
شارع قرطاج في بداية القرن العشرين
ماتزال المقامة المضيرية تلحّ عليّ وتحضرني في سياقات متنوعة، إنها تقفز إلى شاشة ذهني من مكان قصي في الذاكرة فأتمثل بها كلما عاينت اختلال القيم وتضعضع بنيانها وما أكثر ما يحدث ذلك اليوم. والمقامة المضيرية (لمن لا يعرفها) قصة أبي الفتح الاسكندري الأديب مع بعض التجار في بغداد، دعاه إلى المضيرة فلبّى وما أن سلكا طريق الضيافة حتى انبرى التاجر يعدّد مظاهر غناه وأسباب ثروته متفننا في امتداح الأشياء التي تصنع مجده، مماطلا في تقديم المضيرة حتى تبلغ السخرية ذروتها بهروب أبو الفتح الاسكندري لا يلوي على شيء بعد أن وصف التاجر الكنيف (المرحاض) بأنه “يتمنى الضيف أن يأكل فيه”، فأفلت قائلا: كل أنت من هذا الجراب لم يكن الكنيف في الحساب، ومضى التاجر في إثره صائحا والصبيان يرددون قوله: يا أبا الفتح المضيرة، فقذفهم بالحجارة حتى انتهى به الحال إلى الحبس!.
ينبه أساتذتنا الذين برعوا في تقليب هذا النص العجيب على مختلف وجوهه وافتتنوا به أيما افتتان وفي مقدمتهم الأستاذان توفيق بكار وحمادي صمادي أن هذه المقامة علاوة على قيمتها الفنية العالية يمكن أن تكون أيضا مادّة مهمة لدعم فكرة الناقد المجري جورج لوكاتش حول الترابط بين مختلف أشكال الوعي والبنية الاقتصادية المحددة لها والعلاقة الجدلية بين الدلالة الإبداعية ودلالة البنية الاجتماعية بوصفها انعكاسا لها، خصوصا في الجملة الأخيرة التي يعلق بها عيسى بن هشام على نذر الاسكندري ألا يأكل مضيرة بقوله: قَدِيماً جَنَتِ المَضِيرةُ عَلَى الأَحْرَارِ، وَقَدَّمَتِ الأَرَاذِلِ عَلى الأَخْيارِ.
ولكن إضافة إلى هذا المعنى الشهير الذي نستخدمه دائما في الدلالة على معنى انقلاب القيم في عصور الانحطاط ومدى تشابهها مع واقعنا اليوم نكتشف في النص غُبنا آخر برع الهمذاني في تبيانه براعة شديدة، إذ سحب من الأديب سلطة البيان كذلك ومنحها للتاجر فأبو الفتح الاسكندري الذي وصف في مطلع النص بأنه “رجل الفصاحة يدعوها فتجيبه والبلاغة يأمرها فتطيعه” ظلّ صامتا لاحول له ولا قوة أمام استرسال التاجر في استعراض عناصر ثروته وظل مفعولا به حتى النهاية وتلك في اعتقادنا ذروة المفارقة وقمة الدلالة على الانهيار.
أذكر المقامة المضيرية هذه الأيام وأنا أعاين مختلف ردود الأفعال التي أثارتها الدعوة إلى مراجعة قرار تخصيص مقر الشركة التونسية للتوزيع سابقا الكائن بين شارع قرطاج ونهج اليونان في قلب العاصمة للتجارة الموازية، لقد انطلقت الحملة على الشبكة الاجتماعية فايسبوك وفي الصحافة الوطنية واستجاب لها برنامج بلامجاملة الشهير في قناة حنبعل التلفزية وتم تصوير فقرة حول الموضوع، وفي الوقت الذي كنا نتوقع فيه تعالي أصوات المثقفين والكتاب والفنانين دعما للفكرة فوجئنا بصمت مطبق تقابله تحركات منظمة من نقابة التجار المستقلين بدأت بتوجيه بيان للصحافة يستنكر ما جاء على لسان الزميل لطفي العماري في معرض وصفه للتجار المالكين الجدد لهذا المقر والتهديد بالقضاء إذا تواصل الاحتراز على تنفيذه…!!!
طبعا لم يظهر أيُّ موقف رسميّ في الموضوع ولم يتقدّم أحد من الجهات الحكومية لتوضيح المسألة والدفاع عن قرار الجهة المانحة وسخائها مع التجار، وكأن ما عرضته التلفزة يومها لا يعني المسؤولين المؤقتين في شيء بل وكأنه يتحدث عن شارع قرطاج في الأرجنتين أو فينيزويلا أو الهونولولو مثلا، ولم يتحمّس السواد الأعظم من المثقفين والمبدعين لتحويل صيحة الفزع هذه من مجرد موقف شخصي إلى قضية رأي عام (أستثني هنا الموسيقار محمد القرفي والروائية رشيدة الشارني والشاعر مراد العمدوني والصحفي شكري الباصومي ينضاف إليهم فريق برنامج بلا مجاملة، فهؤلاء أبدوا استعدادهم لتطوير حركة الاحتجاج هذه والنزول بها إلى الشارع إذا لزم الأمر)، و اتّضح من خلال ما بادر إليه “التجار المستقلون” عبر وسائل الإعلام أنهم يتحركون عبر نقابة منظمة ومن خلال استغلال ذكي لحالة الضعف والوهن التي كانت عليها الحكومة ومختلف أجهزتها في الأيام الأولى التي عقبت الثورة وهو ما يشبه انتزاع وصية من رجل مريض وهو في النزع الأخير.

مقال جريدة الأخبار
لقد برهن التجار على يقظتهم وتراصّ صفوفهم وحسن انتهازهم لضعف الطرف المفاوض وطلاقة لسانهم في مواجهة الرأي الآخر بينما برهنت الهياكل الثقافية عن استقالتها في هذا الظرف التأسيسي الدقيق مستسلمة لسلطان الصمت ونعومة الظلّ. وبهذا لم تعد القضية الآن متعلقة بشارع قرطاج أو مقر الشركة التونسية للتوزيع سابقا أو المطالبة بالحفاظ على وسط البلد واجهة ثقافية جمالية بعد أن تساءل نائب رئيس النقابة لإحدى الصحف مستنكرا: عن أي تاريخ تتحدّثون؟؟ لقد أصبحت القضية في نظري متعلقة باستحقاقات الثورة وتوزيع المواقع داخل مجتمعها الموعود، فها إن المتحدث باسم نصابة مدينة تونس يحتج على وجاهة نضالهم للتمركز في قلب العاصمة التجاري بأن زملاءه النصابة هم أول من ثاروا للقضاء على الظلم والإهانة…!
نحن على أتم الاستعداد : الآن وهنا للدفاع عن حق التجار المستقلين (وهي التسمية المهذبة البديلة لعبارتي: النصابة والتجارة الموازية) في الكرامة والشغل، كما ندافع عن حقنا في أن يعود وسط مدينة تونس قلبا نابضا بالحياة والفن والجمال كما كان منذ أكثر من مائة عام، ونحن جميعا إذ ننحني إجلالا لمحمد البوعزيزي الذي افتدانا بجسده النحيل فإننا لن نرضى حتما بوضع صورة عربته التي احتجزتها عون التراتيب البلدية في سيدي بوزيد على الأوراق النقدية بدل صورة أبي القاسم الشابي تقديرا لدور النصابة في الثورة الشعبية.





