السابع من نوفمبر

عامر بوعزة

عامر بوعزة

لا بد أن نعالج أنفسنا اليوم من هذا الوسواس القهري الذي أصاب الذاكرة. وخير أشكال العلاج المواجهة.

نعم، احتفلنا بالسابع من نوفمبر، لسنوات عديدة، كل بطريقته، في الصحف والإذاعات، في دور الثقافة، والمهرجانات، أمام لجان التنسيق وفي الشوارع والساحات. الأمر يشبه بقعة الزيت أو الشاي على الثوب الأبيض، تكون صغيرة في البداية ثم تترحرح شيئا فشيئا، وكلما طال بها العهد أصبح من الصعب محوُها، وصار لا بدّ من وضع الثوب كله في ماكينة الغسيل.

احتفلنا كلنا، لكن كل قدير وقدرو: الموظف العمومي الذي تمتع بيوم عطلة احتفل، والصباب الذي لاحظ أن جاره لم يبتسم كثيرا في ذلك اليوم احتفل، والأستاذ الذي طُلب منه أن يفتح قبل يومين قوسين صغيرين في درس العربية للحديث عن «الثورة الهادئة» احتفل، ورجل الأعمال الذي تبرّع بخلاص الأبواق في حفل صوفية صادق احتفل.

(أكمل القراءة…)




مع الدولة أم ضدّها؟

حملات نظافة ودهن وتزويق تطال المعالم الأثرية

حملات نظافة ودهن وتزويق تطال المعالم الأثرية

لا أحد يستطيع أن يفسّر لك بدقّة كيف تجري الأمور الآن في تونس، وسوف تصطدم وأنت تحاول تفكيك الظواهر الغامضة من حولك بعبارات جاهزة على غرار «الشباب الثوري»، «مجموعات الفايسبوك»، «الشعب يريد». وهي عبارات تزيد الغموض غموضا وتجعل الأمر شبيها بتفسيرك الماءَ بالماء.

تردّدت هذه العبارات بكثرة في سياق الحديث عن الصعود الصاروخي للرئيس الجديد في الانتخابات الرئاسية بشكل لم تتوقعه النخب، ففي آخر لقاء معه قبل الصمت الانتخابي الذي سبق الجولة الأولى حدّد يوسف الشاهد منافسيه المباشرين ولم يذكر قيس سعيّد رغم وجوده على مدى سنتين كاملتين في نتائج سبر الآراء، بما يؤكد أن العائلة السياسية التقليدية تشبثت بالإنكار إلى آخر لحظة، ولم تتفطن لوجود إمكانات حشد أخرى خارج الأحزاب. لهذا نشطت كثيرا نظرية المؤامرة في الفترة الفاصلة بين الجولتين، وتركزت خصوصا على الدلالات التي يوحي بها وجود مجموعات مجنّدة في الفايسبوك لإنجاح شخص بعينه، ولماذا هي مغلقة؟

بعد الانتخابات اكتسحت المدن حملات منظمة للنظافة والدهن وخدمة البيئة. كما لو أن الوعي قد استيقظ فجأة، ومن الواضح أن لهذه المجموعات ذاتها دورا طلائعيا في تنشيط هذه الحملات وتغذيتها كي تنتشر عدواها بشكل عنكبوتي، بالتوازي مع نشر رسائل عن «الوعي الشبابي» و«اللحظة الثورية» و«العودة إلى يناير 2011»، وعن «صلاح الرعية بصلاح الراعي» الخ، ما يعطي الانطباع بأن هذه النشاط التطوعي الذي يوحي بالعفوية إنما يندرج في سياق خلق مناخ إيجابي ملائم للرئيس الجديد كي يباشر مهامه على رأس الدولة وهو مطمئن إلى وجود جيش ميداني على أهبة الاستعداد لكل الاحتمالات، ومن يخرج الشباب لحملات النظافة يمكنه أن يخرجهم للتظاهر والعصيان! (أكمل القراءة…)




إنها مسألة دماغ يا حماري العزيز!

إضراب البريد التونسي

إضراب البريد التونسي

بعد ساعات من الوقوف في طابور حلزوني يمتدّ من الشارع حتى الشباك رقم 3 تعلمك موظفة البريد أن الدينار الالكتروني الجديد المخصّص للتسجيل الجامعي لا يمكن أن يقتنيه إلاّ صاحب الشأن نفسه، وتدعوك إلى التنحّي كي تفسح المجال لمن يقف بعدك. تحاول أن تتمالك أعصابك كي لا تنفجر في وجهها، وتعلمها أن هذا هو اليوم الثاني الذي ينقضي سبهللا، فقد جاء صاحب الشأن بنفسه في اليوم السابق وقيل له «أرجع غدوة»، وأنه لا شيء يمنع صاحب الشأن من القدوم مجددا لو كان على يقين من أن الأمر سيتمّ، فتقول لك ببرودة أعصاب تغبطها عليها: إن وزارة التعليم العالي أرسلت إلى مؤسسة البريد قسطا فقط من أسماء الطلبة وأنهم في انتظار الأقساط الأخرى، تسألها: وقتاش؟ فتقول لك: لا أعرف!

عند هذا الحدّ يمكنك أن تسحب كرسيا وتجلس مانمأمام أجةنتحخنن أمام أقرب حمار يمكنه الإصغاء إلى هواجسك، فتسأله: بالله عليك يا سيدي، ألم تكن الأمور في السنوات الخوالي تجري بشكل أفضل؟ هل التقدم التكنولوجي يعني السير إلى الوراء؟ أليس أيسر على الطالب أن يدفع معاليم الترسيم مباشرة في الجامعة التي ينتسب إليها عوضا عن هذا الدينار الالكتروني الذي صار مجرّد الحصول عليه من المشقة بمكان؟ ثم ألم تُجعل التكنولوجيا للتخفيف عن المواطن وعن الإدارة، ولتقطع مع هذه الطوابير الطويلة التي لا تنتهي، وهذا الوقت الضائع الذي يتبدّد سدى في الانتظار، وهذا الضجر، وهذا العنف، وهذه المرارة التي تخيم على المكان..

(أكمل القراءة…)




قيس سعيّد ومشروع الانتقال الثّوري

 

قيس سعيّد

قيس سعيّد

يصف كثيرون قيس سعيّد المرشّح الفائز بأكبر عدد من الأصوات في الدورة الأولى من الانتخابات الرئاسية بأنه رجل «قليل الكلام» وأنه خاض حملة انتخابية «شعبية» بأقلّ التكاليف اقتصر فيها على جلسات المقاهي مع الشباب الرافض الثائر المعطّل، وأنه قادم من خارج المنظومة ليعيد إلى «الخطّ الثوري» حلمه بتغيير الدولة والمجتمع، من ثمة أصبح الرجل ظاهرةً يُراد لها أن تكون على قدر من كبير الغموض.

والحقّ أن قيس سعيّد لم يكن مُقلاّ في الكلام بل تحدّث في منابر عديدة، لكنه في كل الحوارات التي أجريت معه كان يعيد بنفس الطريقة وبمفردات قليلة لا تتغير فكرة واحدة تتعلق بتغيير نظام الحكم واعتماد المجالس المحلية للوصول إلى تمثيلية تشريعية تفقد معها الأحزاب مبرّر وجودها وتضمحلّ تلقائيا، وبذلك يكون التخطيط الاستراتيجي قائما على قاعدة القرب، بالانطلاق من المحلّي فالجهوي ثم الوطني. وهو يؤكد أن مشروعه هذا يهدف إلى توفير الآليات القانونية لتمكين الشباب من تقرير مصيره مُلحّا على أن الوكالة في هذا التصور قابلة للسحب لضمان الالتزام في ممارسة الحكم تشريعا وتخطيطا وتنفيذا، وعن علاقة هذا المشروع بالنظام السياسي الراهن يتحدث قيس سعيّد عن «الانتقال الثوري» في مقابل «الانتقال الديمقراطي»، إذ ينطلق من فكرة مركزية يبدو أنها ترقى لديه إلى مستوى الحقيقة المطلقة وهي أن «عهد الديمقراطية النيابية قد انتهى».

(أكمل القراءة…)




واقفون في عالم يجري

مطار حمد الدولي

مطار حمد الدولي

بين مطارات بعض دول الخليج العربية ومطار تونس قرطاج أكثر من خمسة آلاف كيلومتر وحوالي خمسين عاما من التفوّق والرّقي والرفاه، ليس هذا انطباعا بل حقيقة قابلة للقياس، نصفها الأول مبهج ونصفها الثاني محزن، حقيقة ينبغي قراءتها بعقلانية وتفهّم بعيدا عن منطق التخوين الأجوف، ليس هذا أيضا جلدا للذات إنما دعوة إلى التجرّد من المشاعر الشوفينية البغيضة ومعاينة الواقع بعيدا عن مظلّة الشّعور الزائف بالعظمة.
إن مطار تونس الذي يحمل اسم قرطاج العظيمة متأخر فعلا عن مطارات العالم المتقدّم كذلك مطارات دول الخليج بما يعادل نصف قرن أو أكثر، وهذا تقدير موضوعي مناسب إذ لا معنى للمبالغة وترديد مقولة المشير أحمد باشا باي الشهيرة عند زيارته باريس منتصف القرن التاسع عشر: “إنّ القوم سبقونا الى الحضارة  بأحقاب من السنين وبيننا وبينهم بون بائن” ولو أحببنا أن نبالغ لجاز لنا أن نقول إنّ هذا المطار أضحى يعيش خارج عصره،وإنّ المسافة التي تفصله عن كثير من مطارات الدنيا تُقدر بسنوات ضوئية و”لله فينا علم غيب نحن صائرون إليه، نسأل الله حسن العاقبة”.

في المطارات العصريّة المتقدّمة تُقاس جودة الخدمات بالوقت الذي يقطعه المسافر من لحظة الدخول حتى لحظة الوصول إلى مقعده في الطائرة وعكسيا في رحلة العودة، لا يتعلّق الأمر إذن بنظافة المراحيض أوابتسامة الشرطي ّوالطريقة التي يتعامل بها رجال الجمارك مع حقائب المسافرين فحسب، فالمطار مرفق عامّ وصورة نموذجية عن البلد الذي يُفضي إليه، واشتراطات الجودة تفرض الانصياع إلى المعايير الدولية التي تناسب أسلوب حياة الانسان المعاصر لا سيما تحت وطأة الإحساس بهاجس الوقت. وقد استطاعت البوابات الالكترونية في مطارات دول الخليج أن تختصر مسافة العبور من المنافذ الحدودية بشكل لا يُصدّق، فليس من الضروري في هذه البوّابات الاستظهارُ بجواز السفر أو ختمه، وليس من الضروري أن يتأمل سحنتك رجل الشرطة ويقارنها بصورة الجواز، يكفي استخدام البصمة لفتح الباب، ولا يستغرق الأمر الاّ دقائق معدودات يختلف طولها حسب درجة الازدحام البشري في المطار لا غير،وباستخدام تطبيقة على الهاتف الجوال يمكنك الاطلاع في أي وقت على كشف بحركات السفر يشتمل على كل مواعيد الدخول والخروج فيأي مدة تختارها، بينما ما يزال المسافر إلى تونس مطالَبا عند الوصول إلى المطار بتعمير ورقة صغيرة لا يعرف سرّها أحد ولا يُفهم سبب وجودها حتى الآن، رغم أنها انقرضت تقريبا من أغلب مطارات الدنيا.

مطار تونس قرطاج الدولي

مطار تونس قرطاج الدولي

سلسلة المقارنات طويلة لا تنتهي، ولا حاجة بنا إلى التوقّف طويلا عند أشياء أصبحت شبه عادية في المطار بوصفه صورة مصغرة عن البلد، كالغلاء الفاحش في مقاهي المنطقة الحرة، أو الفزع و الرّعب اللّذين ينتابان القادمين لحظة انتظار حقائبهم، أو تلك النّظرة الزّائغة التي يستقبلك بها موظفو الدّولة دون سواهم، فحسناوات شركات الاتصال اللواتي يستقبلنك عند البوّابة هن الوحيدات المبتسمات على الدّوام في هذا الجوّ الكافكاوي، أمّا إذا عنّ لك أن تقضي حاجتك البشريّة وغالبا ما ستفعل،فانتبه إلى بعض أقفال المراحيض المستعصي إصلاحُها منذ سنين، وانتبه إلى عاملة النّظافة وهي تمسك بيدها لفافة الأوراق كي تسلّمك ببرود قطعة منها بعد غسل يديك أملا في مقابل مالي لن تقدر على دفعه لأنّك ببساطة لا تحمل عملة محلّية وهو سبب كاف لجعلك ترى لعناتها المكتومة تلاحقك وأنت تبتعد عنها وتذوب في الزحام.

لو أدرنا عقارب التاريخ خمسين عاما إلى الوراء لرأينا مشهدا معاكسا تماما،فبمقاييس السبعينات كان مطار تونس قرطاج الدولي مفخرة حقيقية، بينما مطارات دبي أو الدوحة مجرّد مهابط بسيطة للطائرات في دول صغيرة ما تزال في بداية طريقها إلى الثّروة والرخاء تجرّ وراءها خلاصة قرون صعبة وقاحلة من الصحراء.فالمسألة حينئذ نتاج طبيعي لمسارات مختلفة امتزج فيها الاقتصادي بالسياسي والثقافي، وتغيرت في ضوئها مراكز الرّفاه والتفوّق الحضاري، لا يُفسّر الأمر فقط بالثّراء، لكن أيضا بالتّخطيط الجيّد وابتكار الحلول المناسبة، فمن المؤكد أنّ تونس كانت أسبق من دول الخليج إلى دخول عصر المعلومات لكنّ عواملَ عدّة جعلتنا لا نهتدي في العشرين عاما الماضية إلى توظيف هذه التّكنولوجيا في تحسين نمط العيش وتطوير المرفق العام، بينما هم فعلوا، والدليل على ذلك الشّكلُ المُذهل ُللحكومات الالكترونية في دول الخليج وتعثّرها أو فشلها الذّريع عندنا.
الحكومة الالكترونية هي المبيد الأكثر فتكا بالبيروقراطية، فالمعاملات التي يجري إنجازها باستخدام الهواتف الذّكية هي اليوم أكثر من أن تحصى، بدءا من التحويلات البنكية وصولا إلى حجوزات السفر والفنادق، وخلاص المخالفات المرورية، وتجديد بطاقات الإقامة والعلاج. أمكن كل ذلك بفضل مُخطّط إقليمي شامل للحوكمة الالكترونية مُخرجاته تكاد تكون متطابقة في دول مجلس التعاون، إذ جرى تنفيذه تحت مظلّة هذه المنظمة، ويستند إلى بيئة رقمية متكاملة يمثل النظام البنكي القوي والمتطوّر أهمّ محاورها فضلا عن التشريعات والبنية الأساسية للاتصالات. فالمعاملات المالية في كل المرافق الحكومية الكترونية وجوبا ووسائل التحقق من هويات المستخدمين والتصدّي للغش مُتعدّدة وفعّالة وفي المتناول، وهي أقلّ تعقيدا من التوقيع الالكتروني الذي توقّفت عنده مخيّلة صناع القرار عندنا بما جعلنا لا نتقدم سنتمترات في هذا المجال.

بناء على ما تقدم يبدو أن خلاصنا في الأمد المنظور ليس في حاجة إلى ثروة طائلة كي يتحقّق بل إلى كثير من التّواضع لنقف على حقيقة حجمنا الراهن بعيدا عن منطق “ثلاثة آلاف سنة من الحضارة” المنطق الذي أضحى لا ينتج الاّ المزيد من البؤس والشقاء كلّما تقدّم العالم من حولنا أكثر.

 




خلّي بالك من زيزو

الزبيدي يعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية

الزبيدي يعلن عن ترشحه للانتخابات الرئاسية

يصور الفيلم الكوميدي «الرجل الغامض بسلامته» بطريقة كاريكاتورية كيف يمكن امتطاء المصعد السياسي بارتداء بدلة فخمة واستعمال حقيبة جلدية فاخرة. إذ تدفع الظروف الاجتماعية الصعبة البطل «هاني رمزي» إلى البحث عن شغل، فيتقمص شخصية رجل أعمال حتى يغير مظهره، ومكنه ذلك من تحقيق هدفه، حيث أبدى أحد الوزراء إعجابه بأفكاره، ورأى فيه نموذج الشابّ المصري الطموح الذي يستحق الوصول إلى أعلى المراتب بسرعة، فاتّخذه مستشارا. أما العنوان فمن أغنية لصلاح جاهين غنتها سعاد حسني في فيلم «خلي بالك من زوزو» وتقول فيها «الرجل الغامض بسلامته متخفي بنظارة…» وأصبحت هذه العبارة تستخدم في الشارع المصري للتعبير عن الوجاهة الزائفة.

ولا شك أن هذا الوصف ينطبق بشكل ميلودرامي على صورة عبد الكريم الزبيدي وهو يعلن ترشحه للانتخابات الرئاسية المبكرة واستقالته من وزارة الدفاع، حيث يظهر فيها على يمينه رجل بنظارات سوداء وشعر حليق يجعلان ملامحه صامتة خالية من أي تعبير، ولولا تحريكه الرأس بين الفينة والأخرى تعبيرا عن موافقته المطلقة لكل ما يقوله المترشح لكان أشبه بالتمثال، قبل أن يضع إصبعه على فمه في إشارة آمرة للصحفيين بأن يصمتوا، بشكل يعطي انطباعا لا يرقى إليه شك في أنه حارس شخصي للوزير، لكن قلة من الملاحظين اهتموا بهذا الرجل وبرمزية إصبعه الآمرة بالسكوت أمام هجمة تبدو منظمة ضد المكلفة بالاتصال والتي يبدو أن ظهورها في الصورة إلى جانب المترشح تسبب إحراجا كبيرا لمهندسي الحملة وتلخبط أوراقهم في وقت قاتل، ما دعا إلى اتخاذ قرار استعراضي بتقديمها كبش فداء في محاولة لتدارك الأمر، وقد تقدمت باعتذاراتها للصحفيين في حوار إذاعي مؤكدة أن الشخص الثاني الذي ظهر رفقة الزبيدي وكان يحمل نظارات شمسية، لا أحد يعلم من هو! ezgif-5-b4d51b54e07f

وهكذا تتخذ الصورة بفضل التسونامي الذي أثارته في المجال الاجتماعي بعدا آخر ينحو بها في اتجاه السريالية، إذ نكتشف أن الرجل الغامض صاحب النظارة السوداء والإصبع الصارمة ليس ملاكا حارسا بل هو شخص مجهول لا علاقة له بالمترشح ولا بفريقه الأمني أو الاتصالي، ومن ثمة تنقلب الدلالات رأسا على عقب، وننتقل من صورة الرئيس المحتمل المدجّج بالحراس والمرافقين إلى وضع آخر مغاير تماما وشخص عارٍ من أي حماية ويمكن لكل من هبّ ودبّ أن يخترق فريقه بسهولة ويقف إلى جانبه في لجظة تاريخية وصورة رمزية. والتونسيون في هذه المسألة منقسمون منذ الإطاحة بزين العابدين بن علي إلى فريقين: فريق تعجبه صورة الرئيس المتخفّف من كل مظاهر الهيبة والصرامة وفريق آخر تزعجه!

والحق أن الرجل الغامض في الصورة ليس مجهولا بالشكل الذي قد يسمح لهواة نظرية المؤامرة بابتكار قصص عن اختراقات مخابراتية للمشهد الانتخابي، فبالرجوع إلى صفحته على الفايسبوك وتأمل منشوراته، ستكتشف أنه شخص عادي، مواطن تونسي، أستاذ جامعي شاب، مواقفه منحازة بوضوح للعائلة الوسطية، وله بعض النشاطات في المجتمع المدني، ويظهر من خلال صوره الشخصية أنه مغرم كثيرا بالنظارات السوداء التي تجعل مظهره أقرب ما يكون إلى رجل الأمن، كل شيء يبدو عاديا لديه باستثناء أمر واحد فقط، ماذا يفعل يومها إلى جانب عبد الكريم الزبيدي؟ ومن كلفه بمرافقته واللّصوق به؟ لا أحد يمكنه أن يجيب عن هذا السؤال، فمن الواضح أن أسهل شيء في بلادنا اليوم هو امتطاء المصعد السياسي، بعد أن اختلط الحابل بالنابل واشتبك الكوع بالبوع..




عن المنصف المرزوقي وحرّية الإعلام في عهده

الدكتور المنصف المرزوقي

الدكتور المنصف المرزوقي

يتباهى الدكتور المنصف المرزوقي بأنه لم يسجن طيلة فترة إقامته في قصر قرطاج رئيسا للجمهورية أي صحفي، وهو يعتقد أن هذا التسامح الرئاسي مع الصحافة هو أحد أهم الإنجازات التي يمكن التباهي بها. والمرزوقي يصدر في هذا الموقف عن خلفية حقوقية تقوم على الاعتقاد بأن السلطة السياسية لا تملك إزاء الصحافة الحرّة والمنفلتة إلاّ التهديد بالسجن، وهو تصور نمطي أحادي ضيق الأفق يتجاهل عمدا أن مجالات التضييق على الصحفيين أكثر من أن تحصى، بل قد يكون السجن أحيانا أقلها عبئا لا سيما إذا ما تعلق الأمر بثلب ومخالفة صريحة لمواثيق المهنة وأخلاقياتها.

للتدليل على ذلك وشرح الموضوع للدكتور المنصف المرزوقي إذا ما أتيح له الاطلاع على هذه الكلمات، أنقل هنا نص تدوينة سرعان ما حذفها صاحبها بعد نشرها لأسباب غير معروفة، وهي «رسالة مضمونة الوصول إلى عبد اللطيف المكي وتنبيه إلى بعض المخبرين بالتلفزة من هذا الطرف أو ذاك» وفق تعبير الكاتب، ولا ضير في إعادة نشرها مع تغطية بعض الأسماء احتراما لرغبة صاحبها في سحبها، يقول: «ذات مساء من سنة 2012 رتب لنا (م.ع) الاجتماع بالسيد لطفي زيتون المستشار السياسي لرئيس الحكومة حمادي الجبالي قصد مناقشة مشاكل التلفزة التونسية. كنا مجموعة من التلفزة يرافقنا محمد المدب من الإذاعة الوطنية، وقد وقع الاستعداد لهذا اللقاء عبر تقسيم الأدوار بيننا، ووقع الاتفاق على أن أبدأ أنا الحديث بإعطاء بسطة عن التلفزة الوطنية وعن مشاكلها وكيفية النهوض بها لتصبح مرفقا عموميا يستجيب لتطلعات المواطنين، وهكذا كنت أعتقد، غير أن الحقيقة كانت غير ذلك، واللقاء كان مرتبا لأمر آخر.

حوالي الساعة الخامسة مساء وقع استقبالنا بقاعة محاذية لمكتب رئيس الحكومة، وبعد عبارات الترحيب والمجاملة أخذت الكلمة، وبدأت الحديث كما اتفقنا، ولكن في الأثناء لمحت نظرة استهزاء من كلامي من لطفي زيتون، وعند سؤالي أجابني حرفيا بأنه ومن معه لا يعنيهم كلامي ولا تعنيهم مشاكل التلفزة بقدر ما تعنيهم «الأخبار» وكيف يمكن تطويعها لفائدتهم، أحسست حينها أنني في المكان الخطأ مع الأشخاص الخطأ!
مباشرة أخذ هو الكلمة وتساءل عمّن يمكنه أن يتقلّد منصب رئيس مدير عام الإذاعة التونسية عوضا عن السيد الحبيب بلعيد، أجابه في الحين (م.ع) بأنه أحضر معه «محمد المدّب» لتقلّد هذا المنصب وهو الوحيد الذي يمكنه أن يطبق ما يطلب منه،  ثم تساءل عمّن يمكنه تقلّد منصب رئيس مدير عام التلفزة فأجابه المهندس (م.س) من التلفزة بأنه أهل لذلك.

لطفي زيتون

لطفي زيتون

خلت الأمر هزلا، لكن من الغد بلغني أن غاية الاجتماع كانت هذه، وبعد مدة علمت من أحد الحاضرين أنه وقعت الموافقة على تعيين محمد المدب على رأس الإذاعة التونسية، وهم مدعوون إلى التكتم على الخبر إلى حين صدور التعيين بالرائد الرسمي حتى لا تقع شوشرة، خاصة أن البلاد تعيش حالة احتقان شديدة على الإعلام العمومي».

عند هذا الحد تنتهي التدوينة، وهي تصف بوضوح شديد الأجواء داخل غرفة عمليات تسيرها النهضة في ظل رئاسة المنصف المرزوقي الحقوقي المؤتمن على الحريات وعلى كرامة التونسيين جميعا. وكل ما في هذا النص حقيقي موثق بالوقائع الثابتة. وكما يستشف مما جاء فيه فإن دور «الطابور الخامس» قد لعبه (م.ع) وهو أحد العائدين إلى التلفزيون بعد الثورة بموجب العفو التشريعي العام، إذ أطرد في حادثة مشهودة أقدم فيها على قطع التيار الكهربائي يوم إعادة بث حلقة من برنامج «المنظار» مطلع التسعينات تناولت موضوع الاعتداءات الإرهابية على مقرّ لجنة التنسيق بباب سويقة! وهو هنا لا يمتلك أي صفة رسمية تتناسب والدور الخطير الذي يقوم به في الوساطة بين لطفي زيتون والمستعدين لبيع أعناقهم من أبناء الإذاعة والتلفزيون، ما يجعله أقرب ما يكون إلى المشرف على تنظيم سري أو جهاز مواز، لا سيما في تلك الفترة التي نُصبت فيها خيام روابط حماية الثورة أمام مبنى التلفزة للتنكيل بكل العاملين فيها وإهانتهم والانتقام منهم ولو رمزيا.

خبر تعيين محمد المدب

خبر تعيين محمد المدب

أما في ما يتعلق بالإذاعة، فالحادثة أصبحت معروفة، والحبيب بلعيد لم يسمع بنبإ إقالته فعلا إلا من سائقه الشخصي الذي أطلعه على نسخة من الرائد الرسمي (نعم هكذا كانت تدار الدولة!)، وقد عرفت النهضة حقّا كيف تفرض اسم مرشحها الذي ما كان ليقبل به أحد، فهو مجرّد موظف تقني في الإذاعة، مُنح في فترة إدارة «منصور مهني» إبان الفصل بين الإذاعة والتلفزيون فرصته في الإشراف على القطاع الهندسي، وأخفق لمحدودية أفقه وتواضع إمكاناته، لكنه استغلّ هذا الانفلات الذي حدث عقب الثورة ليعود في ثوب «المضطهد السياسي» في أكبر عملية تحيّل شهدتها المرحلة. والمقالات التي كتبتُها على أعمدة الصحافة في هذا الموضوع كثيرة أشهرها مقال بعنوان «الإذاعة التونسية من عثمان الكعّاك إلى محمد المدّب» إذ منحت الترويكا مع الأسف هذا الشخص صلاحيات واسعة النطاق لا تتناسب ومؤهلاته ولا تليق بدولة يزعم حكامها أنها دولة القانون والمؤسسات، ولعل أبرز إنجاز يمكن له أن يتباهى به اليوم هو توقيعه على قرار فصلي من الإذاعة التونسية إثر التحاقي للعمل بالخارج، وحرماني من حقي في الإلحاق بوكالة التعاون الفني، وربما لا يعرف السيد المنصف المرزوقي رئيس الجمهورية آنذاك أن كل الزملاء الذين حرموا من التعاون الفني صدر قرار طردهم من الرئيس زين العابدين بن علي شخصيا، لا لشيء إلا لاعتقاده أن العمل في قناة الجزيرة يساوي «خيانة الوطن» وأن كل ما فعلته الإدارة بعد ذلك هو إخراج مسرحي قانوني كتنظيم مجلس تأديب صوري ينتهي إلى إصدار قرار الفصل النهائي، لكن صاحبنا لم يكن في حاجة حتى إلى مثل ذلك في عهد الحرية والديمقراطية وحقوق الانسان حيث يمكن له أن يفعل ذلك بجرة قلم بسيطة!

ولكم أضحكني الدكتور المنصف المرزوقي وهو يخاطب «إلياس الغربي» في أول حلقة من برنامج «ميدي شو» يقدمها في موزاييك بوصفه «من الجيل الجديد الذي يعول عليه في دعم الانتقال الديمقراطي»، فلست أدري إن كان يعلم أو لا يعلم أن كل الذين يهيمنون على المشهد الإعلامي اليوم صنعتهم الإذاعة والتلفزة الوطنية، وهم من اكتشافات المرفق العمومي في منتصف التسعينات عندما تأسست قناة 21 ومن بعدها إذاعة الشباب لتجديد المشهد الاتصالي بأوامر رئاسية وتوجيه سياسي. سنذكر هنا بمرارة ذلك الوصف المهين الذي استخدمته «أم زياد» في وصف المشهد حين قالت: «خسارة أن أول صفحات الحرية سيكتبها العبيد» ليعلم المرزوقي أن الاستعباد أشد وطأة من السجن، فبعدما حرّرت الثورة أبناء الإعلام العمومي لم يكن أحد ليقبل لاحقا بأن يتعامل معهم بوصفهم أحرارا، وتكشف القصة التي عرضناها المخطط الذي تم تنفيذه لغلق أبواب الأقفاص مجدّدا وتغيير السجّانين.

ليت الدكتور المرزوقي سجن من أخطأ في حقّه وكان منصفا بحقّ!




لماذا نستورد القمح من أوروبا؟

نقلت وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر تجارية في أوروبا خبرا يتعلّق باقتناء تونس نحو 92 ألف طن من قمح الطّحين اللّين، وقدّمت تفاصيل ضافيةً عن هذه المناقصة الدولية التي كانت قد انفردت أيضا بالإعلان عنها في وقت سابق، فذكرت آجالها، ومراحل تنفيذها، والأسعار التي تمّ اعتمادها. والسؤال الوحيد الذي لم تجب عنه هو: لماذا تستورد تونس القمح من أوروبا؟

تمّ تداول الخبر في شبكات التّواصل الاجتماعي بكثير من السّخرية والاستغراب والحوقلة، فقد تزامن مع توجيه وزير الفلاحة التّهاني للشعب التونسي بصابة قياسية من القمح، وهي نفس العبارة التي استخدمها رئيس الحكومة عند زيارته ديوان الحبوب للاطّلاع على المجهودات المبذولة من قبل كل أجهزة الدولة بما فيها الجيش الوطني لإجلاء المنتوج، وقد اعتبر أنها «أكبر صابة في تاريخ تونس»، ونفى كلّ ما يُتداوَل حول وجود كميات ضائعــة أو عرضة للتلف، متحدّثا عن بوادر انفراج في عمليات التّجميع والنقل.

(أكمل القراءة…)




عامر بوعزة والكتابة عن التجربة الذاتية

إعلاميون في زمن الاستبداد كتاب جديد لعامر بوعزة يقرأ على مهل وبكثير من التدبّر، وقد نجح مؤلّفه في معادلة المزاوجة بين الذاتيوالموضوعي، وهي معادلة لا تخلو عادة من الاضطرار الى التجميل وتضخيم دور البطولة.

الدكتور عبد الرزاق الحمامي

الدكتور عبد الرزاق الحمامي

تحدّث بوعزة عن تجربته الذاتية في بيئة الإعلام في لحظة محفوفة بالمخاطر والمنزلقات والعوائق المبيتة فالتزم بالموضوعية واعاد تشكيل الأحداث كما وقعت وهنا تظهر قيمة شهادته إذ لم يجنح الى التباكي ولعب دور الضحية كما انه كان منصفا ولم يفتح النار على أحد ممن تداولوا على إدارة الإذاعات والتلفزيون وإن كنت عاصرت جميع ما ورد في الكتاب من وقائع ومناورات لم يسلم منها المؤلف.
إنها محاولة جريئة تطرح شهادة على قطاع الإعلام السمعي والبصري في لحظة تاريخية عرفت بالشمولية والاستبداد بالرّأي فلا صوت يعلو على صوت المعلّم المتمثّل في قرارات المستشار الإعلامي ومن يدور في فلكه .لقد سمّى عامر الأشخاص بأسمائهم وترجم لبعضهم ترجمة مختصرة مفيدة ووثّق كل الوقائع بتواريخ حدوثها وفسّر للقارىء ماخفي عنه من أسباب ومآلات. فأقحمنا في خفايا المطبخ السياسي وأسلوب إدارة الواجهة الإعلامية مع ربط بالمحيط الإقليمي والمحلّي.

إعلاميون في زمن الاستبداد

إعلاميون في زمن الاستبداد

ولا بد من تحية إكبار لعامر بوعزّة على وفائه لرفاق دربه المرحومة عواطف حميدة والصادق بوعبان ولتعاليه عن الإشارة الى من أساءوا اليه وتفنّنوا في وضع الحواجز في طريقه غيرة وحسدا أو حمقا مجانيا.
إن كتاب اعلاميون في زمن الاستبداد ذو قيمة وثائقية جليلة كتب بمنهجية علمية وبلغة راقية وعساه يفتح الدرب امام غير عامر من الإعلاميين لينسجوا على منواله ويدلوا بشهاداتهم على مرحلة من تاريخ الإعلام في تونس فكم من الحقائق ظلت محبوسة في الصدور ومن حقّ الجمهور معرفتها.إن هذا الكتاب من أفضل ما قرأت بعد ثورة ١٧-١٤ وإنه لجدير بأن يكون من بين مقرّرات طلاب معهد الصحافة وعلوم الإخبار في تونس.
د عبد الرزاق الحمامي




أين هو الفخ؟

برهان بسيس

برهان بسيس

ينبغي أن تتسلّح بكثير من اليقظة والفطنة والذكاء كي لا تقع في فخ الإعجاب ببرهان بسيس وأنت تشاهده يدافع عن قضية من القضايا أو يتكلم في مسألة من المسائل. لقد بدا في أحدث ظهور تلفزي له مع سمير الوافي في برنامج «وحش الشاشة» محتفظا بكامل قواه الخطابية، وتجلت لياقته البلاغية في القفز مرارا وتكرارا على الفخاخ المنصوبة له بإحكام، والمشي على الحبل كما يفعل بهلوان السرك الماهر، وتحويل كل سهم يوجه إليه نحو مسار آخر، وبدا رغم كل المطبات التي وقع فيها أثناء تجربته في السياسة والإعلام خبيرا في تقنيات الاستحواذ على قلوب المشاهدين (بعد مصّ أمخاخهم)، لقد بدا بكل بساطة جاهزا لخوض أكثر من مباراة أخرى، لا سيما بعد أن أنهكت المباراة الحالية أعتى اللاعبين وأكثرهم شراسة.

حين تجلس لمشاهدة برهان بسيس يتحدث ستقنع نفسك أن ما يدفعك إلى ذلك هو الفضول، وأنك تبحث ربما عن إجابة مقنعة لسؤال بديهي: هل مازال عنده ما يقول؟ لكنك ومن بعد مضي الدقائق الأولى سترتخي وتتلاشى كما يحدث لأطفال المدارس الابتدائية حين يزورهم مرة في السنة ساحر منوم يمكنه أن يخرج حمامة من علبة كبريت، تشاهده فينتابك نفس الإحساس الذي يعتريك حين ترى حلقة من مسلسل «أمي تراكي» في برنامج «ذاكرة التلفزيون»، أو حلقة من «شوف لي حل» أصبحت تعرف كل كلمة فيها وتسبق الممثلين إلى قولها ومع ذلك تشاهدها وتتظاهر بأنك نلت نصيبا من التسلية، لمجرد أنهم يتظاهرون بالرغبة في تسليتك! وأنت محقّ في ذلك وفي كل فرجة سياسية تشاهدها بعد أن انتفت الفائدة وانعدمت الجدوى، وأصبح بؤس الواقع أشدّ من أن تداويه مُسكّنات التلفزيون ووعودُ السّاسة وتخاريف الانتخابات. لكن مشاهدة برهان بسيّس يتحدّث تُشبه السياقة تحت تأثير المنوّم، من ثمة كان لا بدّ من اليقظة والانتباه.

ليس تحاملا على برهان بسيس، بل لأننا جربناه وجربنا وجربناه، والحق أن كل كلامه السابق في القنوات العربية دفاعا عن نظام بن علي حتى الليلة الأخيرة قبل سقوطه كان موجها إلى الداخل قبل الخارج في مبناه وفي معناه، وكان تأثيره على الأمخاخ التونسية أشد وأقوى من قدرته على زعزعة مواقف المعارضين «المناوئين». ثم إن عودته إلى التلفزيون بعد الثورة وبعد أن حنث اليمين الذي أقسمه بعدم الظهور مجددا اقترنت لدى العامة بانبهار كبير سببه ما يمتلكه الرجل من معرفة بأحوال السياسة والسياسيين وما يتحلى به من ثقافة واسعة في ظلّ البؤس الإعلامي السائد وهيمنة أنصاف الموهوبين وعديمي الخبرة على الساحة التلفزية، وسيظل الأمر كذلك إلى أن يرث الله تونس ومن عليها، فلا هو يتغير ولا هم يتطورون.

في سؤال عن الأموال التي كسبها من مهنته «متحدثا رسميا أو غير رسمي عن ساسة لا يتقنون فن الاتصال» حوّل برهان بسيس وجهة السؤال إلى دفاع عن الحلم والطموح مستسخفا كل الذين ينشرون ثقافة الفقر والبؤس والقناعة، فصرف نظر المتفرجين عن خلفية السؤال المتعلقة بمشروعية هذه المهنة وأخلاقيتها، وفي الوقت الذي كنت بلا شكّ تُحيي فيه في قرارة نفسك انتصاره للشباب ودفاعه عن حقهم المشروع في ركوب المرسيدس بدل الاكتفاء بلعن الظلام كان هو بصدد القيام بعملية تبييض لغوية لكل أمواله التي كسبها من التكلم نيابة عن الساسة والدفاع عن خيارات سياسية ظالمة دفع ثمنها الباهظ قطاع كبير من الشعب، ولم يجب عن السؤال المركزي: هل هذه مهنة مشرفة؟ وهل أن هذا الشباب ينبغي أن يفعل أي شيء حتى لو كان مخالفا لقواعد الشرف ليحقق صعوده في السلم الاجتماعي؟

برهان بسيس

برهان بسيس

وفي سؤال عن سرّ إفراده من قبل السبسي الأب بعفو خاص في إشارة خفية من السائل إلى علاقة هذا العفو الاستثنائي بالسبسي الإبن وما إذا كان ذلك داخلا في صراع الحيتان الكبيرة) وجه برهان بسيس الأنظار إلى أن الرئيس محام في المقام الأول، ثمّ اضطر لاحقا إلى الموافقة على ما جاء في السؤال من إيحاءات لكن بطريقة مواربة لا يجوع معها الذئب ولا يشتكي الراعي، وليس متاحا لعموم المشاهدين إدراك ما تنطوي عليه من معان، إذ اكتفى بالقول بأنه دخل السجن وخرج منه بقرارين سياسيين!

وهكذا، كما إن الساحر لا يخرج في الحقيقة  حمامته البيضاء من علبة الكبريت الصغيرة، بل يتقن الإيهام والتمويه ليخرجها من مكان آخر لا تراه، يفعل برهان بسيس حين يلعب بالمفردات والصور والتشابيه، إنه يدرك جيدا متى يحرك يديه ومتى يرفع صوته ويخفضه، يقتنص اللحظة المواتية ليغرس نظراته مباشرة في عيني الكاميرا، أو يرسم على وجهه علامات الهزء والسخرية أو اللامبالاة، يتقن جيدا فن الاتصال الجماهيري حيث تتعاضد اللغة مع الإشارة لتصنع من الجسد الواحد مهرجانا كاملا للخطابة، ويجعل من الهزيمة انتصارا مشرفا، ولو أتيح لك يوما أن تشاهد بالصورة البطيئة حركات الساحر لاكتشفت أن عبقريته الحقيقية تكمن في قدرته الفائقة على تحويل نظرك إلى الاتجاه الذي يريده هو حتى يصنع في اتجاه آخر لا تراه ما يفاجئك، فتخرج دائما من هذه الحفلات المدرسية بنصيب كبير من الدهشة والانبهار، وهو يقتات من هذه الدهشة ويتكسب من ذلك الانبهار، ولهذا السبب بالذات عليك دائما أن تحاذر من الوقوع في حالة الاقتناع التام بما يقول برهان بسيس والبحث عن الجهة التي أخفاها عنك حين صرف نظرك إلى الاتجاه الذي يريده هو! فمع هؤلاء المتحدثين اللبقين ينبغي دائما التساؤل: أين هو الفخ؟




Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress