Author Archive

كنت دايخة سي علاء…

عبد الوهاب عبد الله

عبد الوهاب عبد الله

قدمت قناة الحوار التونسي حلقة مميّزة من برنامجها الشهير “عندي ما نقلّك”، وهي كذلك لأنها تضمنت حكاية غريبة  لم نتعوّدها، حكاية فتاة مقعدة بسبب إعاقة لازمتها منذ الصغر جاءت إلى البرنامج تشكو قريبا لها اغتصبها على سرير نومها، وعندما اشتكته إلى الشرطة ادّعى أن المواقعة كانت برضاها، ولمّا كان المدّعى عليه حرّا طليقا أربع سنوات بعد الواقعة فمن الواضح أن السلط القضائية اقتنعت بروايته هو ورمت بادعاءات المجنيّ عليها عرض الحائط، وهو ما دعاها إلى أن تجرّب وصفة تلفزيون الواقع علّها تظفر منه باعتراف على الملأ قد يعيد أوراق القضية إلى باحث البداية من جديد أو يغير وجهتها نحو قصر البلدية لعقد قران يحفظ لهذه الفضيحة ماء وجهها.

وشعورا منه بغرابة الواقعة التي جاءت من أجلها الفتاة مستضيفة مُغتصبَها حاول منشط البرنامج التثبت من بعض المسائل التقنية المتعلقة بحيثيات الاغتصاب إذ لا مناص في تلفزيون الواقع من جرأة تبلغ حدّ الوقاحة أحيانا من أجل المزيد من الإثارة وتصعيد التشويق، فسألها إن كانت بمفردها ساعة الاغتصاب أم لا وكيف تسنى لهذا الشاب أن يصل إلى فراشها دون أن يتفطّن إليه أحد، وإمعانا منه في الإثارة سألها كم استغرقت العملية فقالت نصف ساعة كاملة ولما سألها كيف تعجز طيلة هذه الفترة عن إبداء مقاومة تجلب انتباه النائمين معها في الغرفة أجابته: “كنت دايخة سي علاء…”!

(مواصلة القراءة…)


المهرولون

دموع التماسيح

دموع التماسيح

للتونسيين مع الدموع التلفزية تاريخ طويل، فمنذ زمن الأسود والأبيض لم تكن خطب الزعيم الحبيب بورقيبة تخلو من لحظات عاطفية تتغير فيها نبرته وتترقرق دمعته فيتوقف ليرفع النظارات ويمسح عينيه ويعدل صوته ثم يعود إلى السياق كأن شيئا لم يكن. كان يُحدث الناس عن طفولته وأمه ونساء عائلته فيبكي ثم يعلن أن تحرير المرأة هي قضيته الشخصية الأولى، ويحدث الناس عن الزنازين التي اقتيد إليها والمنافي التي أبعد فيها فيبكي ثم يؤكد أنه قد انتصر على الذين كانوا يعتقدون أن إخراج فرنسا أمر مستحيل، وكان يغالب دموعه كلما تذكر أن تونس ستستمر من بعده، وسرعان ما يطمئن جمهوره على مستقبلها لأن أساسها متين لا تقتلعه العواصف العاتية.

كنا نحب الزعيم ونحب خطبه ودموعه التي هي أبلغ من كل صيغ التوكيد في اللغة، وعندما كبرنا وحدثونا عنه اتضح أن كل تلك الدموع التي ذرفها في خطبه كانت جزءا من سيناريو متقن للتواصل الجماهيري في زمن كان فيه بعض الزعماء يستحوذون على مشاعر الملايين بدمعة وابتسامة. ورغم ذلك لم يشكّ أحد في صدقها لأنها كانت رسائل عاطفية مشفرة ترسخ في الأذهان العلاقة الأبوية التي تربط الزعيم القائد بالشعب وتجعله المرادف الرمزي للدولة.

وفي نهاية الثمانينات، عندما غنى محمد عبد الوهاب رائعته “من غير ليه” بكى صالح جغام في برنامج تلفزي غضبا على أشخاص لم تعجبهم الأغنية وقال كلمته الشهيرة: “لا تكتبوا عن الأشياء التي لا تعرفونها ولا تشعرون بقيمته لأنكم لم تعيشوها”. كان صالح جغام صوتا من أصوات الإذاعة في عزها ورمزا من رموز الثقافة العصامية، وقبل سنة واحدة من وفاته المفاجئة كان في قلب تحولات المشهد الثقافي والإعلامي كمن يقود عاصفة بمفرده، تلك العاصفة التي بشّر بها الشابي من قبل لاقتلاع الجذور اليابسة، وكان عندئذ صادقا في دموعه لأنه كان يخوض معركة حقيقية ضدّ الرداءة.

من شهد سهرة الوداع الفلسطيني ذات ليلة صيف من إحدى سنوات التسعينات لا يمكن الا أن تعلق بذاكرته كما تعلق الذكريات الجميلة دمعة محمود درويش، كانت دمعة صغيرة لكنها نهر من الأحاسيس نَبَع من جهة في القلب لا يدركها الا الشاعر، في تلك اللحظة لم تستطع اللغة أن تقول بمفردها مشاعر شعبين عاشا معا اثنتي عشرة سنة كاملة بحلوها ومرّها، “هل نسينا شيئاً وراءنا؟ نعم… نسينا تلفُّت القلب، وتركنا فيك خير ما فينا، تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا”، هي دمعة ترجمت إلى كل لغات العالم عرفان فلسطين بالسخاء العاطفي التونسي، واختصرت عمرا مشتركا امتزجت فيه الدماء بالدماء عندما لاحقت طائرات العدوّ تحت أنظار العالم منظمة التحرير الفلسطينية حتى شواطئ الساحل الافريقي الشمالية، في ليلة الوداع تلك تلألأت في بريق الدمعة صور السفينة وهي تدخل صباحا ميناء بنزرت حاملة المقاتلين الفلسطينيين وأيتام الشهداء القادمين من جهنم بيروت، ضاقت بهم الأرضُ على رحابتها ففتحت لهم تونس أحضانها، تلفعت زوجة الرئيس بكوفية فلسطينية وحملت في ذراعيها طفلا وتقدمت المقاتلين وهم ينزلون من السفينة على وجوههم غبار المعركة الأخيرة والحصار وعلى أكتافهم رشاشات لم يطلب منهم أحد خلعها قبل الهبوط إلى أرض قرطاج. وظلت تونس تفتخر طويلا بأنها البلد العربي الوحيد الذي لم يخرج منه الفلسطينيون مطرودين، بل عادوا منها إلى ما يشبه البلد وما يمكن اعتباره بداية الاعتراف بالدولة.

وكم كان مؤثرا مشهد أرملة شهيد إسلامي وهي تقول لأحد قادة حركة النهضة باكية: لا تنتقموا، حدث ذلك في أعقاب الانتخابات الأولى بعد الثورة وكانت شماريخ الفرح تملأ سماء مونبليزير، كانت تلك المرأة التي تعرف الجمر أكثر من غيرها تبكي من شدّة الفرح، وكانت دعوتها أبناء الحركة للصمود في وجه ثعبان السلطة وإغراءاته ذروة الشموخ الذي يكلل كل القصص الأليمة، لكنّ صورتها ضاعت شيئا فشيئا في ضباب الكراهية السوداء وتلاشت في دخان الحقد الأعمى.   للدمعة هيبتها وللابتسامة رونقها عندما تنبعان من القلب وتفيضان صدقا وبهاء، لكننا صرنا إلى زمن تهاوت فيه القيم وتبعثرت تحت أقدام المهرولين والمتسلقين، ومثلما لا يشك أحد في صدق هذه الدموع التي ذكرت لا يختلف عاقلان في أن الدموع التي تقطر نفاقا ورياء لا تثير في النفس أي أسف أو أسى بل تستفز مشاعر السخط وتتحول بمرور الأيام إلى ما يشبه النكتة أو الموقف السخيف الذي يتندّر به الناس، يدخل ضمن هذا الباب بكاء ذلك الوجه الرياضي المعروف وهو يشكر “سيادة الرئيس” ويدعو لوالديه بالرحمة لما أنعم به على القـناة وباعثها، ولا يختلف عنه في شيء مدير الحملة الانتخابية للرئيس المنتهية ولايته عندما بكى بين يدي سمير الوافي نيابة عن مساجين العهد السابق من غير أن ينتبه إلى أن ضحايا القهر الحقيقيين لا يبكون، وليسوا في حاجة إلى من يبكي نيابة عنهم، فتلك خصلة أخرى من الخصال التي تجعل الناس أمامهم يتضاءلون، وكل بُكاء مأجور باسم معاناتهم هو ضرب من التحيّــل الموصوف.


فلننصف تونس وثورتها!

الدكتور المنصف المرزوقي

الدكتور المنصف المرزوقي

إثر هروب بن علي، وبّخ العقيد معمر القذافي الشعب التونسي في حوار تلفزيوني، وقال كلمته الشهيرة: “ستندمون حيث لا ينفع الندم”، مؤكدا أنه لو كان مكان التونسيين لاختار بن علي بلا تردّد رئيسا مدى الحياة!، كان القذافي صديق الجنرال منذ أكثر من أربعين عاما وكان يبدو للجميع مصابا بجنون العظمة وصاحب فلسفة سياسية مضحكة ولذلك لم يستغرب أحد موقفه ذاك فهو لا يؤمن بغير ثورة الفاتح من سبتمبر، أما ما قام به التونسيون فهو من وجهة نظره مجرد غوغاء!

تذكرت هذا الموقف وأنا أقرأ مقال وائل قنديل رئيس تحرير صحيفة “العربي الجديد” بعنوان: “لننصف المرزوقي!”، وهو مقال انبرى فيه صاحبه يستعرض مناقب الرئيس التونسي المؤقت الأخلاقية والسياسية ملمحا إلى أن التونسيين سيرتكبون خطأ لا يغتفر إذا ما أنزلوا الدكتور من على كرسي الرئاسة الذي لا يستحقه غيره!

نعم لننصف الدكتور المنصف المرزوقي، فلا أحد يعترض على مقولة الإنصاف مطلقا وعلى أحقية السيد الرئيس بهذا الواجب الأخلاقي الرفيع، ولكن الإنصاف يقتضي النظر إلى الأشياء بمناظير معتدلة لا تُجمل الأشياء وتزوقها سيما إذا كانت تنظر إليها من مسافة بعيدة، وإنصاف المرزوقي يقتضي حتما مواجهته بأخطائه التي باتت معروفة لدى الجميع من فرط تكرارها على رؤوس الملأ في مختلف المنابر السياسية المحلية، لكن يبدو أن السيد وائل قنديل فضل القفز عليها والاكتفاء بترديد بعض المقولات السهلة المتهافتة التي يرددها مستشارو الرئيس ومن بقي معه في حزبه الصغير مثل القول بأن من يقف ضد المرزوقي يمثل الدولة العميقة وأن عدم انتخابه رئيسا مرة ثانية يعني العودة إلى منظومة الاستبداد. وهذه المقولات التي تقوم على ثلب الطرف المقابل لا تقدم للناخبين أجوبة مقنعة على مآخذهم بل تزيد الأوضاع احتقانا وتغرق البلاد في فوضى تفكير لا نسقي يستحضر أرواحا من الماضي يخوض بها معارك مفتعلة.

كان المرزوقي يردد قبل وصوله إلى قصر قرطاج بأنه يريد تأسيس حزب سياسي لمائة سنة قادمة ويرفض التحالفات الانتخابية الظرفية لتحديد حجمه السياسي الصحيح، وكان خصومه آنذاك يعتبرون حزبه فرعا من النهضة يتقدم بوصفه حزبا علمانيا، وقد رجحت الأحداث اللاحقة هذه النظرية حين انخرط حزب المؤتمر بزعامة النهضة في الترويكا الحاكمة بلا شروط تذكر، وبدأ يفقد شيئا فشيئا قياداته ومناصريه لينخرط أكثر فأكثر في خيارات الحزب الإسلامي بل أصبح ممثلوه الأكثر تصلبا داخل المجلس التأسيسي، وضمُر حزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي قاد المرزوقي إلى الرئاسة فانفض من حوله أصدقاؤه القدامى وتفرقوا، وظل السيد الرئيس محوطا ببعض المستشارين الذين لا يعرف لهم رصيد نضالي، بل إن بعضهم التحق بالحزب بعد وصول رئيسه إلى القصر الرئاسي، وتفتقت مواهبه النضالية بعد أن أصبح النضال بلا ثمن يذكر، هؤلاء لهم دور كبير في انحسار شعبية الرجل حتى في الأوساط التي لا علاقة لها بالنظام السابق!.

د وائل قنديل

د وائل قنديل

صحيح أن الشعب التونسي لم يختر المنصف المرزوقي رئيسا في انتخاب حر ومباشر لكنه أنصفه بتعيينه أول رئيس للجمهورية التونسية بعد الإطاحة بزين العابدين بن علي، وكان الموكب الرسمي الذي تسلم فيه مقاليد الرئاسة من خلفه فؤاد المبزع مثقلا بالرموز العميقة. ولكن السيد الرئيس ومنذ خطابه الأول شرع في ارتكاب الأخطاء، فقسم التونسيين إلى فئات ولم يكن ذلك مجرد خيار بلاغي بقدر ما كان عقيدة تتنافى مع عقيدة التونسيين الذي يرفضون التقسيم، ومن ثمة بدأت المواجهة مبكرا بينه وبين طبقة سياسية كاملة، وأخذت الهوة بينهما تتسع من يوم لآخر لينعزل أكثر فأكثر في قصره وأفكاره ورؤاه، ولم يتنازل الدكتور عن أناه بل ازداد تصلبا، ولم يتزحزح قيد أنملة عن أفكار يعتنقها ويؤمن بها دون أن تكون محل وفاق عام، وتحت أنظاره جرت كل محاولات النيل من مدنية الدولة التونسية والعبث برصيدها الحضاري فلم يستطع أن يقف في وجه حليفه القوي عندما قرر تسليم البغدادي المحمودي إلى السلطات الليبية دون علمه في عملية اعتبرها شق عريض من التونسيين صفقة مشبوهة كان عليه أن ينتبه خلالها إلى أنه في موقع لا يناسبه البتة، وفي أعقاب تلك الحادثة بدأت تلصق بالسيد الرئيس شتى النعوت الكريهة التي تطلق على من كان فاقد الصلاحية وعديم الجدوى!

أفكار الدكتور المنصف المرزوقي عن الثورة الواردة في كتابه “إنها الثورة يا مولاي” لا يشاطره إياها كثير من التونسيين، فالثورة التونسية حدثت لدوافع اقتصادية بالأساس، انفجر الوضع الاجتماعي في تونس بعد أن تفاقمت البطالة وكان أول شعار رفع في وجه بن علي: “التشغيل استحقاق يا عصابة السراق”، لكن يريد الحقوقيون من أمثال الدكتور المنصف المرزوقي استبدال صورة “ثورة الجياع” بصورة أكثر إيجابية مفادها أن الثورة على بن علي هي ثورة ضد الطغيان، هذه الرؤية ترمي إلى إلصاق تهمة العار بخمسين عاما من عمر دولة الاستقلال بكل مكتسباتها، لا لشيء الا لأنها أخفقت في إرساء نظام ديمقراطي حقيقي، وهي رؤية تشيد بالثورة لأنها صالحت التونسيين مع هويتهم (!) وأوصلت الإسلاميين إلى الحكم بعد أن كانوا في قلب معركة الديمقراطية وإخفاقاتها المتكررة منذ ثلاثين عاما على الأقل. باختصار أسهم المرزوقي في تحويل وجهة الثورة من صانعيها الحقيقيين المفقرين والمهمشين في الداخل التونسي وإهدائها إلى الإسلاميين الذين أخرجهم بن علي ذاته من السجون قبل سنتين من رحيله. وهو يعتقد أن الثورات تستغرق أجيالا وأجيالا لتحقق أهدافها بينما يتطلع شق عريض من التونسيين إلى الاستقرار بعد ثلاث سنوات طويلة من المعاناة صيغ خلالها دستور يرى كاتبوه أنه الضامن الأول لعدم الوقوع مجددا بين براثن الاستبداد. وأخذ الدكتور المنصف المرزوقي ينعزل أكثر فأكثر سياسيا بعد أن اختار أن تجري حملته الانتخابية بأدوات التخويف والترويع من عودة الدكتاتورية متجاهلا الطابع العقابي للانتخابات فهو يتحمل النصيب الذي يلائم موقعه من مسؤولية إخفاقات الترويكا في ملفات عديدة من أهمها ملف العدالة الانتقالية ومحاكمة رموز النظام السابق وانتشار الإرهاب.

أخطاء السيد الرئيس أكثر من أن تحصى وتقديمه بهذا الشكل الملائكي الهلامي لا يتناسب ومقتضيات المرحلة، لقد اعتلى سدة الحكم في أعقاب الثورة مناضلون عرفوا المعتقلات والسجون والمنافي وكان وجودهم على رأس مؤسسات السيادة بمثابة تكريم رمزي، لكن ذاك لم يكن في صالح التونسيين وثورتهم، فقد أخفق كثير من المناضلين في أن يكونوا رجال دولة، وكان على السيد الرئيس أن يستوعب الدرس ويستجيب إلى مقتضيات الواقعية السياسية دون أن يضع تاريخه كله في جراب حزب حركة النهضة، كان على السيد الرئيس ألا يناقض قناعاته، فالديمقراطية ليست حكرا عليه وليست مرتبطة بشخصه، ولن تسقط برحيله، وكان عليه ألا يستسلم لأكاذيب مستشاريه حول الدولة العميقة والنظام القديم لأن ذلك يتعارض جملة وتفصيلا مع منجزات الثورة في سنوات التأسيس الثلاث، كل الدلائل تشير إلى أن الدكتور المنصف المرزوقي يمر بالامتحان الأصعب، امتحان الخروج سالما من السلطة، ذلك الامتحان الذي تحاشاه سابقوه وقد كان الأمر ليكون مختلفا لو تحاشى هو هذه الانتخابات!


فَريج المُرر

فريج المرر للكاتب السوداني حامد الناظر“منذ زمن طويل ونحن نبحث عن فردوس مفقود لا وجود له، حين يغيب عن خيالنا سيكون كل شيء ممكنا!”

رواية فريج المرر الصادرة مؤخرا عن المركز الثقافي العربي أثر أدبي ممتاز رغم أنها العمل الأول للصديق الكاتب السوداني حامد الناظر.

ارتباط الرواية بالمكان يجعلها تنتمي إلى المدرسة الواقعية وهي تستمد خصوصيتها من خصوصية هذا المكان الضيق الذي يغدو نافذة على عالم فسيح، ففريج المرر هو حي من أحياء مدينة دبي القديمة، وفيه يقع مقهى الزمن الذي يرتاده الأحباش، هنا تبدأ حكايات الفريج ولا تنتهي، يأخذنا الراوي إلى أعماق التاريخ الذهني والاجتماعي للحبشة من خلال نماذج حية لشخوص تصارع من أجل بقاء الهوية، فتنشطر الرواية إلى حكايات شتى تمتزج فيها الحكمة بالواقعية وتتآلف فيها الغرابة بالفجيعة.
هي ليست فقط رواية النادلات الأثيوبيات في مقاهي دبي وبنات الليل الوافدات من الجوع الافريقي، وهي ليست رواية حمد المري الذي يبحث عن امتداد له في نسل مستحيل، بل هي أيضا ليست حكاية الراوي الذي لا نعرف شيئا عن جذوره وكأنما ولد ساعة وصوله إلى دبي تائها في أزقتها القديمة باحثا عن أفق، لكنها رواية كل هذه الكائنات مجتمعة، رواية الحبشة التي كانت في يوم ما امبراطورية وأصبحت مصدرا لكل الأوجاع الإنسانية، هي رواية الفريج الذي سيغدو مرآة عظيمة تتفتت في ضوئها الذوات وتتوالد الحكايات، ولن يفقد الراوي في هذا الخضم مهارة الحكَّاءِ المخاتل إذ يمتنع عن الحكاية في نقطة الذروة ويترك للقارئ  أن يتخيل مصائر الشخوص يشكلها كيفما يشاء.

رواية أولى ولكنها متقنة قادت حامد الناظر إلى منصة التتويج أكثر من مرة، فقد امتاز فيها الكاتب بأداء لغوي يتسم بالبساطة والشاعرية وهو يتنقل بخفة ورشاقة داخل الفضاء الروائي الذي أنشأه بين السرد، والحوار الداخلي ووصف الأشياء التي يتكون منها هذا العالم المخفي في أعماق دبي الساحرة.


رسالة مضمونة الوصول إلى السيدة آمال كربول

عندما يهان التونسيون في تونس!

لا أخفي سيدتي الوزيرة أن إطلالتك البهية في موكب التكنوقراط قد أثارت في البدء فضولي وإعجابي، فقد كنت واحدا من التونسيين الذين ملّوا من صورة الوزراء الخشبية، ومن هذا المنطلق سيدتي الوزيرة سأكون تكنوقراطيا في رسالتي هذه .

وزيرة السياحة في ححكومة المهدي جمعةوزيرة السياحة في ححكومة المهدي جمعةوزيرة السياحة في ححكومة المهدي جمعة

وزيرة السياحة في ححكومة المهدي جمعة

أراد أحد التونسيين المقيمين بالخارج إهداء شقيقه إقامة في أحد النزل السياحية الفاخرة في تونس، فاستخدم عبر الانترنت وكالةَ الأسفار الالكترونية التي تعوّد الحجز معها في كل أسفاره والتي يشعر بالرضى التام على ما تقدمه له من خدمات في كافة أنحاء العالم: تذاكر سفر وحجوزات فندقية وكراء سيارات الخ، ولم يخطر له قط أن الأمر سيكون مختلفا قليلا مع السياحة التونسية. اختار صديقنا نزلا سياحيا من فئة الخمس نجوم بأحد مدن الساحل يقترح سعرا مغريا للغرفة الواحدة، وسجل الحجز باسم شقيقه ثم دفع ثمن الإقامة في النزل كاملا بواسطة البطاقة البنكية، طبعا كان صاحبنا على معرفة تامة بشروط العقد التي لا تنص الا على الغرامات الواجب تسديدها في حال تغيير الموعد أو الإلغاء، ولمزيد التأكيد اتصل صاحبنا بالفندق قبل حلول الموعد للتأكد واطمأن إلى أن كل شيء على ما يرام. (مواصلة القراءة…)


في وداع سميح القاسم

سميح القاسم ومحمود درويش

سميح القاسم ومحمود درويش

كانت أول مواجهة ميكروفونية لي مع الرائعين محمود درويش وسميح القاسم في كواليس المسرح البلدي بتونس العاصمة صائفة 1994، كانت ليلة الوداع التي توجت رمزيا إقامة فلسطينية في تونس دامت اثنتي عشرة سنة وامتزج فيها دم الشعبين، في تلك الليلة أطلق درويش جملته التي صارت فيما بعد دعاية فولكلورية: كيف نشفى من حب تونس؟ وبكى وهو يوصينا خيرا بالشهداء الذين لن يعودوا إلى ما تبقى من أرض فلسطين.
كان محمود درويش يلتهم الأضواء من كل المحيطين به ويختزل الشعر الفلسطيني كله ولم يكن ذلك ليثير حفيظة أحد، لا سميح القاسم صاحب القصيدة الشهيرة: “تقدموا تقدموا كل سماء فوقكم جهنم وكل أرض تحتكم جهنم تقدموا…”، ولا أحمد دحبور صاحب القصيدة الزجلية الرائعة: “يما مويل الهوى يما مويلية ضرب الخناجر ولا حكم النذل فيّ” كنا نعرف القصائد والأغاني ولا نعرف أسماء الشعراء فقد كان درويش هو فلسطين. وكثير من القراء اهتدوا إلى سميح القاسم من خلال الرسائل الشهيرة المتبادلة بينهما، ولم يكن ثمة أفضل من سميح القاسم لاستقبال رفات درويش في رام الله عندما عاد من رحلته الأخيرة إلى قطعة من أرض الوطن.
في تلك الليلة سهرت مع بعض الأصدقاء حتى الفجر في أحد مقاهي باب سويقة أنتظر تحرك سيارات الأجرة الأولى في اتجاه المنستير، وقدمنا مقتطفات من الحوار مع الشاعرين في نشرة السابعة والنصف صباحا للأنباء تمهيدا لعرض السهرة كاملة في السهرة الأسبوعية “قمر لكل الليالي”، في تلك الأيام كان لقاء إذاعي مع شاعر يستحق البث في نشرة إخبارية رئيسية وكانت تحدث مفاجآت جميلة لبعض زملائنا كأن ينزل ياسر عرفات دون إعلام مسبق ضيفا على سهرة إذاعية تحيي ذكرى الشاعر معين بسيسو! يا لتلك الأيام!! (مواصلة القراءة…)


الجهاد المقدس على “فيسبوك”

ألفرد عصفور

ألفرد عصفور
إعلامي من الأردن

 بقلم الدكتور ألفرد عصفور:

خلال الأيام الأخيرة ازدحم موقع “فيسبوك” الى حد الانفجار تعليقا وتعقيبا وإبداعا, إزاء ما يجري من أحداث في الشرق الأوسط. فكل على ما يبدو يغني على ليلاه وهذا مثل ينطبق بدقة على ساحة “فيسبوك”. فلكل ما يغني له أو يبكي عليه.
قليلا ما أشارك في التعليقات على هذا الموقع الالكتروني ولكني كثيرا ما أتابع وأدقق فيما يكتبه اصدقاء ال¯ “فيسبوك” وهم يزيدون عن ستمئة.
في المتابعة ال¯ “فيسبوك” نجد بعض الأصدقاء في واد والعالم في واد آخر. فتراه لا يزال, برغم الأحداث الدموية الكبرى في المنطقة, يرسل المضحكات والطرائف ودعوات للمشاركة في الألعاب, أو المسليات, وآخرون يرسلون صور مناسباتهم الخاصة, وكأنهم يقولون للعالم اتركونا نعيش حياتنا بطريقتنا.
الأحداث الجارية في المنطقة ومن خلال التعليقات عليها عبر “فيسبوك” والمشاركات المختلفة والمتناقضة كشفت الكثير من مكنونات النفوس. فإلى جانب الفريق الذي لا يريد أن يسجل أي موقف قد يحسب عليه مكتفيا بالتفرج والنأي بالنفس, هناك الفريق الذي اعتبر الأمر معركته التي كان ينتظرها, وجهاده المقدس الذي يتمنى الاستشهاد فيه. فترى هذا الفريق يرسل في الساعة الواحدة أكثر من عشرة “بوستات” مختلفة لكنها في مجال واحد وقضية واحدة. في متابعة “”بوستات”” “فيسبوك” هذا الأسبوع نجد عودة قوية إلى الغيبيات والأدعية والتمنيات, وثمة عودة قوية لفكرة المؤامرة الخفية التي تستهدف الوطن العربي ودينه ومقدساته. رأيت هذا الأسبوع على “فيسبوك” أدعية وأحاديث وآيات كأنما نسمعها ونراها للمرة الأولى وكأنها نزلت اليوم مثلما قال عمر “رضي الله عنه”. (مواصلة القراءة…)


فرحة شعب

أنْصتَتْ إلى المذياع بانتباه شديد ولم تفهم شيئا، فأيقظتني بصوت مرتعش من سُباتي العميق. كانت شمسُ الخريف الناعمةُ قد غمرت غابات الزياتين وتسللت من شقوق النافذة القديمة إلى بيتنا القرويّ الصغير، فانتزعتُ نفسي من مخالب النوم ورافقتها بتثاقل إلى حيث يقبع الراديو لا يفارق سرير نومها الخشبي العتيق.
–  بورقيبة مات ؟
تساءلت أمي في حيرة وخوف ووجل فطمأنتها ضاحكا:
–      لا لم يمت، ولكنه لم يَـعُـدْ رئيس الجمهورية.
لقد صار هذا المشهد وشما في ذاكرتي وعلامةً في ذاكرةِ تلك الأيام…
إنه باب حديديّ أُغـلق في منطقة ما بين الضوء والعتمة، فتـبعثرت أصداءُ صريره الحادّ فيما وراء آفاق الروح…
أصغينا إلى البيان التاريخي الشهير معا، وأخذ كلُّ واحد منا يبحث في مرآته عن أدوات يشدّ بها توازنه في المشهد الجديد: الحياة دون توجيهات السيد الرئيس
سَحبْتُ أمي يومها من شؤونها الصغيرة إلى الغرفة الضيقة ثم وضعتُ شريطا قديما مُهترئا سجّلتُ عليه أغنيةَ عبد الحليم حافظ في عيد ميلاد الزعيم، وأخذتُ أصِفُ متخيّلا مشاهدَ كُـنّا نراها في عشايا الصيف في تلفزيوننا الأسود والأبيض ضمن برنامج “فرحة شعب” الذي يصوّر وقائع احتفالات ولايات الجمهورية بعيد ميلاد “محرّر المرأة وباني مجد تونس ودولتها الحديثة فخامة المجاهد الأكبر الرئيس الحبيب بورقيبة”.

الحبيب بورقيبة

الحبيب بورقيبة

في تلك اللحظات الأولى من “فجر التغيـير” كنتُ كمن يفتح خزائن اللاوعي على مصراعيها ليستخرج منها محفوظات باليةً غمرها النسيان منذ زمن قديم أو كمن ينفخُ في رماد الوقت ليَـدْفأَ بالشُّـعلة الباقية…

كانت الموسيقى المُهترئة توقظ شهوة الأفعى النائمة في أعماق جيل عذّبــته أعيادُ الميلاد بينما كانت تهطل كالأمطار الكئيبة في أعماقِ أمّي…

كنت أصِفُ صُوَرًا لطالما نظرنا إليها ولم نَـرها فقد فقدت من فرط التكرار والضرورة طراوتها، ولكنّها يومها خرجت من دولاب الأسرار مُـشرقةً نابضةً بالحياة…

كانت تنهمر من عينيها الدّموعُ وأنا أصفُ تفاصيل المشهد: كسوةَ الزعيم البيضاءَ ومشمومَ الفل والعصا والنظارات وضجيجَ الصغار المصطفين على جانبي الطريق يُـلوّحونَ بأياديهم الصغيرة إلى الشّــيخِ الهرم كمن يرى إلى جبل من الذكريات يتحرّك فوق أديم الوقت.

لم أكن لأتفطن لحظتـئذٍ إلى أنها كانت تعيش وداعا عاطفيا جارحا، فقد احتفظ بورقيبة بأبوته الرمزية الشاهقة في ذاكرة من عاشوا معه تلك اللحظات التاريخية الحارّة: يوم نزوله في ميناء حلق الوادي تحت وقع الزغاريد الشعبية العارمة، ويوم رفع سمّاعة الهاتف ليسمع من الباهي الأدغم الوزير الأول نبأ خروج آخر جندي فرنسي من قاعدة بنزرت العسكرية وذكريات الفرح العفوي في القرى المنسية يوم أعاد ثمن الـخُبز إلى ما يناسب جيوب الفقراء…

كنّا آنذاك نتسلّق باندفاع هادر سنوات المراهقة الصعبة، غير ملتفتين إلى الوراء فليس ثمّة ما يستحق الاهتمام، نتمشى في معابر الجامعة وممرّاتها كمن يتمشى في غابة أحلامه الرائعة، تتبدّد الساعات المتثاقلة بين قصائد أبي القاسم الشابي ومذكرات بابلو نيرودا، بين غبار أيام العرب و ذباب صبرا وشاتيلا، بين عذابات المتنبي وارتعاشة الموت على شفتي أمل دنقل، المجد للشيطان…

مشاهدُ متوهجة لم تتحلّل بعد، المدينة تنهض من نومها المضطرب لتعانق يومها من وراء القضبان، الزوار غير المتوقعين يتمازج وقع أحذيتهم بأذان الفجر القادم من بعيد، أبواب تفتح، تغلق، حركات مريبة في سلالم المبيت الجامعي، أضواء تشتعل وتنطفئ في الخارج، أصوات مكتومة، روائح غامضة، الصباح المطل من وراء الأفق مثل زهرة برية ناعمة، وتفاصيل الخريف المعتادة: الحافلات الصفراء في محطة باب الخضراء ورائحة السّمك الصفاقسي المُجفّف في سوق سيدي البحري، طعمُ القهوة المُـرّة تحت ظلال الانتظار في حديقة البلفيدير وصوت أم كلثوم تغني للأمـل…

كانت الصورة تتآكل شيئا فشيئا وفرحة الشعب بعيد الميلاد لن تنغصها غير بعض القصائد الماكرة والأغاني المهربة والكتابات المشبوهة على جدران الليل أو على صفحات جرائد المقاومة…

تتداخل كلّ الألوان على قماش اللوحة، أصابع التاريخ تلقي بالفرشاة في عصبية واضحة وترسم الظلال الأخيرة على تجاعيد وجه تونسي متغضن، عربات الوقت تتحرّك في المسافات الأخيرة، المساء مُزدحم في الأزقة العتيقة، النائمون على كراسي الحديقة يحلمون…

–      بورقيبة مات ؟

–      ثمّة احتمال أن يكون ذلك قد حدث منذ زمن بعيد.

كنا نعيش تلك الأيام مع صورة السيد الرئيس وتوجيهاته وعصاه وذكرياته، وكانت صور التلفزيون الشاحبة جزءا من المشهد اليومي نطمئن بها إلى أن لا شيء يستحق الاهتمام.

فجأة انتهى كل شيء وغادر الرئيس شاشة التلفزيون ليعيش عزلته الأخيرة في دعة واطمئنان ويستسلم لذكرياته الحارة المشوّقة…

ظلت أمي تذرف الدموع كلما أسمعتها أغنية عبد الحليم حافظ في عيد ميلاد الزعيم قبل أن أفقد الشريط المهترئ إلى الأبد…

في السنة الموالية انتدبت للعمل بالوظيفة العمومية…

اقتنيت بالتقسيط تلفازا مُلـوّنا لمشاهدة الفوازير والاستمتاع بالمسلسلات المصرية…

رحمك الله يا أمّي لقد تغـيّر العالم كثيرا من بعدنا…


يوسف رزوقة الشاعر المختلف

يوسف رزوقة

يوسف رزوقة

يصعب تصنيف الكاتب يوسف رزوقة ضمن تيار بعينه من تيارات الكتابة الحديثة في تونس وذلك على الأقل لثلاثة أسباب موضوعية، أولها تبعثر التيارات الأدبية المحلية منذ نهاية الثمانينات وتلاشيها في أصوات منفردة رغم كل محاولات تجميعها اللاحقة، وثانيها غزارة إنتاج الكاتب فهو أكثر شعراء جيله إصدارا للمؤلفات بل لعله يمثل ظاهرة فريدة في تونس التي يتسم إنتاج كتابها ومثقفيها بالندرة بدءا من أبي القاسم الشابي وصولا إلى محمود المسعدي، وثالث هذه الأسباب تنوع تجربة الكتابة لدى يوسف رزوقة فقد جمع بين لغات شتى ووظف ذلك ليكون بمحض مبادرته جسرا بين الثقافة العربية في شمال افريقيا ونظيرتها في أمريكا اللاتينية، وهو ينتقل جيئة وذهابا بين الشعر والرواية وإن كان لا يتفرد بهذا إذ درج كثير من الشعراء على الانتقال في مراحل متقدمة من تجاربهم إلى السرد مستثمرين حوار الأجناس في أعمالهم لاكتشاف مناطق جديدة في التجريب الإبداعي. (مواصلة القراءة…)


لا تنظروا خلفكم

12-466x350قبل أن تدخُلُوا جنّة الشُّهداء
انظروا هل بقايا دمٍ علِقتْ بخُطاكم
وهل نسيَ الموتُ بعضًا من الأمنياتِ على جُدُرانِ صِباكُم
فقد كان مرتبكًا
وهو يأخذكم واحدا واحدا
قبل موعِدِكُمْ
في الطريق التي لم تُهيأ لكُمْ
انما لسِواكُمْ
ولا تنظرُوا خلفكمْ

المراثي بقايا النبوءاتِ
جوعُ الغريزةِ
بابُ القيامةِ
حين تعود الجماعة من قتلكمْ
لصلاة الجماعةِ
لا تنظُروا خلفكُم
البلاد تنُوء بأحمالهَا
وغدا سوف نحلُم أوضحَ من حُلمِكُم
لنَراكُمْ

 

 

 


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress