Author Archive

صبّ الماء على اليدين

عبد العزيز بن ضياء

عبد العزيز بن ضياء

في حوار صحفي أجري معه أكد السيد ساسي بن حليمة محامي عبد العزيز بن ضياء أن موكله لا يقبع في ثكنة العوينة بسبب تهم واضحة يمكن اعتمادها للزج به في السجن وإنما احتياطيا تحت ضغط الشارع الذي لن يحتمل رؤيته طليقا، فلو حصل ذلك لحدث ما لا يمكن التكهن به من فوضى وعنف على سبيل التذمر والاحتجاج، وكانت الكلمة المفتاح في تبرير المحامي براءة هذا السياسي “الكبير” الذي رافق عهدين من عهود الدولة التونسية إلى الهاوية، أن موكله لم يكن له ذنب فيما حصل إذ لم يكن صانع سياسة الفساد بل كان مجرد “صباب ماء على اليدين”.

وعندما يصدر كلام كهذا عن أستاذ في القانون مشهود له بالبراعة و طول ذات اللسان في ساحات القضاء ومَعامِعه فإنّ الشعب الكريم سيتجرّع لامحالة بعضا من مرارة الخيبة، فالناس ينتظرون تسليط عقوبة تليق بوزير شارك في إدارة دفة البلاد أربعة عقود بلا كلل أو ملل حتى صار حضوره في المحافل الرسمية للدولة التونسية أبرز دليل مرئي على ضعف هذه الدولة وتراجع أدائها العام بل ووقوعها في تناقض صارخ بين منطوقها الخطابي وأسلوبها السياسي، فبينما كان  نظام بن علي يزعُم الإيمان بدور الشباب في تحقيق المصير كانت الطبقة الحاكمة في تونس تتآكل تدريجيا تحت وطأة الترهل والشيخوخة والضعف وما كان لبعض الرماد المذرور على العيون أن يصرف أنظار الناس عن خطورة الوضع بعد أن بدأت رائحة الصراع على خلافة الرئيس تزكم الأنوف وبدأ حضور هذا الوزير بالذات مع صهر الرئيس الصاعد بقوة يستفز قريحة المشاهدين وينبئهم بأنه بصدد البحث عن مقعد وثير في دولة ما بعد بن علي أيضا. (مواصلة القراءة…)


الصادق بوعبان الذي لا أعرفه

من أرشيف إذاعة المنستير 1992

من أرشيف إذاعة المنستير 1992

لن يمنعنا احترامنا الشديد لتجربة الفاهم بوكدوس الصحفية والانسانية عن مناقشة بعض ما ورد في الحوار الذي أدلى به لفائدة موقع الساعة الالكتروني وتحديدا إجابته التي بدت متسرعة بعض الشيء عن سؤال: كيف يمكن أن ننجح في تحقيق الانتقال الديمقراطي وتحرير الإعلام؟

لقد خَبِر الفاهم بوكدوس جيّدا وأكثر من غيره مرارةَ الظلم وقساوة التجنّي وصار اختراقُـه سياج الصمت الحديدي الذي أقامه بن علي حول الحوض المنجمي مثالا في قدرة الصحافة المناضلة على تقصي الحقائق مهما غلا الثمن، وباتت صورته وهو طريح الفراش من أثر انتهاكات سجانيه أبسطَ حقوق الانسان عنوان فترة حالكة من الجبروت والطغيان يتمنى كل تونسي أن تصير بعضا من الماضي الذي لا يعود، ولهذا لن يكون الالتزامُ بمقتضيات البند الأول من ميثاق الشرف الصحفي بعزيز عليه وهو الفائز بجائزة حرية الصحافة ومستقبل الإعلام فهذا البند لوحده كفيل لو تقيّد به كل من امتهن المتاعب أن يجعلنا في أفضل حال من غير تبذير الكلام في سبل تطوير الإعلام والنهوض به لأنه يدعو كل صحفي إلى الالتزام بالسعي إلى الحقيقة وبالعمل على إبلاغها.

يرى الفاهم بوكدوس أن تحقيق الانتقال الديمقراطي وتحرير الإعلام مرتبطان أساسا بوجود إرادة سياسية تقطع نهائيّا مع الإرث الديكتاتوري ويحتج على عدم توفر هذه الإرادة حاليا بتواصل هيمنة رجال العهد القديم على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وفي هذا السياق نعت السيد الصادق بوعبان مدير التلفزة الوطنية الحالي بأنه “من أشد الفاعلين في حملة بن علي الانتخابية الأخيرة ومن الذين لم يتوانوا بالمرة عن الدفاع عن النظام و تلميع صورة الرئيس وتشويه الشرفاء و تكميم الصحفيين“.

إذا كان هذا الوصف صادرا عن دراية ومعرفة واطلاع على وثائق وأدلة فهو يكشف لنا وجها آخر استطاع الزميل والصديق الصادق بوعبان أن يخفيه عنا طيلة عقدين من الزمان، فالصادق بوعبان الذي أعرفه لم يجن من الصحافة والإعلام طيلة حياته المهنية إلا المتاعب إذ امتاز باستقلاليته وحرفيته والتزامه بضوابط الصحافة الحرة منذ كان يكتب عموده الأسبوعي في الصحافة وينجز برنامجه الإذاعي الشهير “رؤى” في إذاعة المنستير ثم من بعدُ عندما قاد باقتدار سفينتي إذاعة تطاوين وقناة 21 في سنواتهما الأولى واشتهر بانعدام كفاءته الحزبية وضحالة خبرته السياسية، ولم يكن نظام بن علي ليغفل عنه لو توفرت فيه حقا المهارات التي ذكرها الفاهم بوكدوس في معرض وصفه وتعداد مناقبه البنفسجية، وما كان ليفرّط فيه ويدفعه دفعا إلى الاستقالة من الوظيفة العمومية سويعات قليلة قبل المثول أمام مجلس التأديب. (مواصلة القراءة…)


الإعلام وتحولات المجتمع التونسي (1991)

الإعلام التونسي

تم إنتاج هذه الحلقة من برنامج رؤى سنة 1991 وقد اشترك في إعدادها وتقديمها الصادق بوعبان (المدير الحالي للتلفزة الوطنية) والعربي الضيفاوي (عميد كلية الآداب والعلوم الانسانية بالقيروان حاليا) ،كما يسمع في مقدمتها صوت الإذاعية الراحلة عواطف حميدة تقرأ مقدمة البرنامج.

يكتسي نشر هذا البرنامج في هذا التوقيت أهمية خاصة، فعلاوة على الجانب التوثيقي تمثل المحاور المطروحة للنقاش ضمن موضوع السهرة المتعلق بإصلاح الإعلام صورة عما تتداوله الساحة الوطنية  الآن بما يشير إلى أن وعي النخبة منذ عشرين عاما بأن الإصلاح السياسي يمر عبر النهوض بقطاع الإعلام بتحريره وتمكينه من الاضطلاع بسلطته يتكرّر بلا هوادة في صراع مستمرّ مع آلة النفوذ في أجهزة السلطة.

وتم التنويه في مقدمة البرنامج إلى أن هذه الحلقة هي الثانية بعد حلقة أولى شارك فيها الإعلاميون: الحبيب بلعيد، الهادي البالغ، عبد الحميد عاشور،ومحمد عبد الكافي ، إضافة إلى جمعة ساسي وصلاح الدين بن فرج (هذه الحلقة غير موجودة في الأرشيف).

استمع إلى المقدمة:

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.

أما ضيوف هذه الحلقة من برنامج رؤى:

  • محمد البلاجي المدير العام للإعلام في كتابة الدولة للإعلام (1991).
  • نجيب لاكانجي (حقائق 1991)
  • علي الزايدي (الصباح 1991)
  • صلاح الدين بن فرج : أستاذ علم الاجتماع
  • توفيق العلوي، باحث

استمع للبرنامج:

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.


عين الرقيب

عبد الرحكان مجيد الربيعي

عبد الرحمان مجيد الربيعي

عندما كان الكاتب الكبير عبد الرحمان مجيد الربيعي مسؤولا في مجلة أقلام التي كانت تصدر عن دار الشؤون الثقافية العامة ببغداد طلب من الكاتب المغربي محمد شكري أن يمده بأحد فصول روايته السوق الداخلي قصد نشرها في المجلة، وبعد أن نشر الربيعي ما أرسله إليه الكاتب حاذفا منه “الجنس المباشر” جرى بين الرجلين عتاب تساءل بعده الربيعي في مقال كتبه عن الرواية إثر صدورها: لا أدري تحت أي هاجس فعلت هذا؟، لقد أردت أن أنشر هذا الفصل لكن نشره كما هو يعني إخضاعنا للحساب العسير وربما فصلنا من عملنا…،

هل فكر الربيعي الكاتب وهو يجلس آنذاك على كرسي الناشر في ما وقع له مع ناشر روايته الأولى الوشم الذي اشترط عليه الحصول بدءا على موافقة رقابة المطبوعات العراقية وقد حصل عليها دون صعوبة تُذكر، ففوجئ فيما بعد بأن الناشر قد مارس على الرواية رقابته الخاصة وحذف منها ما يتصل بالجنس متعللا بأنه يفكر في أسواق عربية معينة؟

كان عبد الرحمان مجيد الربيعي بطل هذين الحادثين المذكورين في سياقات مختلفة ضمن شهادات ومقالات جمعها في كتابه من سومر إلى قرطاج ومنهما يمكن التطرق إلى مسألة هامة قد يتغافل عنها أولئك الذين يتذمرون من عين الرقيب وسلطة مقصّه على الأثر الفني.

فالرقيب شخص له حضور مادي وله تكوينه الفكري والعاطفي وله ملامح نفسية خاصة به والرقابة هي وظيفته التي يتقاضى مقابلها أجره في هذه الدنيا، فإذا كان من موظفي الدولة فإن مصيره الوظيفي واستقراره الاجتماعي مرتبطان بمدى ذوبانه في الإيديولوجيا التي ترتكز إليها السلطة وتبني عليها خياراتها الكبرى وتوجهاتها الثقافية والسياسية فإذا ما غلّب جنونَ المبدع وإيمانَه المطلقَ بالحرية على التزام الرقيب وانضباطه يكون قد مارس ضربا من الانتحار العبثي.. (مواصلة القراءة…)


قلب العاصمة في خطر !!

شارع قرطاج

شارع قرطاج

في حركة تبدو متسرعة للغاية أقدمت جهة ما داخل جهاز السلطة العمومية المؤقتة على تبني قرار يقضي بفتح فضاء الشركة التونسية للتوزيع الكائن بين شارع قرطاج ونهج اليونان لفائدة التجار المتجولين الذين زحفوا على العاصمة التونسية خلال حالة الانفلات الأمني وتوقف أجهزة الرقابة بعد الثورة، وهو قرار تعامل مع مسألة الانتصاب التجاري العشوائي باعتبارها أمرا لا مفر منه ولا قدرة للدولة على التصدي له بحزم وقوة لفائدة أولويات أخرى غير التشغيل ومن أبرزها أمن المدينة وجمالها وحماية مصالح الناس من التجارة الموازية والبضائع الصينية المهربة ولم لا احترام الذاكرة الثقافية الخصبة التي ماتزال ماثلة بحرارة في محيط هذا المقر والأنهج المتاخمة له شمالا وجنوبا.

يشق شارع قرطاج وسط العاصمة التونسية متفرعا عن شريانها الرئيس “شارع الشوارع” المسمى باسم الزعيم التاريخي لحركة النضال الوطني الحبيب بورقيبة، يبدأ من هناك لينتهي خارج المدينة من ناحية الجنوب حيث تجمعت حول هضبة سيدي بلحسن بيوت الوافدين الجدد على مصانع المدينة مع نهاية الكابوس الاشتراكي وبداية تشكل أحلام الوظيفة في مخيلة شباب تلك المرحلة، لقد أخذت ملامحُ العاصمة تتبدل شيئا فشيئا مع قدوم هؤلاء النازحين ومغادرة البلْدية إلى الضواحي وضمور الجاليات الأوروبية وهجرة اليهود، وسرعان ما أصبحت التجمعات القصديرية التي تطوّق جنوب المدينة وتحرس مشارفها عبئا على المشروع الحداثي برمته وانـتبه المثقفون منذ وقت مبكر إلى التناقض الحاد بين قيم المدينة وسلوك سكانها الجدد من الوافدين ومن أبناء الطبقة البورجوازية الجديدة الصاعدة، يكفي في هذا الصدد إعادة قراءة مجموعة البشير خريف القصصية “مشموم الفلّ” للتأكّد من أن عائلة “الترّ والفرّ” التي يصطاف أفرادها رغم الداء والأعداء فيشقون العاصمة في اتجاه شواطئ الضاحية على متن كريطة لم تـكن خيالا فنيا محضا وإنما تشوفا لمآل بدا في وقته سرياليا ولكنه سيضحي واقعا اجتماعيا حقيقيا بعد عشرات السنين. (مواصلة القراءة…)


نـــصف الكأس الملآن

الدكتور عياض بن عاشور

الدكتور عياض بن عاشور

استطاع الدكتور عياض بن عاشور خلال جلسات مضيقة وسرية جمعته بالأحزاب الممثلة في الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة تحقيق تقدم ملموس في وقت وجيز لفائدة عملية الانتقال الديمقراطي تتعلق بمجمل الترتيبات الخاصة بمرحلة ما بعد انتخاب المجلس الوطني التأسيسي و تجيب عن تساؤلات الشارع التونسي حول تنظيم السلط العمومية وتنزع مخاوفه  في هذا الشأن بوصفها ثمرة وفاق سياسي بين مختلف العائلات المتحكمة في المشهد.

قبل الاطلاع على فحوى هذا الخبر وتفاصيله الدقيقة حريّ بالمتابع أن يستخلص منه بعض الأمور، أولها إن الأوركسترا السياسية التي أدارها الدكتور عياض بن عاشور – رجل القانون قبل أن يكون رجل السياسة- أنجزت خلال هذه المرحلة الانتقالية الصعبة المهم والأهم لفائدة الانتقال الديمقراطي والإصلاح السياسي وهما هدفان من أهداف ثورة لم تكن في لحظاتها الأولى تحمل أجندا محددة بقدر ما كانت تمردا على واقع سياسي منعدم الأفق. يشمل المهمّ كل ما تمخضت عنه جلسات الهيئة من قرارات وما انبثق عنها من هيئات و يمثل توافق “الفرقاء” على تصوّر أساسيات إدارة البلاد خلال المرحلة القادمة -إذا ما ثبت- الإنجاز الأهمّ.

إن التوصل إلى صياغة توافقية حول كيفية الحكم وطريقة تصرف المجلس الذي سينبثق عن أول انتخابات حرة وتعددية في صلاحياته وسلطاته الأصلية العليا والمطلقة لهو دليل إضافي على شدة وعي النخبة السياسية بخصوصيات الحالة التونسية والتزامها بإنجاح الثورة الشعبية بعد أن صارت محلّ تجاذبات وصراعات ألقت بظلال الشكّ على كل شيء في ظرف دقيق كهذا..، فهذا التوافق يأتي في وقت احتدم فيه الجدل حول فكرة الاستفتاء على صلاحيات المجلس ومدّة عمله بتعلة التحوّط من استحواذ هذه الهيئة الشرعية على السلطة  !!ولم يكن يخفى حجم الإرباك الذي أدخله هذا المقترح على الحياة العامة مع اقتراب الموعد الحاسم الذي سينهي الحالة المؤقتة القائمة على شرعية التوافق لتدخل البلاد إثر ذلك مرحلة تأسيسية لا تشبه في شيء أي مرحلة سابقة من مراحل تاريخها الطويل. لم يكن خافيا كذلك أن الدعوة إلى مصادرة سلطات المجلس بآلية ديمقراطية هي الاستفتاء الشعبي استندت أساسا إلى توقعات وسيناريوهات تدخل الاضطراب وتضاعف الهواجس في نفوس الناخبين… (مواصلة القراءة…)


جـــلادون أم ضحايا ؟!

يبدو أن كشف لجنة التقصي في قضايا الرشوة والفساد في هذا التوقيت بالذات على قائمة بأسماء محامين عثرت عليها داخل قصر قرطاج أمر لا يخدم المسار الثوري كثيرا بل قد يقوضه تماما على رؤوس أصحابه بطريقة “عليّ وعلى أعدائي يا ربّ” وذلك لتظافر عوامل تعزز نظرية المؤامرة وتقوّي جانبها فتنتصر الريبة على الطمأنينة و يستفحل الشكّ، سيما وأن العملية بِرُمَّتها دخلت حلقة التشويق الهيتشكوكي الذي لم يخل من بعض الابتزاز.

أول هذه العوامل الخلاف المبدئي الذي اندلع منذ الأيام الأولى بين اللجنة وهياكل القضاء وهو خلاف لئن اكتسى طابعا قانونيا في الظاهر حول شرعية ما تقوم به ومدى استجابته لاستحقاقات الثورة وانتظارات الناس فإنه لم يَخْفَ ما في طياته من تجاذبات تهمّ أشخاصا من سلك العدالة يتحركون في الاتجاهين: داخل اللجنة وخارجها، وفي حين بدا للجميع أن هذه اللجنة احتكرت مفاتيح القصر الرئاسي لخاصة نفسها تفتح بها كلّما فـتُر الحديث عن مزاياها ملفا من الملفات المشوقة والمسلية ذات الارتدادات التسونامية العنيفة، يُلاحظ المتتبع بسهولة عقم هذه الاستعراضات وعدم اتصالها مباشرة بإنجازات قضائية تشفي الغليل، فمحاكمة الرئيس السابق وهو موجود في الأراضي السعودية يتمتع بوضع اللاجئ لم تعد تعني شيئا للتونسيين، أما الحاشية التي تقيم في ثكنة العوينة فلم توجه إليها حتى الساعة تُــهمٌ تتلاءم وما يتصوره الشعب الكريم من فساد واستغلال نفوذ أوحت اللجنة منذ مباشرتها أعمالها في الأيام الأولى بعد الثورة أنه من الحجم الثقيل والمخزي. (مواصلة القراءة…)


خدعوها بقولهم حسناء

كمال الجندوبي

يبدو أن السيد كمال الجندوبي رئيس هيئة الانتخابات المستقلة قد تسرّع عندما صرّح لوسائل الإعلام أن الاقتراع متاح لعموم التونسيين الحاملين لبطاقة تعريف وطنية حديثة يوم 23 أكتوبر 2011 وغير مقتصر على الذين استجابوا للحملة الإشهارية واسعة النطاق وتجشموا عناء التسجيل،  فقد مرّ التونسيون مباشرة إثر هذا التصريح وكما هو متوقع إلى الصفحة الثانية من مسلسل “الشــكّ القاتل” وطرحوا الأسئلة المفترضة منطقيا: طيب وما الفرق بين الناخبين المسجلين والناخبين غير المسجلين؟، ولِمَ – إذا ما كان الأمر سيان- ألحت الهيئةُ في التسجيل ومدّدت الآجال؟، بل وما فائدة هذه الحملة المكلفة مادامت غير ضرورية أصلا؟.

هكذا إذن صبّ ربّ الدار إبريق الزيت على نيران الشكّ ومنح “المراقبــين” فرصة أخرى لنقد توجهات الهيئة وسياستها وطريقتها في معالجة الأمور بل والمضيّ قدما في سحب البساط تدريجيا من تحت أقدام المنتسبين إليها والعاملين تحت لوائها في هذا الظرف الدقيق والحسّاس، فبدأت تظهر هنا وهناك تلميحات حول الأطراف الخارجية التي قطفت ثمار هذه الحملة الإشهارية وانتفعت بأموالها ومدى علاقتها بالهيئة وخصوصا رئيسها وما إذا كانت الهيئة قد استجابت في ذلك لمقتضيات الصرف من المال العام وأتاحت كعكة الحلوى لكل من يحق له شرعا وقانونا أن يغمس ولو على سبيل التذوق طرف إصبعه الصغير فيها، وفي غياب تفسيرات مقنعة حول علاقة التسجيل بالانتخاب سيظلّ التونسيُّ البسيط غير قادر على فهم الحكمة في الإصرار على تأخير موعد الاقتراع من 24 جويلية إلى 23 أكتوبر والتمطيط في حالة اللاشرعية بذريعة عدم تحقق الشروط اللوجيستية طالما أنّ كل حامل لبطاقة تعريف وطنية مرسّم آليا في القوائم الانتخابية !. (مواصلة القراءة…)


كان طفلا اسمه سفيان الشعري

بقلم كوثر الحكيري:
بالكثير من الارتباك أكتب بطاقة اليوم… فأنا لست متمكنة من لغة الرثاء والنعي، خاصة عندما تتعلق بطفل اسمه… سفيان الشعري…

سفيان الشعري

سفيان الشعري

عندما علمت بخبر رحيله بعد دقائق فقط من موته المفاجىء، رحت أسأل أصدقائي “متأكدين انو اللي مات سفيان الشعري؟” لعلكم أخطأتم العنوان، فالرجل بخير، التقيته قبل ليلة من سفره الأخير، كان مفعما بالحياة… كعادته… كان متوهجا… كعادته… كان رقيقا، عفويا، يبتسم حتى هو يتحدث عمن ظلمه ويريد أن يجهض أحلامه الكبيرة…؟؟ هل مات سفيان؟ كيف مات؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟؟ ألم يقل إنه في العيد سيذهب إلى مكتب المنتج “عبد العزيز بن ملوكة؟… ألم يحلم بأن يسافر مع فيلم “ديما براندو” إلى مهرجاني تورينتو”، و”أبو ظبي”؟؟ كيف يختفي طفل في نقاء سفيان الشعري؟ كيف تنتهي ابتسامة تجدد فينا كل يوم الطاقة للاستمرار؟؟

لي قصة طويلة مع الموت… انطلقت عندما رحل توأمي “شكري”… كان سفره هو أيضا مباغت… ولكنه مازال يعيش في… أشعر بأنفاسه… يزورني في أحلامي كلما ضاقت بي الحياة… يخفف عني بابتسامته ظلم الأحبة…

مر عقد من الزمن على موت شقيقي “شكري”، ومازالت تفاصيل ذلك اليوم الربيعي محفورة في قلبي… ومنذ ذلك اليوم صرت أخشى أن يكون الموت حاجزا بيني وبين من أحبهم… لا أخشى على نفسي من الموت، ولكنني أخاف أن يحرمني ممن أحبهم…

ولما جاءني خبر رحيل “سفيان الشعري” احترقت بكاء… قضيت ليلة صعبة… وارتبكت أمام قلمي… تعثرت لغتي، ووجدتني جنديا في قلب المعركة منزوعة السلاح… والمعركة هذه المرة خاسرة، لأن الموت هو الخصم فيها… (مواصلة القراءة…)


عندما تحلق في الأعالي قد لا ترى الأرض

إذاعة المنستيرأحترم كثيرا الدكتور جميل بن علي أستاذَ اللغة والآداب العربية الذي كلفته رئاسة الإذاعة التونسية بإدارة إذاعة المنستير مؤقتا في انتظار أن تتضح السبل الكفيلة بإصلاح جهاز المديرية وتمكين أبناء الإذاعـة دون سواهم من الوصول إليه في كنف الشرعية الإدارية وقانون التداول على المسؤولية، وهو المطلب الذي تعالجه الآن الأطرافُ المعنية بمراجعة وضع الإعلام العمومي للتقدّم به شرطا مركزيا في سياق إصلاح هذا القطاع والخروج به من وضعه السابق.
أحترم الدكتور بن علي ورغبتَـه في أن تمتاز فترةُ إدارتِه الإذاعةَ على قِصرِ مُدَّتها بكل ما ينفع ويفيد وأن تكون بصمته في مستوى طموح المرحلة، خصوصا وأنه قد تصدّى بشجاعة كبيرة لكل الأصوات التي رفضت تعيــينه في هذا الموقع وتجاوزها في وقت قياسي للانطلاق مباشرة في “رفع التحديات” وأهمُّها تقديمُ إعلام مغاير ومختلف اختـار له عبارة “الصوت الحرّ” شعارا، ولكن لن يمنعني هذا الاحترام من أن أختلف معه في بعض المسائل ووجهات النظر آملا في ألا يفسد الاختلاف للودّ قضية وألا يكون بابا للخلاف لا قدّر الله، بل سيزداد ذلك الاحترام سيّما وأنني قرّرت أن أكتب عن اختلافي معه في مقال صحفي حتى يكون ضربا من ضروب التفكير بصوت مرتفع في شأن عام، حافزي في ذلك أن ما سأعرضه ليس من موجبات التحفظ الإداري وأنّ الحوار الهادئ الرصين مدخل من مداخل الإصلاح والتطوير طالما تعلقت همة المرء بما ينفع العوامّ ولا يقتصر على إرواء نرجس الذات فحسب، وكيف لا أُوجِّه في صحيفةٍ نقدا لرئيسي في العمل وقد أصبح شعارُ “لا خوف بعد اليوم” أحد أبرز عناوين الثورة التونسية التي دفع ثمنها الشهداء و قطف ثمارَها الطازجة الآخــرون؟
لقد كان ضروريا أن تترفع ديـباجة شبكة شهر رمضان المعظم التي عنوانها “إذاعة المنستير تحلق هناك في الأعالي” عن ثلب البرامج الدينية التي تمّ إنتاجها سابقا ونعتها بالسطحية والروتينية وذلك لأسبابٍ أكثرُها بداهةً أنّ الذين لم يشاركوا هذا العام في إنتاج برامج رمضان من الأساتذة الفضلاء والخطباء الأجلاء الذين كانوا يفعلون ذلك سابقا سيشعرون بأنهم معنيون بهذه الكلمة المؤذيــة وأنّ جزاءهم في بيتهم قد كان مثل جزاء سنمّار.
إنّ رفض النظام السابق الإسلامَ السياسيَّ جعله شديد الحرص على تشديد القبضة الأمنية، فكان التعامل مع منتجي البرامج الإذاعية الدينية يستوجب فحصا أدقّ من قبل السلطات العليا، وهو ما يفسّر عزوف الإذاعة عن التعامل مع منتجين جدد والاقتصار على المتعاونين التقليديـين أو الواردةِ أسماؤهم في القائمات التي تعدّها وزارة الشؤون الدينية سلفا، وكان من شروط إنتاج هذه الموادّ خضوعُها مكتوبةً لمراقبةِ وزارة الشؤون الدينية وهو أمر تراخت إذاعة المنستير في تنفيذه فلم تكن تطلب من المنتجين تقديم نصوصهم مسبقا لمراقبتها، بل كانت الإدارة تتحمّل مسؤوليتها بشجاعة في هذا متأهبة للمساءلة في صورة حدوث ما لا تحمد عقباه، وهذا ما لم يحدث والله على ما أقول شهيد.
لم يحدث أيّ شيء من هذا لأن الجميع كانوا يدركون قواعد اللعبة جيّدا فيتجنبون المسائل الخلافية من تلقاء ذواتهم ولا يتحدّثون في بعض المواضيع التي تعتبرها التيارات الإسلامية السياسية من خروقات السلطان ومن دواعي الخروج عليه، وكان إيثارُ السلامة يُعفينا من توظيف الخطاب الديني سياسيا في الاتجاه المعاكس بما ينفّر الناس منها، وهكذا كانت المحظورات معروفة وكانت برامجُ الإذاعة في هذا الباب تعليميةً تثـقيفية تهتم أساسا بمكارم الأخلاق فتحبّب إلى الناس الالتزام بضوابط الشرع في معاملاتهم، وتراعي في تنوع مستويات الخطاب تنوع مستويات العامة وتعالج الفقه على أصول المذهب المالكي مذهب الدولة التونسية الرسمي وتتحاشى دائما وأبدا الإفــتاء، أما عن الشكل فقد تخلصت إذاعة المنستير منذ أكثر من عشر سنوات من الافتتاحية الصباحية التي كانت تعوّل عليها السلطة السياسية كثيرا في امتداح مناقبها وتعداد مآثرها بأسلوب خشبي لا يتورع عن استخدام الآيات البينات والأحاديث الصحاح في حقن المواطن بجرعة أمل وتفاؤل تجعله يكاد يزغرد وهو يفتح عينيه في تونس بن علي لا غيرها، لقد اتُّخذَ قرارٌ شجاع آنذاك ولم يطالبنا أحد بالرجوع فيه.
لا نشكّ في أن الإصلاح والتطوير لا يتحققان إلا بمساءلة الماضي وتأمل أخطائه الكثيرة، ولكن بتجرّد وصبر وأناة ومن منطلق الإحساس الصارم بالمسؤولية، فالإذاعة ماضيا لم تكن تخدش نقاوةَ صورتها “البرامج الدينية السطحية” بل كانت تعاني من البرامج التي يتم إنتاجها حسب الطلب احتفالا بهذا الحدث السياسي أو ذاك، وهذا هو الأمر الوحيد الذي تغيّر وانتهى فعلا بعد رحيل زين العابدين بن علي وقدوم الدكتور جميل بن علي إذ أمكن والحمد لله لأبناء الإذاعة المتخصصين في مثل تلك البرامج التي لم تكن تفرض فرضا بل يتكالب عليها الكثيرون أن “يترسكلوا” في بلاط الثورة ويركبوا قطارها قبل أن يفوت، أما البرامج الدينية وإن تغيرت بعض أسماء منتجيها فلا نعتقد أنها ستخرج عن الخطوط الموضوعة سلفا، أما إذا كان المراد بتعميق البرامج الدينية وتطويرها اعتماد البث المباشر وقبول استفسارات الناس دون رقابة مسبقة وتحمل أعباء الإجابة عنها دون خوف أو ذعر فذلك كان من أهم ما قامت به الإذاعة في السنة الماضية لا هذا العام ويعود الفضل فيه إلى آخر مديري “العهد البـــائد” !.
أرجو أن تكون العبارة الواردة في الديباجة زلّــة لسان أغفلها مقص الرقيب وهو يترنح من فرط الحرية التي أضحى يتخبّط فيها بعد الثورة فلم يتفطن لها ولهنات أخرى كثيرة، وإذا لم يكن الأمر كذلك ففي مقالي هذا اعتذار لمن قد تلحقهم عن غير قصد ولا شك إساءة بليغة مما قيل في هذا الشأن.


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress