معلقة شريط برسيبوليس (2007)

معلقة شريط برسيبوليس (2007)

في ظلّ التخوفات المتزايدة من إمكان حدوث قلاقل واضطرابات اجتماعية خلال فترة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي انطلقت سلسلة من الأحداث ذات الطابع الشعبي الذي يوحي بالاندفاع التلقائي دون أن يكون كذلك.

التخوفات تجسّدت على أرض الواقع في تحذير السلطات الأمريكية مواطنيها من القدوم إلى تونس في هذه الأيام تحسبا من وقوع مظاهرات واحتجاجات سياسية، كما تجسّدت في إقبال الناس على التزود بالمواد الغذائية بشكل غير طبيعي. ويمكن تأويل هذا الربط بين التخوفات والموعد الانتخابي في الخشية من أحد السيناريوهات الممكنة أو المتوقعة: أن يضطرب الوضع الاجتماعي فيحول دون وقوع الانتخابات وتدخل البلاد في مأزق اللاشرعية واللاتوافق، أو أن تقع الانتخابات فتفضي إلى حصول النهضة على الأغلبية بما يدفع إلى الانقلاب عليها وتنفيذ ما حدث في الجزائر منذ سنوات أو ما يشبهه بصيغة من الصيغ المتطورة.

إنّ الأحداث التي فجرها عرض قناة نسمة لشريط برسيبوليس باللهجة التونسية دون حذف المقطع الذي يمثل تجسيدا للذات الإلهية يتنزل ضمن سياق حافل بالمعطيات المتجاورة والمتداخلة منها أحداث كلية الآداب بسوسة التي يبدو فيها الطرف المتشدّد مستفزا وبادئا برغبة فرض منطق القوة، وحضور مسألة ارتقاء النهضة إلى سدة الحكم عبر المجلس الوطني التأسيسي في خلفية الحوار التونسي الأمريكي خلال زيارة الوزير الأول الرسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وانطلاقا من أن هذه الأحداث لا يمكن أن تكون مجتمعة في ذات السياق بمحض الصدفة وأن الوقائع السياسية غير محكومة بمنطق العفوية وسلامة النية فإنّ تحديد دور كل طرف (الطرف الخارجي، الطرف الرسمي، المعارضة) في توجيه دفة السفينة وهي تعبر العاصفة يدعو إلى تدقيق النظر أو ما يمكن تسميته على الطريقة السينمائية بتكبير اللقطات حتى نستشف المنطق الداخلي لما يحدث حولنا ويؤثر فينا.

  • أي علاقة للولايات المتحدة بما يحدث في تونس ؟

رغم ما تنطوي عليه زيارة الوزير الأول التونسي إلى الولايات المتحدة الأمريكية من أبعاد اقتصادية تتعلق بالدعم والتشجيع على الاستثمار وتوفير القروض من المؤسسات الدولية فإن رسائلها السياسية المتعلقة بالانتقال الديمقراطي لا تقل أهمية بفعل تزامنها مع الدخول الفعلي في مرحلة الانتخابات. ففيها إشارة إلى أهمية الدور الأمريكي في رعاية التجربة الديمقراطية في تونس وهو تمش منطقي إذا ما قورن الطرف الأمريكي بنظيره الفرنسي فقد تأخرت فرنسا كثيرا في مساندة الثورة الشعبية في تونس بل وتورطت في مؤازرة نظام بن علي إلى آخر رمق في حياته ودفعت وزيرة الخارجية منصبها ثمنا لذلك، بينما كشفت وثائق ويكيليكس بإيجاز شديد قناعة النظام الأمريكي أنه لا يمكن الحديث عن إصلاح سياسي في تونس بوجود بن علي وأن أي رغبة في إحداث الديمقراطية تستوجب رحيله أولا، وهذا الموقف الأمريكي يتناغم كثيرا ومواقف الأحزاب المؤثرة نسبيا على المستوى الشعبي في المشهد السياسي الراهن.

وكانت واشنطن قد استقبلت خلال شهر ماي من العام الجاري الأمين العام لحزب حركة النهضة السيد حمادي الجبالي الذي استجاب لدعوة مركز دراسة الإسلام والديمقراطية ليحاضر عن “مستقبل الديمقراطية في تونس: إسلامي أم علماني؟” ويلتقي مسؤولين أمريكيين، وقد صرح خلال هذه الزيارة لجريدة “الصباح الصادرة يوم 26 ماي 2011″ بأن “فوز النهضة بالأغلبية لن يحل مشاكل التونسيين في البحث عن ديمقراطية وفاقية” وأن النهضة أميل إلى النموذج التركي من سواه مؤكدا في الرد على سؤال المفاضلة بين الدولة الدينية والدولة المدنية وعلى القائلين بأن الحركة تربط بين العلمانية والإلحاد بما يجعل البعض ينعت الإسلاميين بالإرهابيين أن حركة النهضة هي ضد هذه الثنائية قائلا: “ومع الأسف هذه الثنائية مرفوعة داخل النخبة التونسية من قبل أحزاب وعناصر وهي إثارة غير بريئة لإدخال مجتمعنا في بلبلة وتحويله عن قضاياه. والدولة الدينية أو الدولة العلمانية ليست بمشكلة الشعب التونسي. إن كان المقصود الدولة الدينية هي الدولة الثيوقراطية التي تستمد شرعيتها من سلطة غيبية هذا ليس فهمنا“.

حمادي الجبالي وعبد الكريم الهاروني

حمادي الجبالي وعبد الكريم الهاروني

لقد اتخذت زيارة الأمين العام لحزب حركة النهضة إلى واشنطن رغم ما رافقها من تكتم حول اللقاءات الجانبية التي عقدها مع الإدارة الأمريكية بعدا سياسيا هاما لخصته التقارير الصحفية في ما أسمته “رغبة الإسلاميين في دعم العلاقات التونسية مع الولايات المتحدة الأمريكية” كما أشارت ذات التقارير تعليقا على زيارة السيد الباجي قائد السبسي إلى واشنطن أن البيت الأبيض “على استعداد للتعامل مع حكومة تونسية تكون النهضة ممثلة فيها” قبل أن يؤكد في تونس الممثل الإعلامي للوزارة الأولى بأن حزب حركة النهضة “محترم وشرعي ولا يدعو إلى الرهبة أو الخوف” وهو ما يعزز الفرضية القائلة بأن الحكومة الانتقالية الحالية مدعومة بالثقل الأمريكي الذي استوعب الدرس من تجارب سابقة في التصادم مع الإسلاميين على أتم الاستعداد للدخول في مرحلة جديدة من تاريخ تونس سيكون الإسلاميون فيها شركاء في الحكم بأي نسبة تفضي إليها صناديق الاقتراع وفي هذا النطاق قد يكون الجانب الأمريكي بصدد تشكيل القالب السياسي الانتقالي وفق ضمانات أساسية مقابل الدعم الاقتصادي كأن يحرص على بقاء السبسي في منصب متقدّم حتى لو تحصلت النهضة على الأغلبية وهو ما يوحي به تناغم المواقف بين السبسي وأوباما والجبالي وتلميحات الوزير الأول في واشنطن إلى إمكانية بقائه في السلطة مناقضا لأول مرة تصريحاته السابقة بأنه يتحرق شوقا إلى العودة لحياته القديمة ومواصلة تقاعده المريح بعيدا عن السياسة.

  • هل يرضي هذا السيناريو شريكنا الفرنسي؟

في الوقت الذي قدمت فيه النهضة أكثر من تنازل سياسي وأكثر من رسالة حسن نية للرأي العام الانتخابي في الداخل والشركاء المحتملين في الخارج واصلت بعض الأطراف المحسوبة على اليسار الفرنكوفوني اتباع سياسة (لو خرجت من جلدك لما عرفتك) فالبرنامج الحواري الذي قدمته قناة نسمة في سهرة يوم الأحد 9 أكتوبر لمناقشة المستجدات الواقعة إثر الاحتجاجات الشعبية على عرض الشريط لم يخرج عن نطاق ثلاث نقاط أساسية تترجم بوضوح أكثر الخط الفكري العام لهذه القناة.

تتعلق النقطة الأولى بمسالة الحرية فهي بالنسبة إلى نسمة ومن في فلكها مطلقة غير نسبية ولا يمكن فتح باب للرقابة أيا كان الداعي إليه، لقد تشبثت نسمة بحقها في أن تبث ما تريد من غير أن تراعي لا مشاعر المتفرجين ولا الطابع المحافظ للمجتمع التونسي ولا حتى خصوصيات الظرف السياسي والأمني وما تتطلبه هشاشة الوضع الأمني العام من حرص على تفادي الهزات.

وتتعلق النقطة الثانية بتعويم المسألة في سياق المواجهة التقليدية مع التيار الديني المتشدّد بالربط بين أحداث كلية الآداب بسوسة (8 أكتوبر) على خلفية رفض السماح لطالبة منقبة بالترسيم والالتحاق بقاعات الدرس والهجوم الشعبي على مقر قناة نسمة وهو ربط في مستوى النتائج أي مظاهر العنف المادي أما الأسباب والمنطلقات فهي مختلفة وقد تمّ القفز على هذا الاختلاف ومزج البيض كل البيض في سلة واحدة، فمسألة محاولة السلفيين فرضَ النقاب داخل المؤسسة الجامعية لن يحظى بدعم شعبي إذ الأمر متعلق بالهوية المدنية وإحدى ضرورات العيش المشترك وفق قوانين مدنية عامة متواضع عليها ويمكن في موضوع الحال بكل بساطة لمن لا تستطيع التخلي عن النقاب لفائدة الدرس أن تتنازل عن الدرس ولا تسعى إلى فرض وجودها بقوة السلاح، فمجال المناورة والطابع الخلافي للمسألة واضحين، ولا يمكن للنهضة التي ترشح امرأة لا ترتدي الحجاب على رأس قائمتها الانتخابية في دائرة من أهم الدوائر أن تساند مجموعة معزولة من السلفيين تريد فرض اللباس الأفغاني والمنطق الطالباني على كلية الآداب والعلوم الانسانية.

أما النقطة الثالثة فتتعلق بأهمية عامل التوقيت فقد استنكر المدافعون عن القناة قول السيد صلاح الدين الجورشي: إنّ حرية التعبير حق لا يُـتنازَلُ عنه بأي شكل من الأشكال ولكن السياق الزمني المحفوف بالاستحقاقات والمحاذير يحتم مراجعة الأولويات.

السلفية في المشهد السياسي التونسي

مشاهد من الاحتجاجات

إن عرض شريط برسيبوليس في هذا الظرف بالذات لا يمكن إلا أن يثير الامتعاض بل الرفض والاحتجاج الذي من السهولة بمكان أن يتحول إلى مصادمات عنيفة في  الشارع على الأقل لثلاثة عوامل استفزازية نرتبها تصاعديا بحسب أهميتها:

يتمثل العامل الأول في الإسقاط الذي يتضمنه موضوع الفيلم على الراهن التونسي أي إلقاء السؤال التالي في نفوس المتفرجين ماذا يمكن أن يحدث لو تمكنت النهضة من الحكم ؟ من خلال القياس بين التجربة الإيرانية منذ ثلاثين عاما مضت وقرب وصول النهضة إلى الحكم عبر آلية ديمقراطية بنسبة قد تمثل الأغلبية.

وتمثل دبلجة الفيلم إلى اللهجة التونسية المحكية العامل الثاني من عوامل الإثارة فهو أمر لم يحدث سابقا وسيكون الأمر مثيرا للاستغراب أكثر إذا علمنا أن العائق وراء انتشار الأعمال الفنية التونسية في الفضاء العربي الواسع هو اللهجة العامية، فغاية من قام بترجمة الشريط ليست تجارية ربحية وإنما له غايات أخرى! ،  وينسجم هذا مع ما تسرّب من معلومات حول تولّي جهة ما تقديم هذا الشريط إلى رئاسة التلفزة التونسية على أمل بثه على إحدى القناتين العموميتين مجانا ولكنه رفض بعد مشاهدة جزء منه.

أما أكبر عامل من عوامل الإثارة فيتمثل في لقطة  تجسيد الذات الإلهية إذ كان من الممكن ألا يخرج الجدل الذي يثيره عرض الشريط في علاقته بالسياق الانتخابي عن نطاق الجدل السياسي والاستقطاب الإيديولوجي لو لم تتحول المسألة إلى تعدّ على المقدس المشترك لدى العموم وتسترجع بسرعة التعاطف الشعبي ضدّ المساس بالمقدسات الأساسية وهو أمر يتجاوز النطاق السياسي إلى القاعدة الشعبية رغم إنكار المتحاورين ليلتئذ أن يكون الغاضبون على نسمة من عموم المواطنين لا السلفيين فحسب.

  • هل النهضة هي المستهدفة؟

لقد وجه أحد ضيوف القناة من المعروفين بتشددهم في مناهضة الحركات الدينية أصابع الاتهام إلى النهضة رغم بعدها نظريا عن سياق الأحداث، فالوجدان الشعبي العام أصبح يميز بين النهضة بوصفها حزبا سياسيا يستعد للمشاركة في الحكم عبر آلية ديمقراطية ويقدم تصوره في برنامج مدني علماني يعكس حسب الملاحظين سعيه إلى طمأنة المحيطين الداخلي والخارجي ويجسّد حرصه على الاقتراب أكثر فأكثر من النموذج التركي وبقية التيارات الدينية المتشددة من غير المرخص لها ومن غير المعروفة أصولها أو امتداداتها بشكل واضح إذ يقتصر حضورها في الشارع في المظهر الأفغاني الغريب عن المجتمع التونسي والمستهجن بشكل عام والذي لا يمكن أن يكون محل تعاطف مبدئي لاعتماده العنف أساسا. هذا التباعد بين النهضة والتيارات المتشددة سعى المشاركون في حوار نسمة إلى نسفه وتبديده لاستعادة الصورة النمطية التقليدية أي التأكيد مجددا على ازدواجية الخطاب في الصف النهضوي واعتبار التيارات المتشددة الجناح العسكري في الحزب المعترف به، وفي أضعف الحالات يعوّل المستفزون على أن المسّ من المشاعر الإسلامية المشتركة والتعدّي على المقدّس بشكل سافر سيكون كفيلا بتجميع الإسلاميين في خندق واحد وتذويب الفروقات والاختلافات السياسية بينهم أي جرجرة النهضة عنوة إلى حضيرة المتشددين حيث لن يتمكن النهضويون من إدانة العنف بلا تحفظ أي من غير مناقشة أسبابه واستنكارها(حرية القناة المطلقة).

  • على سبيل الختام

لقد شابهت ردة الفعل على الشريط ما وقع إبان نشر الرسوم الكاريكاتورية في الدانمارك وهو تطور قد يكون بالفعل غير محسوب وقد يكون تصريح باعث القناة بأنّ خطأً قد وقع لم تتفطن إليه الإدارة أمرا صحيحا في مستوى هذه النقطة لا غير. فأحداث العنف التي شهدها محيط قناة نسمة يوم الأحد كانت منطلقا لدعوات متعددة على شبكة التواصل الاجتماعي لمقاطعتها مع إثارة الحديث مجددا على أصولها وطبيعة مالكيها وصلتهم بالرأسمالية الغربية واللوبي الصهيوني كما تشهد عديد الصفحات المؤثرة على الفايسبوك دعوات لمقاطعة المنتجات الصناعية المرتبطة إشهاريا بقناة نسمة.

شعار قناة نسمة التلفزيةلو توقف عرض شريط برسيبوليس عند حدّ إسقاط النموذج الإيراني على التجربة التونسية لما خرج الجدل من الأفق الإيديولوجي ولكان تأثيره المحتمل على الحملة الانتخابية بما يكبح جماح التعاطف مع النهضة ويحد من مساندتها تخوفا من الحكم الإسلامي أمرا ممكنا وخطة فعالة من القناة التي لم تخف يوما عدم مناصرتها للنهضة ولكن التطور الدراماتيكي للأحداث دلّ على أنّ خطة عرض الشريط في عمق الحملة الانتخابية لإحراج الخصم الإسلامي سارت بسرعة أقوى من المتوقع وذلك بسبب لقطة تجسيد الذات الإلهية، ولا يستبعد أن تصير الخطة إلى عكس ما هدفت إليه وبدل أن تنجح نسمة في تخويف الناس من نموذج الحكم الإسلامي بما يبعدهم عن قائمات النهضة في الانتخابات لم يعد من شك في أن زوبعة تجسيد الذات الإلهية في شريط باللهجة الدارجة المحلية قد يدفع الساخطين على نسمة من الأغلبية الصامتة الحقيقية والمترددين في استيعاب مكونات الساحة السياسية إلى قائمات النهضة إذ تبدو أكثر رصانة واعتدالا من جميع خصومها سيما وهي تحظى بمباركة أمريكية قد تكون مطلوبة أكثر من أي وقت مضى لا بسبب العامل الاقتصادي فحسب وإنما كذلك لتحديد حجم التدخل الفرنسي. فلا ينسى في هذا الصدد أن الانقلاب على صناديق الاقتراع الجزائرية عندما أوشك الإسلاميون على بلوغ سدة الحكم ديمقراطيا كان بإشارة خضراء من فرانسوا ميتران رئيس دولة تُعتبر المرجع في مجال احترام الحريات وحقوق الانسان وعراقة التجربة الديمقراطية.

لقد خرجت اللعبة عن سيطرة مصمميها، تماما كما يحدث في أشرطة الخيال العلمي التي يبتكر فيها العلماء روبوتات تتولى السيطرة على قوتها الخارقة وتذهب إلى تدمير العالم لولا المنقذ البطل الذي ي