما يفقأ بها عيون الظلام، وأعاد إلى الصّعلكة نُبلها القديم، ذلك الشاعر ذاته لم يكن ليستطيع الفصل بين حياته ونصّه فكان بيتُ الشّعر مُنجزَه الذي خرج من حيّز الحلم والهاجس ليتجسّد في أرض الواقع، لم يكن مديرا بالمعنى المعروف بل كان صاحب حقوق الملكية الفكرية والأدبية. تجسّد هذا التّمازج في استضافة محمود درويش سنة 1995 لإطلاق ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيدا؟” في قفصة تحت مظلّة هذا البيت، سنة واحدة بعد رحيل فلسطيني دامع العينين صاح فيه درويش أمام جمهور المسرح البلدي قبل أن يغادر إلى ما تبقى من فلسطين: “كيف نشفى من حبّ تونس؟”. كان أولاد أحمد في قفصة كتلة من الفرح الطفولي والغبطة العفوية ولم تكن الاحتفالية مهرجانا عاديا بقدر ما كانت حلما لذيذا ولم يكن بيت الشعر وقتها مؤسسة بل كان فكرة تتحرك مع الشاعر أينما حلّ.

ظلّ أولاد أحمد منذ قدومه إلى العاصمة وحتى ذهابه إلى الجلاّز في جنازة مهيبةٍ الشّاعرَ المتوحّد بالنصّ والفكرة، اهتمّ الناس بحياته وآرائه ومواقفه أكثر من اهتمامهم بشعره صورا ولغة وإيقاعا وفق المتعارف عليه في الأفق الأكاديمي المحدود، كان هو النصّ متحرّكا في الفضاء العامّ، تجسيدا لعقيدة المجد لدى المتنبي: أن يملأ الدنيا وتشغل الناس، وسيكون موته فاتحة عصر جديد، يرتبط فيه اسم الشاعر بالثورة. لقد أثبت التاريخ أن القصائد العظيمة لا تأكلها الجرذان وأنّ اختصار الشّعر في “إذا ولا بدّ” لم يكن الاّ خديعة الجمر الذي يمور تحت الرّماد، وهكذا عادت “نحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد” إلى السّجل الثوري الأصلي بعد أن كانت أنشودة رسمية، وتحرّرت من سجن البروباغاندا لتصبح اليوم شجرة قد تحجب غابة أولاد أحمد الحقيقية كما حجبت إرادة الحياة كثيرا من عبقرية الشابي.


عَـــلَمُنا في المريخ!

150180369_3983384021719625_6495798916959673256_oمكان صغير للعلم التونسي في العربة الذاهبة إلى المرّيخ، لم لا؟ وما الذي يبعث على الهزء في التماس تقدّم به رئيس الجمهورية إلى المهندس التونسي الذي شارك مع آلاف من نظرائه من كافة أنحاء العالم في تطوير مسبار المثابرة؟ ما المانع؟ ألا يستحقّ شعبنا العظيم أن يوضع علمه المفدّى في ركن من أركان الصاروخ الجديد؟ بوساطة ثمينة من المهندس محمد عبيد؟

لطالما كان استكشاف الفضاء مقترنا بالسؤال الكبير المحيّر: هل نحن وحيدون في هذا الكون العظيم؟ فعدم التوصل إلى إثبات الشيء لا يعني أنه غير موجود، وفرضية وجود كائنات أخرى تعيش في عوالم لا يمكن أن يصلها البشر بإمكاناتهم الحالية تبقى قائمة لا يمكن نقضها، ولذا أشرف عالم الفلك الشهير «كارل ساغان» على صياغة رسالة كونية على أسطوانة أرسلت إلى الفضاء الخارجي مع المسبار «فواياجر1» العام 1977. وهي رسالة تتحدث إلى من سيعثر عليها بعد ملايين السنين عن حضارة الانسان التي ربما تكون عندها قد انقرضت تماما.

 على هذا القرص تسجيلات صوتية لأكثر من خمسين لغة من لغات الأرض، ونماذج من موسيقى بيتهوفن وموزارت ومعزوفات «لويس أرمسترونغ»، فضلا عن رسالتين صوتيتين لكل من «كورت فالدهايم» سكرتير الأمم المتحدة ساعتها و«جيمي كارتر» رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي قال: «هذه هدية من عالم صغير، تعطي شيئا من أصواتنا ومن معلوماتنا، وصور وموسيقى، ومن فكرنا وأحاسيسنا. نحن نحاول البقاء وعليه فربما نعيش بعض الوقت من الزمان ونعاصركم».

ولما كان ذلك كذلك، فلا شيء يبعث على السخرية والهزء في كلام قيس سعيّد وحلمه بأن يرى العلم التونسي في الرحلة المقبلة إلى الكوكب الأحمر، بل لعله سيكون من المفيد للحضارة الإنسانية جمعاء أن تتناول وكالة أبحاث الفضاء هذه الرغبة بجدية، وأن تطلب من السلطات التونسية إعداد رسالة إلى الكائنات الفضائية. وأقترح أن تتضمن وجوبا المواد التالية على سبيل الذكر لا الحصر:

دقائق مختارة من برنامج «عندي ما نقلك». أغنية «الأماكن» بالفرنسية تغنيها إيمان الشريف، تدوينة لنائب -أي نائب- من ائتلاف الكرامة، صورة فوتوغرافية لمدخل العاصمة الجنوبي في ساعات الذروة، أو محطة المنصف باي في نهاية الأسبوع، وصفة كسكروت عياري، تسجيل صوتي لا يقلّ عن خمسين ثانية لراشد الغنوشي مع صورته وهو يضحك، صفحات من كتاب «شرع الحب»، موس بوسعادة، خريطة رقمية لموقع مطار طبرقة الدولي للاستراحات الفضائية، جبّاد، بقايا رسالة مسمومة، أغنية لكلاي بي بي جي، اسكاتش للصادق حلواس، مع مقدمة بصوت قيس سعيد نفسه يستحسن أن يذكر فيها كليلة ودمنة أو المهلهل بن أبي ربيعة الكلبي…

يحق للرؤساء أن يحلموا نيابة عن شعوبهم، فالشعوب ما عادت تقوى على الحلم، وفي انتظار أن ينظر الأمريكان في طلب الرئيس إرسال العلم إلى المريخ نرجو من فخامته أن يزورنا في أرضنا من جديد، ويكتشف معنا هذه المتعة النادرة التي لا تتكرّر، متعة أن نكون تونسيين في عهده الزاهر السعيد.


ميثاق النباح

عينان خضراوان، حامد الناظر

عينان خضراوان، حامد الناظر

تتركب اللعبة السردية في رواية حامد الناظر الجديدة «عينان خضراوان» من ثلاث طبقات، تفضي إحداهما إلى الأخرى فيما يشبه الحتمية، أو القدرية الطاغية التي لا فكاك منها. كل الأحداث تؤدي بعرفة بطلة القصة إلى المصير الذي انتهت إليه ولا تملك حتما وأنت تقرأ تفاصيل حكايتها إلا أن تتعاطف معها رغم أن ما أقدمت عليه يمثل في الذهنية العامة وفي المرجعية التي تصدر عنها أنت نفسك كبيرة بلا مغفرة.

وعرفة، بطلة لأنها تشبه أبطال المآسي الإغريقية، امرأة تغادر مع والدها «وادي العقيق» بعد فقدان والدتها هاربة من جحيم الحرب لتقع على بعد كيلومترات قليلة في الأسر وتبدأ رحلتها الصعبة مع الانتهاك في مواجهة قاسية للعالم الذي يتضاءل حتى يصبح بالكاد بضعة وحوش ترتدي ثيابا آدمية، وتتقلص إزاءهم إنسانيتها لتصبح شيئا للمتعة العابرة والاغتصاب المهين. رحلة من وادي العقيق إلى بورتسودان عبر تضاريس الحرب التي لا تميز بين البشر، والتي يصبح فيها القتل لعبة لاسترداد الأنفاس واستعادة بعض من الكرامة والانسجام مع الذات ويصير ضرورة للاستمرار والحياة. وفي كل هذا لم تكن عرفة إلا منقادة لمصير أجوف ونهاية مجهولة وغد بلا أفق. وفي اللحظة التي اختارت فيها لنفسها وحققت إرادتها وجدت نفسها تواجه حكم الإعدام في مجتمع لا يعترف بالإرادة الحرة ولا بحق تقرير المصير. (مواصلة القراءة…)


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress