الحليب يا سيادة الرئيس!

مباشرة بعد عودته من السعودية أين شارك في القمة العربية الصينية، اتجه الرئيس قيس سعيّد في وقت متأخر من الليل إلى ضاحية «المنيهلة» (التي كان يقيم بها قبل انتخابه رئيسا للبلاد). والتقى مجموعة من المواطنين، ردّد أمامهم من جديد أن الأزمة الاقتصادية التي تتخبّط فيها تونس هي نتاج العقود الماضية خصوصا «العشرية السوداء» (!) وأن المرحلة الراهنة في حاجة إلى مقاربات جديدة هو منكبّ على ابتكارها… إلى آخر الأسطوانة. ولم يشقّ رتابة هذا المشهد إلا صوت أحد المواطنين وهو ينادي: الحليب يا سيادة الرئيس!

الرئيس قيس سعيّد

الرئيس قيس سعيّد

قد يكون الأمر مخيبا لآمال البعض. فالمتحلقون حول الرئيس ساعتئذ وهم أنصاره وأقرب الناس إليه (بحكم الجوار)، نزلوا بالمطالب الاجتماعية درجة أخرى إلى الأسفل. لقد كان التونسيون ساعة (الانفجار الثوري غير المسبوق) يحلمون بالحرية والكرامة والعدالة، ويطالبون بحقهم في الرفاه ونصيبهم من الأفق! وبعد أن تهاطلت عليهم الوعود من كل حدب وصوب، وأغرقهم السياسيون الذين امتطوا حصان السلطة على اختلاف مشاربهم في بحار من الأوهام وأضغاث الأحلام، ها هو ربّ عائلة من قاع المدينة يقف الآن وشبحُ الفقر جاثم على كتفيه في مواجهة (أعلى هرم السلطة) ليقول له: الحليب يا سيادة الرئيس!

لم يطالب هؤلاء الرجل الذي يستحوذ (مؤقتا) على جميع السلطات بالقطار السريع الذي سيربط بنزرت ببن قردان، أو بالمدينة الصحية التي ستقام بالقيروان. لم يطالب هؤلاء ابن حيّهم الذي أوصلوه إلى قصر قرطاج بمقاربات سياسية جديدة تقيم المدينة الفاضلة. فأحلامهم بسيطة ومشروعة وتحقيقها ممكن بمجرد الذهاب إلى البقالة. لكنها الأزمة (ومن سواها؟) تضغط بأصابعها على أعناقهم، وتتلذّذ بموتهم البطيء تحت سياط العوز والفاقة والجوع بسادية مرعبة دون أن يتمكن أحد من الوقوف في وجهها. أبناء «المنيهلة» نسخة مصغّرة من شعب يئن تحت وطأة الحاجة ويختصر يأسه في عبارة واحدة: الحليب يا سيادة الرئيس!

ينبغي ألا نسخر من هذا المشهد على مرارته، فالحليب هو الأمن الغذائي، وهو أكثر أهمية من بناء طريق سيارة أو إعادة اختراع عجلة سياسية جديدة. لأنه يرتبط بالسلم الاجتماعي والسيادة الوطنية ويحفظ كرامة المواطنين في وطنهم. هل كان الرئيس يعي وهو يسرد ذكرياته في المدرسة عند زيارته مصنع الألبان لماذا حرصت دولة بورقيبة على تقديم الغذاء مجانا للتلاميذ في المدارس؟ هل كان يدرك أن الأمر يتجاوز مجرد (إطعام أفواه الجياع) ليكون استراتيجية عميقة لنشر التعليم في مجتمع كان يرفع شعار (يوكل والا ما يقراش)!

ينبغي ألا تجعلنا صرخة ذلك المواطن أمام الرئيس نشعر بالخجل من أنفسنا، فكل الشعوب في حاجة إلى الحليب، وأن نطالب بالحليب ونحن نقترب من نهاية الثلث الأول في القرن الحادي والعشرين فذلك معناه أن أولوياتنا ينبغي أن يُعاد ترتيبها من جديد، وأننا في حاجة إلى ثورة أخرى لكن تعصف هذه المرة بالخطط والمفاهيم الاقتصادية البالية من أجل اقتصاد وطني لا يساوم في مسألة الاكتفاء الذاتي. هكذا تترجم حركات الشعوب قبل شعاراتها عندما يتقن الحاكم فن الإصغاء إلى الشعب. فما كان لشعب من الشعوب أن يصرخ في وجه حاكمه: الحليب يا سيادة الرئيس! لولا أن الرئيس منشغل عنه بإعادة كتابة التاريخ وتوجيه دفة الإنسانية نحو مسار جديد!

ولله في خلقه شؤون!

 




واحة المبدعين

قال لي سي محمد البدوي أثناء لقائنا الأخير ببيته: «أليس غريبا أننا لم نلتقط ولو صورة واحدة لنا ونحن نقدّم معا برنامج واحة المبدعين؟».

كنا يومها عائديْن للتوّ أنا والصديق الكاتب «توفيق الببّة» من العاصمة، محملين بالنسخ الأولى من كتابي «نظرية الموز» الصادر عن «دار بن عربي للنشر»، هذه الدار التي أسّسها سي محمد وأدارها بشغف كبير. يومها، ولأسباب صحية، لم يتمكن من مرافقتنا إلى المطبعة ليستلم بنفسه النسخ الأولى كما كان يحرص على أن يفعل دائما مع كل الكتب التي يصدرها، لكنّ التعب والإرهاق الباديين على وجهه الشاحب النحيل لم ينتصرا على لمعة الفرح في عينيه وهو يتصفّح الكتاب ويضمّه إليه كما يفعل الأب مع مولود جديد يستقبل الدنيا على يديه.

بداية التسعينات أمام إذاعة المنستير

بداية التسعينات أمام إذاعة المنستير

لقد سحبني سؤاله ذاك من يدي ليأخذني بعيدا عن تلك اللحظة ثلاثين عاما، إلى ذلك الصيف الذي التقينا فيه لنؤسّس معا أحد أنجح برامج إذاعة المنستير إطلاقا. كيف لا؟ وهو السّماء التي كم حلّقت فيها طيور كثيرة صنعت ربيع الثقافة والأدب في التسعينات وما تلاها. لقد كان زمنا جميلا للحبّ والحلم والأمل. ولم يكن المستحيل يعني شيئا. قال لنا الصادق بوعبان أن مدير الإذاعة اختصر المرحلة في جملة واحدة: «أروني ما تستطيعون فعله». ولم يدر أنه في تلك اللحظة قد أوقد الشعلة التي لن تنطفئ إلا بعد ما يقارب العقدين من الزمن، بعد أن هبّت الفوضى من كل الأنحاء. لم يدر أنه فكّ المارد من عقاله وأضاء له الدرب، فتتالت الأفكار والعناوين، وظللنا ننتقل مثل الفراشة من زهرة إلى أخرى نصنع ذكرياتنا وذكريات الآخرين، آملين أن نترك للناس ما ينفعهم، وما يمكث في العقل والوجدان.

الدكتور محمد البدوي

الدكتور محمد البدوي

حقّا لم نجد الوقت الكافي لالتقاط صور تذكارية، فقد كنا نسابق الزمن. ولم يكن التصوير متاحا بالسّهولة التي صار إليها في عصرنا هذا، عصر الهواتف المحمولة والوسائط الاجتماعية. وأنا لم أرافق محمد البدوي في «واحة المبدعين» إلا سنة واحدة انتقلت إثرها إلى المنوعات، فيما ظلّ هو وفيّا للكِتَاب وللأدباء الشبّان، فصارت برامجه المخصصة للأدب التونسي الحديث علامة مميّزة في الوسط الثقافي والأكاديمي. لكننا في ذلك العام اليتيم وضعنا مع رفاق الطريق الآخرين الأسُس التي قام عليها «ملتقى أدب التسعينات» واستمرّ سبعة مواسم مستقطبا في رحابه مئات الكتاب والمبدعين من تونس ومن مختلف أنحاء الوطن العربي.

وفي تلك السنة الأولى كنّا أمام الميكروفون مثالا جيّدا للانسجام الذي يقوم على التناقض، والاختلاف الذي لا يفضي إلى تباغض، بل يولّد المزيد والمزيد من الأفكار والصّداقة والودّ. كنت شديدا وكان حليما، وكنت مندفعا وكان حكيما، وكم جلبت لنا الصراحة التي كنت أتوخاها في النقد من متاعب كان سي محمد يضطر دائما إلى إطفاء نيران الغضب التي تخلفها. وأثناء ذلك مدّت الصداقة التي نشأت بيننا جذورها في الأرض عميقا، فتقاسمنا الماء والملح ببيتنا في «سيدي عامر» وببيته في حيّ البساتين، البيت الذي كان مفتوحا على مصراعيه لكل الأصدقاء بكرم حاتمي قلّ نظيره. وظلّ ذلك الاختلاف ثابتا لم تغيّره الأيام، حتى أنني عندما أطلعني سي محمد على كتابه (ثلاثون عاما في إذاعة المنستير) مخطوطا، تمنيت أن يحذف منه فقرات كثيرة وأن يتجاهل أولئك الذين أساءوا إليه، لكنه لم يفعل، وجلب له ذلك آلاما كم كان في غنى عنها..

تخليت عن مقعدي أمام ميكروفون «واحة المبدعين» مبكرا لأسلك طرقا أخرى في الحقل الإذاعي الفسيح، فتداول عليه آخرون. وظل سي محمد وفيا للنهج الذي اختاره منذ البداية فأصبح بمرور السنوات عرّابا لكثير من التجارب الأدبية الغضة، تشهد بذلك المقدمات التي صاغها لأعمال نشرتها تحت إشرافه دار المعارف والأعمال التي تبناها عندما اقتحم غمار النشر. وعلى مدى عشرين عاما بعد لقائنا الأول في ظلال الواحة ظل سي محمد يلحّ على أن نصوصي الشعرية قد تأخّر أوانُ نشرها طويلا. ولذلك كان الإهداء في مجموعتي الأولى «غابة تتذكر أحزانها» موجها إليه.

الصور القليلة المتبقية كانت خارج الأستوديو، بعيدا عن واحة المبدعين، وأجمل منها تلك الصور التي لم تلتقط وظلت نابضة بالحياة في ذاكرتنا المشتركة. وأنا أسترجع الآن بصفاء نادر وقائع ليلتنا الأولى في بغداد، حين وصلنا إلى فندق الميريديان عند منتصف الليل بعد رحلة برية طويلة من عمان. فقد امتثلنا رغم التعب والإرهاق للشاعر «آدم فتحي» الخبير بليل المدينة وخباياها الأسطورية، وقد قال لنا: لا مجال للنوم، قبل أن ندخن نارجيلة في أحد المقاهي الخلفية بشارع الرشيد، وهناك قضينا الليل كله. في الطريق كان سائق التاكسي يجوب بنا شوارع بغداد التي لم نر فيها أي علامة من علامات العدوان وعندما سألناه: أين هي آثار الحرب؟ ابتسم قائلا: إنها في القلب.

وكذلك هي صور الحب وذكريات الزمن الجميل مكانها دائما في القلب.




النخيل الجريح

بعد أن توّجت وهران في مهرجانها السينمائي فيلم عبد اللطيف بن عمار “النخيل الجريح” وأعادت الاعتبار لهذا الرجل الذي غامر بفتح ملف حرب بنزرت سينمائيا، صار من الممكن أن نتحدّث ولو قليلا عن ظاهرة “الحرقان”، ظاهرة تهجير المبدعين ونفيهم داخل بلدهم…

النخيل الجريح لعبد اللطيف بن عمار

النخيل الجريح لعبد اللطيف بن عمار

 لقد بدا واضحا للعيان أن فيلم النخيل الجريح رغم أنف سنة السينما تجاذبته قوتان: الأولى منحته امتياز افتتاح مهرجان قرطاج الدولي في ليلة صيفية شهدت حضور ما يعادل جمهور شهر كامل من جماهير قاعات العرض التقليدية، وقوّة ثانية عطلت خروجه الرسمي والطبيعي في مختلف مدن الجمهورية واستثنته من قائمة التتويج في أيام قرطاج السينمائية (نتحدث طبعا عن تتويج في مستوى التانيت) وقد كانت قلوب الجميع تهفو لهذا التتويج لا حـبًّا في عبد اللطيف بن عمار وثقةً في قدرته الإبداعية فحسب، وإنما رغبةً في فتح صفحة جديدة في حياة السينما التونسية وإيصال رسالة إلى الناس مفادها أن تاريخنا الحديث والمعاصر منجمٌ خصب للأفكار والرؤى التي يمكن أن نصنع منها وبها سينما جديدة طموح.

 ولكن شاءت الرياح بما لا تشتهي السفن، بل عصفت هذه الرياح عصفا بأحلام السفن، وطوّحت بها بعيدا عن مرافئ الأمان، وفي الوقت الذي اهتدت فيه السينما التونسية إلى حرب بنزرت موضوعا، شاءت أيام قرطاج السينمائية  كما فسّرت ذلك بعض وسائل الإعلام المرئية والمسموعة أن تتصالح مع السينما المصرية بتـتويج شريط ميكروفون الذي لم يحظ بإجماع حول علو قيمته وأحقيته بالتانيت.

 ماذا يعني استبعاد النخيل الجريح من منصّة التتويج التونسية وتتويجه في الجزائر؟

 ذلك يعني بلا شكّ أن رؤية لجنة التحكيم في تونس مختلفة جذريا عن رؤية نظيرتها في الجزائر، ولا شكّ أيضا أن المتفرج وحده هو الذي سيحكم بعد المشاهدة ما إذا كانت الرؤية التونسية حكيمة وصائبة وكانت نظيرتها الجزائرية تُخلوِظُ في بحر السينما ولا تفقه شيئا.

 وقد يعني ذلك أن عبد اللطيف بن عمار فتح بابا يُستحبّ أن يظلّ مغلقا، ونكأ جرحا يستحق حثّ التراب عليه ووضع إصبعه في مكمن داء ما تزال أوجاعُه حيّة مضطرمة…

 ولكن في ذلك إشارة واضحة نقيّة إلى أنّ مسلسل استبعاد الكفاءات المبدعة الحقيقية ما يزال متواصلا وبحدّة، لأن تيّار التهجير والتكفير والتحقير قويّ، بل أقوى من تيّار التغيير والتأصيل والتطوير وأقدر على تنفيذ أحكامه في وجه المبدعين والفنانين الحالمين المجددين..

ديسمبر 2010




الرئيس، الأحزاب، والثور الأبيض.

من بين الفرضيات التي رشحت عن لقاءات رئيس الجمهورية بممثلي المنظمات والأحزاب الموالية له بعد صدور المرسوم عدد30 فرضية تتحدث عن إمكانية إشراك الأحزاب في الحوار السياسي الاستشاري من أجل جمهورية جديدة باستثناء أربعة أحزاب فقط. وهذه الفرضية (لو صحت) تعني أن الرئيس يناور بورقة جديدة يكسب بها نقطتين: أولا ينفي بشكل عملي ما يتوقعه منه خصومه بخصوص تعطيل الحياة الحزبية (كما تتحدث عن ذلك أدبيات البناء القاعدي في سياق إزالة الوسائط بين الزعيم والشعب)، وثانيا يكافئ الطيف الحزبي الذي يسانده وهو طيف يفتقر إلى العمق الشعبي! فهل يحق للرئيس أن يستخدم آلية العقاب الجماعي؟

الرئيس يستقبل زهير المغزاوي

زهير المغزاوي عن حركة الشعب

لقد تمّ تأويل لحظة 25 جويلية بطريقتين مختلفتين، فالنهضة والأحزاب المتحالفة معها تعتبرها انقلابا، فيما يعتبرها الرئيس ومن والاه تصحيحا للمسار. لكن هذه اللحظة أصبحت بمثابة كرة الثلج، لتستخدم أداة تنسف ما تم إنجازه في عشرية كاملة، وها هي تصبح معيارا رسميا للفرز! هناك حينئذ اختلاف بيّن بين المعلن والمضمر في خطاب الرئيس، ففي حين ينفي أن يكون ما أقدم عليه انقلابا يتصرف في الواقع كما لو كان الأمر كذلك!! لأن تقسيم المجتمع بين موالاة ومعارضة على هذا الشكل الذي يؤدي إلى العقاب الجماعي لا يحدث إلا في الانقلابات. (أكمل القراءة…)




وغابت عنك أشياء…

وغابت عنك أشياءوصلت إلى محطة المنصف باي بالعاصمة، ذات عشية رمضانية صُفّدت شياطينها، وكنت قاصدا المطار، فوضعت حقيبتي على الأرض وجلت ببصري في الأنحاء باحثا عن سيارة تاكسي. وما هي إلا طرفة عين حتى انبثق أمامي رجل في العقد السادس من العمر، بلحية خفيفة بيضاء وجبهة عريضة تحليها زبيبة الصلاة. قال: أتبحث عن تاكسي؟ وقبل أن أجيبه ألقى بالحقيبة في جوف السيارة وقال بلهجة حازمة: اركب!
تحركت بنا السيارة تشقّ زحام المساء، وهمّ السائق بالعداد ليشغله، قبل أن يسألني: إلى أين أنت ذاهب؟ قلت إلى المطار، فضحك (وقد تفطن فيما يبدو لسذاجتي) قائلا: أعرف، أعرف، لكن قصدت إلى أين ستسافر؟ وقبل أن أجيبه، قال: آه، ستسافر إلى الخليج بلا شك. قلت: نعم، فمدّ يده ليوقف العداد وقال في لهجة المتسائل: لنجعلها (فورفيه)؟ وكان يقصد أن أجرته ستكون مبلغا جزافيا، قلت: كم؟ ضحك وقال: عشرون دينارا كالمعتاد!
لم تكن يفصلني عن موعد ركوب الطائرة الاّ ساعة واحدة، ولذلك امتنعت عن الخوض في جدال بلا طائل، ورضيت بدفع مبلغ يضاهي ثلاثة أضعاف قيمة العداد. وتعبيرا منه عن الامتنان لي بقبول الصفقة دون جدل وبلا أخذ وردّ خصوصا ونحن في شهر الصيام الذي يصعب فيه الكلام، أكد لي أن الأرزاق بيد الله عز وجلّ، وأن الأقدار هي التي قادتني إليه هذا المساء، وروى لي كيف تخاصم منذ قليل مع سائق آخر اختطف منه بعض الركاب (يؤكد أنه شرطي يشتغل في أوقات الفراغ سائق تاكسي). فأوكل أمره إلى السماء، وها هي تستجيب له بسرعة وتمنحه التعويض المناسب من جيبي أنا!
ليس هذا فقط، فقد اتصل به ابنه ليعلمه بأن الخبز مفقود في مخبزة الحيّ، فنهره قائلا:(مش لازم الخبز!!) لكن بعد دقائق قليلة، وصلت إلى المحطة سيارة أجرة قادمة من القيروان أهداه سائقها خمس خبزات من الحجم الكبير (يرفع السائق هنا يديه عن المقود والسيارة تجري في طريق المطار ليرسم بهما حجم الخبز القيرواني الذي كافأه به الله لقاء صبره وقلة لهفته) بما يؤكد أن باب العرش مفتوح طيلة ذلك اليوم لتلبية طلباته هو دون سائر الخلق..
ولم تكن قصة الخبز المفقود والشرطي الذي يعمل سائق تاكسي إلا مقدمتين ناعمتين للخوض في بحر السياسة، فقد تنحنح محدثي ودون سبب منطقي قال: كل شيء بسبب التطبيع! قلت كيف؟، قال: قيس سعيد لن يطول بقاؤه، (اللي حطوه، يبحثوا الآن على بديل لكن ما لقاوش) قلت من هم؟ قال: ألا تعرف؟ إنها الدول الكبرى، فرنسا وأمريكا وانقلترا وألمانيا و…الخ ثم أردف قائلا: الباجي قايد السبسي جاووه وفي جلسة نقاش مغلقة (لا أدري كيف ألم هو بتفاصيلها) قالوا له: نحن ندفع ميزانية تونس لسنتين متتاليتين المهم أن تنفذ هذا الطلب ، لكنه رفض، ويؤكد محدثي هنا أن هذه التصرف يعتبر من الحسنات القليلة التي وضعت في ميزان الرئيس السابق، قلت: رفض ماذا؟ التطبيع؟ قال: لا، طلبوا منه محاربة الإسلام وإرجاع قادة النهضة إلى السجون، لكنه رفض..
أومأت برأسي موافقا، فقال: طبعا بقية القصة معروفة: لقد قتلوه… هو بنفسه قال لابنه: وضعوا قنبلة في بطني.. والله أعلم من نفذ عملية القتل زوجته أم ابنه.. وبصوت يشبه الهمس أوضح لي أن حافظ قايد السبسي يتعاطى المخدرات، وأنه لا شك قد فعل فعلته تحت تأثير جرعة زائدة…!
ثم ضحك محدثي طويلا وقال: أصدقت أنهم أطردوا راشد الغنوشي من جامع بن عروس؟، أنا أصيل تلك المنطقة وأصلي التراويح في ذلك المسجد وكنت حاضرا يومها.. جاء الشيخ راشد وصلى معنا، لكن أثناء الصلاة تفطن له جماعة (زهير المغزاوي) فجلبوا خمسة أو ستة أطفال لا يتجاوز عمرهم الخامسة عشرة ليصرخوا أمام المسجد (ديقاج)، ويقول محدثي أن الغنوشي صلى في جامع رواد وسط خمسمائة من أتباع النهضة فلماذا لم يطرده أحد من هناك؟!
في تلك الأثناء وصلنا إلى المطار، نقدت السائق أجرته المستحقة، فدسها في جيب سترته وقال لي: احذر من أولئك الحمالة الذين يتصيدون المسافرين أمام أبواب المطار، إنهم محتالون. شكرته على نصيحته الثمينة وقلت له جهرا لا تقلق سأحمل الحقيبة بنفسي، وأضفت سرا: لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين. فتمنى لي سفرة طيبة، وانطلق مسرعا، وغاب عن الأنظار. أما أنا فقد قاومت طويلا رغبة ملحة انتابتني للكتابة عنه بوصفه نموذجا مثاليا للشعب الصالح لأنه من الصعب إقناع القراء بأن هذه الأحداث حقيقية ولا صلة لها بالسرد والخيال…



نظرية الموز في طبعة جديدة

book_cover_smallصدرت عن منشورات ابن عربي طبعة جديدة من كتاب (نظرية الموز) للكاتب الصحفي عامر بوعزة في 229صفحة من القطع المتوسط. ويتضمن الكتاب 51 نصّا يتفاعل فيها الكاتب مع أحداث ووقائع تحيل على أهم المتغيرات الثقافية والاجتماعية التي عايشها.

ينطلق الكتاب من فكرة الوقوع في (فخ العولمة)، حيث صور الكتاب الذي يحمل هذا العنوان أزمة المجتمعات المعاصرة في انتفاء المعنى وكثرة (الفائضين عن الحاجة) الذين ينبغي إلهاؤهم بالتسلية المخدرة، وعبر هذه الثقافة السهلة التي روجتها القنوات الفضائية منذ التسعينات بدأ الانحدار الذي نعيش الآن أوجه في عصر التواصل الاجتماعي. وفي هذا الكتاب يرسم عامر بوعزة بأسلوب أدبي تمتزج فيه النوستالجيا بالسخرية والمرارة ملامح هذا التحول القيمي الذي نقل الإنسان من عصر الأحلام الكبرى إلى زمن التفاهة.

يقول الكاتب عن هذه النصوص: إنها ليست فقط معركة بين أنصار الحرية وأركان الاستبداد، بل هي مواجهة شرسة بين النبل والسفالة، بين الجمال والانحطاط. كل ما أكتبه يتعلق بهذه المعركة، وهكذا تشكلت في هذه النصوص، خلال ربع قرن، مقاربة نقدية للشأن العام، ومعاينة دقيقة لما طرأ على واقعنا من تحولات جذرية في مرحلة قلقة غير مستقرة لكنها حاسمة.

 




توفيق الخذيري، الرجل والإذاعة

كنت أتأهب لمغادرة المكتب في تلك الأمسية الصيفية الحارة من أماسي «عام الثورة» عندما رنّ جرس الهاتف. كان المدير على الطرف الآخر من الخط. ولأول مرة منذ توليه إدارة الإذاعة في ظروف انفلتت فيها كل الشياطين من عقالها، امتزج في صوته وهو يخاطبني الانكسارُ بالتملّق.
قال: أيعجبك ما فعله معي توفيق الخذيري؟
قلت مستفسرا: ماذا فعل؟
قال: لقد رفض الفكرة التي اقترحتها عليه!
وأنهى المكالمة بتودّد مصطنع قائلا: أرجو أن تحاول إقناعه.

توفيق الخذيري

توفيق الخذيري

اتصلت بمكتب الاستقبال وطلبت منهم إبلاغ توفيق بأني أريد لقاءه في مكتبي قبل مغادرة المحطة، وبقيت في انتظاره.
لقد شبّه أحدهم أجواء الثورة بما يحدث عندما تخرجُ زربية ثمينة من مخبئها لتنفض عنها ما تراكم من غبار. فقد كنا يومها جميعا مثل ذرات الهباء، كل ذرة تغادر مكانها لتطير في الهواء، وتتشقلب مرارا قبل أن تقع في مكان آخر. ووسط ذلك الغبار الكثيف الذي كان يتطاير ويخنق الأنفاس انهارت الحدود الفاصلة بين النبل والسفالة، بين الشهامة والوصولية، واختلطت المعادن الأصيلة النادرة بنظائرها المقلدة المزيفة. وأنا كنت شاهدا على ذلك المدير الذي كان متعاونا مع الإذاعة لسنوات طويلة وأخذ بعد الثورة يتشقلب بكل ما أوتي من انتهازية وصفاقة للوصول إلى هذه الوظيفة بدعم من أحد الوزراء الجدد. كما كنت شاهدا على توفيق الخذيري وهو يذود في كل الأوقات عن نفسه كما يدافع الأسد عن عرينه.
قبل ذلك بعشرين عاما، «وكان الزمان أقل جموحا»، كنت أتأهب لتقديم حلقة من برنامج «جاءوا إلى تونس» الذي يستضيف أدباء ومثقفين من الوطن العربي استقروا في بلادنا، وبينما كنت منشغلا بتجهيز الأشرطة والأغاني والاتصال بالضيوف أقبل الصادق بوعبان رئيس مصلحة الإنتاج ومعه شاب أسمر وسيم تبدو عليه علامات الخجل الفطري، وقال لي: هذا توفيق الخذيري، سيتابع اليوم برنامجك. (أكمل القراءة…)




الريزو طايح

قبل أن أتجه نحو بوابة العبور حيث الطائرة المتجهة من الدوحة إلى تونس، كان لا بد من اغتنام الفرصة، والقيام بجولة سريعة في السوق الحرة. فمطار حمد الدولي مصنف ضمن أفخم مطارات العالم وأكثرها رفاهية، والجولة في سوقه تحت زخات الضوء وابتسامات الحسناوات المنهمرة من كل مكان إغراء لا يقاوم.

                اقتنيت بعض الحلويات وانتظرت دوري أكثر من خمس دقائق اعتراني خلالها بعض السأم، بل تأففت في داخلي أكثر من مرة لأن مسافرة أوروبية أطالت الوقوف لسبب لم أتبينه أمام المحاسب الذي كان بصدد إنهاء معاملتها بكثير من الرفق والكياسة والصبر. ويلتفت إلي بين الفينة والأخرى تعبيرا عن تواطؤ خفي، وكأن لسان حاله يقول: ماذا تريدني أن أفعل…!

tpe-paiement-carte-bleu-1غادرت المرأة، وتقدمت، فحياني الشاب بلطف وطلب مني جواز السفر وبطاقة العبور، وبعد أن أعادهما إلي سألني هل سأدفع نقدا؟ قلت بالبطاقة البنكية. فرد بطريقة سريعة (تي هي 50 ريال)! وعندما هممت بسحب البطاقة من جيبي انتبهت إلى أن المتبقي بحوزتي من العملة القطرية يفي بالغرض، فعلقت على كلمته تلك قائلا: (طيب، لا بأس، سأدفع نقدا).

كان المحاسب شابا تونسيا في العقد الثالث من العمر، وسيما وفي منتهى الأناقة مثلما تقتضي مهنته وصرامة الضوابط الإدارية والتنظيمية في المطار. وقد أكد لي تصرفه أنه تونسي جدا! تونسي حتى النخاع، تونسي أكثر مما يجب! وإلا فأي معنى لعبارته تلك؟ وهل كان سيقولها لمسافر ياباني أو إنجليزي أو أمريكي؟ ولو فعل كيف ستترجم تلك (تي) اللعينة إلى لغات العالم، وهي التي على قصرها تحمل شحنة من التأفف والضجر لا نعرف سرّهما إلا نحن التونسيين!

أرجح أن (تي) فرطت منه دون أن يدري عندما وجد أمامه مسافرا يشبهه. أرجح أنها قفزت من أعمق أعماق شخصيته التونسية الساكنة في اللاشعور، تلك الشخصية القلقة منغرسة في ذواتنا كالنصل الحاد، كالإبرة، أو كالشوكة التي يصعب استئصالها عندما تنغرس في الجسد. تلك الشوكة ذاتها جعلتني قبل قليل لا أحتمل الصبر طويلا أمام المرأة التي كانت تنهي أمامي معاملتها بكثير من البطء وراحة البال وقلة الاكتراث بالآخرين.

ولكي نفهم سرّ (تي) هذه علينا أن نتخيل مثلا أن هذا الشاب كان يعمل محاسبا في أحد الفضاءات التجارية الكبرى في تونس. قبل أن يظفر بهذه الوظيفة، فعندما تقدم بطاقتك البنكية هناك للقيام بعملية دفع الكتروني عليك أن تكون على الدوام جاهزا نفسيا لعبارة (الريزو طايح) وهي عبارة فضفاضة تستخدم لتفسير كل شيء، خصوصا حين ترفض الآلة إتمام عملية الخلاص بعد دقائق طويلة من الدوران في الفراغ لا تفضي إلى شيء.

لقد شهدت في قطر خلال العشرية الماضية كيف تم تنفيذ عملية الانتقال الرقمي بتدرّج وحزم وصرامة. وكيف أصبح الدفع الالكتروني إلزاميا أيا كان المبلغ المطلوب. وكانت شبكة الاتصالات فائقة السرعة مفتاح النجاح الأساسي، كما إن المشروع لم يتعطل بسبب وجود أفراد لا يستخدمون البطاقة البنكية أو يعيشون خارج عصر الانترنت، بل أوجد لهم حلولا تساعد ولا تعطل. لكن المعاملات الالكترونية عندنا أصبحت بسبب اهتراء الشبكة وبطئها اختبارا بسيكولوجيا مريرا. فبعد تكرار المحاولة أكثر من مرة عليك أن تسحب البطاقة تحت أنظار طابور من المتأففين. وفيما تلتهم الأعين الشرهة مقتنياتك التي ستدفع ثمنها يجتاحك شعور بالحرج والحشمة ويتصبب منك عرق بارد، لأنك تخشى في لا وعيك أن يعتقد هؤلاء أنك تجاوزت ما يسمح به رصيدك البنكي.

ويا لها من ورطة، لو كنت غير متهيئ لمثل هذا الموقف السخيف، فتركك سلة المشتريات وانصرافك (وهو الموقف الطبيعي في مثل هذه الحالات لأنك غير مسؤول عن حالة التخلف هذه) ستعتبره تلك العيون المفترسة موقفا غير متحضر ومتعجرف! لكنك لن تفعل وستدفع نقدا لأننا في الحقيقة مسالمون، وسبب تخلفنا عن الركب هو تواضع إمكانيات الشبكة الوطنية للاتصالات لا الجهل، لكن الإدارة التونسية تشعرك كلما دفعت دفعا إلى اعتماد الحلول الرقمية (كما حدث في خضم جائحة كورونا) بأننا نعيش في مجتمع غارق في الجهل والأمية والتخلف. وقصة «الريزو الطايح» ليست إلا ذريعة لإلقاء المسؤولية على المواطن بدل تحملها بشجاعة. و(تي) التي جلبها هذا المحاسب الشاب معه من تونس (دون أن يدري) تعكس حالة القلق السائدة في هذا المجتمع الذي يمشي على رأسه بدل استخدام قدميه مثل كل المجتمعات!




راديو البشير رجب

 

على مشارف بلدة الصمار الجنوبية كنا نحن الثلاثةَ تخترق بنا السيارة صمت الخلاء وقيظ بواكير الصيف الأولى، كان سي البشير رجب يلقي بصوته الوقور الدافئ من حين لآخر كلمات تحرّك ذلك الهدوء الجاثم على صدر الظهيرة ثم سرعان ما نسرح بنظرنا معا في الفراغ الشاسع الممتدّ والطريق.

لقد قررنا يومها أن نغادر الفندق السياحي ونتوغل قليلا في الجنوب في اتجاه بني قردان، والحق أن سي البشير رجب فاجأني منذ يومنا الأول معا في تطاوين بل منذ بدايات الرحلة الإذاعية الشيقة برغبته العارمة في التهام المناظر والصور ومعرفة الأسماء والتفاصيل والإنصات بعمق وانتباه إلى الآخرين، رغبة لا حدّ لها في احتضان المكان والتجاوب بعمق مع فيض المشاعر والأحاسيس التي اكتنفتنا ولذا كان البقاء في غرفة الفندق شيئا مملا بالنسبة إليه حتى في هذه القيلولة الشاقة.

والبشير رجب الإذاعي الكبير الذي تسيلُ شعبيته لعابَ كلّ محترفي الإذاعة وتحرّك غيرتهم، ما يزال يحافظ على تواضعه الجمّ وتلقائيته الصادقة رغم شهرته الواسعة وحبّ الناس الجارف له، وليس عسيرا إدراكُ السرّ في هذا النجاح الأسطوري فقد كان واضحا أن البشير رجب ينتمي إلى جيل لا يضع مساحيق على صوته الإذاعي ولا يتجمل بمناسبة الذهاب إلى الأستوديو ولا يضع قناعا فاصلا بين روحه الاجتماعية وشخصيته الإذاعية وإنما صوتُه يوم الأحد بعض منه وقطعة من تجربته وخلاصة عمره الذي قضى أكثره في شارع الحرية.

بشير رجب وبابا بلقاسم

بشير رجب وبابا بلقاسم

بينما بدأت تلوح في الأفق ملامح البلدة العائمة في الفراغ الصحرواي مشبعةً بالتفاصيل الريفية القاسية ملفوفةً في وهج القيلولة، أخرج سي البشير هاتفه النقال من جيب سترته وأجرى اتصالا هاتفيا سريعا مع “بابا بلقاسم” أحد مستمعي برنامجه الأسبوعي “ميعاد الأحد” وأحد كبار المساهمين في تنشيط فقرته الشهيرة “مع آبائنا المسنين” ، وكان واضحا من خلال ما وصلنا من هذه المكالمة أن الصدفة وحدها جعلت بابا بلقاسم العائد للتو من صلاة الجمعة يلتقط المكالمة الهاتفية بعد أن ترك هاتفه النقال في البيت، وأن القدر كان يرتب له لقاء من نوع خاص…

كان يمكن لبابا بلقاسم أن يتأخر قليلا في الرد على هذه المكالمة التي خطر فجأة ببال سي البشير أن يُجريها قبل أن تُـسرع السيارة في تجاوز بلدة الصمار…

كان يمكن لهذه المكالمة أن تظلّ معلقة على خيط الانتظار…

لو حدث ذلك لما أخذنا قليلا من الراحة في بيت بابا بلقاسم ولما كان هذا المقال الصحفي الذي أكتبه الآن وأتذكر فيه تفاصيل لقاء غير مرتب بين الإذاعة والواقع، بين الصوت وصداه، بين سي البشير وبابا بلقاسم، هناك في الصمار في أعماق الجنوب التونسي و قاع هدوئه الرتيب…

– أستأذنكم في بضع دقائق نقضيها مع بابا بلقاسم، سنرتاح قليلا ثمّ نواصل طريقنا، لن نـتأخر…

لم نكن نملك إزاء فكرة سي البشير هذه غير الموافقة فقد كان سائـقُنا مستمتعا برحلته الجنوبية إلى أقصى الحدود أو لنقل كان مستمتعا برفقة البشير رجب منذ لحظة خروجهما من العاصمة وقد شعرت بهذا عندما التحقا بي في المنستير لمواصلة الرحلة معا إلى تطاوين حيث دعتنا الإذاعة إلى تنشيط دورة تكوينية في فن إدارة الحوار الإذاعي…

وما هي إلا أن توغلت بنا السيارة في بلدة الصمار التي كانت تغفو في كنف الظهيرة ،كانت البيوت المتواضعة البيضاء رابضة في هدوء رصين والشوارع الضيقة مستقيمة في انضباط صارم، وكان المارة القليلون الذين يَجُرّون الخطى عائدين من المسجد، يتحرّكون في هذه اللوحة الزيتية الساكنة ويذلّلون المسافة بين الحلم والواقع.

لم يصدق بابا بلقاسم عينيه عندما توقفت السيارة أمام بيته ورأى ضيفه يترجل منها ويتجه إليه ليعانقه، اختلطت المشاعر بالمشاعر عندما تعانق الرجلان وانهال بابا بلقاسم لثما وتقبيلا على صديقه الذي يزوره عبر ذبذبات الأثير كل يوم أحد والذي يضبط إيقاع حياته الرتيبة على موعد إطلالته الأسبوعية تلك…

أخذنا بابا بلقاسم إلى بيته، قال: هاذاكة الحانوت، وهاذي داري بينهما بضعة أمتار، هذا صاحبي يطلّ عليّ مرة كل نصف شهر، يجيب السلعة من المهدية يبات ليلة ثم يرجع، أولادي كبرو، عرسو ومشاو على رواحهم…

كان بابا بلقاسم كما يصرّ على تسميته سي البشير رجب رجلا في حوالي الثمانين من العمر تقريبا، يحتفظ بصلابة ورثها من قساوة الحياة التي عاشها، حدَّثـنا في لحظات عن عمره الشاسع الطويل، طفق يسرد بحماس بعضا من طفولته وكيف بدأ حياته راعيا في الحقول مُختصرا ما يناهز القرن في كلمات قليلة طافحة بالرضى عن النفس والقناعة التونسية الأصيلة: ربيت أولادي وكبرتهم الحمد الله….

ثم سرعان ما ينتبه مجدّدا إلى سي البشير فيـتوقف قليلا ليتأمله ثم ينطلق بصوت متهدّج في تذكر الألغاز التي كان يقترحها على المستمعين في البرنامج ويحدّثنا عن الظروف التي ابتكرها فيها، كان يتمتّع بحافظة عجيبة وصفاء ذهن نادر ولم يكن من السهل علينا أن نغادر هذا الصدفة الجميلة دون أن نصيب شيئا من ضيافة بابا بلقاسم، لقد ألحّ في ذلك ولا فائدة في معاندته، وبينما كان يتحدّث بغزارة وسخاء عن ذكرياته مع برنامج ميعاد الأحد كان أفراد أسرته يتحرّكون في كل الاتجاهات لتنظيم غداء مرتجل للزائر المفاجئ ورفاقه…

بعد الغداء والقهوة اللذيذة وحكايات بابا بلقاسم عن برنامجه الإذاعي الذي ينتظره صبيحة كل يوم أحد والذي خصص لأجله خطي هاتف قار أحدهما في البيت والآخر في الحانوت إضافة إلى الهاتف النقال الذي لولاه لما كان هذا اللقاء، بعد استراحة قصيرة في بيت جنوبي مضياف اهتـز سكونه بمناسبة نزول الإذاعة ضيفة عليه، بعد عبارات الوداع المرتجلة كانت الطريق في انتظارنا لتخترق بنا مجدّدا فراغ الفيافي وامتداد المدى حتى الحدود الشرقية للبلاد التونسية.

عامر بوعزة والبشير رجب

عامر بوعزة والبشير رجب

وفي الساعات الأخيرة من إقامتنا بتطاوين حرصت جمعية الخير لرعاية المسنين على أن تستضيف البشير رجب في النادي النهاري الذي يلتمّ فيه شمل الآباء والأمهات لممارسة أنشطة شتى، وحول مائدة عامرة بالحلويات والمشروبات تحدّث مستمعو ميعاد الأحد إلى منشطهم المحبوب ولخّصوا في كلمات قليلة فيض الحياة العارم المعتمل في نفوسهم معربين عن رغبتهم في المشاركة في هذا البرنامج ولو بأحجية أو طرفة أو زجل شعبي آملين في أن يجد نشاط النادي صدى في البرنامج وهو ما وعدهم به سي البشير بعد أن تهاطلت عليه أرقام الهاتف من كل الجهات.

في طريق العودة الطويلة إلى العاصمة وبينما كانت زياتين صفاقس تغطي خضرة المدى متلامعة تحت ضوء الأفق الطلق،تذكرت سعادة بابا بلقاسم وروحه الجميلة وانتظار رواد نادي الخير لضيفهم ما يناهز الساعتين دون ملل أو شعور بالصدأ وأحسست أنّ هذا المقال قد أصبح في مرتبة الضرورة فمن خلاله يمكن أن نقلب النظر مجددا في هذه العلاقة العجيبة التي تجمع الإذاعيين بعشاق الراديو في زمن يتوهم فيه البعض أن لم يعد للراديو زمن يسبح فيه وتلك حكاية أخرى.




أعلى من النسيان

عواطف حميدةعواطف حميدة أول امرأة تونسية تدير الإذاعة الوطنية على امتداد تاريخها الطويل، عُيّنت في هذا المنصب في شهر أوت العام 2001، لكنْ بعد أشهر قليلة فقط رحلت بشكل صاعق ومفاجئ، فانتهت قبل الأوان واحدة من أجمل التجارب الإذاعية وأكثرها تنوّعا وفرادة. لقد احتلّت عواطف حميدة مكانة ممتازة في ذاكرة الإعلام الوطني، و أضحت علامة فارقة في تاريخه، إذ أشرفت بشكل مباشر على المرحلة التحضيرية المكثفة التي سبقت انطلاقة إذاعة الشباب في العام 1995، فلم يقتصر عملها على تخطيط الدورات البرامجية واستنباط الأفكار وصياغة العناوين والألحان المميزة بل تجاوز ذلك ليشتمل على وضع برنامج تدريب عمليّ لتأطير الوافدين الجدد وتكوينهم، ثمّ كُلّفت بإدارة هذه الإذاعة من 1997 إلى 2001، وسَعت أثناء ذلك باجتهاد يشهد به القاصي والداني في تحقيق أهداف هذه التجربة الفتية، إذ أريد لها أن تكون منطلقا لتجديد الإذاعة وتطوير مضامينها بضخّ دماء جديدة في شرايينها ومقاومة الشيخوخة التي دبّت في أوصالها وهي على مشارف قرن جديد.

 ولقد كان لإذاعة الشباب فعلا دور كبير في إنجاز نقلة نوعية حقيقية داخل مؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية وفي المشهد الإعلامي عموما، ناهيك عمّا كانت تقوم به الإذاعات الجهوية وقناة 21 التلفزيونية أيضا من أدوار مهمة في اكتشاف المواهب ورعايتها، وكثير من نجوم الميكروفون والشاشة اليوم هم نتاج تلك المرحلة وثمارُها، ولا أدلّ على ذلك أيضا من عواطف حميدة ذاتها، فتجربتها بدأت ذات صيف من أصياف نهاية الثمانينات في إذاعة المنستير، ولم يكن أحد ليتوقّع عندئذ أن تفضي بها تلك البداياتُ الخجول إلى ما آلت إليه في عقد وجيز من الزمن.

        التحقت عواطف حميدة بإذاعة المنستير صائفة العام 1988 متعاونة في نطاق مشروع الإذاعة السياحية وتعلّمت فيها أبجديات العمل الإذاعي، كان لهذه الإذاعة أسلوب متفرد لاسيما في مجال المنوعات الفنية المباشرة والبرامج الترفيهية والأفكار المجدّدة، لكن عواطف تكلّمت امام الميكروفون أولا باللّغة الألمانية التي كانت تتقنها جيدا، إذ كانت متحصّلة على الأستاذية المزدوجة في اللّغات من معهد بورقيبة للّغات الحيّة، ولم تشتغل في مجال الترجمة، بل درّست اللّغة الفرنسية في المعاهد الثانوية كما هو شأن معظم خريجي هذه الشعبة وكثير من خريجي معهد الصحافة في تلك الأيام. وبعد نهاية تجربة الإذاعة السياحية ظلّت تتردّد على الإذاعة لإنجاز برامج قصيرة مسجلة إلى جانب عملها في المعهد الثانوي بالوردانين، فعايشت فترة من أخصب الفترات في تاريخ إذاعة المنستير.

 حاول صالح شبيل الذي تولى الإدارة العام 1989 خلفا للمنصف الهرقلي أن يحدث تغييرات عميقة في إذاعة المنستير وأن يكسبها شخصية جديدة مختلفة تتناسب وطبيعة المرحلة، واقتضى منه ذلك بمعية الإذاعي الصادق بوعبان الذي أوكل إليه مهمة الإشراف على قطاع الإنتاج البحثَ عن أصوات جديدة ذات كفاءة علمية عالية لتقديم المنوّعات ومخاطبة الجمهور في أوقات الذروة، ولم ينهجا المنهج السائد آنذاك والذي يحصر دور المتعاونين مع الإذاعة من الجامعيين في تقديم البرامج الثقافية الليلية الموجّهة إلى النخبة.

اقتحمت عواطف حميدة مجال المنوّعات الإذاعية ببرنامج «همس المساء» ثم طوّرت تجربتها وأداءها في وقت وجيز بشغف وإخلاص ومثابرة، فقدّمت أعمالا كثيرة يصعب حصرها، من أبرزها «بشائر الصباح» المنوعة التي كانت مجالا للتنافس بين فريق من المنشطين يطمح كل واحد منهم إلى تقديمها بأسلوب مختلف تظهر فيه بصمته الخاصة، ولم تكن عواطف ترتجل شيئا من الكلام حتى في هذه المنوعة التي يعتقد البعض خطأ أنها تقوم على التخاطب العفوي التلقائي مع الجمهور، بل كانت تُعدّ كل شيء وتكتبه بدءا من التحية الأولى وصولا إلى الخاتمة وهي عادة أغنية كاملة لنجاة الصغيرة المطربة المفضلة لديها أو مقطع محدّد من أشهر مطوّلاتها تسهر على اختياره بعناية فائقة قبل موعد البث. كان ذلك دأبُها في كل البرامج التي أنتجتها بحرص فطري على الإتقان وهوس عجيب بالتفاصيل واندماج كلّي في ما تذيعه يبلغ حدّ الذوبان.

       

حفل بإذاعة المنستير

حفل بإذاعة المنستير

ومن الأعمال التي أنتجتها للإذاعة أو اشتركت في إنتاجها مع زملاء آخرين ما كان يستدعي جهدا كبيرا ووقتا طويلا في التخطيط والإعداد والتنسيق، حتى باتت الإذاعة تستحوذ على وقتها كله بعد ساعات الدرس. من هذه البرامج على سبيل الذكر «مخبر الحياة» و«قوس قزح» و«على خطّ التماس» وهي سهرة رياضية تُقدّم لأول مرة بصوت نسائي. ثمّ دفعها عبد القادر عقير الذي تولّى إدارة الإذاعة في العام 1991 دفعا إلى الاضطلاع ببعض مهامّ الإنتاج بعد أن لاحظ جدارتها بذلك من خلال مشاركتها الفاعلة والحاسمة في الإعداد المادي لملتقى أدب التسعينات[1]، لكنها خيّرت في خريف العام 1994 أن تقتحم غمار الإنتاج التلفزيوني بالإشراف على إعداد برنامج «شباب على الدوام» فحقّقت به نجاحا منقطع النظير منذ عرض حلقاته الأولى في قناة 21، وسرعان ما دعاها عبد الحفيظ الهرقام المدير العام لمؤسسة الإذاعة والتلفزة التونسية للانضمام إلى الفريق المكلّف بتأسيس إذاعة الشباب، فأخذت مسيرتها الإعلامية منعرجا حاسما، إذ ابتعدت عن المكروفون والتدريس نهائيا وتفرّغت كلّيا للعمل الإداري.

في ملتقى علمي نظّمه مهرجان المنستير الدولي العام 1989 التقيت عواطف حميدة لأول مرة، كنّا في السّاحة الخلفية لمسرح الرباط الأثري مع تقني الإذاعة الذي جهّز كلّ شيء لتسجيل المحاضرات بينما كانت الكراسيُّ ما تزال فارغة في انتظار أوّل القادمين. في قيظ تلك الظهيرة تعارفنا. وأمام باب الإذاعة في نهج الكويت بالعاصمة رأيتها آخر مرة خريف العام 2001، كان لقاء سريعا خاطفا لأنها كانت مشغولة بوضع اللمسات الأخيرة على البرمجة الرمضانية في الإذاعة الوطنية، وكعادتها في مثل هذه المناسبات كانت تعيش حالة توتّر إبداعي قصوى، فيستبدّ بها التفكير في كل التفاصيل حتى تكاد لا تجد متّسعا من الوقت لأيّ شأن آخر من شؤون الحياة.

وبين هذين المشهدين مرّت اثنتا عشرة سنة بحلوها ومرّها، بأفراحها وخيباتها، بأحلامها وانكساراتها، وتدفّقت مياه غزيرة تحت الجسور. كانت التسعينات مرحلة خصبة وغنية بالأحداث الحاسمة وطنيا وإقليميا وعلى نطاق العالم بأسره، وكان لذلك انعكاس مباشر على المضامين الإعلامية في مشهد يطمح إلى أن يتغيّر من الدّاخل دون التفريط في الجوهر. كانت الإذاعة مخبرا حقيقيا لفهم مختلف التوازنات والإكراهات، بين الانحياز للرأي العام والالتزام بالخطاب الرسمي، بين التحفّظ ومسايرة وعي الجمهور، بين الشعارات والواقع.

في تلك المرحلة التأسيسية خطت عواطف حميدة في الإذاعة خطوات عملاقة بفضل قدرتها على التعلم الذاتي وامتثالها لضوابط العمل الجماعي وقوة شخصيتها، وكانت تفرض في كل عمل تقوم به أو تساهم فيه أسلوبها الخاص الذي يجمع بين الدقّة والصرامة من جهة والمشاعر الإنسانية الراقية النبيلة من جهة أخرى. فتجعل من كل فريق تنضمّ إليه أسرة صغيرة، وفي إذاعة الشباب تجلّى حرصها على أن تكون الروابط الإنسانية أقوى وأعمق من علاقات الزمالة وواجبات الوظيفة، وكان مكتبها مفتوحا على الدوام أمام أبناء الإذاعة كلهم، امتدادا لقاعات الإنتاج واستوديوهات التسجيل، وخلق هذا الجوّ الأسري إحساسا جماعيا بالانتماء إلى فكرة وحلم وطموح، وأصبح العمل مصدر متعة لا تضاهيها متع أخرى، ولربّما كان هذا من الأسباب التي جعلتها تتقبّل نبأ تكليفها بإدارة الإذاعة الوطنية بمزيج غريب من الفرح والكآبة. فاعتزازها بالنّجاح لم يكن ليحجب حزنها العميق على مغادرة إذاعة الشباب التي كانت تشعر أنها جزء منها، وهي لم تخطط يوما لنيل منصب إداري ولم تفكر مطلقا في السلّم الوظيفي، إنما كانت الإذاعة حياتها كلّها وكان أسلوبها في العمل وفي نسج العلاقات العامة والصداقات صورة عنها بلا تكلّف ولا مساحيق.

تجربة عواطف حميدة في الإذاعة التونسية عبر مختلف المحطّات التي مرّت بها قصّة نجاح غنية بالرموز والمعاني، لقد كانت تعتبر «السيدة علياء ببّو» مثلها الأعلى وتكنّ لها مودّة عميقة وأنجزت عنها أجمل البورتريهات تكريما لها واعترافا بفضلها على أجيال من التونسيين في وقت كانت الإذاعة فيه أداة للتنشئة الاجتماعية، هكذا صاغت تجربتها الخاصّة بالإصغاء الجيد إلى تجارب الآخرين ولم تشعر يوما أنها نسيجُ وحدِها، لم تفصل بين حياتها والإذاعة فقد كانت الإذاعة حياة بأسرها، ولم تدّخر جهدا في مساعدة الآخرين في وقت لم يكن فيه طريق النجاح معبدا أو محفوفا بالورود والأزهار. كرّست عواطف حميدة ولاءها للعمل وجعلت من خبرتها وتجربتها جسرا عبر عليه جيل جديد من الإذاعيين تحيا كلماتها فيهم على مرّ السنين.

[1] ملتقى أدبي دولي نظمته إذاعة المنستير في دورات متعددة من 1991 إلى 1997




Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress