عالم حنّا مينة الروائي

 

خنا مينة 1924-2018

حنا مينة 1924-2018

برحيل الكاتب السوري الكبير حنا مينة عن سن تناهز أربعة وتسعين عاما فقد الأدب العربي أحد أبرز وجوه الرواية في القرن العشرين، فهو كاتب ينتمي إلى مرحلة التحولات الاجتماعية والثقافية الصعبة في الوطن العربي، عاصر المخاضات السياسية الكبرى التي عاشتها المنطقة بدءا من حروب التحرير وصولا إلى الثورات المغدورة والربيع الدامي، ونحت تجربته من التفاعل الخلاّق بين الإيديولوجيا والحياة، فكانت أعماله في الأدب الواقعي نضالا عميقا من أجل عدالة اجتماعية يرى أنها حلم الإنسانية كلها لا حلم أجيال قليلة فقط، وسافرت رواياته من اللاذقية إلى العالم محققة تلك المعادلة السحرية بين المحلية الضيقة والكونية الرحبة، وعبر هذه الأعمال يتأسس عالم حنا مينة الروائي ويمتاز بتجذره في الواقع الاجتماعي من جهة وقدرته من جهة أخرى على الخلق والتخييل حتى ليظن القارئ أن أبطال هذه الرواية أو تلك أشخاص موجودون في الواقع.

خارج المدونة النصية تعتبر شخصية حنا مينة الإنسان أحد أهم العناصر المكونة لظاهرة «حنا مينة الكاتب»، فهو ينتمي إلى طائفة من الأدباء تلعب تفاصيل حياتهم دورا أساسيا في ذيوع أدبهم وتتحول سيرتهم الأولى في مرحلة ما قبل الكتابة إلى نوع من الخرافة أو الأسطورة، على غرار قصة جان جينيه (1986-1910) مع اليتم والفقر واللصوصية والتشرد كما وردت في كتاباته عن الذات أو في حواراته الصحفية ثم تطورت لتصبح مادة تأمل وجودي لدى سارتر في كتابه (القديس جينيه، الممثل والشهيد)، وقصة الكاتب المغربي محمد شكري (2003-1935) مع الفقر والأمية ومسيرة تدرجه من عالم هامشي مقموع إلى مصاف الكتاب والأدباء الكبار، وهذه القصص المليئة بالإثارة والخارجة عن المألوف تقوم كلها على عنصر جوهري هو تحدي النظام الاجتماعي وإرغامه على قبول ما يختلف عنه، وتصبح قصة الصراع هذه رافعة تجارية مهمة للنص قبل الخوض فيما يميزه من داخل البنية الأدبية ذاتها، وفي تجربة حنا مينة نعثر على سيرة مختصرة مبهمة تتكرر في كل المصادر بنفس الصيغة وتقول إن الكاتب عاش طفولته في إحدى قرى لواء الإسكندرون على الساحل السوري، ثم عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية، وأنه كافح كثيرًا في بداية حياته، واشتغل في مهن مختلفة، فعمل حلاقًا وحمالًا في الميناء وعمل مصلّحَ دراجات ومربّي أطفال في بيت سيد غني وعاملا في صيدلية، ثم تدرج في المرتبة الاجتماعية نوعيا وأصبح صحفيا وكاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية بالعامية، وموظفا حكوميا وانتهى روائيا. وتبدو هذه المسافة الملغزة من الأعمال اليدوية الشاقة إلى النشاط الذهني مجسدا في الإبداع الروائي كلّ سيرة حنا مينة التي تسبق أدبه وتسوّق له بل وتستحوذ على الاهتمام أكثر من أدبه ذاته لا سيما في سياق البحث عن الإثارة الإعلامية، وهي على كثافتها تكفي أيضا للتدليل على مدى التزامه بالإيديولوجيا التي اعتنقها وعبر عنها حيث تبدو صورة الكاتب اليساري القادم من وسط اجتماعي فقير صورة جذابة، لكن هذه السيرة تخلو من المصادر الأدبية التي صنعت تجربة الكاتب أو الكيفية التي استطاع بواسطتها أن يصبح أديبا في الأربعين من العمر، وإنما تتألف القصة فيها مثلما هو مألوف في غيرها من قصص العصامية من ثنائيات ضدية متعدّدة: الفقر والغنى، الجهل والمعرفة، المادة والفكر.

 ويغذي حنا مينة أسطورته الذاتية في الخيال الشعبي بوصيته التي كتبها يوم 17 أغسطس من العام 2008 ونشرتها جريدة «الثورة» في دمشق اليوم التالي، ففيها يذكّر مجدّدا بسيرة كفاحه الأولى «منذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء»، وعلّق على ذلك الناقد «صقر أبو فخر» في مقال بعنوان: «ماذا يفعل حنا مينة هذه الأيام؟» قائلا: «الواضح أن لغة تلك الوصية موشّحة ببعض العبارات الدينية، وهي غريبة على روائي شيوعي عريق ظل يجاهر بشيوعيته حتى الأمس القريب» وينتهي إلى القول بأن حنا مينة أضحى وهو في التسعينات من العمر «يتقلب في عزلة الألم، أو في ألم العزلة، بعدما رحل جميع أصدقائه، و”تشقلب” العالم كله من حوله».

هكذا إذن تُختصر حياة حنا مينة في كونه كاتبا عصاميا توقّف عن الدراسة منذ المرحلة الابتدائية وعمل أعمالا شاقة لمكافحة القهر الاجتماعي، وانتصر على الشقاء بأن أصبح كاتبا مرموقا، يؤكد الكاتب نفسه في وصيته ما يحفّ بحياته من غموض بقوله: «ليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية» وهكذا جعل الكاتب حياته الشخصية مبثوثة في رواياته وإن لم تكن كما هو متعارف عليه في الأعراف الأدبية من جنس السيرة الخالصة أو الرواية السيرية المتفق حولها، فهي روايات أساسا لكن حضور ذات الكاتب فيها من أهم مظاهر انشدادها إلى الواقع الاجتماعي، من خلال إحالات مكانية وزمانية تنتمي إلى عصر الكاتب وحياته على غرار المرافئ والمقاهي ومدن البحر، كما كان شأن نجيب محفوظ في روايات المرحلة الواقعية وغيره من الكتاب الذين لا يبتعد خيالهم كثيرا عن حياتهم وواقعهم. ويلخص حنا مينة هذا التداخل بين حياته وأدبه في قوله «قد تقضى العمر في حلقاته المتتابعة، بشيء جوهري لدي هو تحقيق إنسانيتي، من خلال تحقيق إنسانية الناس. أنفقت طفولتي في الشقاء، وشبابي في السياسة، ولئن كان الشقاء قد فُرِضَ عليّ من قبل المجتمع، فعشت حافياً، عارياً، جائعاً، محروماً من كل مباهج البراءة الأولى. فإن السياسة نقشت صورتها على أظافري بمنقاش الألم، فتعلمت مبكراً، كيف أصعّد الألم الخاص إلى الألم العام، وكيف أنكر ذاتي، وأنتصر على رذيلة الأنانية، وكل إغراءات الراحة البليدة، التي توسوس بها النفس، فكان الإنسان في داخلي، إنساناً تواقاً إلى ما يريد أن يكون، لا إلى ما يُراد له أن يكون»

داخل مدونة حنا مينة النصية عالم روائي واحد تتشابه فيه المناخات وتتكرر يسميه النقاد عالم البحر، لكن الميناء لا يمثل مكانا روائيا يستوعب الأحداث التي يخوضها أبطال الرواية بقدر ما هو موقع رمزي تخوض فيه الذات الراوية معركتها مع الوجود. ولئن كانت الرواية تقوم على هذا العالم المطابق للواقع والذي يلبي شهية النقد الاجتماعي القائم على فكرة الانعكاس بين النص والمجتمع فإنها تقوم أيضا على فكرة البطل وصورته الخارقة، فهو العمود الفقري الذي تتحلق حوله الأحداث وتتجمع، هكذا هو «مفيد الوحش» في «نهاية رجل شجاع» الرواية الأكثر شهرة بعد أن تم تحويلها العام 1993 إلى مسلسل تلفزيوني ناجح وهكذا هو «زكريا المرسنلي» في «الياطر» أهم رواية كتبها حنا مينة من وجهة نظر كثير من النقاد يعتبرون أنه لم يكتب بعد أكثر من ثلاثين عنوانا إلا رواية واحدة.

عامر بوعزة

 




كيف أصبح الباجي قايد السبسي رمزا

91_3624014686204198912_nلو وضعنا صُورَ الجنازة المهيبة التي ودّع بها التونسيون رئيس الجمهورية جنبا إلى جنب مع الصور التي رافقت ظهوره من جديد في الساحة السياسية قبل ثمانية أعوام لوقفنا على واحدة من أكبر المفارقات، فالسبسي حين كلفه الرئيس المؤقت فؤاد المبزع برئاسة الحكومة الانتقالية لم يكن معروفا بالقدر الكافي لدى قطاع عريض من «شباب الثورة»، والمعلومات القليلة التي تناقلوها عنه في وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن لصالحه البتة لأنه يتوفّر على كل المواصفات التي تصدّى لها الراديكاليون جميعا من اليمين إلى اليسار.

من هذه المواصفات سنّه التي تجاوزت الثمانين عاما آنذاك، وانتماؤه إلى ما يُسمّى لديهم «الدولة العميقة»، وانحداره من طبقة تُعتبر دائما في «المخيال الثوري» أحد أهم أسباب اختلال الميزان الاجتماعي. واشتغلت ماكينة الدعاية على هذه المحاور الثلاثة لتخرج منها قصصا جعلته وهو يعود إلى الحكم بعد نحو عشرين عاما من الانقطاع في مواجهة تجربة جديدة مختلفة كليا عن تجاربه السابقة، كل شيء فيها منفلت، بدءا من طموحات الفاعلين المحيطين به وتعطشهم الحارق إلى السلطة، وصولا إلى الشعب الذي كان يعتقد أن تغيير النظام يكفي لحل كل مشاكله وتلبية كل تطلعاته، مرورا بوسائل الإعلام التي أصبحت تعتبر نقد الحكومة المعيار الأول للاستقلالية. وكان عليه أن يواجه جبالا صلبة من الأحكام المسبقة تذهب حدّ المطالبة بمحاسبته على مواقفه في مختلف المعارك القديمة، ولا تهدأ البتة عن تكفيره لمبادئه المتحررة في مسألة العلاقة بين الدين والدولة. كانت تجربة مضنية ومشوّقة لرجل في سنّه المتقدّمة وخبرته المُعتّــــقة، لا تشبه في شيء زمن بورقيبة حيث كان كل شيء يسير بدقة وانضباط، في كنف الالتزام التام بمكانة الزعيم الرمزية ودوره التاريخي. فكان السبسي في 2011 أشبه بمروّض الثيران الهائجة، أو مُربّي التماسيح المتوحشة في سرك مفتوح على كل الاحتمالات. (أكمل القراءة…)




متى تتحرّر التلفزة من براثن أبنائها!

 

التلفزة الوطنيةتعليقا على نقدي بشكل مكثف برنامجا تقدمه التلفزة الوطنية كتب الصديق الصحفي حليم الجريري قائلا:
«أخطأت الزميلة فاطمة البارحة فوبّختَها بطريقتِك وأخطأتْ اليوم فزدتَها توبيخا. هذه السيدة من محترمات التلفزة الوطنية ومن أكثرهن أخلاقا وخُلُقا وحتى مهنيّةً وحيادًا. والذي لا يَعمَل لا يُخطئ، وقد أخطأَتْ مرّتين، ولو عرفت المرأة من قريب لراسلتَها على الخاص لتلومها بَدَلا عن التعبير عن رأيك فيها على رأس الأشهاد، ممّن يتصيّدون الفُرَصَ لثلب كل صحافي من المرفق العُمومي سعيا لتتفيه التلفزة الوطنية والنّيل منها» (أكمل القراءة…)




عن الحرية والاستبداد

مريم بوزيدي

مريم بوزيدي

قالت سلطة الإشراف كلمتها في قضية الأستاذة التي طلب زميلها نقلتها من قاعة الامتحان في أحد اختبارات الباكالوريا، ونفى التحقيق الإداري المزاعم التي راجت في الفايسبوك حول امتعاض الزميل من هندام زميلته ومظهرها وتحديدا اللون الأحمر الفاقع على شفتيها، وهي القصة التي جعلت من الحادثة قضية رأي عام لغرابتها وطرافتها وما توحي به من شبهة تزمت لم يعد غريبا عن بيئتنا التعليمية في السنوات الأخيرة.

والرواية الرسمية كما جاءت على لسان المدير الجهوي للتربية تنفي ذلك لكنها لا تنفي المظلمة التي تعرضت لها الأستاذة بل تؤكدها، فقد تنفس الجميع الصعداء عندما فندوا جملة وتفصيلا حكاية أحمر الشفاه، لكنهم تغاضوا عن البعد البيداغوجي في القضية وهو هنا مربط الفرس وقطب الرحى.

(أكمل القراءة…)




فرح في جبّانة

مقبرة المهدية
مقبرة المهدية

سارعت النيابة العمومية بفتح تحقيق عدلي إثر تداول مقطع فيديو لحفلة عرس وسط مقبرة في جهة المهدية، والتهمة التي سيدور حولها التحقيق هي «انتهاك حرمة المقابر». وجاء في البلاغات الصحفية التي أعلنت هذا الخبر أن مقطع الفيديو المذكور «أثار استياء رواد مواقع التواصل الاجتماعي» بما يعطي الانطباع بأن سرعة تحرك النيابة العمومية متصل بهذا الانطباع الفايسبوكي العام. وأيا كان تقييمنا لهذه المتلازمة، نعتقد أن النيابة العمومية قد اقتحمت في هذه القضية بالذات منطقة محفوفة بالمخاطر.

السبب الأول في ذلك أن زوايا الأولياء الصالحين المنتشرة في كامل تراب الجمهورية تُستخدم عبر التاريخ وباختلاف العادات والتقاليد في إقامة الأفراح العائلية تتساوى في ذلك الأسر التي تنحدر مباشرة من سلالة هذا الولي أو ذاك، والمريدون الذين قد يفدون من مناطق قصية لهذا السبب، وهي مسألة أساسية في التفكير الصوفي الشعبي المتوارث، حيث تعتبر زيارة الولي الصالح جزءا من تقاليد العرس أو الختان فضلا عن حفلات الزردة، ويتبرّك الناس بإقامة الاحتفالات في رحاب الزاوية وحول الأضرحة الموجودة فيها، والزاوية أولا وقبل كل شيء مقبرة. وهكذا نجد الكثير من الحفلات تقام في مقام سيدي المازري بالمنستير وهو يقع في مقبرة المدينة، أو مقام سيدي عامر المزوغي الذي فيه قبور كثيرة ويطلّ مباشرة على مقبرة القرية. وكذلك مقام سيدي جابر بالمهدية حيث تمّ تصوير الفيديو في قضية الحال، والموقف من الأفراح المقامة في الزوايا قد يخفي وراءه وإن عن حسن نية موقفا من هذه المعتقدات ذاتها، و أضرحة الأولياء الصالحين تظل دائما هدفا للسلفيين المتطرفين والتكفيريين وللإسلاميين الوهابيين.

مقبرة المنستير
مقبرة المنستير

السبب الثاني يتعلق بجغرافيا المقابر، فلئن كانت في بعض المدن الكبرى تقع خارج المجال العمراني فإن مقابر بعض المدن متصلة بالحياة اليومية وجزء من المشهد الحضري، ينطبق هذا على المنستير، التي يشق مقبرتها ممشى عريض يؤدي إلى روضة آل بورقيبة وهو مرصّع بالكراسي الحجرية ومتاح للعائلات في كل وقت وفي بعض الفصول يصبح ملاذا شبه آمن للعشاق الهاربين من عيون الفضوليين. أما مقبرة المهدية فعلاوة على مكانتها في نفوس أهل المدينة تعتبر الوجهة السياحية الأبرز في عاصمة الفاطميين، وهي تحفة شعرية تشهد عليها نصوص المنصف الغشام، الذي يحضر بدوره في نص بديع للمنصف الوهايبي عنوانه «شارع بول فاليري» يقول فيه:

لا عينَ للرؤيا/وقد رمّمتُ بالنسيان ذاكرتي/ومن يومين/في جبّانةٍ بحريّةٍ/في دار مملكة المعزّ الفاطميِّ/لعلّها سيتٌ لنا.أخرى/رأيتُ هناك في ثيدروسَ أهراءَ المنازلِ والدّلاءَ على التلالِ وفي الحقولِ./رأيت فيلاتِ الرومانيّين فلاّحينَ صيّادينَ…

 السبب الثالث قانوني يتعلق بفحوى التهمة إذ أن انتهاك حرمة المقابر مفهوم مطاطي يتسع لأكثر من معنى، ويستخدم عادة لتجريم أفعال السحر التي يأتيها بعض الأفراد عند نبش المقابر أو تعاطي المخدرات والخمور في هذه الفضاءات حيث يتوفر قدر كبير من الهدوء والأمان للمنحرفين العتاة. وينبغي توفر قدر كبير من الاجتهاد والفهلوة لاعتبار حفلة أسرية في مقر ولي صالح انتهاكا لحرمة المقابر.

أما السبب الرابع فديني ميتافيزيقي، إذ ينقسم المفسّرون إلى قسمين: قسمٍ يرى أن وعي الانسان بما حوله يتوقف لحظة موته ولا يعود إليه إلا يوم القيامة، فيما يرى آخرون أن الموتى يسمعون ويرون ويشعرون بل ويبتهجون بما يصلهم من دعوات وصدقات، وحقيقةُ هذا في علم الغيب ومن أسرار الكون العظمى، ولا يعلم أحد إن كانت أفراح الأحياء تسعد الموتى أم تقضّ مضاجعهم وتشوش موتهم حتى يجدوا في النيابة العمومية نصيرا لهم ولمن استاء لحالهم في الفايسبوك.

لقد كان من الأنسب أن تتولى الإحاطة بهذه المسألة بلديةُ المكان لعلمها بعادات المدينة وتقاليدها ولضرورة أن تكون كل مظاهر الفرح خاضعة للترخيص سواء أكانت في مقبرة أم في قاعة أفراح، أما النيابة العمومية فمدعوة إلى الاهتمام بالأحياء لأنهم أحوج في وقتنا هذا من الموتى إلى الأمن والأمان.




المعجزة التونسية 

 

لينا بن مهني

لينا بن مهني

السؤال الذي ماكان ينبغي لأحد أن يكتبه أو أن يفكر في طرحه أصلا هو هذا السؤال الذي يتردّد بحدّة على شبكات التواصل الاجتماعي وعلى ألسنة الكثيرين ممن تفعل فيهم هذه الصفحات فعلها: هل أنت مع ترشيح لينا بن مهني لجائزة نوبل للسلام أم ضدّه ؟؟

يسألون هذا السؤال كأنما هذه الجائزة هي من البساطة بمكان حتى يُستــفْـتى فيها التونسيون فيخـيرون بين رفضها أو قبولها أو التحفظ بشأن ترشيحات القائمين عليها والتقدّم بكل تواضع لنصحهم بتغيير هذا الإسم أو ذاك !!!

ما كان لهذا السؤال أن يطرح وما كان لهذا الجدل أن يندلع، فالأصل أن يفرح التونسيون لمجرد اقتراح الجنسية التونسية في فرع من فروع الجائزة له أثر رمزي هام، وتتويج “بنية تونسية” بهذه الجائزة سيكون لو تحقق أفضل تكريم للثورة وأكثر إنصافا لشبابها من مجرد إقامة تمثال أو تسمية شارع، صحيح أيضا أن جائزة السلام هي الأكثر إثارة للجدل إذا ما قورنت ببقية الفروع لأنها الأكثر خضوعا للتقدير النسبي والتجاذبات السياسوية ولكن قد يفهم ذلك إذا ما جرى في سياق دولي أما أن يصير أمر جائزة عظيمة كهذه إلى جدل فايسبوكي تونسي فهذا ما لم يكن في الحسبان !

إن خطورة هذا السؤال تكمن ولا شكّ في ادّعاء البعض باطلا وتطاولا أن الثورة التونسية هي ثورة يتيمة بلاجذور، وهذا استسهال للأمور تعمد إليه بعض الأطراف مستغلة حجم التأثير القوي الذي أضحت تتمتع به شبكة التواصل الاجتماعي الالكترونية في الذهنية التونسية إذ تغمط المناضلين الحقيقيين الذين أسسوا لفكرة الثورة وحرّضوا على العصيان المدني حقهم المعنوي وتعتدي على شرفٍ تواضعوا في المطالبة به غافلين عن قصر الذاكرة التونسية وما يمكن أن يترتب عنه من عجب عجاب..

فآباء الثورة التونسية وأمهاتها كثر والنضال الحقيقي ضدّ نظام بن علي بدأ أشهرا قليلة بعد اعتلائه سدّة الحكم، وقد اجتمع رجال ونساء من مختلف الأفكار والتيارات والأحزاب في الداخل والخارج خلال عقدين من الزمن على مغالبة الطغيان جاهدين في كسر أطواق الخضوع وما أكثرها ومنها تواطؤ العامة بالصمت والفرجة والانتهازية ومنطق “أنا ومن بعدي الطوفان…”، لقد ذاق هؤلاء مرارة الهجرة والمنفى والقهر والاغتصاب والإذلال بينما كان السواد الأعظم من التونسيين يترنحون طربا وهم يسبحون بحمد قائدهم، وهؤلاء “المناوئون” هم الذين أقضوا مضجع السلطان ولم يتنازلوا عن طلب الحق في الحياة الكريمة ولم يهادنوا في الذود عن عزة النفس الغالية ثابتين على المبدأ بينما كان قطار “التغيير المبارك” يسير ببطء ممل على سكة واحدة تسمى “فرحة الحياة” أو “لنرفع التحديات…” ولكن في الاتجاه الخطأ، الاتجاه المعاكس لحركة التاريخ ونبض الواقع…

ستخطئ كل مقاربة لتاريخ الثورة التونسية حتما إذا لم تتّخذ من تراكم النضالات وتنوعها مدخلا لإيفاء المناضلين الأصيلين حقهم وفرزهم من “مناضلي الفايسبوك” أو “فلاقة 15 جانفي” وما أكثرهم…، وهو عمل من الضروري مباشرته بكثير من الحياد العلمي الآن وبسرعة قبل أن تنطمس معالم الحقيقة وتندثر، فمن أخطر ما قيل في سياق التجاذب الكاذب قول أحدهم “إن الثورة قام بها أولاد الفقراء وسيقطف ثمارها أولاد ناناتي”، إذ أن أحداث 17 ديسمبر في سيدي بوزيد وما تلاها في القصرين وتالة وصولا إلى العاصمة لم تكن معزولة عن سياق النضال الحقوقي الشرس دفاعا عن الحريات وتعرية للجرائم التي ظلت ترتكب ضد الأحرار في أقبية نظام بن علي البوليسي وزنازينه على مدى أكثر من عشرين عاما..

ولينا بن مهني التي يستكثر البعض أن يرد اسمها اليوم في محفل نوبل مرشحةً لجائزة السلام تنتمي إلى فئة من الشباب لم يكن نضالها السياسي مجرد نقر على لوحة المفاتيح بإصبع واحدة، بل هي غصن من شجرة الراحل زهير اليحياوي شهيد الانترنت الأول الباسقة، تنتمي إلى جيل المدونين المؤسسين وقد كانوا الشوكة الأكثر إيلاما في حلق النظام السابق، ومن المؤسف حقا أن يتعامى كثيرون عن صوتها الجسور الرائع الذي كان يخترق بشجاعة نادرة حجاب الصمت والخوف والرضى بالأمر الواقع في سنوات النضال التي سبقت الثورة وعبّدت طريقها، ومن المؤلم أن يتواصل طمس الحقائق بأكثر من حيلة ولأكثر من سبب فرفض تكريم لينا الجامعية المثقفة المتحررة الشجاع لا يختلف في شيء عن رفض تكريم البوعزيزي الفقير المعدم واعتباره رمزا للثورة !

إنهم ببساطة شديدة ولأسباب غامضة يرفضون كلّ شيء !

وكل هذا الجدل حول لينا بن مهني يكشف مع الأسف حجم الكراهية والبغضاء التي تنتشر في نفوسنا نحن التونسيين والتي لم يزدها تعلقنا بالفايسبوك (وهي في الأصل شبكة للتواصل الاجتماعي) إلا ثباتا ورسوخا، فأمام تأصل معاداة التونسي لنجاح أخيه التونسي تسقط كل المفاهيم  السامية وتتدحرج كل القيم النبيلة إلى الهاوية، ولا نستغرب اليوم أن يتمنى كثيرون ذهاب الجائزة إلى مصر حتى لا تفوز بها لينا بن مهني وهذه هي الحقيقة المرعبة التي نتجرع مرارتها صباحا مساء والورم الخبيث الذي لم تتمكن الثورة من استئصاله بل أججت أوجاعه أكثر فأكثر…

لقد درجت العادة أن يُـغتال الفائزون العرب بجائزة نوبل للسلام بعد أن يتسلموها ويتمتعوا بها قليلا، أما في موضوع الحال فها قد خرجت السيوف من أغمادها لمجرّد تداول خبر لم يتأكد أحد من صحته بعدُ وتلك هي المعجزة التونسية الحقيقية.

(كتب هذا النص في أكتوبر 2011)




أغيثونا…

حادثة عين السنوسي

حادثة عين السنوسي

قبيل وقوع حادث الحافلة الذي أودى بحياة عدد كبير من الشبان في الشمال الغربي، كتبت مقالا عن حدّة التفاوت الطبقي في تونس والوضع الكارثي الذي أصبحت عليه كل المرافق العمومية، وانتهيت فيه إلى القول بأن الهوّة التي تفصل بين مجتمع الأغنياء ومجتمع الفقراء ستصبح مثل الثقب الأسود الذي يهدّد بابتلاع كل شيء. أرسلت المقال إلى المجلّة وفي داخلي قناعة بأنني منذ فترة ليست بالقصيرة صرت أكرّر الفكرة ذاتَها في كل المقالات المعنية بالشأن العام والحياة السياسية، ما يورث نوعا من الإحساس باللاّجدوى. الفكرة ذاتها تتكرر مع تغيير طفيف في الصياغة بتغير المناسبة وحدّة الوجيعة. فمرّة نكتب عن وفاة رضّع في مستشفى عمومي، ومرّة أخرى نكتب عن انقلاب قطار في الشمال، مرّة نكتب عن انقلاب شاحنة تحمل مزارعات إلى الحقول، ومرّة أخرى نكتب عن سقوط حافلة من علوّ شاهق وعلى متنها عصارة شباب الوطن. تتغير التفاصيل والموت واحد، ويتغير شكل النص والفكرة ذاتها تطلّ من بين السطور!

نفعل ذلك لأن السيناريو الذي يحيط بالكارثة يتّخذ أيضا شكلا نمطيا يمكن دائما التنبؤ بما سيؤول إليه، فكثير من الموتورين سيحوّلون مجرى النقاش في فضاءات التواصل الاجتماعي إلى التفاوت الجهوي ومسؤولية بورقيبة وبن علي دون سواهما، وكأن التسع العجاف الماضيات محض هباء، أو خارج نطاق المسؤولية!، ويسارع رهط آخر من مواقع السلطة إلى التبشير بإعلان نوايا تتكرّر فيها نفس العبارات: الشروع في كذا، والإذن بكذا…، مع الإشارة إلى أن هذه الوزارة أو تلك لم تقصّر في شيء والإيحاء بأن لا رادّ لقضاء الله، وفي قضية الحال غيّروا مجرى النقاش من حديث عن البنية التحتية المتخلّفة إلى حديث عن السياقة الرعناء، ومن حديث عن عزلة الشمال الغربي وافتقاره لأساسيات التنمية إلى حديث عن قطاع تنظيم الرحلات الداخلية وما يوجد به من إخلالات، هذا فضلا عن المحاولات المفضوحة دائما لوضع البيض كلّه في سلّة واحدة بتعويم المسؤوليات في خطاب فضفاض عن الحسّ المدني وواجبات المواطنة، إذ يقال: إن المسؤولية مشتركة ولا تتعلّق بالحكومة وحدها!،  ويتزامن كل ذلك مع الإعلان عن تشكيل خلية أزمة ولجنة تحقيق لامتصاص الصدمة ومعالجة الاحتقان ظرفيا والباقي يتكفل به الزمن، فبعد أيام قليلة فقط يدخل كل شيء طيّ النسيان ويعود المتفرجون إلى شاشاتهم في انتظار كارثة أخرى..

قال أحد الخبراء الذين شاركوا في البحث عن الطائرة الماليزية المفقودة منذ خمس سنوات ولم يُعثر لها على أثر: «لقد اكتشفنا عشر ثغرات يمكن أن تكون كل واحدة منها سببا كافيا لوقوع كارثة ما»، وهذه قاعدة أساسية في كل الحوادث الدامية حيث تفضي التحقيقات دائما إلى اكتشاف سلسلة من الهفوات، وراء كل هفوة منها جهة واضحة يمكن تحميلها المسؤولية، وهذه الهفوات قد لا يتخيّل أحدٌ أن تجتمع في لحظة واحدة، لكنها -وهنا تكمن سخرية الأقدار- تجتمع فعلا: حُفَر الطريق وسرعةُ السّائق وصعوبةُ المنحدر وضعفُ الفرامل وعمر الحافلة، وتعذر وصول مرافق الحماية المدنية بسرعة وقلّة عدد سيارات الإسعاف وعدم توفر تجهيزات في المستشفيات المحلية، وكل ما سيسفر عنه البحث…، وهكذا لن يكون وراء الحادث وضراوته مسؤول واحد بل عدة مسؤولين موزعين على قطاعات مختلفة، وهو ما عبّر عنه المخرج السينمائي الكبير عاطف الطيب ببراعة مؤثرة في فيلمه الشهير «ضد الحكومة» حين جعل المحامي يطالب بمحاسبة الحكومة كلها ويصرخ بكل قواه في قاعة المحكمة «أغيثونا».

الفكرة التي تتكرّر دائما ولا محيد عنها، ملخّصها أن تراجع الخدمات العمومية هو عنوان الفشل السياسي الذريع، ولا معنى للديمقراطية إذا لم تكن سببا في تحقيق سعادة الإنسان. ونحن نعاين هنا تراجعا كبيرا في مجال النقل والصحة والتعليم، والتجهيز والقضاء والبيئة. هذه القطاعات كلها تزداد تخلّفا من يوم إلى آخر، ولم يعد ينفع معها ترقيع أو إصلاح، بل تتطلب كلها مشاريع إعادة بناء عملاقة، كما إن العامل البشري يلعب في هذه الكوارث المتلاحقة دورا حاسما بالإهمال والتقصير والتسويف والإرجاء وتجاهل مطالب الناس وتعويم الأولويات الملحّة في المجادلات السياسوية والمهاترات الإيديولوجية، لقد أصاب بنية التفكير والقيم ما أصاب بنية الطرقات والسكك، وهي أيضا أضحت في أمسّ الحاجة إلى إعادة بناء بغاية تأصيل قيم العمل والمواطنة في النفوس من جديد. فالحافلة والطريق ونظام الرحلة وبقية التفاصيل ليست قضاء ولا قدرا بل هي كلها مجتمعة أدلة لا تقبل الشك على فشل الدولة والمجتمع معا.

يجدر بنا في قضية الحال أن ننتبه إلى الثقل الرمزي الذي يحفّ بحادثة سقوط الحافلة، فقد أضحى الشباب المليء بكل أسباب الحياة وهو رمز المستقبل لقمة سائغة للموت بسبب هذا التخلف القاتل، وإننا نتدحرج كلنا شيئا فشيئا إلى هاوية بلا قرار فأغيثونا، أغيثونا، أغيثونا..




فرسان الزمن الجميل

المنصف لزعر

المنصف لزعر

رحل في شهر   واحد (نوفمبرٍ 2018) اثنان من فرسان الفنّ في بلادنا، أحمد معاوية والمنصف لزعر.
سبعينيان ينتميان إلى جيل مؤسّس غادرا مسرح الحياة من الباب الخلفي بخفّة، لم يذهبا إلى تحية الجمهور الذي كان يصفّق لسواهما، كأنما كانا على موعد بعد نهاية العرض يتعجّلان الذهاب إليه معا، هناك في عالم يوصف دائما في النعي والتأبين أنه مكان أجمل.

والراحلان كانا فارسين في زمنٍ أجمل. ستأخذك ذكراهما دائما وأبدا إلى تونس الستّينات والسبعينات، إلى المسرح البلدي الذي تحتفظ إلى اليوم خشبتُه ومقصوراته المطعّمة بالمخمل الأحمر بصدى وقع أقدام الموسيقيين والمغنين والراقصين والممثلين وهم يتأهبون لعرض أول، وصدى ضجيج المتفرجين الوافدين في كامل أناقتهم لمشاهدة هذا الحفل أو تلك المسرحية. ستأخذك ذكراهما إلى شارع الحرية، هناك حيث بدأ عصر التلفزيون في الأستوديوهات وغرف المونتاج، وفي المقاهي المحيطة بالإذاعة والشوارع التي تطوق خصرها.

ظلّ أحمد معاوية وفيّا للمسرح رغم مساهماته في بعض الأعمال التلفزية المتفرّقة، عرف بأدائه دور الزعيم الحبيب بورقيبة في مسرحية «الرجل الذي صمد»، وتوّج في العام 2005 بجائزة أفضل ممثل في مهرجان المسرح العربي بالأردن عن دوره في مسرحية «أنتيقون». أما المنصف لزعر فلا يُذكر إلاّ بالمسلسلات التلفزيونية رغم أعماله المسرحية الكثيرة، فقد رافق الدراما التونسية في تطورها اللافت منذ بداية التسعينات، وما يزال أداؤه المميّز لشخصية «إسماعيل» ضابط الشرطة المتسلّط في مسلسل «غادة» علامة مضيئة في تاريخ التلفزيون. فضلا عن أدوار أخرى كثيرة ومتنوعة حافظ فيها على ملامح الرجل «الجنتلمان» التي تمتاز بها شخصيته الواقعية.

لا غرابة في أن تختصر ذاكرة الجمهور ملايين الصور التي تستهلكها طيلة حياتها وتكثفها في لقطات قصيرة، تستبدل فيها عادة الشخصيات الحقيقية الواقعية بتلك الشخصيات الروائية المتخيلة، فأنطونيو كوين هو زوربا، ومنى واصف هي هند بنت عتبة، ومحمود عبد العزيز هو الشيخ حسني أو رأفت الهجان»، والأمثلة على ذلك أكثر من أن تحصى. لكن ما يبدو أقرب إلى الجحود هو البرود الذي تبديه كثير من الصحف والمواقع التونسية اليوم عند رحيل عمالقة الفكر والثقافة والفن، حيث يختصر النعي في بضعة أسطر تتردّد فيها نفس الكلمات الفضفاضة، ويختزل عمر كامل من الفنّ والخلق والإبداع والمعاناة في «حياة حافلة بالأعمال الفنية المتنوعة». فتحاول اللغة الإنشائية أن تداري العجز والقصور بقوالب ومفردات لا طائل من ورائها. إن الحاجة تبدو ملحة اليوم لتضطلع جهة ما بتأسيس مسرد أنطولوجي شامل يوثق تجارب فنانين ومثقفين كبار بذلوا بكل سخاء حياتهم في خدمة هذه البلاد وإغناء ذاكرتها، وتستحقّ ذكراهم لمجرد هذا فقط أن تُخلّد وأن تكون درسا وعبرة، ثم إن استحضار هذه التجارب بشكل علمي دقيق وشامل ليس مجرّد تكريم إنما عمل منهجي لردم الهوة التي تزداد عمقا بين الأجيال ومجابهة القطيعة التي أفضت إليها هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على كل الوسائط الأخرى.

هما فارسان ترجّلا حقيقة لا مجازا لأنهما عاشا مثلما أرادا. إنهما يمثلان المرحلة الزاهرة في تاريخ المسرح والتلفزيون في تونس، مرحلة «الزمن الجميل». وهذه العبارة ليست وهْمًا كما قد يجتهد البعض في تأويلها معتبرا أن الزمن حقيقة نفسية، وأنّ لكلّ جيل زمنَه الجميلَ الخاصّ به، بل هي وصف تقريبي لحقيقة مادية وتاريخ ماثل للعيان، وإن كان الجمال نسبيا وذاتيا، لكن العبارة تفرض نفسها للتمييز بين ذلك الزمن وأزمنة أخرى منذورة للقبح والرداءة والاستخفاف بعقول الناس وأذواقهم. الزمن الجميل هو زمن البدايات، الزمن الذي استجاب فيه المثقفون إلى دعوة المسعدي على لسان غيلان إلى «الكفر بالنواميس والحدود والعراقيل، وإنكار العجز والإسلام ونفي العدم، وإلى الإيمان بالفعل».

وكثيرا ما يقال كناية عن الموت «ترجّل فلان». يقال ذلك جزافا في المطلق لأن الموت يجمّل الأشياء ويمنحها طاقة تعبيرية غير ممكنة في مواجهة الأحياء، وكأنما الراحلون يستحقون دائما لقب الفارس ووصفه لمجرّد أنهم قد عبروا الخطّ الهلامي الفاصل بين الحياة والموت، ماتوا وذهبوا إلى عالم لم يعُد منه أحد حتى الآن ليروي ماذا يوجد حقّا وراءه؟ ولغة التأبين في سخائها لا تميّز بين من يحيا حياته ومن يمرّ بجوارها، بين من يترك في الأرض دويّا ومن لا يُسمع له حسيس أو صدى، بين من كان «عبئا على ليل المؤرخ» ومن يرتّب أحلامه في موته بطريقة أخرى، هكذا عندما يرحل الفرسان الحقيقيون دفعة واحدة ويمتلئ الغياب بالغياب، نتذكر حكمة الشاعر الكبير محمود درويش التي تُعرّف الحياةَ بتلازم الإرادة والكينونة «وحياتُنا هي أن نكون كما نريد».




السابع من نوفمبر

عامر بوعزة

عامر بوعزة

لا بد أن نعالج أنفسنا اليوم من هذا الوسواس القهري الذي أصاب الذاكرة. وخير أشكال العلاج المواجهة.

نعم، احتفلنا بالسابع من نوفمبر، لسنوات عديدة، كل بطريقته، في الصحف والإذاعات، في دور الثقافة، والمهرجانات، أمام لجان التنسيق وفي الشوارع والساحات. الأمر يشبه بقعة الزيت أو الشاي على الثوب الأبيض، تكون صغيرة في البداية ثم تترحرح شيئا فشيئا، وكلما طال بها العهد أصبح من الصعب محوُها، وصار لا بدّ من وضع الثوب كله في ماكينة الغسيل.

احتفلنا كلنا، لكن كل قدير وقدرو: الموظف العمومي الذي تمتع بيوم عطلة احتفل، والصباب الذي لاحظ أن جاره لم يبتسم كثيرا في ذلك اليوم احتفل، والأستاذ الذي طُلب منه أن يفتح قبل يومين قوسين صغيرين في درس العربية للحديث عن «الثورة الهادئة» احتفل، ورجل الأعمال الذي تبرّع بخلاص الأبواق في حفل صوفية صادق احتفل.

(أكمل القراءة…)




مع الدولة أم ضدّها؟

حملات نظافة ودهن وتزويق تطال المعالم الأثرية

حملات نظافة ودهن وتزويق تطال المعالم الأثرية

لا أحد يستطيع أن يفسّر لك بدقّة كيف تجري الأمور الآن في تونس، وسوف تصطدم وأنت تحاول تفكيك الظواهر الغامضة من حولك بعبارات جاهزة على غرار «الشباب الثوري»، «مجموعات الفايسبوك»، «الشعب يريد». وهي عبارات تزيد الغموض غموضا وتجعل الأمر شبيها بتفسيرك الماءَ بالماء.

تردّدت هذه العبارات بكثرة في سياق الحديث عن الصعود الصاروخي للرئيس الجديد في الانتخابات الرئاسية بشكل لم تتوقعه النخب، ففي آخر لقاء معه قبل الصمت الانتخابي الذي سبق الجولة الأولى حدّد يوسف الشاهد منافسيه المباشرين ولم يذكر قيس سعيّد رغم وجوده على مدى سنتين كاملتين في نتائج سبر الآراء، بما يؤكد أن العائلة السياسية التقليدية تشبثت بالإنكار إلى آخر لحظة، ولم تتفطن لوجود إمكانات حشد أخرى خارج الأحزاب. لهذا نشطت كثيرا نظرية المؤامرة في الفترة الفاصلة بين الجولتين، وتركزت خصوصا على الدلالات التي يوحي بها وجود مجموعات مجنّدة في الفايسبوك لإنجاح شخص بعينه، ولماذا هي مغلقة؟

بعد الانتخابات اكتسحت المدن حملات منظمة للنظافة والدهن وخدمة البيئة. كما لو أن الوعي قد استيقظ فجأة، ومن الواضح أن لهذه المجموعات ذاتها دورا طلائعيا في تنشيط هذه الحملات وتغذيتها كي تنتشر عدواها بشكل عنكبوتي، بالتوازي مع نشر رسائل عن «الوعي الشبابي» و«اللحظة الثورية» و«العودة إلى يناير 2011»، وعن «صلاح الرعية بصلاح الراعي» الخ، ما يعطي الانطباع بأن هذه النشاط التطوعي الذي يوحي بالعفوية إنما يندرج في سياق خلق مناخ إيجابي ملائم للرئيس الجديد كي يباشر مهامه على رأس الدولة وهو مطمئن إلى وجود جيش ميداني على أهبة الاستعداد لكل الاحتمالات، ومن يخرج الشباب لحملات النظافة يمكنه أن يخرجهم للتظاهر والعصيان! (أكمل القراءة…)




Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress