سرّ الصوت الفضيّ ذي القرار الموسيقي الغامض..

الشاعر والإعلامي نصر الدين اللواتيالشاعر والإعلامي نصر الدين اللواتي

الشاعر والإعلامي نصر الدين اللواتي

بعد ربع قرن.. من تلك الأيّام البعيدة، أيام صيدِ المعاني على طريقِ الحياة، والتحفّز للتحليق وراء الأفكار والقصائد والمجازات والأوهامٍ والأحلام وهي تتطايرُ في كل اتجاه، من تلك الأيام البعيدة، حيثُ الذكريات المخاتلةُ ما انفكت تلاعبنا، يأتي صوتٌ كموسيقى ملونة بالفضة.
صوتٌ كأنه يرنّ الآن منطلقا في تحليقه الأثيري قادمًا من نواحي غامضة ومسافرًا الى أمكنة سريّة، بنبرةِ قرارٍ موسيقيّ لا تشبهُ أي موسيقى.
لكنه لم يكن مجرّد صوت ذاك الذي كان يقودني كل مرة لسهرٍ رحبٍ ومذهل، كان صفحاتِ اكتشاف متواليةٍ لأسماء ولآداب وقضاياَ ولتساؤلات وهواجس هي الآن معمارٌ في الذاكرة لا يتزحزح.
كنتُ ألاحقُ برنامج إبحار، ثم قمر لكل الليالي، ببهجةٍ منقطعة النظير، قبل أن أفهم فيما بعد أن هذين البرنامجين الإذاعيين الأسبوعين في إذاعة المنستير التونسية، منحا جيلاً وأكثر متعةَ اكتشاف عوالم الثقافة العربية بتنوع أسمائها مشرقًا ومغربًا وتعدد انشغالاتها ومعاركها وخاصّة مع ارتباط الانتاج الثقافي عربيًّا خلال التسعينات بهزات وزلازل وتحولات كبيرة.
وأكثر من المتعةِ كانت تلك السهرات معرفةً خالصةً، بحواراتٍ واختيارات لا ارتجال فيها ولا استسهال، وفرصةً لتهريب ذوقٍ فني وأفكارٍ مختلفةٍ، تلك التي كان النظام الرقابي يحار في مطاردتها، حتى نجح في إسكاتها، قبل أن تهب بعد ذلك رياحٌ وتتلاحق أحداثٌ في بلد الفرح الدائم.
بعد نحو ربع قرن، أردت فقط أن أقول شكرًا لذلك الصوت الفضيّ ذو القرار الموسيقي الغامض، شكرًا للشاعر المختلف بنصوصه الحائرة، شكرًا للمعرفة والاكتشاف والذائقة التي كنت جزءًا منها، شكرًا عامر بوعزة

—————
نصر الدين اللواتي




تحت سماء مرصعة بالكاميرات

 

8-adhensive.jpg_50x50لم تتبقّ لي الاّ بعض الصّفحات من رواية بدأت قراءتها منذ أكثر من شهر، لكنني عندما بحثت عنها في مكتبتي لأكملها لم أجدها، فتّشت بلا جدوى في كل مكان أرتاده، فتأكدت أنني قد أضعتها في مكان ما ولم أتفطّن. بدأت أعيد في ذهني ترتيب الأحداث التي عشتها منذ الأسبوع الماضي، لقد أخذت معي هذا الكتاب إلى أحد المجمّعات التجارية الكبرى هنا في الدوحة، وقرأت منه فصلا في المقهى قبل أن أذهب لاقتناء بعض حاجات البيت، فثبت لديّ إذن أنّه لا يوجد الا احتمال واحد قويّ: لقد نسيت أن آخذ الكتاب من عربة المشتريات بعد أن أفرغتها في السيارة!، فما كان الغد، عدتُ إلى المُجمّع التّجاري وأعطيت مواصفات الكتاب لأحد أعوان الحراسة، فتخاطب مع جهة ما هاتفيا، ثم طلب مني الذهاب إلى الإدارة لأتسلّمه، فلم يستغرق الأمر الاّ دقائق حتى عدت ومعي حاجتي.

عندما فكّرت في الذّهاب إلى المجمّع التجاري لاسترجاع الكتاب المفقود كان ذلك اختبارا لذاكرتي أوّلا، فقد كنت على يقين من أنني سأجده لو صحّ أنني قد نسيته فعلا في العربة، فما سيحصل في مثل هذه الحالات معروف، سيأتي أحد هؤلاء العمال الآسيويين الذين يعملون في مأوى السيارات ليعيد العربات الفارغة إلى مكانها في مدخل المجمّع كما يفعلون دائما عندما تتبعثر هنا وهناك، وعندما ينتبه إلى الكتاب لن يكون بوسعه الاّ أن يحمله إلى الإدارة كي تضعه على ذمّة من سيأتي ليسأل عنه، لا يتعلّق الأمر بالكتاب لأن قيمته المادية ضئيلة ولا تغري أحدا بالاستحواذ عليه، فالأمر ذاته سيحدث لو كانت الحاجة المفقودة هاتفا أو حاسوبا أو بضاعة أخرى ثمينة. هؤلاء العمّال الذين ترتسم على وجوههم معالم البؤس لا يجرؤ أحدهم على فعل أي شيء خارج عن القانون هنا حيث يعملون، إنهم يأتون من أماكن مختلفة من العالم، ليعملوا في دول الخليج العربي من أجل تغيير حياتهم، والمبالغ الزهيدة التي يحصلون عليها ذات قيمة لا يستهان بها في بلدانهم الأصلية، وأي مخالفة يرتكبها أحدهم ستجعله بمقتضى قوانين الكفالة عرضة للترحيل شأنه شأن كل المقيمين على تباين درجاتهم واختلاف وظائفهم. صرامة القوانين وحدها تجعل أكثر من سبعين جنسية تتعايش تحت سماء واحدة على اختلاف أعراقها وأجناسها ودياناتها، بينما تشتعل حروب في مناطق أخرى من العالم بين أبناء الجنسية الواحدة لاختلاف في الأيديولوجيا فقط أحيانا، لكنّ صرامة القوانين لا تقاس بعدد رجال الأمن في الأماكن العامة، فذلك يشعرك بأنك تتحرّك داخل زنزانة كبيرة ويجعل من الانضباط سلوكا ظرفيا لا غير، إنما تضطلع كاميراهات المراقبة الموجودة في كلّ مكان بخلق إحساس عام بأنّ كل شيء تحت السيطرة، وأنّ كلّ ما يقوم به الانسان في الفضاءات العامة مكشوف، فهل يمثّل ذلك تعدّيا على الخصوصية وانتهاكا للحرّية الشخصية رغم أنه ضروري لصنع مجتمع آمن تنعدم فيه الجريمة أو تكاد؟

إن فرضية استرجاعي الكتاب لو فقدته في أحد المُجمّعات التّجارية في تونس تظلّ قائمة لكن بنسبة ضعيفة جدّا، فكثير من المشاكل التي باتت تؤرق المواطنين في السنوات الأخيرة تتّصل بانعدام الأمن والأمان وارتفاع منسوب العنف والجريمة، رغم كلّ منجزات الثّورة السياسية لا سيّما في باب التشريعات الخاصّة بحقوق الانسان ما يزال المجتمع في حاجة إلى نظام مراقبة أمنية شامل ودائم يضمن الانضباط لقواعد العيش المشترك ويوفّر الأمان، لا يعني ذلك العودة إلى المربّع الأول، حيث تتمّ مقايضة الحرّيات بالأمن، فما يحصل في الأنظمة الاستبدادية عادة هو الانحراف بهذه الأجهزة سواء أكانت بشرية أم الكترونية عن وظيفتها الأمنية الوقائية واستغلالها في تعقّب الرأي المخالف والتصدي له بوليسيا، لكنّ ذلك لا يعني إلغاءها كلّيا في سبيل مقاومة الاستبداد، وهو الخطأ الذي قد تكون تونس وقعت فيه خلال السّنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام بن علي.

لكن إمكانية ضياع الكتاب في أحد المجمعات التجارية في تونس يبقى أمرا نادر الحدوث، إذ لا أحد يفكر في سرقة كتاب، وهناك يتعيّن عليك أن تعيد بنفسك العربة إلى مكانها بعد إفراغ محتوياتها في السيّارة، فأنت لا تحصل عليها الا بمقابل مالي، ولو حصل أن حدث هذا الأمر فليس بوسعي أن أتخيّل حقا ما إذا كان العثور عليه ممكنا وبنفس السّهولة التي تجري بها الأمور في مناخ اجتماعي وسياسي مختلف كالذي يوجد في الخليج، لكن السّؤال عن الخصوصيّة في مقابل الأمن يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة ليكون سؤالا كونيا وحيرة أصيلة، أيّهما أفضل أن تعيش آمنا تحت سماء مزروعة بالكاميراهات مطمئنا إلى أن عيْنا ما ترعاك فيما هي تحصي أنفاسك، أم أن تعيش حرّا متمرّدا على كل أشكال التّعقب والمراقبة دون ضمانات حقيقية تكفل لك أمنك؟ وأي معنى للحرية الشخصية والخصوصية ولم يعد ممكنا الاستغناء عن التكنولوجيا التي اخترقت كل الخصوصيات، تلك هي المسألة.




فلسطين أولا، فلسطين دائما

Michel Boujenah

ميشال بوجناح

خريف العام ألفين وعشرة، أياما قليلة قبل أن تندلع شرارة الثورة في تونس، انشغل التونسيون بمقطع فيديو لمطرب يغنّي في أحد الفنادق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، ويهتف وسط جمهور من السّكارى بحياة بن علي ونتانياهو معا، الضجّة التي أثارتها الحادثة أجبرت هذا المطرب التونسي على الانسحاب كلّيا من السّاحة الفنية والاختفاء تماما من المشهد، كانت تلك لحظة جماعية فارقة انضافت إلى لحظة أخرى سبقتها، حينما وجّه بن علي دعوة إلى شارون لحضور القمّة العالمية لمجتمع المعلومات العام 2005، فدقّ مسمارا آخر في نعش حكمه المتهالك، ومنح المعارضة الديمقراطية فرصة ذهبية لتسجيل نقاط أخرى قرّبتها أكثر من الجماهير الشعبية، فالتّطبيع مع الكيان الإسرائيلي الغاصب خطّ أحمر لدى التونسيين جميعا حتى تلك اللحظة.

هناك أكثر من سبب يجعل من التّطبيع فكرة مرفوضة في الشّارع التونسي، أوّل هذه الأسباب دون شكّ الموقفُ التاريخي الذي يحسب لتونس في سجل القضيّة الفلسطينية، فبعد اجتياح القوات الإسرائيلية بيروت عام 1982 وإرغام الفلسطينيين على مغادرتها، اتّخذ الرئيس الحبيب بورقيبة قرارا شجاعا باستضافتهم وتمكينهم من إدارة شؤون القضية من تونس، واستُقبل كوادر منظمة التحرير الفلسطينية وعائلاتهم استقبالا شعبيا هائلا في ميناء بنزرت، وعندما لاحقتهم طائرات العدوّ يوم غرة أكتوبر 1985، إلى حمّام الشطّ اختلط الدّم التونسي والفلسطيني، فالغارة لم يكن لديها متّسع من الوقت لتفادي التونسيين واستثنائهم من المجزرة.

أبو جهاد

أبو جهاد 1936-1988

في تونس أيضا امتدّت يدُ الغدر إلى أحد أبرز قادة المنظّمة التّاريخيين الشّهيد أبو جهاد، وخرجت جموع التونسيين مندّدة، فالمظاهرات الوحيدة التي كانت السّلطات السّياسية تسمح بتنظيمها هي المظاهرات المُساندة للقضيّة الفلسطينيّة، وعلى امتداد أكثر من عشر سنوات ظلّت فلسطين بكل مكوّناتها التّاريخيّة والسّياسية والثّقافية جزءا من الحياة التونسية اليومية، باندماج الفلسطينيين في المجتمع التونسي، إلى أن قرّرت قيادة المنظمة العودة بموجب اتّفاق “أوسلو” إلى ما أسماه الشّاعر الراحل أحمد دحبور “الجزء المتاح من الوطن”، فخرج الفلسطينيون من تونس كما لم يخرجوا من قبل، من أيّ مكان عربي أقاموا فيه منذ النّكبة، عبّر عن ذلك محمود درويش ليلة الوداع صيف عام 1994 بقوله: “لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نر في أي مكان آخر، لذلك نخرج منها كما لم نخرج من أي مكان آخر نقفز من حضنها الى موطئ القدم الأول في ساحة الوطن الخلفية بعدما تجلّت لنا فيها في البشر والشجر والحجر صور أرواحنا المحلّقة  كعاملات النّحل على أزهار السّياج البعيد”.

فعلت تونس ذلك رغم بعدها الجغرافي عن الشّرق الأوسط، ورغم أن خلاف بورقيبة مع عبد الناصر بعد خطاب أريحا جعل منه في أنظار المسحورين بالمضامين الثورية الشرقية عميلا وخائنا، ولم يكن ذلك صراعا بين زعيمين تاريخيين، بقدر ما كان انعكاسا للتناقض الحادّ بين الواقعية السياسيّة و المثاليّة الايديولوجية.

قصص التّضامن التّونسي مع الشّعب الفلسطيني في قضيته العادلة لا تنتهي، وآخرها ما كشفته حركة المقاومة الإسلامية حماس حول النشاط الحركي للمهندس التونسي محمد الزواري الذي اغتيل أمام بيته في صفاقس في ديسمبر 2016 ضمن كتائب عز الدين القسّام جناحها العسكري مُتّهمةً جهاز المخابرات الإسرائيلي بتصفيته، هذه الحادثة تبعتها إهانة أخرى لم يتردّد التونسيون في التعبير عن غضبهم إزاءها، إذ ظهر صحفيّ من القناة العاشرة الإسرائيلية وهو يتكلّم بطلاقة من أمام مقرّ وزارة الدّاخلية في قلب العاصمة دون أن يطرف له جفن، لكن الاستقطاب الثنائي الذي يقسم السّاحة السياسية بين الإسلاميين والعلمانيين ألقى بظلاله في هذه الحادثة على الموقف المبدئي التّاريخي من القضيّة الفلسطينية وظهر بعض التردد والارتباك في تقدير الموقف لا سيما بعد دخول حماس على الخطّ.
لا يعني هذا بالطبع، انعدام أي شكل من أشكال التطبيع مطلقا أو بما يسمح على الأقل بالتباهي إزاء الدول العربية الأخرى التي

محمود درويش

محمود درويش

تصنّف في خانة “المهرولين”، لكن كان ثمّة موقف شعبيّ يعتبر التطبيع خطيئة ويعادي الصهيونية باعتبارها حركة عنصريّة بوضوح شديد وبلا أي التباس، فاليهود في تونس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وزوّار معبد الغريبة لم يتوقفوا يوما عن الزيارة رغم كل المتغيرات السياسية. فما الذي يجعل إذن الرأي العام ينقسم هذه المرّة بخصوص قضية “ميشال بوجناح” والحال أنها قضية واضحة وبسيطة ولا تحتمل التعقيد؟ هو فنان فرنسي يهودي من أصول تونسية يحبّ تونس ولا يتردّد في الدّفاع عنها، لكنه أيضا مناصر للفكر الصهيوني وللنزعة الاستيطانية التوسعيّة التي تقتات من عذابات الشعب الفلسطيني اليومية، والاعتراض على تمكينه من تقديم عرضه على ركح مسرح قرطاج موقف سياسي مناصر للشعب الفلسطيني الشعب الذي يخوض معركته وحيدا في زمن أصبحت فيه الدول العربية تطالب بتجريم المقاومة ونسبتها إلى الإرهاب.

كل طرح يتجاهل هذا المعطى ويتناول المسألة من زاوية حرية التعبير والديمقراطية فقط هو طرح يتغافل عن الجوهر، فإيمان التونسيين بعدالة القضية الفلسطينية إيمان راسخ جعلهم على امتداد عقود طويلة يناهضون كلّ أشكال التّطبيع، وما الاختلاف في هذه القضية والبحث عن مبررات هامشية للالتفاف على كونها موقفا سياسيا قبل كلّ شيء الاّ دليل على أنّ تنوّع الطيف السياسي والإيديولوجي وإن كان دليلا على حيوية المشهد الديمقراطي فإنه جعل بعض الثوابت المبدئية تتصدّع وتتداعى للسقوط.




وراء كل كذبة حقيقة

بشرى بالحاج حميدة

بشرى بالحاج حميدة

وتدخّلت العناية الإلهية في آخر لحظة لتنقذ التونسيين من الهبوط درجة أخرى في الحضيض، كان كل شيء على ما يرام هنا في القاع، إسفاف نسبي، وأحداث تسير ببطء وملل، حتى تكلّمت النّائبة في البرلمان بشرى بلحاج حميدة وقالت: إن طبيبة مُحجّبة في مستشفى الأطفال بباب سعدون رفضت فحص العضو الذكري لطفل في الثالثة عشرة من العمر.

 يا الله يا كريم، يا رحمن يا رحيم، خبر قُدّ على قياسنا، وها نحن ذا نتوكّل عليك لنشحذ سكاكين الفتنة ونعدّ لها ما استطعنا من العدّة، لنبحثْ أولا عن تسمية لائقة لوصف هذا القضيب العجيب الذي سيثير العجاجْ من باب سعدون إلى قرطاجْ، فعبارة “العضو الذكري” جافة ورخوة أكثر مما يلزم ولا تنتصب بشكل جيّد في ذاكرة السياسيين، سنستخدم عبارة “البشّولة” فهي أكثر بلاغة من “الزنّانة”، ولو شئنا لفرّكنا الرمّانة، فكتاب “الروض العاطر” يزخر بأسماء الأيور وصفاتها، لكن ليس هذا مقامها، فمربط البغل في هذه الحكاية هي عبارة “مُحجّبة”، التي ستعيدنا إلى المربّع الأول، “تغيير النمط”، وهلمّ جرّا من الفقاقيع التي ستقضي على هذا الملل.

فجأة تراجعت النائبة وأسقطت كل الحسابات في الماء، اعتذرت عن تسرّعها في نشر خبر تبيّن لها أنه كاذب، ولسحب البساط من تحت أقدام من سيلومونها أكّدت أيضا أنه كان ينبغي عليها التّثبت قبل نشر الخبر، ولسان حالها يقول: من اعترف بذنبه فلا إثم عليه، هكذا بكل بساطة تبخّرت حكاية الطبيبة المُحجّبة والبشّولة كأن لم تكن، والحال أنها حكاية متقنة الصنع يمكن أن تنطلي على الجميع، وكان يمكن أن تتصدّر أخبار البلاد في كبريات وكالات الأنباء لتعكس الصراع التراجيدي المزمن بين “الحداثيين والحداثيات” بوصفهم حرّاس “النمط”، والمحجّبين والمُحجّبات بوصفهم أعداءه.

لن نأسف كثيرا لضياع هذه الفرصة، فالقادم بلا شكّ سيكون أجمل، والأيام دائما حبلى بما يصعب تخيله،  عليك دائما أن تتوقع عند شراء علبة مفرقعات (الفوشيك) وجود واحدة أو أكثر لا تفرقع بشكل جيّد انما تطلق دخانا أبيض وهي تتمرّغ على الأرض، أطفال الثالثة عشرة يُسمّون هذه المفرقعات التي تسلّلت إليها الرطوبة فمنعتها من الفرقعة، “فسّاية” إذ أن صوتها يشبه صوت “الفسوة” وهي الظرطة المكتومة كما تعلمون.

القادم أجمل فمنصّات التواصل الاجتماعي وبلاتوهات الحوار السّياسي تحفل بالأكاذيب من كل نوع. الكذب أكثر السّلع رواجا، وله فوائد شتى، فوراء كل كذبة حقيقةٌ، لكنّ أكثر الناس لا يدركونْ، خذ مثلا حكاية الطبيبة المًحجبة والبشّولة، لك أن تُسميها “ضرطة” فلتت على حين غفلة، لكنها دليل قوي على أن كثيرا ممن يحترفون السّياسة اليوم في بلادنا لا يفعلون شيئا غير الضراط، كثير من السياسيين ونشطاء المجتمع المدني كان ينبغي أن يعتزلوا النشاط السياسي والحقوقي مباشرة مع رحيل بن علي إلى السعودية، فمواصفات دولة الاستبداد التي جعلتهم نجوما في عالم السياسة والمعارضة وحقوق الانسان تغيرت، وحرام ألاّ يُجازى هذا الشعب الذي ضحّى بالغالي والنفيس من أجل الديمقراطية الاّ بكثير من الفُساء.




الحكومة عاونها بالسكات

الحرب على الفساد

صورة من موقع المسلة

المسافة بين مساندة الحكومة في محاربة الفساد وهزّان القفة لرئيس الحكومة مسافة قصيرة ياسر، ويلزمك تعرف الثنية مليح ربما تبدا ماشي في الطريق الأول تلقى روحك تعديت من غير ما تشعر للطريق الثاني.

في الحقيقة انت كمواطن عادي وبسيط ما عندكش خلفيات وتمشي الحيط الحيط، تتكلم من منطلق حماس ورغبة في أنو الفيلم ما يوفاش، وما عليكش ملام، في نهاية الأمر احنا المواطنين صنيعة ستين سنا كلام، ثقافة فخامتو وسيادتو، ديما ثمة شخص نصف إلاه، هو اللي يفكرلنا وهو اللي يعمللنا، هذاك علاه المساندة عندنا ما تكون كان بالتصفيق ونحبو ياسر الأفلام .

ثمة فئة أخرى، ما نعتقدش أنها عفوية وساذجة وترتكب في الأغلاط اللي يرتكبها المواطن العادي على حسن نية، استضافة محامي أحد الموقوفين من بلاتوة لبلاتو، موش حرية إعلام، لكن مساندة للفساد والفاسدين، في الحرب إذا ماكش معايا راك ضدي، القضايا تناقش في المحاكم والمحامين يرافعوا غادي موش في التلافز، واحد م الموقوفين، أشهرهم، يتعدا في ومضة  كاميرا كاشي كأي شخصية عامة لا غبار عليها. وهذا الكل تشويش في الحرب على الفساد بش ما نقولش تحركات مريبة للطابور الخامس.

الحرب هذي كيف كل الحروب، ما تنجمش تكون قصيرة وخاطفة، إنما يلزمها نفس طويل وقدرة على المواصلة، كيف كل حرب يلزم فيها أبطال وضحايا، والكلنا معنيين بيها، الفساد في تونس ظاهرة اجتماعية وثقافية وأخلاقية قبل ما يكون معطى سياسي واقتصادي ويلزم نساهمو الناس الكل في دفعان الكلفة، حالة الحرب موش حالة عادية في حياة الشعوب. هذاك علاه: الحكومة عاونها بالسكات واخدم على روحك.




آش جاب تونس لبريطانيا؟

رئيس الجمهورية أثناء استقباله الهاشمي الحامدي

رئيس الجمهورية أثناء استقباله الهاشمي الحامدي

أثناء مناقشة قانون المخدرات وحوار السبسي مع نسمة الهاشمي الحامدي قال اش جاب تونس لبريطانيا؟، بالطبيعة الموضة الأيامات هذي اشكون يذمّ التوانسة أكثر أما رغم السخرية والاستعلاء اللي في كلامو باعتبارو مواطن بريطاني من أصول تونسية نعترف اللي عندو حق والحق ما يغشش حد، اش جابنا ليهم، كيف تدور بريطانيا الكل ما تلقاش واحد يعمل في السياسة كيف الحامدي، و تونس عمرها ما تعطي رخصة قناة تلفزية مولاها يعمل فيها كل شيء ما ناقص كان بش يتشتش بعد ما يوفى الارسال. المرزوقي خدمتو الوحيدة حاليا هي التصريحات التلفزية في المحطات الأجنبية، بين البرنامج والبرنامج يعمل برنامج وفي كل برنامج يعاود نفس الكلام، الانتخابات مغشوشة و بخروجو هو م القصر رجع النظام القديم وكأن الديمقراطية والحرية وحقوق الانسان أصول تجارية مقيدهم باسمو وموش ممكن يتوجدو في غيابو هو. السبسي إلى حد الآن كل ما يجبد ورقة من الشكبة متع الانتخابات يلقى روحو محدود الصلاحيات، عدى قانون المصالحة ما تعداش، وتوة قانون المخدرات مازال واقف في القرجومة والبلاد كأنها كوكوت، قريب تتكلاطى، والحزب اللي طلعو للرئاسة كي الكاس اللي تكسر ما عادش يتلم، ما نحكيوش عاد على هاك المرا اللي بكا عليها على خاطر ما كلاتش اللحم عندها ثلاثة شهور هذيك حتى الفلفل والطماطم نساتهم. السبسي المرزوقي الحامدي، اخزر لواحد تنسى الآخر، رب أنعمت فزد، ثروة وطنية حقيقية متع ضمار في بلاد هي الوحيدة في العالم اللي الحملة الانتخابية الرئاسية متاعها ما توفاش، هذا يتكلم وهذا يتكلم ولوكان جاء الكلام يتباع ويتشرى رانا أغنى بلاد، و قالوا تعرفش الديمقراطية قالو نزيد فيها.


 




المنصف المرزوقي والاستقواء بالغرب

المنصف المرزوقي

المنصف المرزوقي

نشرت صحيفة لوموند الفرنسية بتاريخ 23 جانفي 2017 مقالا للدكتور منصف المرزوقي الرئيس السابق للجمهورية التونسية تحت عنوان “الإرهاب وصراع الحضارات”، أطّرته بالإشارة إلى أن الكاتب يدعو الدول الغربية إلى المساعدة على استكمال الربيع العربي، لأن الشعوب العربية (حسب رأيه) طالبت  بالديمقراطية والعدالة الاجتماعية، لكنّ الغرب لم يفعل شيئا ما ترك المجال للمتطرّفين الدينيين لنشر الإرهاب. ولما كانت فكرة الاستقواء بالأجنبي نقطة جدل مركزية في إدارة ثورات الربيع العربي لا سيما وأن الكاتب يرأس حاليا حزبا معارضا تتّسم مواقفه بالراديكالية أثار هذا المقال الذي نُشر في منبر من أهمّ المنابر العالمية الانتباه بما يدعو إلى قراءته ومناقشة أهم أفكاره.

يتكون المقال من أربعة محاور أولها: علاقة الإرهاب بالمجتمع المحلّي، فهو يرى أن الطّبقة الوسطى المتعلّمة والمنفتحة على الغرب اختارت النّموذج الحداثي في مواجهة ما يسمّيه “إخفاق النظام السياسي”، أمّا النّموذج السّلفي فقد تبنّته الطّبقة الفقيرة التي اتّجهت نحو العنف مدفوعة باليأس والغضب لتكوّن تيّارا جهاديا يؤمن بأن المواجهة المسلّحة هي السبيل الوحيد لمقاومة الأنظمة الفاسدة وهو الذي يعمل على نقل “الحرب المقدّسة” إلى الدّول الغربية لدعمها الأنظمة القائمة.

في المحور الثاني الذي يتناول علاقة الإرهاب بالربيع العربي، يشير الكاتب إلى أن الاستراتيجية الحداثية والسلفية ظلّتا تتنافسان لاستمالة الأغلبية داخل المجتمعات العربية، لكنّ الثّورات أعطت الإجابة الحاسمة فهي لم ترفع شعارات تنادي بالخلافة الإسلامية أو بكراهية الغرب واليهود إنّما طالبت بالديمقراطية السياسية والعدالة الاجتماعية، ما جعل التيّارات الجهادية تجد نفسها على الهامش وتصبح العدوّ اللّدود للثّورة والحليف الموضوعي لأنصار النّظام السّابق الذين يعملون على إفشالها، أما المحور الثالث فيحلّل فيه الكاتب علاقة الإرهاب بردّ فعل الغرب تجاه الرّبيع العربي، ويشهد انطلاقا من تجربته في رئاسة الجمهورية أنّ التّعهّدات الغربية لم تتحقّق خصوصا في مسألة الدّيْن الخارجي التي كان النّظام الجديد يعوّل عليها لتحقيق الإقلاع الاقتصادي، معتبرا أنّ الدول الغربية قد عادت لمساندة الأنظمة الدكتاتورية بحثا عن استقرار وهمي.

ويخلص بذلك إلى المحور الرابع في علاقة الإرهاب بصراع الحضارات، حيث يرى أن الحرب الأهلية في اليمن وليبيا وسوريا، والانقلاب العسكري في مصر والانتخابات المغشوشة في تونس كلها عوامل أفشلت الربيع العربي، فأصبحت التيّارات الجهادية تتغذّى من كره الأنظمة الدكتاتورية التي تستمد من محاربة الإرهاب قوتها، ولذلك يتوقّع المرزوقي حصول المزيد من العمليات الإرهابية في أوروبا وخارجها، وللوقوف في وجه هذا المسار العدمي يقترح انطلاقة جديدة للربيع العربي داعيا الدول الغربية إلى توخي سياسة تأخذ بعين الاعتبار مصالحها على المدى المتوسط والبعيد، والاّ فإنّ العالم يتّجه مباشرة نحو صراع الحضارات.

يتجاهل المرزوقي في مقاربته البعد العالمي في نشأة الإرهاب وتطوره، فالمسألة الاجتماعية ليست الاّ الجزء الظاهر من جبل الجليد، والتطرّف الديني يستمدّ مبادئه من أصول نظرية تكفيرية لا مجال لإنكارها، ويذهب الباحثون في تحديد هوية التيار السلفي الجهادي في تونس إلى القول بأن مبايعة تنظيم “أنصار الشريعة” أبا بكر البغدادي تطرح أسئلة حول كيفية التعامل مع هؤلاء الذين خرجوا عن الدولة: “فهل نتعامل معهم باعتبارهم رعايا دولة أجنبية وإن لم تكن عضوا في المنتظم السياسي الدولي؟ أم متجنسون؟ أم عملاء؟”[1] وقد استبق البحث بذلك الجدل الذي أثير مؤخرا حول عودة الإرهابيين والإطار الذي ينبغي أن تعالج ضمنه، ويقرّ البحث ذاته “أن ارتهان إرادة أنصار الشريعة وعموم التيار السلفي لأصحاب قرار من خارج البلد تحت عنوان الحاكمية السياسية العليا،.. يمكن أن يؤدي للتصادم بين منظوري هذا التيار وعموم التونسيين”[2]، لكن قراءة المرزوقي تنطلق من مقولة جد ذاتية، حول “فشل المشروع السياسي الوطني (الدولة البورقيبية)” باعتبار الحداثيين والسلفيين معا نتيجتين مختلفتين لسبب واحد يميّز بينهما الانتماء الطبقي!

يتجاهل المرزوقي كذلك أن الاستثناء التونسي حقيقة تؤكدها عدة مؤشرات لمؤسسات تصنيف دولية حيث باتت تونس تتصدر قائمة الدول العربية في تصنيف الديمقراطية، كما أن المجتمع الدولي يعتبر الحوار الوطني الذي أنهى حكم الترويكا مفخرة للتجربة الديمقراطية وسببا كافيا لتتويج المجتمع المدني بجائزة نوبل للسلام سنة 2015. وهو عندما يدعو الدول الغربية إلى المساعدة على استكمال الربيع العربي إنما يعني تحويل وجهة الدعم القائم من “قوى الثورة المضادة” إلى القوى الديمقراطية (التي ينتمي إليها ويمثلها) لأن ذلك سيضع حدا للكراهية المتبادلة التي هي سبب الصراع، وهو موقف ينبني على استراتيجية تفكير مقلوبة رأسا على عقب، فصدام الحضارات ليس نتيجة محتملة كما ينتهي إلى ذلك الكاتب في مقاله بل هو أحد أبرز أسباب تطور الظاهرة الإرهابية واتجاهها إلى الغرب حيث نشأت الفكرة[3] وأفضت إلى سياسات استعمارية جديدة هدفها إعادة صياغة الشرق الأوسط تحت مظلة نظام عالمي، ما يعزز دائما اعتبار البعض “الربيع العربي” مؤامرة دولية لا ثورات حرية وكرامة.

يُصنّف هذا النص ضمن مقالات الرّأي، لكنه يستمدّ أهميته من الدور الذي يضطلع به كاتبه في الحياة السياسية، لا سيّما وهو يوظّف فيه بعض المعطيات من تجربته الخاصّة في الرئاسة عندما يتحدّث عن الدعم التركي القطري للتجربة التونسية في مقابل عدم إيفاء الولايات المتحدة الأمريكية بتعهداتها في التسليح، ووقوف دولة الإمارات إلى جانب ما يسميها “قوى الثورة المضادة”، لهذه الأسباب يبدو هذا المقال مثيرا للانتباه لضعف محتواه الفكري وتهافته، فهو يتصدى لمسألة صدام الحضارات ذات البعد الثقافي الكوني باستخدام أدوات هي أقرب إلى الخطاب الحزبي، وهو على غرار العادة خطاب يقفز على الواجبات الأخلاقية التي يفرضها النقد الذاتي ويتغافل عن مراجعة مسؤولية الحكم في انتشار الظاهرة الإرهابية وتغلغلها في النسيج المجتمعي باضطلاع جهات متنفذة في الترويج للعقيدة الجهادية وتيسير سبلها.

—————–

[1]  السلفية الجهادية في تونس بعد  الثورة وفشل تجربة الانتظام، سامي براهم، ضمن بحث بعنوان السلفية الجهادية في تونس، الواقع والمآلات أعدة المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية التابع لرئاسة الجمهورية في فترة حكم الترويكا.
[2]  نفس المصدر
[3]  صدر كتاب “صدام الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي الجديد” لصامويل هنتنغتون سنة 1993




عندما يكذب التونسيون ويصدّقون أنفسهم

 

راشد الغنوشي دافوس 2017

راشد الغنوشي دافوس 2017

تناولت وسائل الإعلام التونسية مؤخرا بكثافة خبرا يفيد بأن منتدى دافوس صنّف تونس البلد الديمقراطي الوحيد في العالم، وصنّف المغرب والجزائر ومصر والعراق والأردن ضمن الدّول التي توجد فيها ديمقراطية، واستثنى ليبيا وسوريا واليمن لأنها تعيش حربا أهلية بينما صنّف دول الخليج في خانة الدّول التي لا توجد بها ديمقراطية. وقد وردت صيغة الخبر واحدة في مختلف المواقع، والاجتهاد الوحيد الذي لوحظ هو في العناوين المصاحبة أو في محاولة التدقيق بالإشارة إلى أن هذه الدّراسة قد صدرت بعد نهاية أشغال المنتدى! ورغم هذه الصيغة المبهمة التي لا تحدّد السّياق الحقيقي للمعلومة فإن الإعلام التونسي تعامل مع هذا الخبر دون أدنى مساءلة.

بقليل من البحث يتّضح أن الخبر لا علاقة له بمنتدى دافوس إطلاقا، وأن الخريطة التي رافقته في بعض المواقع والتي تميّز تونس باللون الأزرق في مجال الديمقراطية هي من منشورات الأمم المتحدة، وقد أعادت نشرها مجلّة (The economist) يوم 9 جانفي 2016 ضمن مقال بعنوان “الشتاء العربي” تحدثت فيه عن مآل الثورات العربية وأفردت فقرة للحديث عن الاستثناء التونسي في مجال الديمقراطية استنادا إلى ثلاثة معايير هي تصنيف تونس من قبل مؤسسة “فريدوم هاوس” الأمريكية كأول بلد عربي تتوفر فيه الحرّية، والمركز المتقدم الذي تحتله تونس في تقييم منظمة التصنيف الديمقراطي بالنمسا، وحصول أربع منظمات من المجتمع المدني على جائزة نوبل للسلام. وقد نوّهت عدة مواقع وصحف تونسية في الإبّان بالمقال المذكور للأهمية العالمية التي تحظى بها هذه المجلة.

وإذا حاولنا ربط الصلة بين هذا الخبر في صيغته الأصلية التي تعود إلى سنة مضت والدورة الراهنة لمنتدى دافوس لن نعثر الا على تغريدة في تويتر تحت وسم (#) دافوس تضمنت الخريطة المذكورة والمنصوص عليها بوضوح أن المجلة نشرتها نقلا عن وثائق الأمم المتحدة بينما يتضح بسهولة أن الوسم غير رسمي ولا يمثل المنتدى في شيء، وهو ما يثبت أن كثيرا من المواقع الالكترونية والصحف تنزع إلى المجهود الأدنى ولا يأبه المشتغلون بها حتى عن البحث في الأسئلة الأساسية المُكوّنة لأيّ خبر صحفي والتي تُعتبر من أبْجديات المهنة.

من وثائق منظمة الأمم المتحدة

من وثائق منظمة الأمم المتحدة

من الأرجح إذن أننا مرة أخرى إزاء مغالطة إعلامية واسعة النّطاق، لكن تبدو مدروسة بعناية شديدة، فالمشاركة التونسية هذا العام في منتدى دافوس من الأهميّة بمكان، أولا لأنها تأتي مباشرة بعد انعقاد المؤتمر الدولي للاستثمار في تونس، وثانيا لحجم التمثيلية السياسية في هذه النّسخة لا سيّما بمشاركة راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بشكل مواز للحضور الرسمي ممثّلا في يوسف الشاهد رئيس الحكومة، وانتشار الخبر المغلوط بهذه الصيغة مع التنصيص على أنه قد ورد في أحدث دراسة للمنتدى صدرت بعد انتهاء أشغاله إنما يربط ضمنيا بين هذه المشاركة والاعتراف الدولي المتجدد بالاستثناء التونسي، خصوصا وأن ما نسب إلى منتدى دافوس أثار موجة من الابتهاج الشديد في أوساط المنتسبين إلى حركة النهضة على شبكات التواصل الاجتماعي.




رسالة سجناء النهضة إلى أحمد نجيب الشابي

إلى السيد نجيب الشابي رئيس الحزب الديمقراطي التقدمي
تحية نضالية مباركة

نحن مجموعة من المساجين الإسلامين الذين يقبعون مرابطين وصامدين ماسكين على الجمر في السجون والمعتقلات التونسية منذ 1990 يطيب لنا بمناسبة إحياء ذكرى اليوم العالمي لحقوق الإنسان في 2002.12.10 أن نصافحكم بهذه الرسالة لا لنذكركم بما تعرضنا له “كأسرى” نظام قهري وما تعرضت له عائلاتنا ولا تزال من اضطهاد وتنكيل وانتهاك للحقوق وتعد على الحرمات ومحاولات غسيل الدماغ وما لاقته حركتنا ومناضلونا من محاكمات وتعذيب وقتل وإعدامات ومنافي تهجير وطرد من الشغل ومصادرة لموارد الرزق وإفتكاك جوازات السفر وحصار ومراقبة وملاحقات ومضايقات وطرد من الدراسة والتعليم وتشتيت لشمل العائلات بالسعي الى إجبار زوجات المساجين على تطليق أزواجهن والعمل على القضاء على الحركة وتدمير بنيتها وهياكلها التنظيمية وإلغاء وجودها وغلق ملفها وتحريض الحكومات الغربية على إلغاء حق اللجوء السياسي وتسليم الناشطين لإعدامهم او حبسهم في الزنازين والإصرار على تشويه صورة الحركة الإسلامية وتقديمها في شكل مجموعة متطرفة متسترة بالدين وإرهابية.

أحمد نجيب الشابي

أحمد نجيب الشابي

ولا نرغب أيضا في هذه المراسلة الخاطفة أن نفصل القول في شتى المظالم التي مسنا ضرها ولا إحصاء الإنتهاكات الصارخة لحرياتنا الفردية والجماعية وحقوقنا كحركة سياسية ولكن نود فقط في هذه المناسبة العالمية النضالية أن نلفت نظركم بصفتكم رئيس حركة طلائعية لا نكتم إعجابنا بشجاعتها وصدقها في تبني قضية الحريات والديمقراطية والعدالة الإجتماعية وبصفتكم أيضا كأستاذ محام الى بعض الأوضاع التي يعيشها المساجين السياسيون في بلادنا والسجناء عموما في الأحباس التونسية مما يخالف ما وضعته الأمم المتحدة من قواعد نموذجية دنيا في معاملة السجناء ويشكل خرقا واضحا لترتيبات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ومجموعة مبادئ الأمم المتحدة المتعلقة بجميع الأشخاص الذين يتعرضون لأي شكل من أشكال الحجز والسجن ومما يناقض أيضا وينتهك فصولا بينة للقانون الداخلي للسجون التونسية في نسخته القديمة أو المعدلة ونذكر من هذه التجاوزات والوضعيات الشاذة ما يلي على سبيل الإشارة لا الحصر.

إن جل المساجين في الأحباس التونسية لا يتمتعون بفراش مستقل بل يتقاسم السجين الفراش مع سجين آخر وهي وضعية مخلة بالآداب والذوق السليم ومخلة بشروط الصحة وراحة السجين أثناء النوم أو اليقظة.

كثير من السجناء لا يجدون نصف حشية ينامون فوقها بل ينامون على “الاسفلت” أو بلغة السجن في “الكدس” رأسا وذنبا “tête et queue” متكدسين” بعضهم على بعض” و “بعضهم في بعض” كعلب السردين ويمتد الكدس الى تحت الأسرة والى عتبة بيوت الراحة في ظروف قذرة وسخة مفترشين أغطية نتنة وهي وضعية لو أطلع عليها التونسيون لما صدقوا أن هذا يوجد في بلدنا تونس2002 بل لم يوجد في تونس ابدا حتى زمن البايات عندما كان السجناء يحبسون في كراكة حلق الوادي.

الإعتداء على كرامة السجين بالإهانة والتعنيف والضرب وإستعمال “الفلقة” والتعليق في السلاسل على القضبان. وهو سلوك يومي في جل السحون التونسية وخاصة الهوارب بولاية القيروان حيث تمارس الإنتهاكات بإشراف مدير السجن ومساهمته وبعلم إدارة السجون وتحت سمع وبصر وزارة العدل وحقوق الإنسان.

الانعدام الكلى لبرامج الإصلاح التربوي والأخلاقي وغياب التوجيه الديني والروحي وإنعدام فضاءات التثقيف والمطالعة والعبادة والرياضة اضافة الى شكلية ما يقدم للمساجين احيانا من حصص رفع امية او برامج تاهيل مهني وادماج اجتماعي الامر الذي حول السجون الى مراكز لتعليم الانحراف وارتكاب الفواحش واحتراف “الاجرام”.

منع السجناء وخاصة السياسيين منهم منعا باتا من تلقي الكتب والمراجع والدوريات العلمية والفكرية والدراسية وحرمانهم من التسجيل في المعاهد والجامعات ومواصلة التعليم والدراسة وممارسة الحصار الأعلامي بمنعهم من الإطلاع على الصحف وسائل الإعلام المسموعة والمرئية بهدف الحد من طموحاتهم العلمية وتدمير ملكاتهم العقلية وعزلهم عن الواقع المحلي والدولي.

تردي نوعية الأكلة المقدمة للسجين وعدم توفرها على الحد الأدنى من القيمة الغذائية ومواصلة تقديم الصبة

تتوالد الفئران وتتكاثر الحشرات والطفيليات في اكثر السجون التونسية وتتقاسم هذه الكائنات طعام السجناء وتسكن فرشهم وملابسهم واجسادهم.

الإكتظاظ المفرط للسجون وتدهور شروط حفظ الصحة.

السيد الفاضل: اننا برغم ما اصابنا من ضر في السجون وما لحق عائلاتنا من اذى ومالاقته حركتنا ومناضلوها في البلاد وفي المنافي من قمع وتصفية وتشويه واقصاء وبرغم كل الويلات فاننا نؤكد لكم بقاءنا صامدين بإذن الله ثابتين على مبادئنا متعلقين بالقيم الالهية والمثل الإنسانية العليا متيقنين أن المنعرج الديمقراطي والانتقال بشعبنا وبلدنا الى زمن الحريات والديمقراطية والتعددية الحقيقية والحياة السياسية النظيفة والراشدة لابد ان يتحقق في يوم غير بعيد بفضل صمودكم وثباتكم ووفاء كل المناضلين الاحرار والشرفاء لمنطلقاتهم ومبادئهم السامية والكفاحية ووفائنا جميعا لآمال شعبنا وطموحاته في مجتمع حر ومتحضر وديمقراطي واشواق امتنا في ريادة حضارية وكونية جديدة.

نحيطكم علما اننا عازمون باذن الله على الدخول في اضراب جوع ابتداء من يوم 9 ديسمبر 2002 بمناسبة ذكرى اليوم العالمي لحقوق الانسان. اما مطالبنا الاساسية فهي كما يلي:

* سن قانون العفو التشريعي العام

* رفع كل المظالم المسلطة علينا كمساجين وكحركة سياسية والإعتراف القانوني بحركتنا الإسلامية كجزء لا يتجزء من المنتظم السياسي الوطني والقانوني.

* مساندتنا ودعمنا لكل المطالب الديمقراطية التي تنادي بها القوى السياسية التقدمية والديمقراطية في بلدنا سواء كانوا احزابا او جمعيات معترفا بها او غير معترف بها او كانوا شخصيات مناضلة.

* وضع حد للانتهاكات المادية والمعنوية لكرامة السجين.

* حقنا المشروع في تلقي الكتب والمراجع والدوريات العلمية والفكرية وحقنا في مواصلة الدراسة والتعليم والارتقاء المعرفي.

* تجميعنا في غرف مستقلة وتحسين ظروف اقامتنا (تقريب، زيارة بدون حاجز …).

وأخيرا نحي صمود حزبكم ومصداقية اهدافه وبرامجه ونبارك جهودكم ونبل مناضليكم وروحكم النضالية ونؤكد على ان تشكيل جبهة ديمقراطية واسعة ومكافحة ذات برنامج واضح واهداف طموحة واولويات واقعية … جبهة تؤمن بان تحطيم قلاع الاستبداد وتكسير اغلال الانظمة القهرية وانهاء حقبة عبادة الوثن والارتقاء الى زمن الحريات ومصاف الشعوب المتحضرة والمجتمعات الراشدة والحرة لا يتم دون تضحيات ودون تقديم ضريبة الحرية.

وفقكم الله وسدد خطابكم وبارك مسعاكم وحقق آمال شعبنا على أيديكم.

—————————–
أرشيف الحزب الديموقراطي التقدمي




الحقّ الذي يُــراد به باطل

الإعلامي حسان بالواعر

الإعلامي حسان بالواعر

تعيد قضية حسّان بالواعر إلى الواجهة ملف حوكمة المؤسسات الإعلامية العمومية، ذلك أن عرضه على مجلس التأديب لقيامه بنشاط مواز في قناة تلفزيونية خاصة ومعاقبته بالرفت المؤقت من الإذاعة يفتح الباب أمام تأويلات سياسية متعددة رغم أن الإدارة تتعلّل بنصوص قانونية.

لا ينكر المتابعون لهذا الملف أن الإذاعة التونسية تستند في دعواها إلى النظام الأساسي للأعوان الذي يمنع على العاملين بها القيام بنشاط مواز دون ترخيص كتابي مسبق، ويؤكد الرئيس المدير العام في حوار صحفي حول الموضوع أن الترخيص ممكن في حالات مغايرة حيث يكون النشاط الموازي مختلفا عن طبيعة النشاط الأصلي مشدّدا على أن تضارب الاتجاهات التحريرية بين الإذاعة وقناة نسمة هو المحرّك الأساس للقضية وهو ما يؤكد الطّابع السياسي لهذا الملف رغم وضوح المدخل القانوني.

هناك فعلا عدة أسباب تدعو إلى الاعتقاد في أن القضية مُركّبة وكان يمكن أن تجري معالجتها وفق أسلوب مغاير يراعي المصلحة الفضلى لكل الأطراف، أول هذه الأسباب أن النظام الأساسي لأعوان الإذاعة نص قانوني قديم لم يعد يتماشى والوضع الجديد للحريات ولقطاع الإعلام في البلاد بعد الثورة لاسيما بدخول القطاع الخاص على الخط واعتبار المرفق العام أهم مصدر للموارد البشرية ذات الكفاءة والتجربة، ثاني هذه الأسباب وجود حالات مشابهة لحالة حسان بالواعر من حيث تضارب الاتجاهات التحريرية بين المشغلين لكنها تقبع في الظل أبرزها حالة الصحفي الذي يتمتع بخطة مدير ويشتغل في ذات الوقت مراسلا لإذاعتين أجنبيتين، بما يؤكد اعتماد الإدارة سياسة المكيالين وعدم تشبثها بالمصلحة الفضلى لكل الأطراف قاعدة مبدئية حيث يستفيد الصحفي بتعاونه مع قناة خاصة ماديا ومعنويا وتستفيد مؤسّسته بلا شك إن آجلا أو عاجلا من هذه التجربة، فالظهور التلفزيوني يمكّن الإذاعي من الانتشار والتأثير وامتلاك قاعدة جماهيرية عريضة، وإن كان الاختلاف بين الخط التحريري لقناة نسمة وخط المرفق العام حادّا حتى التضارب حقا فقد كان يمكن بكل بساطة ودون اللجوء إلى آلية العقاب تكليف الصحفي بعمل آخر غير تقديم البرامج في انتظار انتهاء تجربته مع القناة، على أن يظل أمام كل الأطراف التزام أخلاقي وحيد يتمثل في عدم إخلال المعني بالأمر بواجباته الأصلية أيّا كان نوعها وهو ما يمكن إثباته بالأدلة غير القابلة للدحض عند وقوعه والتصرّف إزاءه بما تقرّه القوانين والأعراف.

(أكمل القراءة…)




حمام بن سدرين

راشد الغنوشي

راشد الغنوشي

قالها راشد الغنوشي ما قلناهاش احنا: حمام بن سدرين.
الشيخ شبه جلسات الاستماع العلنية اللي عملتها هيئة الحقيقة والكرامة، بحمام ومطهرة وكأنها البلاد بعد ما تسمع حكايات التعذيب في السجون والمعتقلات تعمل الطهارة الكبرى، لكن اللي يلاحظ الجو العام في الفايسبوك مثلا يرى اللي مباشرة بعد الجلسات هذي قامت حرب أهلية، النار شعلت، الأجواء تكهربت، والعباد تقسمت، جلادين وضحايا، وفك ايدي من شوشتك، الدوسيات القديمة الكل تجبدت، مع شوية سبّان وتهديد وكلام زايد، فسّخ وعاود من أول وجديد، كل ما تخدم في مجال ما يسمى بالتوافق والوحدة الوطنية طاح في الماء، الحكاية بدات من التصريح بالحكم في قضية الشهيد لطفي نقض، وزادت بعد ما بدات الجلسات،  وهذا يدل على أنو الرأي العام موش مهيأ لدخول الحمام، واللي الطياب اللي يطقطقلو في عظامو قريب يفتلو من بعضو ويخرجو يمشي بالتوالي.

حتى حد ما هو ضد العدالة الانتقالية، لكن الناس الكل ضد توظيفها سياسيا، قالها حمة الهمامي، ماناش ضحايا احنا مناضلين، استقلالية الهيئة أهم شيء حتى يكون العمل متاعها أساس للتسامح والتجاوز، وهنا ثمة خدمة كبيرة على المستوى النفسي والاجتماعي وحتى التربوي كان لازم تتعمل وما تعملتش حتى تؤدي جلسات الاستماع وظيفتها الصحيحة وما توليش عند البعض بديل على عندي ما نقلك، الجلسات هذي فيها جانب فرجوي، هي عرض لقصص من الواقع تحكي على صراع بين قوي وضعيف، يعني تتوفر فيها مواصفات التراجيديا، هذاك علاه الأثر اللي تخليه في نفس المشاهد هو أقرب لفكرة التطهر الموجودة في المسرح اليوناني موش فكرة الطهارة بالماء والصابون.

الشيخ يفذلك ويرطب في الجو، المشكل في جماعتو اللي شادين الفوط والقباقب ويعيطو: اللي شاح يلبس.




Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress