مقالات رأي

الذئاب والنــــــعاج

صدرت خلال الأسبوع الماضي إشارات رفيعة المستوى اعتبرت رسائلَ موجهةً إلى الرئيس المدير العام لدار الصباح تدعوه إلى الاستقالة بعد أن صار الوضع محرجا أكثر مما يجب، من هذه الإشارات قولُ أحد أعضاء الحكومة إن قضية دار الصباح أصبحت قضية كرامة واستغرابُه من إصرار الرجل على منصبه بعد أن رفضه الجميع. من هذه الإشارات أيضا عدم استبعاد مستشار سياسي كل الاحتمالات في هذه القضية وهو ما قد يمثل دليلا على أن الترويكا بصدد البحث عن الصيغة الأقل إحراجا للخروج من عنق الزجاجة.

لكن الرسالة رغم وضوحها الشديد لم تصل إلى وجهتها، مما يدل على أن كثيرا من “رجال المرحلة” لم يستوعبوا الدرس الأكثر أهمية في سياق الثورة التونسية، كونَها ثورةَ كرامة قبل كل شيء، والغريب أنهم يتشبثون بالمناصب التي وضعوا فيها خطأ كما يتشبث الغريق بحطام المركب!

تحضرني في هذا السياق ثلاثة مواقف متناقضة، أولها موقف الشاعر الكبير المنصف الوهايبي الذي عين في ظل حكومة محمد الغنوشي على رأس إذاعة المنستير لكنه لم يعد إليها بعد حفل التعيـين انتصارا لكرامته وعلو همته والحال أن لو بقي لما كان أسوأ ممن جاء بعده!

والموقف الثاني المناقض له موقف من جاء بعده وأعني الدكتور جميل بن علي الذي لم يستوعب من درس الوهايبي شيئا! واستمات في التشبث بكرسيه حتى رفض مشاركة زملائه الاستقالة تعاطفا مع الحبيب بلعيد الذي أقيل بطريقة مهينة. وفي تقرير تلفزي شوهد وهو يواجه بلامبالاة مستفزة الأجواءَ المحتقنةَ التي بلغتها الإذاعةُ بعد عام من توليه إدارتَها وكأن الذين تجمهروا أمام مكتبه رافعين شعار ديقاج، يصرخون في واد بلا قاع أو كأنهم بعض من شعب الموزمبيق! رغم أنه كان يبدو في مكتبه كمن وقع في مصْــيَدة ولم يتسنّ له الخروجُ إلى سيارته إلا تحت حماية الجيش!!، ولكن يبدو أن الجهات الحكومية التي تقف وراء التعيينات في قطاع الإعلام تـــثمن هذا التنازل الطوعي عن الكرامة لفائدة الكرسي، فكافأت إصراره على البقاء بلا قيد أو شرط بمنصب مهم في رئاسة المؤسسة موهمة المحتجين بأنها قد استجابت لطلبهم!!

أما الموقف الثالث فهو موقف الصحفي البشير الصغاري الذي عاد من قناة الجزيرة ليتولى إدارة نفس المؤسسة بعد أن غادرها صاحبنا المذكور أعلاه في اتجاه العاصمة، لكنه خير بعد شهر فقط رفع الراية البيضاء وعاد إلى ميدان الكفاح الأصلي، بلاط صاحبة الجلالة مفضلا شرف المهنة على أن يكون دمية تحركها أطراف أخرى عن بعد، والغريب أن استقالته قوبلت بلامبالاة باردة، فلم يدعه أحد للتوضيح وفضح الأسباب.

القضية برمتها وانطلاقا من هذه النماذج لا تخرج عن نطاق الحكمة القديمة: لم تكن الذئاب لتكون ذئابا لو لم تكن النعاج نعاجا، فالحكومات على اختلاف ألوانها تــــتذأببُ حينما تجد من يسير في ركابها سير النعاج. والذين تلونوا كالحرباء وصاروا يتودّدون للحكومة من أجل الظفر بغنيمة ضاربين بكرامتهم عرض الحائط هم أشدّ خطرا على تونس من الحكومة ذاتها إذا ما أخطأت!

————————————————————

للمزيد حول هذا الموضوع شاهد فيديو طرد جميل بن علي من إذاعة المنستير

elaa


الإذاعة التونسية من عثمان الكعاك إلى محمد المؤدب

كثيرا ما نرى في منابر الحوار التلفزية من يدافع بقوة عن تعيينات حكومة الترويكا، وحجته في ذلك أن الكفاءة هي المعيار الأول، وعادة ما يكون أصحاب هذا الرأي من المنتمين إلى حزب النهضة لأن الحديث عن الولاء موصول بهذا الحزب دون سواه.

ومن الضروري قبل الاسترسال في عرض وجهة النظر هذه التـنويه إلى أننا نتوخى في مقاربة الواقع السياسي منهجا وسطا ما أمكن، فالنهضة شريك أساسي في الانتقال الديمقراطي ولا يمكن تخيل وضع سياسي يستثنيها لكنها غير معصومة من الخطأ.

يبدو إذن إصرار المتحدثين باسم النهضة على أولوية الكفاءة في كثير من المناصب الحساسة خصوصا في مؤسسات الإعلام أمرا يحتاج إلى نقاش، ما يؤكد ذلك هو أن التعيينات في هذا القطاع شكلت منذ مباشرة الحكومة أعمالها نقطة الصدام المركزية مع المعارضة وسائر مكونات المجتمع المدني، والمثل الأكثر دلالة على ضبابية المسألة يقع في شارع الحرية، فمؤسسة الإذاعة تضم تسع إذاعات جهوية بالإضافة إلى المجلة والبوابة الالكترونية، وهو ما يجعلها تقريبا أضخم مؤسسة إعلامية وطنية عدّة وعتادا.

لقد عينت الحكومة على رأس الإذاعة التونسية أحد موظفيها بطريقة غامضة، فقد انتبه البعض بمحض الصدفة لا غير إلى أن الرائد الرسمي يتضمن تسمية مدير عام جديد والحال أن السابق ظلّ يمارس وظيفته دون أن ينبهه أحد إلى أنه قد أقيل، ولو لا ألطاف الله التي دفعت بسائقه الشخصي إلى إعلامه بالأمر لظلّ الوضع على حاله حتى الساعة…!

والرئيس المدير العام الجديد رئيس مصلحة مغمور بالإذاعة فما الذي جعله يحظى بثقة الحكومة ليترأس مجلس إدارة يشرف على تسع مؤسسات؟ هل اختير على أساس الولاء؟

تستدعي الإجابة عن هذا السؤال التذكير بأن المعني بالأمر من موظفي الدار وقد أهّــلَهُ التنظيم الهيكلي الجديد إلى الحصول على خطة وظيفية وهو ما يستبعد أي علاقة له بأي تنظيم محظور في العهد السابق لأن نظام بن علي كان شديد الحرص على مراجعة الملفات الأمنية لمنظوريه واستبعاد كل من حفت به الشبهات ولو من بعيد في الانتداب والترقية. كما يستبعد أن تكون النهضة عينته بسبب انتسابه إليها بعد الثورة فالمنطق السليم يفترض أن الأحق بالتسمية لو كانت بسبب الولاء هم قدامى المناضلين في الحزب الأجدر بالثقة من المتحولين.

النهضة براء إذن من تسمية محمد المؤدب رئيسا مديرا عاما للإذاعة على أساس الولاء، فهل تم ذلك على أساس الكفاءة؟

لقد اطلعنا على السيرة الذاتية للرئيس المدير العام الجديد في الصفحة السادسة من مجلة الإذاعة لشهر ماي 2012 في نسختها الأصلية، قبل أن يتم تأخير صدورها وإعادة طبع الصفحة لحذف الفقرة الخاصة بالر م ع الجديد. والفقرة المصنصرة تقول إن محمد المؤدب متحصل على الإجازة في الكهرباء وشهادة الدراسات المعمقة في الهندسة الكهربائية وهو بصدد إعداد دكتوراة حول معالجة الإشارة !. ولا أحد يعرف ما إذا كانت المؤسسة قد تكبدت خسائر إعادة طبع الصفحة إرضاء لتواضع المعني بالأمر وعدم رغبته في إطلاع العامة على مستواه العلمي المرموق،مأأم أم لتواضع السيرة الذاتية وفقرها المدقع مقارنة بسِيَرِ كل من تقلدوا أمر الإذاعة منذ عهد المرحوم عثمان الكعاك، وسيرة الرئيس المدير العام الجديد مقارنة بالمهمة التي تقلدها تبدو حجة كافية على أن تسميته لم تتم على أساس الكفاءة.

إن هذا الغموض الذي يفتح باب التأويلات والظنون على مصراعيه، لا يخدم الحكومة في شيء إذ يقيم الدليل على استخفافها بالمؤسسات العمومية ويقوي موقف أهل المهنة المطالبين بهيئة عليا مستقلة من مشمولاتها وضع الرجل المناسب في المكان المناسب. 


الثورة التونسية، تغيير نظام أم تغيير مجتمع

لا أحد كان يتوقع حدوث هذا السيناريو: رحيل الجنرال زين العابدين بن علي ذي القبضة الحديدية الخانقة عن أرض تونس وسمائها عشية 14 جانفي 2011 بطريقة مرتجلة يكتنفها الغموض، ولا أحد قد احتاط لذلك على الأقل بتصور المقتضيات العاجلة، فبدا هذا الارتباك عند التردّد في استخدام آلية الدستور[1] بما جعل البلاد تشهد تعاقب رئيسين في أقلّ من أربع وعشرين ساعة بعد أن هيمن عليها رئيسان لفترة نصف قرن ونيف[2]! ، و تتالت الأخطاء في ظلّ حكومة السيد محمد الغنوشي إلى أن أجبره الحراك الجماهيري في محيط مقر الحكومة أو ما أصبح يعرف بمصطلح “اعتصام القصبة” على الاستقالة وعيّن الرئيس المؤقت السيد فؤاد المبزع رجلا من رجال العهد البورقيبي السيد الباجي قائد السبسي للاضطلاع بأعباء المرحلة الانتقالية، مع الإعلان في ذات الوقت عن تعليق العمل بالدستور القديم وتحديد موعد لانتخابات تعدّدية تفضي إلى إنشاء مجلس تأسيسي في منتصف صائفة 2011.

الثورة التونسية

الثورة التونسية

تؤكّد أحداث الأربعين يوما التي تلت فرار الرئيس التونسي المخلوع إذن أن الثورة لم يكن مخططا لها بالشكل الذي يضمن تحقيق أهدافها بسرعة وفعالية، فكانت ثورة شعب رفع شعار إسقاط النظام دون أن يتهيأ لإمكانية تحقق مطلبه هذا !،  فوسط الارتباك الحكومي والتردد الواضح في التعامل مع الماضي مجسّدا في رموز النظام السابق ومؤسساته ، عاد المُهجرون من المنافي بسرعة وتتالى تأسيس الأحزاب السياسية استعدادا لاستحقاقات المرحلة المقبلة، وتواصل الوضع الأمني مضطربا حتى بلغ يوم 25 فيفري حدّ الاعتداء العنيف على أحد رموز السيادة الوطنية مقـرِّ وزارة الداخلية الشامخ المهيب وسط الشارع الرئيسي في العاصمة وهو صورة عن هيبة الدولة وقسوتها، و كان الشارع ذاته قد احتضن الآلاف من المنادين برحيل بن علي عشية يوم 14 جانفي بينما كان سجناء سياسيون يقبعون في أقبية هذه الوزارة يسمعون صدى هتافات الناس وهم تحت الأرض لا يرون من سماء الحرية أو أفقها المفتوح إلا بصيصا من الضوء يتسع شيئا فشيئا تحت وقع الحناجر المدوية.

في ظلّ تجاذبات عنيفة تستدرج الثورة الشعبية إلى ساحتها للاستحواذ على منجزها، تضمَّن الخطاب الرئاسي[3] الذي رسم خارطة طريق الفترة الانتقالية في معرض حديثه عن بعث “هيئة تحقيق أهداف الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” إشارة إلى رجال المرحلة فهذه الهيئة متكونة من “شخصيات سياسية وطنية وممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني المعنية بالشأن الوطني في العاصمة والجهات ممن شاركوا في الثورة وساندوها[4]. (مواصلة القراءة…)


مصر التي في خاطري

عندما بدأت طائرة الخطوط التونسية تهبط شيئا فشيئا في سماء القاهرة وبدأت أضواء الحياة المصرية التي لا تنام ليلا  تتلامع في عيون المسافرين كان لا بد من التهام هذا المشهد السياحي الطري من وراء تلك النافذة الصغيرة مُقدِّمة لوجبة شهية تنتظر زائر مصرَ لأول مرة. هي وجبةٌ شهية فيها بقايا من كل شيء، من أحاسيس الناس ومشاعرهم، من إيديولوجيا آمنوا بها وأفكار اعتنقوها، من محبة عارمة أو شعور غامض بمودّة قديمة لا تعرفها عندما يسألك بائع في خان الخليلي عن أحمد حمزة وينبهك بضحكته المصرية العتيقة التي تـشبه شجر السنديان إلى أنه أطلق اسم هذا الفنان التونسي على محله التجاري لأنه يحبه كثيرا ويسأل دائما عن أحواله عندما يزوره التونسيون.

خان الخليلي

خان الخليلي

إنها وجبة دسمة تتناولها الروح و يتداعى فيها الجدار الفاصل بين الحقيقة والخيال بين الواقع والحلم، بين الممكن و المستحيل.

لم أر من القاهرة في اللحظات الأولى غير مشاعري المتدفقة في كل الاتجاهات، فبينما كانت الحافلة تقطع بنا المسافة بين المطار وفندق شهرزاد في “العجوزة” كنت كمن يخلع نعليه ليدخل استوديو مصر الذي خرجت منه روائع السينما وعلمتنا حب الحياة. وعندما فتحت النافذة صباحا وخرجت حافيا لأتفقد النيل من علو أربعة طوابق سياحية هرمة كانت السماء ملبدةً بغيوم قاتمة تنذر بأمطار لا تهطل وتملأ النفس خوفا وانقباضا، وكانت في أعلى لوحة إشهارية تمتطي ظهر عمارة من عمارات قاهرة المعز وتخترق تلك السحبَ الغامضةَ صورةُ الفنانة التونسية لطيفة العرفاوي في إعلان عن شريط جديد. كان ذلك منذ عشر سنوات، عندما كانت الفنانة الرائعة هند صبري طفلة بين يدي مفيدة التلاتلي في تونس تخطو خطواتها الأولى في صمت القصور وهدأة الملكات، هند صبري التي أصبحت اليوم ورقة رابحة في المشهد السينمائي والتلفزي المصري والعربي !

أتذكر رحلتي إلى مصر وسط هذه المشاعر الشوفينية الجيّاشة التي أتت على الأخضر واليابس وغمرت بمياه الحقد الآسنة كل شيء جميل من حولنا، أتذكر وقائع لقائي برجل مصري أسمر في مطعم شعبي من مطاعم بورسعيد، دفع ثمن السندويتشات التي تناولتها وعندما تمانعتُ بلطف متسائلا : كيف أردّ هذا الجميل ؟ قال لي: عندما تلتقي مصريا في شوارع تونس أكرمه…

أسترجع الآن إحساس الطمأنينة التي تغمر زائر مصر بفيوض من مشاعر الانتماء وهو يرى تلك اللوحة الشهيرة في ميناء القاهرة الجوي تستقبل القادمين وتودع الرائحين: ادخلوها بسلام آمنين…، في مصر تبدو لك كل الأشياء مختلفة وجذابة، فتظلّ لفترة طويلة واقعا تحت تأثير سحر لا يقاوم… (مواصلة القراءة…)


إعــــدام ميت

 

محمد البوعزيزي

محمد البوعزيزي

حمدت الله كثيرا عندما قرأت نص أدونيس “رماد البوعزيزي” ، لقد هبط هذا النص في وقت حرج أخذ فيه جمع غفير من الأوصياء على التاريخ والرّمز والمجاز يسحبون محمد من أسماله البالية ليخرجوه بالقوة من بيت الأسطورة الذي شيدته له ضمائر الناس في الوطن العربي، وقد كان سببا -مجرد سبب لا غير- في أن تتهاوى أصنام السياسة العربية الواحد تلو الآخر فتتكسّر تحت وطأة أمواج الغضب الشعبي.

جاء أدونيس في الوقت المناسب ومدّ يده ليدفع البوعزيزي دفعةً قوية إلى الداخل ويغلق باب البيت آخذا المفتاح معه، إنها نقطة ينبغي أن يعود الجميع بعدها إلى السطر ويبحثوا عن جثة أخرى يبدؤون معها سطرا آخر في لعبة الكـرّ والفرّ العجيبة هذه، فالاندفاع الأهوج في مقاومة صورة البوعزيزي وصدّها تحت مسميات العدالة والحق والفضيلة والديمقراطية تبدو للناظر عن بعد كالوقوف أمام قاطرة  تشق عباب الفراغ. إن إحساس بعض الأشخاص بامتلاك الحقيقة لا يعدو أن يكون تورما واضحا في ذواتهم وخللا في تصورهم للوجود، فهم لا يتورعون مثلا إذ يفتحون  ثلاجة الموتى ليقتلعوا  ضرسا ذهبيا يرون أنهم أحق به من الديدان، أو يقصون إصبع جثة متفحمة ليفوزوا بخاتم يعرفون أنْ لا أحد سيتذكره في المأتم. هؤلاء هم الجزء المخفي من جبل الثلج، هذا الجزء ما كان ليظهر لو لم يذوّب حريقُ البوعزيزي الجزء الظاهر منه والذي كان ستارا كثيفا يمنع الناس من رؤية الأشياء كما ينبغي أن تُرى.

لقد كانت الثورة الشعبية زلزالا عنيفا أطاح بعرش الفساد وظلت ارتداداته المتتابعة تسحب الأرض من تحت الأنبياء الجدد والكهنة والسحرة وحملة المباخر والمشعوذين، وها إن رماد البوعزيزي يعيد إلى الحقيقة شيئا من نسبيتها بعد أن مرّغ أنفَها البعضُ في وحل المزايدات الانتهازية والدونكيشوتيات الخالية من كل معنى إيجابي، فلم يكن ضروريا الربط بين الدفاع عن سجينة لم يهتم أحد بالإصغاء إليها في غمرة الثورة وما تلاها وإخراج البوعزيزي من ذاكرة الرمز وتجلياته الممكنة والتراجع عن منحه شرف الحرف الأول في فقرة التغيير الدراماتيكي الذي حدث. (مواصلة القراءة…)


من أجل الجمــــهوريــــة

عامر بوعزة مع المنصف المرزوقي والطاهر هميلة بمناسبة حلقة من المقهى السياسي يوم 19 جوان 2011

مع المنصف المرزوقي

سيكون الدكتور المنصف المرزوقي إذا ما امتنع عن الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة أول رئيس عربي يساهم في التداول السلمي على السلطة في بلاده أيا كان شكل النظام الذي سيقره الدستور الجديد.

لقد أظهر تشخيص حالة الاستبداد في تونس أن الزعيم الحبيب بورقيبة قد دق أول مسمار في نعشه السياسي عندما قرر أن يكون رئيسا مدى الحياة، ومن المفارقة أن حدث ذلك بعيد ظهور أولى بوادر عجزه عن التحكم في دواليب الدولة، فآل حكمه إلى نموذج سياسي يتعلق بالحداثة الغربية ويحاكيها ولكنه يستثني من شغفه بها نقطة قوتها: تعايش الأفكار السياسية المتضادة تحت سقف الدولة وفي كنف القانون، وكان العطب الذي أصاب الجمهورية الأولى في العمق ذلك التضاد الصارخ بين الدولة العصرية والنظام السياسي المتخلف، وهو ما كانت القاعدة الشعبية تغفره لبورقيبة تقديرا لفكرة الزعامة التاريخية.

ثم أخفق بن علي في التخلص من شهوة الاستبداد حين لم يلتزم بوعده أن لا رئاسة مدى الحياة ولم يتخلّ عن السلطة احتراما للدستور، ولأن حكمه لم يكن ثورة على نظام سابق وإنما انقلابا سلميا لم يخف نزوعه إلى الاستمرار فقد عاد بسرعة إلى النموذج القديم المستقرّ مكتفيا بتحسينات شكلية منها تطوير “المعارضة” و”الحياة النيابية” مقارنة بما كانت عليه في السابق وتقوية دعائم السلطة بتشديد القبضة الأمنية، أما المبرر في الحفاظ على التناقض بين الدولة العصرية والنظام المتخلف فقد تحول في عهده من فكرة مقاومة الاستعمار إلى فكرة مقاومة التطرف الديني، وعاد الرئيس ليستلهم شرعيته من صورة البطل المنقذ والأب الحنون بعد انقضاء الشرعية الدستورية واضمحلالها تحت أقدام الدكتاتور. (مواصلة القراءة…)


زهرة لمبوبة

في إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني الشهير دليلك ملكْ سأل الأستاذ سامي الفهري المشاركين الحالمين بالثروة والملايين عن السيدة الفاضلة زهرة لمبوبة وانتظر من المشاركين أن تكون إجاباتهم كلها صحيحة طالما أنه يسأل عن شخصية فـذّة لايُـغفر لمن لا يعرفها ذنبُ جهله بمآثرها العظيمة وأفضالها الخالدة وما إن خاب أمله ووجد بين الحاضرين من أخفق في معرفة كنية السيدة زهرة حتى اندفع يؤنب المخطئين ويلومهم شديد اللوم بل ويوبّخهم على فقرهم الثقافي المدقع الذي أوقعه في الحرج متسائلا بكل إلحاح : كيف لا تعرفون زهرة لمبوبة ؟

وبما أنني كنت معنيا بتوبيخ الأستاذ سامي الفهري هذا فقد أوقعني جهلي في حرج شديد ليلتئذ إذ كنت أتابع البرنامج بمعية بنيتي الصغيرة ذات السبع سنوات وقد تساءلت بكل براءة عن السيدة زهرة لمبوبة هذه من تكون ؟ واستغربت جهلي بها وعدم معرفتي بشخصية بدا واضحا من خلال ما تشاهده في التلفزيون أنها أشهر من نار على علم ولم أستطع أن أمحو من على وجهها الصغير خيبة الأمل الكبيرة في والدها الذي ربما كانت تعتقد أنه يعرف كل شيء وأنه من غير المسموح له بأن يجهل أمرا كهذا .. ولعلها أن تكون قد تصورت والدها في وضعية الممتحن في ذلك البرنامج فحرمه جهله من فرصة نادرة للحصول على ملايين كثيرة تحول الأحلام الكبيرة المجردة إلى واقع محسوس ملموس ..

وقد دفعني هذا الموقف السّخيف إلى تصفّح كتاب ورقات للعلاّمة حسن حسني عبد الوهاب وكتبا أخرى في التاريخ الثقافي والاجتماعي التونسي وما نشر عن بلادنا في الموسوعات ودائرة المعارف الكونية علّني أظفر بإجابة ملائمة عن السؤال المؤرق من تكون زهرة لمبوبة هذه التي يُـنكر علينا سامي الفهري جهلنا بها ؟

وبما أنني لم أجد في المصادر والمراجع ردّا شافيا عن هذا السؤال الخطير المحيّر فإنني صرت أتحاشى مشاهدة البرنامج بمعية أفراد أسرتي وأتشاغل عنه في الدقائق الأولى حيث يُطرح السؤال المصيري حتى لا أنفضح مجدّدا ولا يكتشف أبنائي خلوّ وفاضي وفراغَ مِزودي وقعودَ همّتي عن طلب العلم الصحيح علم الأنساب والتاريخ والأعلام ولكنني وأنا في غمرة الإحساس بالذنب التمست لنفسي أعذارا شتى فلقد أتْـلـفتُ في القراءة أحلى سنوات العمر وقضيت ما يقارب ربع قرن بين مقاعد الدرس حتى اهترأت سراويلي ونلت من الشهائد ما يسدّ الرمق فما وقع بين يدي شيء عن زهرة لمبوبة ولا درّسني أحد في المناهج المدرسية أو الجامعية شيئا عن هذه المرأة ..وإنني أحمد الله على أن نبّهني التلفزيون إلى جهلي وأهدى إليّ عيوبي وأراني نفسي في مرآته فكشف سوءاتها الكثيرة واستفزّ خمولي فأيقظ في كهولتي حاجة ملحّة إلى الاستزادة من ينابيع المعرفة وفيوض العلم ..


الضحية والجلاد

الكرنك نجيب محفوظ

الكرنك نجيب محفوظ

كتب أحد أبرز الحقوقيين التونسيين وهو يتأهب لدخول السجن سنة 2001 عن الجلاّد الذي ينتظره هناك ليحرُس عزلته ويذيقه من نار الاضطهاد صنوفا وألوانا، وتساءل بحسّه الحقوقي عن هذا الآدميّ الذي هو مواطن تونسيّ شبّ وترعرع في هذه الأرض ونَما وهو يتنشق هواءها ويكرع من مائها ويرتوي من نسغ جمالها، ولكنه انتهى جلاّدا في خدمة قضية قد تبدو له عادلةً منصفةً بينما تبدو لغيره ظالمةً جائرة.

هذه الفكرة التي قلّما يُـنتبَهُ إلى بداهتها ألهمت الأدباءََ والسينمائيين، ليس أدلّ على ذلك من فيلم “الكرنك” المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ أدان فيها القمع السياسي في عهد عبد الناصر والملاحقات التي استهدفت شباب الجامعات بمختلف انتماءاتهم الإيديولوجية لمجرّد نقدهم ثورةَ الضباط الأحرار، وتشير قرائنُ عديدةٌ إلى أن صورةَ الضابط الذي كان جلاَّدا قاسيا في المعتقل ثم صار إلى السجن بعد النكسة تتطابق مع صورة صلاح نصر مدير المخابرات العامة المصرية السابق الذي تمت محاكمته في قضية انحراف المخابرات الشهيرة في أعقاب نكسة 67، ويعتبر مشهدُ لقائِه وهو سجينٌ مع الطلبة الذين كان يُعذِّبهم من أقوى مشاهد الفيلم.

كما تُعتبر شخصية الضابط توفيق شركس (محمود عبد العزيز) في شريط “البريء” لوحيد حامد وعاطف الطيب أبرز نموذج سينمائي لهذه المفارقة، فهو المكلف بالإشراف على المعتقل الصحراوي الكائن في منطقة نائية من العالم يُعذب فيها “أعداء النظام” من الطلبة والمثقفين والنشطاء السياسيين بطريقة موغلة في الفظاعة، ولكننا نراه في اللقطات الأولى وهو يختار هدية ابنته في عيد ميلادها فيرفض أن يبتاع لها لعبةً في شكل “عسكر وحرامية” ويفضِّل اختيار آلة موسيقية ناعمة بما يعكس بوضوح هذا الازدواجَ الحادّ في شخصية الجلاّد التي قد

يدلُّ مظهرُهَا الخارجيُّ وهي بعيدةٌ عن سياقِها الوظيفي على غير ما تبطنه. (مواصلة القراءة…)


عين الحسود فيها عود

التحركات المضادة لنضال الإذاعيين من أجل القطع مع الماضي تدلّ على أن علة العلل في القطاع الصحفي هي انحسار رقعة التضامن المبدئي وتبجيل البعض مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة، وهذه الممانعة هي أفضل دليل على أن نظام بن علي ما يزال قائم الذات يتحرك بلا خجل أو وجلٍ في الواقع أو داخل النفوس والضمائر سنة كاملة بعد حدوث الثورة، فالمطالب التي تبنتها النقابة الوطنية للصحفيين والتي يجري التشكيك في مشروعيتها تتعلق بثلاثة محاور أساسية لا مناص منها لإعادة بناء الإعلام العمومي على أسس سليمة: الاستقلالية المهنية والشفافية الإدارية وكرامة الصحفي.

الاستقلالية المهنية لتحصين الإذاعة عن التجاذبات الحزبية والاحتواء الإيديولوجي وحتى لا تعود من جديد بوقا لفائدة هذا الطرف أو ذاك بتنشيط حاستي الخوف والطمع ولا تحنّ إلى دورها القديم في خدمة الدكتاتورية، وهو ما يستدعي وضع أطر ديمقراطية لصياغة القرار التحريري والسهر على تنفيذه.

الشفافية الإدارية لأن الإذاعة بما هي مرفق عمومي ليست في معزل عن رياح الفساد العطنة التي سمّمت الأجواء والنفوس وأفقدت قيمة النزاهة معناها حتى صار هاجس البعض السّعيُ إلى الانتفاع من سوء التصرف لا مقاومته والوقوف ضدّه، فكل التفاصيل المتعلقة بفرص العمل والتكوين ليست من باب النميمة أو الحسد والتباغض وإنما ينبغي أن يُـنظر إليها بمنظار أسمى لأنها تقود إلى فكرة العدالة والإنصاف التي هي الآن همّ وطني شاسع يشترك في المطالبة به التونسيون جميعا.

كرامة الصحفي لأنّ الإعلام العمومي رغم ما يقدمه من جليل الخدمات للمواطنين يظلّ الشماعة المثالية التي تُـعلق عليها النخبة أخطاءها وتنفس بواسطتها عن شعور بالذنب دفين لم تقدر على التحرر منه بطرق سوية في إطار مراجعات نقدية ذاتية، فمن السهولة بمكان القول إن الإعلام هو صانع الدكتاتوريات، وهو في خدمة الاستبداد والفساد، خصوصا بالنظر في البنى التشريعية والإدارية القائمة والتي تيسّر ذلك بل تعبّد له الطريق ولكنه مظهر وحيد من مظاهر الاستبداد وشجرة يتيمة في غابة الفساد، ومن الحيف العظيم استثناء الإذاعة العمومية من حملة الإصلاح والمراجعات العميقة التي تشمل الآن كل شيء، انتصارا لكرامة الصحفي التونسي الذي أثبت دائما كفاءته واقتداره كلما رأيناه يعمل في دول أخرى… (مواصلة القراءة…)


قد يتأخر المبدع عن موعده

سعادته السيد الوزير

عيون المعاصرة 2011

عندما يتزامن الأثر و ثورة حدثت في نطاقه الجغرافي تَعِدُ بإحداث تغييرات عميقة في مختلف البُنى قد نسترجع الحاجة إلى المناهج السياقية في النقد الأدبي كالمنهج التاريخي والنفسي والاجتماعي، تلك المناهج التي خفت بريقها لفائدة مناهج نصانية تفضل الانشغال بالنصّ ذاته معزولا عمّا يقع خارجه، من هذا المنظور يبدو أن رواية حسين الوادي “سعادته…السيد الوزير” الصادرة مؤخرا ضمن سلسلة عيون المعاصرة عن دار الجنوب للنشر قد تأخرت قليلا عن موعدها، فلو قرأها الناس سنة واحدة فقط قبل الآن لتغيّر الأمر كثيرا…!.

قدّم الكاتب في هذه الرواية “بورتريه” لوزير في نظام فاسد، جيء بهذا الوزير من عالم التربية والتعليم (حيث كاد المعلم أن يكون رسولا…) لا لكفاءة يتحلّى بها أو لتخصّص نادر يمتاز به وإنما ليؤدّي دورا ما كان لغيره أن يؤدّيه لو كان أكثر فطنة وانتباها، أصبح هذا المعلّم وزيرا ليدفع لاحقا ثمن كل الأخطاء التي ارتكبتها المنظومة بتوقيعه الشخصي وبمبادرة منه هو إذ كان يعتقد بسذاجةِ من لا يفقه في أصول السياسة المافيوزية الشيء الكثير أنه في سبيله إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية بإعفاء الدولة من أعباء إدارة وسائل الإنتاج الخاسرة (رزق الباي ليك) بينما كان من وجهة نظر أخرى يفرّط في الملك العمومي بسهولة متناهية لفائدة بعض الجهات المتنفّذة في جهاز السلطة مثيرا أطماع كلّ القروش التي تستدرجها دائما رائحة الدم.

وتقدّم الرواية نفسها بوصفها ملفا يتضمن اعترافات السيد الوزير أمام حاكم التحقيق ومحاولته تبرئةَ ساحته من ذنوب سيكتشفها القارئ تباعا ولكنه منذ الوهلة الأولى يتوقّع حدوث أشياء غريبة تنتمي إلى الكوميديا السوداء أكثر من تعبيرها عن واقع حقيقي كائن، انطلاقا من  المفارقة السريالية التي ينفتح بها النص: أن تنتج عن قرابة الراوي الدموية بابن خالته قرابة وظيفية بين وزير أول يشرف على تنفيذ مخططات “سيادته..” في الحكم ووزير مبتدئ لا يفقه شيئا، وتتطوّر الأحداث في الرواية من خلال وصف سيرذاتي مفصل لما حتّمه على الوزير ضعفُه أمام غوايةِ السلطة وتماديه في الوزارة على ما فيها من إكراهات تجعله فاعلا من درجة ثانية إذا ما قورن بمن هم نافذون ولكن من خارج جهاز السلطة التنفيذية ومؤثرون أكثر، يبدو ذلك بوضوح في صورة الوزير الكاريكاتورية وهو يمارس رياضة الجري في موكب لأحد الوجهاء مكتظٍّ بالمتزلفين والوصوليـين أو يتقرّب في ملعب القولف من وجيه آخر. (مواصلة القراءة…)


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress