حامد الناظر يكتب عن نظرية الموز

small_old_couvأتاحت لي عزلة كورونا المجيدة قراءة ثانية في كتاب “نظرية الموز” للصديق العزيز الصحفي والشاعر التونسي عامر بوعزة الذي صدر في العام ٢٠١٦.

يتألف هذا الكتاب النبيل والساخر من مجموعة نصوص ومقالات قصيرة مكثفة، بالغة الكمال في أفكارها، صانعة قوسًا إنسانيًا واسعًا فوق قريتنا الكونية، من الأدب إلى الصحافة والإعلام إلى العولمة إلى الطبقة الوسطى إلى فيروز ومحمود درويش وبورقيبة والقاهرة وغزة وكوبا وأشياء أخرى، وهي على كل حال تقرأ بأكثر من وجه، متجاوزة بذلك الفضاء التونسي بإشارات وإحالات ذكية إلى فضاءات أخرى أوسع تشملنا بعذاب الذاكرة طالما أننا وقعنا جميعًا في فخ العولمة.

نصوص بوعزة كتبت بخليط سحري من النوستالجيا والسخرية حول تلاشي الطبقة الوسطى التي كان الموز أحد أهم رموزها في الموائد وفي الذاكرة التونسية قبل سقوط جدار برلين، وتلك حكاية أخرى تشبه حكايتنا أيضًا. يعبر القاريء إلى نصوص الكتاب من خلال عتبة قصيرة، هي ملخص مكثف لكتاب (فخ العولمة) للكاتبيْن (هانس بيتر مارتن – هارالد شومان)الذي صدر ١٩٩٦ وتنبأ بديكتاتورية السوق والإعلام الموجه والقيم الجديدة الخالية من أية مضامين إنسانية، في ظل هيمنة النموذج الأمريكي على العالم، والأهم أن الثروة ستتركز في حجر خمس سكان العالم، وسيصبح الـ ٨٠٪؜ عاطلين ومعوزين وفائضين عن الحاجة!

حامد الناظر

حامد الناظر

يقول بوعزة “انتهت حكايتنا مع الموز، ولم ينتبه أحدٌ إلى أن ذلك النصر تحقق بفضل العولمة، وكان على الذين ناهضوا العولمة أن يفكروا قليلاً قبل الإصداع بمواقفهم المناهضة وأن يقارنوا بين حالهم مع الموز وحال آبائهم زمن السيادة الحدودية التقليدية والحماية الجمركية الصارمة، زمن جدار برلين. عليهم أن يختاروا بين حالتي الموز واللاموز، بين الوفرة التي يشهدونها بعيونهم ويلمسونها بأصابعهم في الأسواق والحرمان الذي طبع ذكريات طفولتهم خلال نصف قرن مضى.

موزة لكل فم، أليست تلك هي العولمة؟”.

“الموز ومعه الصحيفة” كانا أحد أهم رموز الطبقة الوسطى في السودان، وكانت هذه الطبقة النبيلة مثل غيرها في معظم بلاد الله قبل سقوط جدار برلين ومجيء البشير وبن علي وجورج بوش الأب ويلتسين، طبقة واسعة وممتدة أفقيًا في كل مؤسسات الدولة، في التعليم والصحة والسكة الحديد والموانيء ومياه المدن ومصلحة الضرائب وسلك القضاء وغيرها الكثير، قبل أن يصبح هاتف جالاكسي الذكي رمزًا أصيلًا لطبقة جديدة فقيرة لا اسم لها، تعود في آخر يومها بباقة إنترنت ورصيد مكالمات بدل كيس الموز وصحيفة اليوم الطازجة، أليست هذه عولمة البشير التي بشرتنا ب”البيتزا الإيطالية والهوت دوغ”؟

اجتاحت ثورات الفائضين عن الحاجة نصف العالم تقريبًا على موجات متتالية، وأشكال متباينة من التعبير خلال العقود الثلاثة الماضية، وهاهي جائحة كورونا تهدد العروش وتخلخل ما بقي من قيم إنسانية في ضمائر ساسته الأنانيين. ولكي ينجو الخمس الثري الذي يملك مفاتيح المستقبل، لم يعد أمامه إلا أن يخبر هذه اللعنة الماكرة، على وجه اليقين، كيف تفرق بين من يستحقون الحياة وبين الفائضين عن الحاجة حتى تقوم بدورها على الوجه الأكمل فيخلو لهم وجه العالم، هذه هي المعضلة الآن وليست في ذلك السؤال الذي طرحه كتاب (مارتن/شومان) ماذا نفعل بالحرية التي أوجدتها العولمة؟




أولاد أحمد، الشعر والشاعر

ارتقى أولاد أحمد أثناء مُفاوضاته مع الموت إلى مرتبة ليس من السّهل أن يذهب إليها الانسان سائرا على قدميه، غادر الدنيا وهو يسمع النّاس يردّدون أنه شاعر كبير وخالد ويسبغون عليه الكثير من الأوصاف التي لا تمنح عادة الاّ للموتى أو الذين هم قاب قوسين من الموت، ولا شكّ أنّ الشّعور الذي يثيره مشهد شخص يسير نحو موته وهو في أتمّ مدارك وعيه قد تكون القادح الذي يدفع كثيرا من النّاس دفعا إلى التعبير عن مشاعرهم الحقيقية المكبوتة، ألم يقل شوقي بزيع: “الناس نيامٌ فإذا الشّاعر مات انتبهُوا؟”

اعترف التونسيّون بأولاد أحمد شاعرا فذّا بعد أن توقّفت بهم آلة الزمن طويلا عند أبي القاسم الشّابي واختصروا الشعر على حدّ قوله في بيت “أكلته الجرذان ولم تُبق منه الاّ إذا ولابدّ”. كان تهكّمه واضحا في مئوية الشابي بتوزر عام 2009 أمام لفيف من الشعراء تهاطلوا على المصدح، أمّا هو فقد قال: سأقرأ رسالة إلى أبي القاسم، فإذا لم تنل إعجابكم اطمئنوا إلى أنها مجرّد رسالة، وانبرى يُلقي سهامه أمام ناظري وزير الثقافة الذي كان يستطيع أن يعتدّ أمام ضيوفه ليلتها بذلك النصّ السّليط ليبرهن على أن وزارته لا تستخدم المقصّ مع الشّعراء، أمّا الشّاعر فقد أسرّ لجليسه بعد أن هبط من المنصّة: كلّ هؤلاء الشّعراء يحلمون بمئوية كهذه!

الصغير أولاد أحمد

الصغير أولاد أحمد

كان الصغيّر أولاد أحمد دائما وأبدا الرقم الأصعب في كل المعادلات، بين الشّعر والصّحافة، بين الحرّية والانضباط، بين الحلم والبراغماتية، بين بحر المتقارب والواقع، شاعر صعلوك مشاكس أصبح مديرا دون أن يتمكّن أحدٌ من ترويضه، كان بيتُه الكائن في المدينة العتيقة بيتا حقيقيا للشّعر لا للطّاعة، وظلّ كالسّائر فوق حبل رفيع لا يتوازن الاّ بالفوضى. في بداية التسعينات، كانت أسطورته الشخصية قد نضجت في بيت الشعر، حكاية الفتى المتمرّد الذي لا يرتاد قاعة محمد المرزوقي في بناية اتحاد الكتاب التونسيين بل يتناثر كلّ مساء في حانات العاصمة، الشاعر الذي جعل نصوصه سهاما يفقأ بها عيون الظلام، وأعاد إلى الصّعلكة نُبلها القديم، ذلك الشاعر ذاته لم يكن ليستطيع الفصل بين حياته ونصّه فكان بيتُ الشّعر مُنجزَه الذي خرج من حيّز الحلم والهاجس ليتجسّد في أرض الواقع، لم يكن مديرا بالمعنى المعروف بل كان صاحب حقوق الملكية الفكرية والأدبية. تجسّد هذا التّمازج في استضافة محمود درويش سنة 1995 لإطلاق ديوانه “لماذا تركت الحصان وحيدا؟” في قفصة تحت مظلّة هذا البيت، سنة واحدة بعد رحيل فلسطيني دامع العينين صاح فيه درويش أمام جمهور المسرح البلدي قبل أن يغادر إلى ما تبقى من فلسطين: “كيف نشفى من حبّ تونس؟”. كان أولاد أحمد في قفصة كتلة من الفرح الطفولي والغبطة العفوية ولم تكن الاحتفالية مهرجانا عاديا بقدر ما كانت حلما لذيذا ولم يكن بيت الشعر وقتها مؤسسة بل كان فكرة تتحرك مع الشاعر أينما حلّ.

ظلّ أولاد أحمد منذ قدومه إلى العاصمة وحتى ذهابه إلى الجلاّز في جنازة مهيبةٍ الشّاعرَ المتوحّد بالنصّ والفكرة، اهتمّ الناس بحياته وآرائه ومواقفه أكثر من اهتمامهم بشعره صورا ولغة وإيقاعا وفق المتعارف عليه في الأفق الأكاديمي المحدود، كان هو النصّ متحرّكا في الفضاء العامّ، تجسيدا لعقيدة المجد لدى المتنبي: أن يملأ الدنيا وتشغل الناس، وسيكون موته فاتحة عصر جديد، يرتبط فيه اسم الشاعر بالثورة. لقد أثبت التاريخ أن القصائد العظيمة لا تأكلها الجرذان وأنّ اختصار الشّعر في “إذا ولا بدّ” لم يكن الاّ خديعة الجمر الذي يمور تحت الرّماد، وهكذا عادت “نحبّ البلاد كما لا يحبّ البلاد أحد” إلى السّجل الثوري الأصلي بعد أن كانت أنشودة رسمية، وتحرّرت من سجن البروباغاندا لتصبح اليوم شجرة قد تحجب غابة أولاد أحمد الحقيقية كما حجبت إرادة الحياة كثيرا من عبقرية الشابي.




عَـــلَمُنا في المريخ!

150180369_3983384021719625_6495798916959673256_oمكان صغير للعلم التونسي في العربة الذاهبة إلى المرّيخ، لم لا؟ وما الذي يبعث على الهزء في التماس تقدّم به رئيس الجمهورية إلى المهندس التونسي الذي شارك مع آلاف من نظرائه من كافة أنحاء العالم في تطوير مسبار المثابرة؟ ما المانع؟ ألا يستحقّ شعبنا العظيم أن يوضع علمه المفدّى في ركن من أركان الصاروخ الجديد؟ بوساطة ثمينة من المهندس محمد عبيد؟

لطالما كان استكشاف الفضاء مقترنا بالسؤال الكبير المحيّر: هل نحن وحيدون في هذا الكون العظيم؟ فعدم التوصل إلى إثبات الشيء لا يعني أنه غير موجود، وفرضية وجود كائنات أخرى تعيش في عوالم لا يمكن أن يصلها البشر بإمكاناتهم الحالية تبقى قائمة لا يمكن نقضها، ولذا أشرف عالم الفلك الشهير «كارل ساغان» على صياغة رسالة كونية على أسطوانة أرسلت إلى الفضاء الخارجي مع المسبار «فواياجر1» العام 1977. وهي رسالة تتحدث إلى من سيعثر عليها بعد ملايين السنين عن حضارة الانسان التي ربما تكون عندها قد انقرضت تماما.

 على هذا القرص تسجيلات صوتية لأكثر من خمسين لغة من لغات الأرض، ونماذج من موسيقى بيتهوفن وموزارت ومعزوفات «لويس أرمسترونغ»، فضلا عن رسالتين صوتيتين لكل من «كورت فالدهايم» سكرتير الأمم المتحدة ساعتها و«جيمي كارتر» رئيس الولايات المتحدة الأمريكية الذي قال: «هذه هدية من عالم صغير، تعطي شيئا من أصواتنا ومن معلوماتنا، وصور وموسيقى، ومن فكرنا وأحاسيسنا. نحن نحاول البقاء وعليه فربما نعيش بعض الوقت من الزمان ونعاصركم».

ولما كان ذلك كذلك، فلا شيء يبعث على السخرية والهزء في كلام قيس سعيّد وحلمه بأن يرى العلم التونسي في الرحلة المقبلة إلى الكوكب الأحمر، بل لعله سيكون من المفيد للحضارة الإنسانية جمعاء أن تتناول وكالة أبحاث الفضاء هذه الرغبة بجدية، وأن تطلب من السلطات التونسية إعداد رسالة إلى الكائنات الفضائية. وأقترح أن تتضمن وجوبا المواد التالية على سبيل الذكر لا الحصر:

دقائق مختارة من برنامج «عندي ما نقلك». أغنية «الأماكن» بالفرنسية تغنيها إيمان الشريف، تدوينة لنائب -أي نائب- من ائتلاف الكرامة، صورة فوتوغرافية لمدخل العاصمة الجنوبي في ساعات الذروة، أو محطة المنصف باي في نهاية الأسبوع، وصفة كسكروت عياري، تسجيل صوتي لا يقلّ عن خمسين ثانية لراشد الغنوشي مع صورته وهو يضحك، صفحات من كتاب «شرع الحب»، موس بوسعادة، خريطة رقمية لموقع مطار طبرقة الدولي للاستراحات الفضائية، جبّاد، بقايا رسالة مسمومة، أغنية لكلاي بي بي جي، اسكاتش للصادق حلواس، مع مقدمة بصوت قيس سعيد نفسه يستحسن أن يذكر فيها كليلة ودمنة أو المهلهل بن أبي ربيعة الكلبي…

يحق للرؤساء أن يحلموا نيابة عن شعوبهم، فالشعوب ما عادت تقوى على الحلم، وفي انتظار أن ينظر الأمريكان في طلب الرئيس إرسال العلم إلى المريخ نرجو من فخامته أن يزورنا في أرضنا من جديد، ويكتشف معنا هذه المتعة النادرة التي لا تتكرّر، متعة أن نكون تونسيين في عهده الزاهر السعيد.




ميثاق النباح

عينان خضراوان، حامد الناظر

عينان خضراوان، حامد الناظر

تتركب اللعبة السردية في رواية حامد الناظر الجديدة «عينان خضراوان» من ثلاث طبقات، تفضي إحداهما إلى الأخرى فيما يشبه الحتمية، أو القدرية الطاغية التي لا فكاك منها. كل الأحداث تؤدي بعرفة بطلة القصة إلى المصير الذي انتهت إليه ولا تملك حتما وأنت تقرأ تفاصيل حكايتها إلا أن تتعاطف معها رغم أن ما أقدمت عليه يمثل في الذهنية العامة وفي المرجعية التي تصدر عنها أنت نفسك كبيرة بلا مغفرة.

وعرفة، بطلة لأنها تشبه أبطال المآسي الإغريقية، امرأة تغادر مع والدها «وادي العقيق» بعد فقدان والدتها هاربة من جحيم الحرب لتقع على بعد كيلومترات قليلة في الأسر وتبدأ رحلتها الصعبة مع الانتهاك في مواجهة قاسية للعالم الذي يتضاءل حتى يصبح بالكاد بضعة وحوش ترتدي ثيابا آدمية، وتتقلص إزاءهم إنسانيتها لتصبح شيئا للمتعة العابرة والاغتصاب المهين. رحلة من وادي العقيق إلى بورتسودان عبر تضاريس الحرب التي لا تميز بين البشر، والتي يصبح فيها القتل لعبة لاسترداد الأنفاس واستعادة بعض من الكرامة والانسجام مع الذات ويصير ضرورة للاستمرار والحياة. وفي كل هذا لم تكن عرفة إلا منقادة لمصير أجوف ونهاية مجهولة وغد بلا أفق. وفي اللحظة التي اختارت فيها لنفسها وحققت إرادتها وجدت نفسها تواجه حكم الإعدام في مجتمع لا يعترف بالإرادة الحرة ولا بحق تقرير المصير. (أكمل القراءة…)




خاتم بن علي في إصبع الغنوشي

محمد الغرياني مستشارا لراشد الغنوشي

محمد الغرياني مستشارا لراشد الغنوشي

لماذا كل هذه القسوة تجاه محمد الغرياني؟

هكذا تساءل البعض تعليقا على موجة السخرية والانتقاد التي رافقت الظهور التلفزيوني الأول لآخر أمين عام للتجمّع الدستوري الديمقراطي بعد توليه مهامه الجديدة في ديوان راشد الغنوشي رئيس مجلس النواب. ويُلمّح هذا السؤال إلى أن التجمعيين قد انفرط عقدُهم منذ سنين وتفرّقوا داخل المشهد السياسي الحالي، وأن ما أتاه الغرياني ليس جديدا، فباستثناء الحزب الدستوري الحرّ الذي يتشبّث بمقولات العهد السابق إزاء الإسلام السياسي ارتمى كثير من التجمعيين في أحضان النهضة وانتهى الأمر!

وهو سؤال يتنزل أيضا في سياق الشعور السائد لدى العامة باهتراء المقولات الثورية، فقد حان الوقـــت -كما يقولون- بعد استيفاء كل أدوات المحاسبة دون إنجاز مصالحة حقيقية إلى طيّ صفحة الماضي طيّا بلا رجعة والانطلاق نحو المستقبل دون الالتفات إلى الأمس، لأن إخفاق أدوات العدالة الانتقالية في تضميد جـراح الوطـــن -لأسباب ليس هذا مجالها- لا يعني تركها مفتوحة إلى الأبد.

لقد تأسّس التجمع الدستوري الديمقراطي على ثلاثة عناصر، أولها السواد الأعظم من منخرطي الحزب الاشتراكي الدستوري الذين لم يتردّدوا في الالتحاق بركب «التغيير المبارك» والتنكّر للمجاهد الأكبر سويعات قليلة فقط بعد أن كانت الشّعب الدستورية تحبّر برقيات المساندة لفخامته في الحرب التي يخوضها ضدّ الظلاميين! ويتكوّن العنصر الثاني من المستقلين واليساريين والنقابيين والحقوقيين وغيرهم من النشطاء الذين وجدوا في «بيان السابع من نوفمبر» وعودا بالقطع مع ثقافة الحزب الواحد. وعلى امتداد عقدين من الزمن لم ينصهر هذان الرافدان انصهارا تاما لعدة أسباب أهمها افتقار التجمع لعقيدة سياسية حقيقية، ومحافظته على هذا التفكّك الداخلي لإحكام السيطرة على طريقة «فرّق تسد».

أما العنصر الثالث وهو الذي يشكّل الأغلبية العظمى من منخرطي التجمع فيتكون من موظفي القطاع العام، إذ فرض التداخل بين الحزب والدولة نوعا من الإلزام غير المعلن بأن يكون الالتزام السياسي من شروط الانتساب إلى الوظيفة. وكانت تبعات التشبث بالاستقلالية أو المعارضة وخيمة، فالخطط الوظيفية مثلا تعتبر استحقاقا على أساس الولاء السياسي إلى جانب الكفاءة المهنية وقبلها غالبا. وكان التعيين في مختلف المناصب حتى المتوسطة منها يخضع لاختبار الكفاءة الحزبية.

ومنذ بداية التسعينات عندما اختار النظام الحلول الأمنية لاستئصال الإسلاميين انزلق مشروع السابع من نوفمبر من دولة التعددية والحقوق والحريات إلى دولة بوليسية صارمة. ولئن مثل هذا الاختيار نقطة الالتقاء الجوهرية بين الجنرال وبعض اليساريين والحقوقيين، فإنه كان نقطة الاختلاف المركزية مع المعارضة الراديكالية التي خرجت عن السيطرة. أما التجمع فقد انحرف عن وظيفة الحزب السياسي وأصبح جهازا في خدمة الشرطة والمخابرات وكل أجهزة الأمن. وهكذا عندما وصلنا إلى حدود العام 2011، كان التجمع قد حطّم المصعد الاجتماعي نهائيا، وأقام مكانه سلّم النفاق والوصولية والخبث والانتهازية، وقضى على تكافؤ الفرص ليجعل من الوشاية الوظيفة المركزية للعمل السياسي، الوشاية كانت تطال الجميع لا المعارضين فقط وتمارس داخل النسيج الواسع للتجمّع ذاته. ولهذا لم يبد الحزب الحاكم أي مقاومة عشية الثورة، بل يروى أن كثيرا من مقرات لجان التنسيق أحرقها التجمعيون لإتلاف ما فيها من وثائق تدينهم.

إن الآراء التي تدافع عن حقّ محمد الغرياني في العمل جنبا إلى جنب مع راشد الغنوشي بعد أن كان -كما ردّد سمير الوافي أكثر من مـرة أثـــناء البـــرنامج- «ثالث رجل في نظام بن علي»! آراء يغلب عليها الطابع الإنسانوي والحقوقي والبراغماتي، لكننا ننظر بعيون أولئك الذين لا يتحدّث عنهم أحد، أولئك الذين شملهم العار، فانسحبوا من المشهد، ولم يقوَوا على معاودة الظهور، بل أصيب بعضهم بانهيار نفسي، ودفعوا باهظا ثمن انتمائهم إلى المنظومة القديمة وإيمانهم بها وانخداعهم بشعاراتها دون أن يكونوا ضالعين في الفساد أو مورطين في أيّ شيء. لقد كانوا يمثلون الأغلبية الصامتة التي تعرف ما يجري في كواليس السلطة لكنها تحلم بالإصلاح من الداخل، ثم دفعت ثمن ما اعتبر «تواطؤا بالصمت».

لقد انتابت الجميع في البدء «حالة العفّة الثورية» وما تزال تنتاب البعض حتى يومنا هذا، وقد رُفع فيها شعار «لا فرق بين زلم وآخر»، يشهد بذلك الموقف المسرحي المهين الذي خاطب فيه الرئيس قيس سعيد مرشحه لرئاسة الحكومة هشام المشيشي باستعلاء عندما تناهى إلى سمعه أنه سينتدب وزيرين من أكفأ من أنجبت منظومة بن علي في تخصصهما، قائلا بوضوح: لا مكان لهؤلاء في الدولة!

لكن سياسة وضع البيض كله في سلة واحدة لا يستفيد منها دائما إلا الفاسدون والذين لا كرامة لهم، فقد عاود فعلا كثيرٌ من الانتهازيين والوصوليين والوشاة على امتداد السنوات العشر الماضية الظهور في مختلف الأحزاب وتسلقوا من جديد السلالم المفضية إلى كراسي السلطة، فيما انسحب كثير من الشرفاء الذين اعتبروا أن تشبثهم بما جاء في بيان السابع من نوفمبر حتى اللحظة الأخيرة سذاجة تستحق العقاب. وأيا كانت المبررات التي يسوقها محمد الغرياني لوجوده في ديوان رئيس مجلس النواب فإنه لن يستطيع أن يغير من واقع الحال شيئا فبهذا التعيين يهين راشد الغنوشي أبناء الحركة الإسلامية ويعتدي رمزيا على الديمقراطية ويهين فكرة الثورة ويستخف بكل قطرة دم أهرقت من أجلها.




رؤية الواقع كاريكاتوريا في السيرة العطرة للزعيم

 

أحدث روايات شكري المبخوت

أحدث روايات شكري المبخوت

يقتحم شكري المبخوت بروايته الجديدة «السيرة العطرة للزعيم» عالم الأدب السياسي الساخر، وهو نوع من الكتابة الروائية قليل عربيا، فيما اشتهر به كتاب عالميون من أمثال الروائي التركي عزيز نسين. وهو يقارب في هذا النص السردي الجديد والمختلف عما عرف به سابقا منذ روايته «الطلياني» فكرة الزعامة السياسية بشكل كاريكاتوري من خلال شخصية «العيفة بن عبد الله».

تتكوّن الرواية من أربعة عشر فصلا، ويمكن اعتبار النص الأول (فاتحة) والنص الأخير (تذييل: ترجمة الزعيم) بمثابة النص الإطار الذي يحتوي المتن السردي والجسر الذي يصل الرواية بالواقع، ففي الفاتحة جملة أساسية تطلع القارئ على أهم صفة يمتاز بها الزعيم: انتماؤه إلى هذا الشعب، فهو «منحدر من أعماقه، ومن روح هذا الشعب تشرّب قيمه وأسلوبه في العيش والتعامل وحتى في البذاءة المحببة إلى النفس». ويصف الراوي بطل السيرة بأنه «الوحيد الذي يستحق زعامة هذا الشعب لكن رياح التاريخ في بلادنا تهبّ دائما عكس مصلحتها». وورد التذييل في شكل ترجمة متخيّلة منسوبة للباحث التونسي المعروف عبيد الخليفي لتنزيل شخصية «العيفة بن عبد الله» في سياق التاريخ الوطني، حيث عاش الزعيم منذ سنته الثالثة في الجامعة إلى اندلاع ثورة الكرامة 17 ديسمبر-14 جانفي 2011 حياة السرية، دون أن يتخلى عن مهامّه النضالية في تأطير الشباب الثوري والتحريض على النظام الحاكم، ورغم الأدوار المهمة التي نسبت إليه في مختلف مراحل الثورة اختفى شيئا فشيئا من المشهد السياسي التونسي بعد انتخابات 2011، وبعد أن ناصب العداء للترويكا وللإعلام والصحافة. «لكنه يظل من أبرز رجالات الثورة التونسية المجيدة وزعيما كبيرا خالد الذكر من أهم من عرفت تونس من زعماء في تاريخها»

أما المتن السردي المخصص لسيرة الزعيم في الحركة الطلابية فيتوزع على اثني عشر فصلا تبدو في الظاهر مخصصة للإحاطة بحياة العيفة بن عبد الله منذ لحظة وصوله إلى الكلية، لكنها في الحقيقة تفسر جملة أخرى وردت في الفاتحة ويمكن اعتبارها أهم مفاتيح الرواية يقول فيها الكاتب متحدثا عن الزعيم «وجعل الله له نخبة من إخوان الصفاء يشدون أزره» فالسيرة إجمالا هي قصّة صناعة الزعيم. (أكمل القراءة…)




3 أكتوبر 1988

ameur bouazza

في مثل هذا اليوم منذ إثنين وثلاثين عاما خلت، استيقظت باكرا على غير المعتاد، وأعددت نفسي جيدا لاستقبال مرحلة جديدة في حياتي.

ركبت أول سيارة تاكسي جماعي متجهة إلى المنستير، وفي تمام العاشرة صباحا كنت أصعد درج المندوبية الجهوية للتعليم في مقرّها القديم المتاخم لكلية طبّ الأسنان. لم يكن الأمر يستدعي البقاء طويلا هناك أو مقابلة مدير التعليم الثانوي، فبمجرد الاستظهار أمام السكرتيرة بالبرقية التي وصلتني نهاية الأسبوع الفائت حتى جذبت ملفا من الدرج واستخرجت منه بطاقة التعيين ثمّ سلمتني إياها بعد أن طلبت مني التوقيع على وصل الاستلام والقبول.

كان أول تعيين لي في التعليم الثانوي بمعهد التكوين المهني الهادي خفشة بالمنستير مركز المدينة، وما إن دقّ جرس الساعة الثانية بعد الزوال حتى كنت متّجها نحو قاعة التدريس بعد أن تسلمت من أحد الكتبة في الإدارة جدول الأوقات، ووقفت لدقائق في قاعة الأساتذة مرتبكا ووجلا، فقد كنت وأنا في الحادية والعشرين من العمر الأصغر سنّا بين كل الموجودين في تلك القاعة. وعندما أكملت ساعة الدرس الأولى ناداني ناظر الدراسات عامر عزيّز وكان إلى جانبه عامر البنوني مدير المعهد في الساحة وتجاذبا معي أطراف الحديث للتعارف ولتذكيري بلباقة بضرورة ارتداء ميدعة بيضاء التزاما بالنظام الداخلي للمعهد. (أكمل القراءة…)




عالم حنّا مينة الروائي

 

خنا مينة 1924-2018

حنا مينة 1924-2018

برحيل الكاتب السوري الكبير حنا مينة عن سن تناهز أربعة وتسعين عاما فقد الأدب العربي أحد أبرز وجوه الرواية في القرن العشرين، فهو كاتب ينتمي إلى مرحلة التحولات الاجتماعية والثقافية الصعبة في الوطن العربي، عاصر المخاضات السياسية الكبرى التي عاشتها المنطقة بدءا من حروب التحرير وصولا إلى الثورات المغدورة والربيع الدامي، ونحت تجربته من التفاعل الخلاّق بين الإيديولوجيا والحياة، فكانت أعماله في الأدب الواقعي نضالا عميقا من أجل عدالة اجتماعية يرى أنها حلم الإنسانية كلها لا حلم أجيال قليلة فقط، وسافرت رواياته من اللاذقية إلى العالم محققة تلك المعادلة السحرية بين المحلية الضيقة والكونية الرحبة، وعبر هذه الأعمال يتأسس عالم حنا مينة الروائي ويمتاز بتجذره في الواقع الاجتماعي من جهة وقدرته من جهة أخرى على الخلق والتخييل حتى ليظن القارئ أن أبطال هذه الرواية أو تلك أشخاص موجودون في الواقع.

خارج المدونة النصية تعتبر شخصية حنا مينة الإنسان أحد أهم العناصر المكونة لظاهرة «حنا مينة الكاتب»، فهو ينتمي إلى طائفة من الأدباء تلعب تفاصيل حياتهم دورا أساسيا في ذيوع أدبهم وتتحول سيرتهم الأولى في مرحلة ما قبل الكتابة إلى نوع من الخرافة أو الأسطورة، على غرار قصة جان جينيه (1986-1910) مع اليتم والفقر واللصوصية والتشرد كما وردت في كتاباته عن الذات أو في حواراته الصحفية ثم تطورت لتصبح مادة تأمل وجودي لدى سارتر في كتابه (القديس جينيه، الممثل والشهيد)، وقصة الكاتب المغربي محمد شكري (2003-1935) مع الفقر والأمية ومسيرة تدرجه من عالم هامشي مقموع إلى مصاف الكتاب والأدباء الكبار، وهذه القصص المليئة بالإثارة والخارجة عن المألوف تقوم كلها على عنصر جوهري هو تحدي النظام الاجتماعي وإرغامه على قبول ما يختلف عنه، وتصبح قصة الصراع هذه رافعة تجارية مهمة للنص قبل الخوض فيما يميزه من داخل البنية الأدبية ذاتها، وفي تجربة حنا مينة نعثر على سيرة مختصرة مبهمة تتكرر في كل المصادر بنفس الصيغة وتقول إن الكاتب عاش طفولته في إحدى قرى لواء الإسكندرون على الساحل السوري، ثم عاد مع عائلته إلى مدينة اللاذقية، وأنه كافح كثيرًا في بداية حياته، واشتغل في مهن مختلفة، فعمل حلاقًا وحمالًا في الميناء وعمل مصلّحَ دراجات ومربّي أطفال في بيت سيد غني وعاملا في صيدلية، ثم تدرج في المرتبة الاجتماعية نوعيا وأصبح صحفيا وكاتب مسلسلات إذاعية للإذاعة السورية بالعامية، وموظفا حكوميا وانتهى روائيا. وتبدو هذه المسافة الملغزة من الأعمال اليدوية الشاقة إلى النشاط الذهني مجسدا في الإبداع الروائي كلّ سيرة حنا مينة التي تسبق أدبه وتسوّق له بل وتستحوذ على الاهتمام أكثر من أدبه ذاته لا سيما في سياق البحث عن الإثارة الإعلامية، وهي على كثافتها تكفي أيضا للتدليل على مدى التزامه بالإيديولوجيا التي اعتنقها وعبر عنها حيث تبدو صورة الكاتب اليساري القادم من وسط اجتماعي فقير صورة جذابة، لكن هذه السيرة تخلو من المصادر الأدبية التي صنعت تجربة الكاتب أو الكيفية التي استطاع بواسطتها أن يصبح أديبا في الأربعين من العمر، وإنما تتألف القصة فيها مثلما هو مألوف في غيرها من قصص العصامية من ثنائيات ضدية متعدّدة: الفقر والغنى، الجهل والمعرفة، المادة والفكر.

 ويغذي حنا مينة أسطورته الذاتية في الخيال الشعبي بوصيته التي كتبها يوم 17 أغسطس من العام 2008 ونشرتها جريدة «الثورة» في دمشق اليوم التالي، ففيها يذكّر مجدّدا بسيرة كفاحه الأولى «منذ أبصرت عيناي النور، وأنا منذورٌ للشقاء، وفي قلب الشقاء حاربت الشقاء، وانتصرت عليه، وهذه نعمة الله، ومكافأة السماء»، وعلّق على ذلك الناقد «صقر أبو فخر» في مقال بعنوان: «ماذا يفعل حنا مينة هذه الأيام؟» قائلا: «الواضح أن لغة تلك الوصية موشّحة ببعض العبارات الدينية، وهي غريبة على روائي شيوعي عريق ظل يجاهر بشيوعيته حتى الأمس القريب» وينتهي إلى القول بأن حنا مينة أضحى وهو في التسعينات من العمر «يتقلب في عزلة الألم، أو في ألم العزلة، بعدما رحل جميع أصدقائه، و”تشقلب” العالم كله من حوله».

هكذا إذن تُختصر حياة حنا مينة في كونه كاتبا عصاميا توقّف عن الدراسة منذ المرحلة الابتدائية وعمل أعمالا شاقة لمكافحة القهر الاجتماعي، وانتصر على الشقاء بأن أصبح كاتبا مرموقا، يؤكد الكاتب نفسه في وصيته ما يحفّ بحياته من غموض بقوله: «ليس لي أهلٌ، لأن أهلي، جميعاً، لم يعرفوا من أنا في حياتي، وهذا أفضل، لذلك ليس من الإنصاف في شيء، أن يتحسروا عليّ عندما يعرفونني، بعد مغادرة هذه الفانية» وهكذا جعل الكاتب حياته الشخصية مبثوثة في رواياته وإن لم تكن كما هو متعارف عليه في الأعراف الأدبية من جنس السيرة الخالصة أو الرواية السيرية المتفق حولها، فهي روايات أساسا لكن حضور ذات الكاتب فيها من أهم مظاهر انشدادها إلى الواقع الاجتماعي، من خلال إحالات مكانية وزمانية تنتمي إلى عصر الكاتب وحياته على غرار المرافئ والمقاهي ومدن البحر، كما كان شأن نجيب محفوظ في روايات المرحلة الواقعية وغيره من الكتاب الذين لا يبتعد خيالهم كثيرا عن حياتهم وواقعهم. ويلخص حنا مينة هذا التداخل بين حياته وأدبه في قوله «قد تقضى العمر في حلقاته المتتابعة، بشيء جوهري لدي هو تحقيق إنسانيتي، من خلال تحقيق إنسانية الناس. أنفقت طفولتي في الشقاء، وشبابي في السياسة، ولئن كان الشقاء قد فُرِضَ عليّ من قبل المجتمع، فعشت حافياً، عارياً، جائعاً، محروماً من كل مباهج البراءة الأولى. فإن السياسة نقشت صورتها على أظافري بمنقاش الألم، فتعلمت مبكراً، كيف أصعّد الألم الخاص إلى الألم العام، وكيف أنكر ذاتي، وأنتصر على رذيلة الأنانية، وكل إغراءات الراحة البليدة، التي توسوس بها النفس، فكان الإنسان في داخلي، إنساناً تواقاً إلى ما يريد أن يكون، لا إلى ما يُراد له أن يكون»

داخل مدونة حنا مينة النصية عالم روائي واحد تتشابه فيه المناخات وتتكرر يسميه النقاد عالم البحر، لكن الميناء لا يمثل مكانا روائيا يستوعب الأحداث التي يخوضها أبطال الرواية بقدر ما هو موقع رمزي تخوض فيه الذات الراوية معركتها مع الوجود. ولئن كانت الرواية تقوم على هذا العالم المطابق للواقع والذي يلبي شهية النقد الاجتماعي القائم على فكرة الانعكاس بين النص والمجتمع فإنها تقوم أيضا على فكرة البطل وصورته الخارقة، فهو العمود الفقري الذي تتحلق حوله الأحداث وتتجمع، هكذا هو «مفيد الوحش» في «نهاية رجل شجاع» الرواية الأكثر شهرة بعد أن تم تحويلها العام 1993 إلى مسلسل تلفزيوني ناجح وهكذا هو «زكريا المرسنلي» في «الياطر» أهم رواية كتبها حنا مينة من وجهة نظر كثير من النقاد يعتبرون أنه لم يكتب بعد أكثر من ثلاثين عنوانا إلا رواية واحدة.

عامر بوعزة

 




كيف أصبح الباجي قايد السبسي رمزا

91_3624014686204198912_nلو وضعنا صُورَ الجنازة المهيبة التي ودّع بها التونسيون رئيس الجمهورية جنبا إلى جنب مع الصور التي رافقت ظهوره من جديد في الساحة السياسية قبل ثمانية أعوام لوقفنا على واحدة من أكبر المفارقات، فالسبسي حين كلفه الرئيس المؤقت فؤاد المبزع برئاسة الحكومة الانتقالية لم يكن معروفا بالقدر الكافي لدى قطاع عريض من «شباب الثورة»، والمعلومات القليلة التي تناقلوها عنه في وسائل التواصل الاجتماعي لم تكن لصالحه البتة لأنه يتوفّر على كل المواصفات التي تصدّى لها الراديكاليون جميعا من اليمين إلى اليسار.

من هذه المواصفات سنّه التي تجاوزت الثمانين عاما آنذاك، وانتماؤه إلى ما يُسمّى لديهم «الدولة العميقة»، وانحداره من طبقة تُعتبر دائما في «المخيال الثوري» أحد أهم أسباب اختلال الميزان الاجتماعي. واشتغلت ماكينة الدعاية على هذه المحاور الثلاثة لتخرج منها قصصا جعلته وهو يعود إلى الحكم بعد نحو عشرين عاما من الانقطاع في مواجهة تجربة جديدة مختلفة كليا عن تجاربه السابقة، كل شيء فيها منفلت، بدءا من طموحات الفاعلين المحيطين به وتعطشهم الحارق إلى السلطة، وصولا إلى الشعب الذي كان يعتقد أن تغيير النظام يكفي لحل كل مشاكله وتلبية كل تطلعاته، مرورا بوسائل الإعلام التي أصبحت تعتبر نقد الحكومة المعيار الأول للاستقلالية. وكان عليه أن يواجه جبالا صلبة من الأحكام المسبقة تذهب حدّ المطالبة بمحاسبته على مواقفه في مختلف المعارك القديمة، ولا تهدأ البتة عن تكفيره لمبادئه المتحررة في مسألة العلاقة بين الدين والدولة. كانت تجربة مضنية ومشوّقة لرجل في سنّه المتقدّمة وخبرته المُعتّــــقة، لا تشبه في شيء زمن بورقيبة حيث كان كل شيء يسير بدقة وانضباط، في كنف الالتزام التام بمكانة الزعيم الرمزية ودوره التاريخي. فكان السبسي في 2011 أشبه بمروّض الثيران الهائجة، أو مُربّي التماسيح المتوحشة في سرك مفتوح على كل الاحتمالات. (أكمل القراءة…)




متى تتحرّر التلفزة من براثن أبنائها!

 

التلفزة الوطنيةتعليقا على نقدي بشكل مكثف برنامجا تقدمه التلفزة الوطنية كتب الصديق الصحفي حليم الجريري قائلا:
«أخطأت الزميلة فاطمة البارحة فوبّختَها بطريقتِك وأخطأتْ اليوم فزدتَها توبيخا. هذه السيدة من محترمات التلفزة الوطنية ومن أكثرهن أخلاقا وخُلُقا وحتى مهنيّةً وحيادًا. والذي لا يَعمَل لا يُخطئ، وقد أخطأَتْ مرّتين، ولو عرفت المرأة من قريب لراسلتَها على الخاص لتلومها بَدَلا عن التعبير عن رأيك فيها على رأس الأشهاد، ممّن يتصيّدون الفُرَصَ لثلب كل صحافي من المرفق العُمومي سعيا لتتفيه التلفزة الوطنية والنّيل منها» (أكمل القراءة…)




Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress