Author Archive

في الردّ على عمر صحابو

خالد بوعزة

خالد بوعزة

بداية، أوّد أن أتوجه إليك بسؤال يحمل، حسب رأيي، أهمية جوهرية

سيدي الكريم، لقد اخترت كإسم لحركتك السياسية صفة الإصلاحيّة، و كأنك بهذا الإختيار تختزل حركة الإصلاح التي تستوجبها الحالة التونسية في تيارك السياسي دون غيره، فهل تفضيلي لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية على حركتك الإصلاحية ينفي عني النَفَـسَ و الفكر الإصلاحي؟؟ أم أنّ اختياري لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية مثل ألاف التونسيات و التونسيين يعني أن منهجك “الإصلاحي” يحتاج إلى ضرورة التعديل و الإصلاح؟؟.

أعود الأن إلى مقالك لألفت انتباهك لبعض الحقائق، أراك ربّما غافلا أو متغافلا عنها بعض الشيئ، لأنك مزجت قليلا من الصواب مع كثير من الخطأ فجاء المقال في شكل خطأ كبير، ان افترضنا حسن النيّة، أما إذا افترضنا عكسها فيأتي المقال في شكل تغييّر للحقائق و تغطية لها، ربّما لغاية في نفس “صحابو”.

أول الحقائق المغلوطة جاءت في الأسطر الرابع و الخامس و السادس من مقالك، و التي شكلت مجتمعة الفقرة التي اخترت أن تلغي فيها جزءا من الشعب التونسي كان قد فوّض يوم 23 أكتوبر نوّابا عنه، وضع ثقته فيهم في عرس انتخابي مشهود، ليختاروا بدلا عنه القيادات الأجدر و يسنوا القرارات و التشريعات التي يرونها نافعة للبلاد و العباد، هؤلاء النواب المنتخبون بصفة مباشرة من الشعب قد يختاروا في الأيام القادمة أن يرشحوا الدكتور منصف المرزوقي لوظيفة رئيس الجمهورية و بالتالي يصبح الدكتور حاصلا على ثقة أغلبيّة الناخبين لأنه حاز على ثقة النواب المفوضين عنهم لإختيار قيادات البلاد في هذه المرحلة  التأسيسية الهامة من تاريخ تونس، و يبدو لي، أنّ هذه الحقيقة مؤلمة جدّا بالنسبة لك لهذا أراك تتغافل عنها بقولك الموجه للرئيس المرتقب، في السطر الرابع من المقال (  لا تنس أولا أنك لم تنتخب مباشرة من الشعب لوظيفة رئيس الجمهورية) في محاولة يائسة لإلغاء شرعية الرئيس القادم بزعم أنه غير منتخب من الشعب لهذه الوظيفة رغم أنه قد ينتخب من طرف نوّاب شرعيين مفوضين بصفة مباشرة من الشعب، و بالتالي، فإن قولك اما يلغي الجزء الذي انتخب هؤلاء النواب و لا يعتبره من الشعب، و اما يبطّن أن هؤلاء النواب خانوا ثقة ناخبيهم و تجاوزوا التفويض الموكل إليهم بإمكانية إنتخابهم منصف المرزوقي رئيسا و هذا غير صحيح و إن كان صحيحا لإحتج الناخبون عندما خرجت هذه التسريبات كما فعلوا في الأيام التي سرّب فيها إسم الباجي قائد السبسي كمرشح للرئاسة.

أما السطرين الخامس و السادس و فيهما قولك ( فاعتلاؤك هذا المنصب الأول في البلاد جاء بمحض ارادة حزب سياسي – النهضة- و ليس

عمر صحابو

عمر صحابو

بمحض ارادة التونسيات و التونسيين)، هذان السطران يؤكدان خطأ ما تورده من ” حقائق” لا تراها إلاّ أنت أو من يشابهك في التفكير، و يثيران الشكوك في عقليتّك الإصلاحية التي تدعيها لما فيهما من تطرّف واضح و نزعة استئصالية جليّة، فيا سيدي الكريم، حزب حركة النهضة حزب سياسي تونسي، منخرطوه كما قياداته تونسيات و تونسيون عانوا الويلات و القهر و الإقصاء و التهجير و المطاردة في العهد السابق، و هذا الحزب يعكس ارادة قسم كبير من التونسيات و التونسيين و لهذا انتخبوه، و من الطبيعي أنّ من يحصل على ارادة هذا الحزب لترشيحه للرئاسة يكون حاصلا بصفة تلقائية على ارادة منخرطيه ، و قولك الذي فيه ما فيه من نفي لتونسية هذا الحزب و منخرطيه غارق في التطرّف لدرجة تجعلني أتساءل: هل أنت فعلا اصلاحي كما تدعي، أم أنك متطرف علماني استئصالي لمن يخالفك ايديولوجيا؟ و هل أن حركة النهضة حزب فرنسي لا يمثّل جزءا من مكونات المشهد السياسي التونسي، أم أن هذا الحزب و منتسبيه ليسوا تونسيين أصلا لهذا استعملت عبارة – ليس بمحض التونسيات و التونسيين ؟ و هل قمت بإستفتاء شعبي أفضت نتائجه إلى أن العشرة ملايين تونسي لا يريدون المرزوقي رئيسا لهذا وصلت الى النتيجة التي أوردتها في عبارتك أن سيكون رئيسا دون ارادة التونسيات و التونسيين؟؟ ربّمـا (مواصلة القراءة…)


قد يتأخر المبدع عن موعده

سعادته السيد الوزير

عيون المعاصرة 2011

عندما يتزامن الأثر و ثورة حدثت في نطاقه الجغرافي تَعِدُ بإحداث تغييرات عميقة في مختلف البُنى قد نسترجع الحاجة إلى المناهج السياقية في النقد الأدبي كالمنهج التاريخي والنفسي والاجتماعي، تلك المناهج التي خفت بريقها لفائدة مناهج نصانية تفضل الانشغال بالنصّ ذاته معزولا عمّا يقع خارجه، من هذا المنظور يبدو أن رواية حسين الوادي “سعادته…السيد الوزير” الصادرة مؤخرا ضمن سلسلة عيون المعاصرة عن دار الجنوب للنشر قد تأخرت قليلا عن موعدها، فلو قرأها الناس سنة واحدة فقط قبل الآن لتغيّر الأمر كثيرا…!.

قدّم الكاتب في هذه الرواية “بورتريه” لوزير في نظام فاسد، جيء بهذا الوزير من عالم التربية والتعليم (حيث كاد المعلم أن يكون رسولا…) لا لكفاءة يتحلّى بها أو لتخصّص نادر يمتاز به وإنما ليؤدّي دورا ما كان لغيره أن يؤدّيه لو كان أكثر فطنة وانتباها، أصبح هذا المعلّم وزيرا ليدفع لاحقا ثمن كل الأخطاء التي ارتكبتها المنظومة بتوقيعه الشخصي وبمبادرة منه هو إذ كان يعتقد بسذاجةِ من لا يفقه في أصول السياسة المافيوزية الشيء الكثير أنه في سبيله إلى إصلاح الأوضاع الاقتصادية بإعفاء الدولة من أعباء إدارة وسائل الإنتاج الخاسرة (رزق الباي ليك) بينما كان من وجهة نظر أخرى يفرّط في الملك العمومي بسهولة متناهية لفائدة بعض الجهات المتنفّذة في جهاز السلطة مثيرا أطماع كلّ القروش التي تستدرجها دائما رائحة الدم.

وتقدّم الرواية نفسها بوصفها ملفا يتضمن اعترافات السيد الوزير أمام حاكم التحقيق ومحاولته تبرئةَ ساحته من ذنوب سيكتشفها القارئ تباعا ولكنه منذ الوهلة الأولى يتوقّع حدوث أشياء غريبة تنتمي إلى الكوميديا السوداء أكثر من تعبيرها عن واقع حقيقي كائن، انطلاقا من  المفارقة السريالية التي ينفتح بها النص: أن تنتج عن قرابة الراوي الدموية بابن خالته قرابة وظيفية بين وزير أول يشرف على تنفيذ مخططات “سيادته..” في الحكم ووزير مبتدئ لا يفقه شيئا، وتتطوّر الأحداث في الرواية من خلال وصف سيرذاتي مفصل لما حتّمه على الوزير ضعفُه أمام غوايةِ السلطة وتماديه في الوزارة على ما فيها من إكراهات تجعله فاعلا من درجة ثانية إذا ما قورن بمن هم نافذون ولكن من خارج جهاز السلطة التنفيذية ومؤثرون أكثر، يبدو ذلك بوضوح في صورة الوزير الكاريكاتورية وهو يمارس رياضة الجري في موكب لأحد الوجهاء مكتظٍّ بالمتزلفين والوصوليـين أو يتقرّب في ملعب القولف من وجيه آخر. (مواصلة القراءة…)


دورْ يا كلامْ على كيفَكْ دُورْ…

الأمين العام لحزب حركة النهضة

حمادي الجبالي

بعد الإعلان عن نتائج الانتخابات أضحت مراقبة الوضع تحتكم بالدرجة الأولى إلى الملفوظ السياسي لأنه لم يعد مجرّد نوايا تصدر عن طرف معارض وإنما صارا أفكارا قابلة للتشكل كليا أو جزئيا في برامج سياسية، وفي هذا السياق تجتاز عربة الانتقال الديمقراطي طريقا محفوفة بالمآزق اللغوية بما يجعل إجادة فعلي القراءة والتأويل بشروط الموضوعية الفكرية والشجاعة الأخلاقية تمرينا صعبا على الانتقال السريع من وضع التلقي السّـلبي لأطنان من الملفوظات الخشبية إلى الاستجابة بكفاءة لتحديات لغوية دقيقة ومؤثرة.

جلّ قضايا “الكلام السياسي” نابعة من ملفوظ ممثلي حزب حركة النهضة لأنهم يستعدون لتولي بعض مقاليد السلطة بينما لم يعد لمواقف الأطراف الأخرى أهمية تُُـذكر لدى قطاع عريض من الرأي العام، لقد انتهت الحملة الانتخابية التي قامت في جزء كبير منها على التواصل اللغوي وعلى الوعود المُنْصبَّةِ بشكل مباشر في اتجاه الناخب، وأصبح كلام الأحزاب الفائزة بأوفر المقاعد يخضع آليا لقراءة بقية مكونات الطيف السياسي والمجتمع المدني والرأي العام وتأويلها مختلَفَ أبعادِه ودلالاتِه، وهو ما يفسّر الزوابع الإعلامية التي أثارها كلام سعاد عبد الرحيم إلى إذاعة مونتي كارلو حول الأمهات العازبات بإرادتهنّ، أو استعمال حمادي الجبالي عبارة الخلافة الراشدة السادسة، أو كلام راشد الغنوشي في التلفزيون حول موقفه من النظام السوري الحالي وحقِّ حزب التحرير في أن يعترف به القانون. (مواصلة القراءة…)


تونس بين تركيا وأفغانستان

تركيا أو أفغانستان ؟

تركيا أو أفغانستان ؟

من تداعيات عرض الشريط الإيراني بيرسيبوليس على قناة نسمة التلفزيونية، ارتفاع درجة الحرارة الثورية في الشارع التونسي، فقد انطلقت الحملة الانتخابية في جوّ من “الوفاق العام”  بعد نهاية آخر مطبات المرحلة الانتقالية ونعني بها مشروع الاستفتاء الذي لم يصمد لأسباب لوجيستية ولم يشقّ الصف السياسي بقدر ما وحّد اللاعبين الأساسيين حول جملة من الضوابط لرسم خطوط فترة ما بعد الانتخابات، ولكن لم يتسن لهذا الهدوء أن يتواصل وعاد مسلسل الصراع بين السلفيين والحداثيين إلى الواجهة ناسفا بعض المكاسب التي تحققت سياسيا في الفترة الماضية متهدّدا لا سلامة المسار الديمقراطي فحسب وإنما السلم الاجتماعي ومكتسبات المجتمع التونسي كذلك..

فلئن كانت النهضة تتقدّم إلى انتخابات المجلس الوطني التأسيسي بوصفها الحزب السياسي ذا المرجعية الدينية الأكثر ملاءمة لمقتضيات الانتقال الديمقراطي في تونس التي تنتمي إلى عصر الحداثة فإن مظاهرات “استعراض القوّة” عشية الجمعة 14 أكتوبر 2011 تكشف الوجه الآخر لرقعة الشطرنج السياسية ونحن في مفترق طرق تاريخي حاسم، إذ عبّرت الفصائل الأشدّ تطرفا ومغالاة عن وجودها وعن تطلعاتها لإعادة المجتمع قرونا إلى الوراء والتخلي عن منجزات الحداثة لأنها طبعا من منظورها تعتبر خروجا عن أحكام الشريعة. وهكذا يجد المواطن التونسي البسيط نفسه وهو الذي يخشى دائما على طمأنينته وأمنه موزعا بين مظهرين من مظاهر “الإسلام السياسي” أحدهما يناقض الآخر تماما، إنه يرى على شاشة التلفاز قياديين سياسيين إسلاميين غير ملتحين وبثياب افرنجية، يبتسمون ويتحدثون ويضحكون وينشئون التحالفات الخفية والعلنية حتى مع السياسيين المنعوتين تقليديا في الذهنية العامية بأنهم من أعداء الدين لأن الدين حسب مذهبهم هو أفيون الشعوب، وهو يرى في المظاهرات التي تندلع بين الفينة والأخرى نصرة لله ورسوله متدينين عتاة غلاظا شدادا يرتدون ملابس لا تشبه ما تعوّد التونسيون ارتداءه منذ قرون، هم في الغالب شبان في مقتبل العمر ومن آفاق اجتماعية متواضعة تتعلق الشعارات التي يرفعونها بالكراهية والانتقام والدعوة إلى تصفية الخصوم الكفار. (مواصلة القراءة…)


الدرس الانتخابي

انتخابات 23 أكتوبر 2011

انتخابات 23 أكتوبر 2011

“إقبال التونسيين على صناديق الاقتراع فاق كل التوقعات”، تلك هي العبارة التي تردّدت بكثافة على ألسنة جميع المتدخلين يوم 23 أكتوبر 2011 إجابة عن كثير من التساؤلات.

هذه العبارة لا يمكن تجاوزها بسرعة لأنها في نظرنا تمثل بيت الداء وأصل الدواء..

فلماذا أقبل التونسيون بكثافة على الانتخابات بينما توقعت استطلاعات الرأي التي تداولتها الصحف عزوفا؟ ولماذا تعجز النخب عن مرة أخرى عن فهم الشعب وتحليل ردود أفعاله بشكل صحيح حتى تتوقع جيدا ولا تقف مبهوتة أمام واقع يتضح من جديد أنها لا تعرفه كما يجبُ؟ (مواصلة القراءة…)


الإعلام يعود إلى قفص الاتهام

إضاءة

بعد التصريح بالنتائج الأولية لانتخابات المجلس الوطني التأسيسي اتّجهت أنظار المحللين السياسيين إلى ما سيؤول إليه الوضع على الميدان فقد تمكن حزب حركة النهضة من الحصول على نسبة هامة من الأصوات تخوّل له قيادة التحالفات السياسية الممكنة والاضطلاع

عبد العزيز المزوغي

بدور كبير في المرحلة الانتقالية الثانية التي ستشهد صياغة الدستور الجديد.

وفي الوقت الذي كان يُنتظر أن يتّجه فيه من لم يمنحهم المقترعون أصواتا تكفي للمشاركة في المجلس الـتأسيسي إلى النقد الذاتي أصبح التخوّفُ مما اصطلح على تسميته “وصول الإسلاميـين إلى الحكم” السِّمةَ البارزة في كتابات بعض المحللين الذين يُـشيعون حالة امتعاض تتناقض تماما مع الملامح الإيجابية للتجربة الديمقراطية في تونس، من ذلك ما جاء بقلم السيد عبد العزيز المزوغي في خاتمة تحليله الصادر في جريدة المغرب بتاريخ 2 نوفمبر 2011 تحت عنوان “من النهضة إلى النهضة” قوله:

“إن انتخابات 23 أكتوبر ومهما يكن من أمر دخلت طيّ التاريخ وأفرزت واقعا سياسيا جديدا يبعث على التشاؤم في بعض مظاهره خاصة في ميدان الإعلام الذي أصبح يتيما لما فقد بن علي فأصبح يطبل للثورة وها هو اليوم يتبارى ليمتاز بثقة الحكام الجدد وفي هذا خطر جسيم على التعددية والديمقراطية”.

تفاعلا مع هذه الخاتمة الكافكاوية تتطلّع المقاربة التالية إلى إضاءة بعض العناصر المتّصلة بوضع الإعلام في تونس قبل الثورة وبعدها.

————– (مواصلة القراءة…)


الــغــــول

معلقة شريط برسيبوليس (2007)

معلقة شريط برسيبوليس (2007)

في ظلّ التخوفات المتزايدة من إمكان حدوث قلاقل واضطرابات اجتماعية خلال فترة انتخابات المجلس الوطني التأسيسي انطلقت سلسلة من الأحداث ذات الطابع الشعبي الذي يوحي بالاندفاع التلقائي دون أن يكون كذلك.

التخوفات تجسّدت على أرض الواقع في تحذير السلطات الأمريكية مواطنيها من القدوم إلى تونس في هذه الأيام تحسبا من وقوع مظاهرات واحتجاجات سياسية، كما تجسّدت في إقبال الناس على التزود بالمواد الغذائية بشكل غير طبيعي. ويمكن تأويل هذا الربط بين التخوفات والموعد الانتخابي في الخشية من أحد السيناريوهات الممكنة أو المتوقعة: أن يضطرب الوضع الاجتماعي فيحول دون وقوع الانتخابات وتدخل البلاد في مأزق اللاشرعية واللاتوافق، أو أن تقع الانتخابات فتفضي إلى حصول النهضة على الأغلبية بما يدفع إلى الانقلاب عليها وتنفيذ ما حدث في الجزائر منذ سنوات أو ما يشبهه بصيغة من الصيغ المتطورة.

إنّ الأحداث التي فجرها عرض قناة نسمة لشريط برسيبوليس باللهجة التونسية دون حذف المقطع الذي يمثل تجسيدا للذات الإلهية يتنزل ضمن سياق حافل بالمعطيات المتجاورة والمتداخلة منها أحداث كلية الآداب بسوسة التي يبدو فيها الطرف المتشدّد مستفزا وبادئا برغبة فرض منطق القوة، وحضور مسألة ارتقاء النهضة إلى سدة الحكم عبر المجلس الوطني التأسيسي في خلفية الحوار التونسي الأمريكي خلال زيارة الوزير الأول الرسمية إلى الولايات المتحدة الأمريكية. وانطلاقا من أن هذه الأحداث لا يمكن أن تكون مجتمعة في ذات السياق بمحض الصدفة وأن الوقائع السياسية غير محكومة بمنطق العفوية وسلامة النية فإنّ تحديد دور كل طرف (الطرف الخارجي، الطرف الرسمي، المعارضة) في توجيه دفة السفينة وهي تعبر العاصفة يدعو إلى تدقيق النظر أو ما يمكن تسميته على الطريقة السينمائية بتكبير اللقطات حتى نستشف المنطق الداخلي لما يحدث حولنا ويؤثر فينا. (مواصلة القراءة…)


إذاعة المنستير من دكتاتورية لأخرى

الشيخ منور المدني

بالأمس كانت اذاعة المنستير تسمى “عروس البحر” بما تحمله هذه التسمية من عمق البحر واتساعه وجمال العروس وانطلاقتها نحو الاحلام..، واليوم تغير شعارها الى “الصوت الحر” لتنكتم فيها الأصوات وتقبر الكفاءات وتقصى سواء من بداخلها أو من المتعاونين الخارجيين.

بالأمس كان إشعاعها متميزا واليوم سبقها غيرها تألقا وإشعاعا واستقطابا لتتخذ أدنى المراتب في إحصاءات المحصين وفي آذان المستمعين.

بالأمس أدارها اهل الاعلام المختصون، أجيالا وأجيالا من الرجال المتمرسين العارفين بخصوصيات الإعلام رغم الهزات والضغوطات من بورقيبة الى بن علي..، واليوم – بعد الثورة على الموروث المقيت- يديرها مؤقتا من اختصاصه الآداب والعلوم الانسانية، وكان الظن أن تسير الامور في هذه الاذاعة سيرا طبيعيا مواكبا لمتطلبات المرحلة الثورية بطاقاتها الذاتية بعد ان تخطت بنجاح وتميز الايام العصيبة الاولى رغم ما أحدثته الثورة بعنصر المفاجأة وعدم تمرس اهل الاذاعة بهذه المستجدات المتسارعة والمذهلة والصادمة دون ان تكون آنذاك في حاجة الى مدير اذ تواصل تسييرها بتألق دون ادارة مباشرة لأسابيع، لكن حين جيء بالمدير الجديد المؤقت الدكتور جميل بن علي أستاذِ اللغة والآداب العربية كانت التطلعات مشرئبة نحو طفرة نوعية وقفزة إعلامية تحققها “عروس البحر“- بعد أن كانت ككل وسائل الإعلام التونسية لا تمثل سوى النظام الحاكم ولا تعكس سوى ما يريده, الأمر الذي جعل الإعلام عموما يمر بأزمة حقيقية تمثلت بفقدانه الدور المؤثر في صناعة الرأي العام إضافة إلى ضعف التأثير على المتلقي… فتوجه هذا المتلقي وخاصة الشباب إلى وسائط أخرى أكثر حداثة واجتماعية وأكثر قدرة على تلبية طموحاته، وفي نفس الوقت أكثر قدرة على المرور من بين يدي الرقيب السياسي- وخاب الظن وانهارت التطلعات وهي ترى الاذاعة الجهوية بالمنستير بدل ان تنتقل من دكتاتورية الماضي وتتخلص من براثن اللوبي الاعلامي الذي جثم على صدرها وبقية المؤسسات الاعلامية لسنوات تقع في دكتاتورية جديدة لا تختلف كثيرا عن دكتاتورية الماضي القريب..، هذه الدكتاتورية تلتمس من خلال الحقائق التالية: (مواصلة القراءة…)


الإعلام العمومي: دار لقمان وأحوالها

التلفزة التونسية

التلفزة التونسية

لم تستطع المهنة الصحفية أن تؤجل ولو قليلا أزمتها القطاعية لصالح سلامة الانتقال الديمقراطي ودور أفضل للصحافة فيه، ومن مظاهر هذه الأزمة التجاذبات التي تميز من جهة عمل المؤسسات (النقابة، الهيئة العليا لإصلاح الإعلام…) وعدم قدرة القطاع العمومي على استغلال حالة الثورة لصالحه في مستوى الكيف وتنوع العرض وخضوع المجال السمعي البصري بحالته الراهنة لمتطلبات أطراف سياسية تستفيد كثيرا من المماطلة والتسويف في الخروج به من عنق الزجاجة.

لقد تشكّل قبيل اندلاع ثورة 14 جانفي بقليل شبه اقتناع بأن القطاع السمعي البصري العمومي هو بصدد الاحتضار وكانت الدلائل على ذلك كثيرة ومن أبرزها تقهقر نسب الاستماع والمشاهدة في مختلف استطلاعات الرأي ولم تكن حملات التشكيك التقليدية في موضوعية هذه الدراسات ودقتها لتغير من واقع الحال شيئا إذ أصبحت وسائل الإعلام هذه صوتا للنظام السياسي القائم لا غير وبدأت تبرز بعض التساؤلات المحتشمة عن جدوى القيام بالمرفق العمومي على هذه الشاكلة أي بنسبة متدنية من المستمعين والمشاهدين.

وأمام حالة الارتباك والذهول التي عمّت في أعقاب سقوط نظام الرئيس بن علي بتلك الصورة غير المتوقعة ومع انطلاق عملية تشكّل واقع سياسي جديد أساسه الحرية والتعددية عادت جميع وسائل الإعلام السمعية والبصرية إلى خط الانطلاق الأول وتوفرت فرصة تاريخية لا تتكرّر ليستعيد القطاع العمومي أسبقيته فهو الأحرى بشعار “صوت الشعب” والأكثر تضررا من هيمنة أجهزة الاستبداد السياسي وهو المرفق العام الذي يتطلع التونسيون إلى أن يكون الناطق باسمهم في مواجهة الحكومة لا الناطق باسم الحكومة في مواجهتهم بينما تحوم الكثير من الشبهات حول ظروف تأسيس القنوات الخاصة وعلاقة باعثيها بالنظام. والآن تشكل اقتناع جديد بأن الإعلام العمومي فرّط في هذه الفرصة التاريخية وأهدرها مجدّدا لصالح القطاع الخاص الذي استطاع أن يتجاوز كل الشبهات ويبقى على رأس القائمة في مختلف دراسات قيس نسب المشاهدة والاستماع. (مواصلة القراءة…)


الغنــــيمة

شارع قرطاج

شارع قرطاج في بداية القرن العشرين

ماتزال المقامة المضيرية تلحّ عليّ وتحضرني في سياقات متنوعة، إنها تقفز إلى شاشة ذهني من مكان قصي في الذاكرة فأتمثل بها كلما عاينت اختلال القيم وتضعضع بنيانها وما أكثر ما يحدث ذلك اليوم. والمقامة المضيرية (لمن لا يعرفها) قصة أبي الفتح الاسكندري الأديب مع بعض التجار في بغداد، دعاه إلى المضيرة فلبّى وما أن سلكا طريق الضيافة حتى انبرى التاجر يعدّد مظاهر غناه وأسباب ثروته متفننا في امتداح الأشياء التي تصنع مجده، مماطلا في تقديم المضيرة حتى تبلغ السخرية ذروتها بهروب أبو الفتح الاسكندري لا يلوي على شيء بعد أن وصف التاجر الكنيف (المرحاض) بأنه “يتمنى الضيف أن يأكل فيه”، فأفلت قائلا: كل أنت من هذا الجراب لم يكن الكنيف في الحساب، ومضى التاجر في إثره صائحا والصبيان يرددون قوله: يا أبا الفتح المضيرة، فقذفهم بالحجارة حتى انتهى به الحال إلى الحبس!.

ينبه أساتذتنا الذين برعوا في تقليب هذا النص العجيب على مختلف وجوهه وافتتنوا به أيما افتتان وفي مقدمتهم الأستاذان توفيق بكار وحمادي صمادي أن هذه المقامة علاوة على قيمتها الفنية العالية يمكن أن تكون أيضا مادّة مهمة لدعم فكرة الناقد المجري جورج لوكاتش حول الترابط بين مختلف أشكال الوعي والبنية الاقتصادية المحددة لها والعلاقة الجدلية بين الدلالة الإبداعية ودلالة البنية الاجتماعية بوصفها انعكاسا لها، خصوصا في الجملة الأخيرة التي يعلق بها عيسى بن هشام على نذر الاسكندري ألا يأكل مضيرة بقوله: قَدِيماً جَنَتِ المَضِيرةُ عَلَى الأَحْرَارِ، وَقَدَّمَتِ الأَرَاذِلِ عَلى الأَخْيارِ. (مواصلة القراءة…)


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress