
البخاري بن صالح
في مثل هذه الأيام التي تسبق شهر الصيام، كان البخاري بن صالح يتردد يوميا على الإذاعة. يأتي كعادته في منتهى أناقته، يتوقّف لمصافحة كل من يعترضه من الباب الخارجي حتى الأستوديو، يعلّق معطفه، ويفتح حقيبته الجلدية ليخرج منها مجلّداتٍ وكتبا ومجلّاتٍ وأوراقًا كتبها بخطّه الأنيق، يضع كل شيء على الطاولة أمامه بعناية، ثم يتجه إلى خزينة الأشرطة ليجلب الأغاني التي طلبها من قبل. في تلك الأثناء يكون مهندس الصوت أيضا قد استعدّ للدخول في تلك الحالة الإذاعية الخاصة التي يرتبها البخاري والتي لا يعرف إلى اليوم سرّها ونكهتها إلا من عاشره وصادقه وعمل معه وأحبه بإخلاص.
يُجهّز البخاري بن صالح النصوص التي سيستخدمها في برنامج «تحية رمضان»، فينتقي الابتهالات والأدعية، ويختار الفقرات الأدبية الراقية، يسجّل بعضها بشكل مسبق، ويترك البقية ليقرأها في البث المباشر، يختار الأغاني والأناشيد الدينية، ويحدّد في دليل البرنامج مواقيت بثها، يستعدّ لكل التفاصيل الصغيرة، ولا يترك شيئا للصدفة. يفعل ذلك بشغف لا نظير له، ويواجه كل الصعوبات بابتسامة هادئة، يقرأ أمام الميكروفون مختاراته داخل جوّ من التركيز الروحاني يشبه العشق الصوفي، لم يكن يقرأ فقط، بل يمزج الكلمات بروحه وعاطفته، ليحملها الأثير ويوزعها على كل البيوت.
قد لا ننتبه في غمرة الاحتفال بالتحولات التكنولوجية إلى أن ذبذبات الأثير لا تفعل شيئا غير نقل المشاعر والأحاسيس من مكان إلى آخر، من الأستوديو إلى العالم. الإذاعة مثل ساعي البريد الذي يطوف على البيوت في القرى النائية ليوزع الرسائل بما تنطوي عليه من حب وفرح وحزن وشغف، بما تتضمنه السطور من أخبار وانفعالات، يطرق الباب ويسلمك الرسالة دون أن يعرف شيئا عن محتواها. كذلك هي الإذاعة، علاقة إنسانية ذاتية بين المذيع والمستمع، وتحتاج كثيرا من الصدق لترسخ في الزمن.
ونحن نستمع اليوم إلى لحن مميز قديم يستيقظ فينا الزمن الذاتي، وتأخذنا الأصوات الآتية من بعيد إلى عمر مضى، وإلى ليالي السهر الطويلة، وعندما نعثر على صوت أم كلثوم قادما من إحدى المحطات البعيدة محفوفا بالشوشرة والصفير، أو طالعا من جهاز خشبي عتيق، يحدث انفعال لا يمكن للأجهزة الحديثة بكل صفائها ونقاوة أصواتها أن تأتي بمثله، ذلك سرّ من أسرار الإذاعة فهي لحظة عاطفية بامتياز، وكل التجارب الإذاعية الخالدة لم تقم فقط على المعرفة بل على قدر كبير من العشق والشغف، ذلك هو ما يميز جيل البخاري بن صالح عن كثير ممن ينتسبون إلى الإذاعة عشرات السنين ولا يمكنهم أبدا أن يحدثوا في الوجدان العام أثرا يذكر، فالإذاعة لا تحتاج تقنيات حديثة بقدر حاجتها دائما إلى الصدق والمحبة والإخلاص.
نتحدث هنا عن الإذاعة لا بوصفها وسيلة من وسائل الدعاية والتسلية فقط، بل باعتبارها فردا من أفراد العائلة، يمكن الاستماع إليها في كل مكان، كما يمكنها أن تخاطب مع العقل الروح والوجدان. فالصوت الذي يصل إلى المستمعين محملا بالمشاعر والانفعالات ينفذ بسهولة إلى الأعماق ويستقر في الذاكرة، لذلك ستدمع عيناك وتعتريك قشعريرة، لمجرد سماعك اليوم النقرات الأولى للنقشبندي ينشد: «مولاي إني ببابك قد بسطت يدي..» وأنت تعرف أن البخاري بن صالح لم يعد هنا ليعلن بعده عن موعد الإفطار…





