Author Archive

مصر التي في خاطري

عندما بدأت طائرة الخطوط التونسية تهبط شيئا فشيئا في سماء القاهرة وبدأت أضواء الحياة المصرية التي لا تنام ليلا  تتلامع في عيون المسافرين كان لا بد من التهام هذا المشهد السياحي الطري من وراء تلك النافذة الصغيرة مُقدِّمة لوجبة شهية تنتظر زائر مصرَ لأول مرة. هي وجبةٌ شهية فيها بقايا من كل شيء، من أحاسيس الناس ومشاعرهم، من إيديولوجيا آمنوا بها وأفكار اعتنقوها، من محبة عارمة أو شعور غامض بمودّة قديمة لا تعرفها عندما يسألك بائع في خان الخليلي عن أحمد حمزة وينبهك بضحكته المصرية العتيقة التي تـشبه شجر السنديان إلى أنه أطلق اسم هذا الفنان التونسي على محله التجاري لأنه يحبه كثيرا ويسأل دائما عن أحواله عندما يزوره التونسيون.

خان الخليلي

خان الخليلي

إنها وجبة دسمة تتناولها الروح و يتداعى فيها الجدار الفاصل بين الحقيقة والخيال بين الواقع والحلم، بين الممكن و المستحيل.

لم أر من القاهرة في اللحظات الأولى غير مشاعري المتدفقة في كل الاتجاهات، فبينما كانت الحافلة تقطع بنا المسافة بين المطار وفندق شهرزاد في “العجوزة” كنت كمن يخلع نعليه ليدخل استوديو مصر الذي خرجت منه روائع السينما وعلمتنا حب الحياة. وعندما فتحت النافذة صباحا وخرجت حافيا لأتفقد النيل من علو أربعة طوابق سياحية هرمة كانت السماء ملبدةً بغيوم قاتمة تنذر بأمطار لا تهطل وتملأ النفس خوفا وانقباضا، وكانت في أعلى لوحة إشهارية تمتطي ظهر عمارة من عمارات قاهرة المعز وتخترق تلك السحبَ الغامضةَ صورةُ الفنانة التونسية لطيفة العرفاوي في إعلان عن شريط جديد. كان ذلك منذ عشر سنوات، عندما كانت الفنانة الرائعة هند صبري طفلة بين يدي مفيدة التلاتلي في تونس تخطو خطواتها الأولى في صمت القصور وهدأة الملكات، هند صبري التي أصبحت اليوم ورقة رابحة في المشهد السينمائي والتلفزي المصري والعربي !

أتذكر رحلتي إلى مصر وسط هذه المشاعر الشوفينية الجيّاشة التي أتت على الأخضر واليابس وغمرت بمياه الحقد الآسنة كل شيء جميل من حولنا، أتذكر وقائع لقائي برجل مصري أسمر في مطعم شعبي من مطاعم بورسعيد، دفع ثمن السندويتشات التي تناولتها وعندما تمانعتُ بلطف متسائلا : كيف أردّ هذا الجميل ؟ قال لي: عندما تلتقي مصريا في شوارع تونس أكرمه…

أسترجع الآن إحساس الطمأنينة التي تغمر زائر مصر بفيوض من مشاعر الانتماء وهو يرى تلك اللوحة الشهيرة في ميناء القاهرة الجوي تستقبل القادمين وتودع الرائحين: ادخلوها بسلام آمنين…، في مصر تبدو لك كل الأشياء مختلفة وجذابة، فتظلّ لفترة طويلة واقعا تحت تأثير سحر لا يقاوم… (مواصلة القراءة…)


رماد البوعزيزي

ـ1 ـ

أثر الفعل تجاوز الفعل ذاته، على نحو فاجأ المخيلة، ولم يتوقعه الظن. بلدة فقيرة منومة أيقظت المدن من سباتها. جناح فراشة تونسية ولـد إعصارا عربيا. وها هي العاصفة، الآن، تسكن في كل بيت في هذه البقعة

أدونيس

أدونيس

العربية من العالم.

أما كيف حدث ما حدث، أو لكي نحور إيجابيا المثل العربي الشعبي: كيف صارت الحبة التونسية قبة عربية؟ فأمر يجب أن يعالجه، تفهما واعتبارا، إضاءة واستنارة، ذوو الخبرة والاختصاص.

في كل حال، يُشير هذا الذي حدث إلى الطاقة العملية التي يختزن الإنسان والتي تتفجر على نحو يحير ويدهش، خصوصا أنه لم تقم به طبقة بعينها، أو نخبة محددة. ولم يصدر عن نظريـة في تحريك الجماعات. ولم ينزل من فوق، أو من مسبقات فوقية. صعد من أسفل. من التجارب الحية. من آلام البشر وعذاباتهم. إنه انبثاق من الحياة ذاتها.

إذا أضفنا حضور المرأة إلى جانب الرجل في كل ما حدث، والطابع اللاعـُنفي، بعامة، ونـُشدان الحرية والكرامة والعدالة وحكم القانون، قبل الهتاف المألوف ضد الاستعمار، أو البطالة، أو الفقر، فإنني، شخصيا، لا أتردد في وصف ما حدث بأنه ظاهرة عربية فريدة حقـا.

ـ 2 ـ

حتى الآن، زُلزلت السلطات العربية. سقط بعضها. وبعضها الآخر يتأرجح. فلتذهب كلها إلى مصيرها الصغير البائس. لم تفعل شيئا يمكن الاعتزاز به، حضاريا، أو البناء عليه. لم تفعل، بعامة، إلا بوصفها شركات استثمار في بلدان تُهيمن عليها كانها مجرد أسواق.

تجارب دامية متنوعة طول خمسة عشر قرنا كانت، منطقيا، كافية لكي تزول ثقافة الخلافة والاستخلاف. لكنها على العكس» ظلت بقيمها وعناصرها وأدواتها مستمرة وفعالة. وهذا ما تؤكده مرحلتنا التاريخية الراهنة، مجسمة في السلطات العربية الوطنيـة، منذ نشوئها، بعد الاستقلال، في أواسط القرن الماضي المنصرم. (مواصلة القراءة…)


إعــــدام ميت

 

محمد البوعزيزي

محمد البوعزيزي

حمدت الله كثيرا عندما قرأت نص أدونيس “رماد البوعزيزي” ، لقد هبط هذا النص في وقت حرج أخذ فيه جمع غفير من الأوصياء على التاريخ والرّمز والمجاز يسحبون محمد من أسماله البالية ليخرجوه بالقوة من بيت الأسطورة الذي شيدته له ضمائر الناس في الوطن العربي، وقد كان سببا -مجرد سبب لا غير- في أن تتهاوى أصنام السياسة العربية الواحد تلو الآخر فتتكسّر تحت وطأة أمواج الغضب الشعبي.

جاء أدونيس في الوقت المناسب ومدّ يده ليدفع البوعزيزي دفعةً قوية إلى الداخل ويغلق باب البيت آخذا المفتاح معه، إنها نقطة ينبغي أن يعود الجميع بعدها إلى السطر ويبحثوا عن جثة أخرى يبدؤون معها سطرا آخر في لعبة الكـرّ والفرّ العجيبة هذه، فالاندفاع الأهوج في مقاومة صورة البوعزيزي وصدّها تحت مسميات العدالة والحق والفضيلة والديمقراطية تبدو للناظر عن بعد كالوقوف أمام قاطرة  تشق عباب الفراغ. إن إحساس بعض الأشخاص بامتلاك الحقيقة لا يعدو أن يكون تورما واضحا في ذواتهم وخللا في تصورهم للوجود، فهم لا يتورعون مثلا إذ يفتحون  ثلاجة الموتى ليقتلعوا  ضرسا ذهبيا يرون أنهم أحق به من الديدان، أو يقصون إصبع جثة متفحمة ليفوزوا بخاتم يعرفون أنْ لا أحد سيتذكره في المأتم. هؤلاء هم الجزء المخفي من جبل الثلج، هذا الجزء ما كان ليظهر لو لم يذوّب حريقُ البوعزيزي الجزء الظاهر منه والذي كان ستارا كثيفا يمنع الناس من رؤية الأشياء كما ينبغي أن تُرى.

لقد كانت الثورة الشعبية زلزالا عنيفا أطاح بعرش الفساد وظلت ارتداداته المتتابعة تسحب الأرض من تحت الأنبياء الجدد والكهنة والسحرة وحملة المباخر والمشعوذين، وها إن رماد البوعزيزي يعيد إلى الحقيقة شيئا من نسبيتها بعد أن مرّغ أنفَها البعضُ في وحل المزايدات الانتهازية والدونكيشوتيات الخالية من كل معنى إيجابي، فلم يكن ضروريا الربط بين الدفاع عن سجينة لم يهتم أحد بالإصغاء إليها في غمرة الثورة وما تلاها وإخراج البوعزيزي من ذاكرة الرمز وتجلياته الممكنة والتراجع عن منحه شرف الحرف الأول في فقرة التغيير الدراماتيكي الذي حدث. (مواصلة القراءة…)


ســــــــفر

غريب و شاهدتي وطن لي
إذا عنّ لي أنّ موتي مجاز
وهذي المدينة عصفورة تتخبّط في الماء
للغرباء إذن كل هذا الضياع
وحشرجة الضوء عند الصباح
…………………
هنا حطّ طير على شفة
وهناك..
غرق البحر في ضمّة لا تبالي
هنا اضطربت في الزحام عيون الكلام
وباحت أصابعنا بحفيف الشجر
اشتكينا إلى شارع لا تراه الشوارع:
(أربكنا الليل
واحترقت شهوتانا على عتبات الضجر)
……………..
تلاشت خطانا
كما يتفتت ضوء النجوم البعيدة في قاع هذا الزمانْ
أنا شجر الليل والذكرياتْ
وأنت الندى
يقضم الصمت نصف كلامي
وذي حكمة السرو
يرخي على كتفيه هديل السنين

                           وينظر أبعد من سفر لا يراه


من أجل الجمــــهوريــــة

عامر بوعزة مع المنصف المرزوقي والطاهر هميلة بمناسبة حلقة من المقهى السياسي يوم 19 جوان 2011

مع المنصف المرزوقي

سيكون الدكتور المنصف المرزوقي إذا ما امتنع عن الترشح في الانتخابات الرئاسية القادمة أول رئيس عربي يساهم في التداول السلمي على السلطة في بلاده أيا كان شكل النظام الذي سيقره الدستور الجديد.

لقد أظهر تشخيص حالة الاستبداد في تونس أن الزعيم الحبيب بورقيبة قد دق أول مسمار في نعشه السياسي عندما قرر أن يكون رئيسا مدى الحياة، ومن المفارقة أن حدث ذلك بعيد ظهور أولى بوادر عجزه عن التحكم في دواليب الدولة، فآل حكمه إلى نموذج سياسي يتعلق بالحداثة الغربية ويحاكيها ولكنه يستثني من شغفه بها نقطة قوتها: تعايش الأفكار السياسية المتضادة تحت سقف الدولة وفي كنف القانون، وكان العطب الذي أصاب الجمهورية الأولى في العمق ذلك التضاد الصارخ بين الدولة العصرية والنظام السياسي المتخلف، وهو ما كانت القاعدة الشعبية تغفره لبورقيبة تقديرا لفكرة الزعامة التاريخية.

ثم أخفق بن علي في التخلص من شهوة الاستبداد حين لم يلتزم بوعده أن لا رئاسة مدى الحياة ولم يتخلّ عن السلطة احتراما للدستور، ولأن حكمه لم يكن ثورة على نظام سابق وإنما انقلابا سلميا لم يخف نزوعه إلى الاستمرار فقد عاد بسرعة إلى النموذج القديم المستقرّ مكتفيا بتحسينات شكلية منها تطوير “المعارضة” و”الحياة النيابية” مقارنة بما كانت عليه في السابق وتقوية دعائم السلطة بتشديد القبضة الأمنية، أما المبرر في الحفاظ على التناقض بين الدولة العصرية والنظام المتخلف فقد تحول في عهده من فكرة مقاومة الاستعمار إلى فكرة مقاومة التطرف الديني، وعاد الرئيس ليستلهم شرعيته من صورة البطل المنقذ والأب الحنون بعد انقضاء الشرعية الدستورية واضمحلالها تحت أقدام الدكتاتور. (مواصلة القراءة…)


تأملات في مجموعة عامر بوعزة الشعرية: مناخات الحلم والغضب وهوامش المدينة

معلقة إشهارية

معلقة إشهارية

أصدر الإعلامي عامر بوعزة مؤخرا كتابا شعريا عنوانه”غابة تتذكر حزنها” وقد ضم الكتاب جملة من القصائد التي شكلت فضاء لمناخات شعرية مختلفة رغم طابعها المنكسر…فنصوص عامر بوعزة التي جمعها في هذا العمل نصوص حزينة عموما تنهل من الحلم الرومنطيقي وتقتنص التعب اليومي من المدينة المعاصرة و تغمس غضبها في المدونة الشعرية العربية الرافضة…إنها قصائد نتبين فيها مناخات عديدة لعل أبرزها مناخ الحلم ومناخ الغضب الشعري ومناخ المدينة المعاصرة.

  • مناخ الحلم

يحاول الشاعر أن يكون رومنطيقيا حالما فينهل من الطبيعة وصورها الشعرية العميقة ويعود أحيانا إلى الطفولة وهي مرجع ذو صلة بالتجربة الرومنطيقية لما فيها من براءة وحلم شبيه بالحلم الرومنطيقي الصافي الذي لم تعكر صفوه الحياة لهذا نعثر على الكثير من المقاطع التي تحيلنا على صور الرومنطيقيين ومغامراتهم الحالمة وهذا ما يلوح لنا في بعض الأمثلة التي  نختار منها ما ورد في القصيدة الأولى التي حملت عنوان المجموعة حيث تحضر الأنهار والضحكة والمرايا

“عندما أتدفق كالنهر بين يديك

تذوبين في ضحكة

وتصيرين أحلى مرايا الحنين”

ص (مواصلة القراءة…)


زهرة لمبوبة

في إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني الشهير دليلك ملكْ سأل الأستاذ سامي الفهري المشاركين الحالمين بالثروة والملايين عن السيدة الفاضلة زهرة لمبوبة وانتظر من المشاركين أن تكون إجاباتهم كلها صحيحة طالما أنه يسأل عن شخصية فـذّة لايُـغفر لمن لا يعرفها ذنبُ جهله بمآثرها العظيمة وأفضالها الخالدة وما إن خاب أمله ووجد بين الحاضرين من أخفق في معرفة كنية السيدة زهرة حتى اندفع يؤنب المخطئين ويلومهم شديد اللوم بل ويوبّخهم على فقرهم الثقافي المدقع الذي أوقعه في الحرج متسائلا بكل إلحاح : كيف لا تعرفون زهرة لمبوبة ؟

وبما أنني كنت معنيا بتوبيخ الأستاذ سامي الفهري هذا فقد أوقعني جهلي في حرج شديد ليلتئذ إذ كنت أتابع البرنامج بمعية بنيتي الصغيرة ذات السبع سنوات وقد تساءلت بكل براءة عن السيدة زهرة لمبوبة هذه من تكون ؟ واستغربت جهلي بها وعدم معرفتي بشخصية بدا واضحا من خلال ما تشاهده في التلفزيون أنها أشهر من نار على علم ولم أستطع أن أمحو من على وجهها الصغير خيبة الأمل الكبيرة في والدها الذي ربما كانت تعتقد أنه يعرف كل شيء وأنه من غير المسموح له بأن يجهل أمرا كهذا .. ولعلها أن تكون قد تصورت والدها في وضعية الممتحن في ذلك البرنامج فحرمه جهله من فرصة نادرة للحصول على ملايين كثيرة تحول الأحلام الكبيرة المجردة إلى واقع محسوس ملموس ..

وقد دفعني هذا الموقف السّخيف إلى تصفّح كتاب ورقات للعلاّمة حسن حسني عبد الوهاب وكتبا أخرى في التاريخ الثقافي والاجتماعي التونسي وما نشر عن بلادنا في الموسوعات ودائرة المعارف الكونية علّني أظفر بإجابة ملائمة عن السؤال المؤرق من تكون زهرة لمبوبة هذه التي يُـنكر علينا سامي الفهري جهلنا بها ؟

وبما أنني لم أجد في المصادر والمراجع ردّا شافيا عن هذا السؤال الخطير المحيّر فإنني صرت أتحاشى مشاهدة البرنامج بمعية أفراد أسرتي وأتشاغل عنه في الدقائق الأولى حيث يُطرح السؤال المصيري حتى لا أنفضح مجدّدا ولا يكتشف أبنائي خلوّ وفاضي وفراغَ مِزودي وقعودَ همّتي عن طلب العلم الصحيح علم الأنساب والتاريخ والأعلام ولكنني وأنا في غمرة الإحساس بالذنب التمست لنفسي أعذارا شتى فلقد أتْـلـفتُ في القراءة أحلى سنوات العمر وقضيت ما يقارب ربع قرن بين مقاعد الدرس حتى اهترأت سراويلي ونلت من الشهائد ما يسدّ الرمق فما وقع بين يدي شيء عن زهرة لمبوبة ولا درّسني أحد في المناهج المدرسية أو الجامعية شيئا عن هذه المرأة ..وإنني أحمد الله على أن نبّهني التلفزيون إلى جهلي وأهدى إليّ عيوبي وأراني نفسي في مرآته فكشف سوءاتها الكثيرة واستفزّ خمولي فأيقظ في كهولتي حاجة ملحّة إلى الاستزادة من ينابيع المعرفة وفيوض العلم ..


سارق النار حارس الزهرة صوتُ المقاومة زمنَ الاستسلام

مع الشيخ إمام عيسى

مع الشيخ إمام عيسى

كم أعذرهم اليوم وأفهم أولئك الذين يفتتحون صباحاتهم بقراءة الجرائد بدايةً من صفحة الوفيات. يفتتحون صباحاتهم باستراق النظر من وراء تلك السطور الصغيرة ناحيةَ ذلك الثقب الغامض الذي يبتلع حبّات العنقود الواحدة تلو الأخرى، دون رأفة، ودون أن يُسْمَعَ صَوْتٌ لارتطامها بأيّ قاع….
*
أشهد أنّي تعلّمت هذه “العادة” منذ رحيلك يا شيخ. كنّا نرقص حولك وبك وفيك مثلما ترقص الفراشات مع الربيع. كنتَ الدليل الحيّ على أنّ الخطاف الوحيد يستطيع أن يصنع ربيعًا بحجم الكون، شرط أن يكون لهذا الخطاف اسمك. لا أدري لماذا أذكر الربيع كلّما ذكرتك، أنت الذي لم أسمع له صوتًا إلاّ وهو مضمّخ بحشرجة العمر في خريفه. كنّا أطفالاً ثمّ اشتدّ العود وذهب بنا الشباب مذاهب شتّى ونحن نستمع إليك وحدانًا وجماعاتٍ خفيةً ومتظاهرين…كنّا نضع شرائطك تحت معاطفنا حيث توضع الممنوعات كي لا تلتهمها العيون التي لا تنام، فإذا بَلَغْنَا مَأْمَنًا اختلينا “بك” مجتمعين خاشعين صاخبين في تلك الحلقات الحميمة الشبيهة بالصلوات…ثمّ خرجتَ من قفصك ورأيناك واختلفنا إليك ووضعنا أيدينا في يديك…وكنتَ بين هذا وذاك تتحدّانا بطفولتك ومرحك ودفئك وشبابك من أعلى سنواتك الستّين ثمّ السبعين…كنت أكثرنَا شبابًا أيّها الشيخ…أكثرَنا ربيعًا ودفاعًا عن الربيع فيما كانت أحلامنا تتجعّد داخلنا وتهرم وتشيخ…وها أنت إلى اليوم لم تَعْلُ أغانيكَ شعرةٌ بيضاء واحدة…فكيف استطعت أن ترتكب هذا الرحيل؟؟ وأنا…كيف هان عليك أن تتركني وحيدًا أو أكاد؟ كيف هان عليك أن توقظني من حلمي بلقائك قبل أن أصدّق أنّه حدث بالفعل؟ كيف استطعت أن تغافلني وترحل بعد أن صنعت منّي مدمنًا على فنّ نَفَقَتْ سُوقُهُ أو تكاد، فنّ يزوّج الجمال إلى الحريّة ويَجِدُّ بِلَعِبٍ ويجرؤ على الموقف ويأبى إلاّ أن يطير بجناحي المتعة والمعنى؟

ثمّ كيف استطعت أن تروّضني على أسوأ العادات: قراءة الجريدة بداية من صفحة الوفيات، خشية أن أُفْجَعَ في حبيب آخر، في حبّة أخرى من حبّات العنقود، تمامًا مثلما فُجِعْتُ فيك وأنا أقرأ جريدتي ذات صباح قبل ثمان سنوات…عزائي أنّك تولد أبدًا في كلّ أغنية من أغانيك، مع كلّ مريدٍ جديد يأخذه فنّك إلى “خلوتك” المفتوحة على شوارع الدنيا كلّها…فما أمكرك أيّها الشيخ…ثمّ ما أمكر الفنّ الصادق العظيم…ثمّ…
… ما أمْكَرَ المَيَّتِينْ
يَسْبِقونَ هُنَا أو هُناكْ
ويظلّونَ في مَوْتِهِمْ كامِنِينْ
خَلْفَ مُنْعَطَفٍ في دروب الهَلاكْ
يَرْقُبُونَ لِحِينْ
فإذا شَرَّدتْنَا القُرَى
أوْ رمتنا الشِباكْ
حَمَلُوا نَعْشَنَا
ومشوا في جَنازتنا ضاحِكينْ…  (مواصلة القراءة…)


الضحية والجلاد

الكرنك نجيب محفوظ

الكرنك نجيب محفوظ

كتب أحد أبرز الحقوقيين التونسيين وهو يتأهب لدخول السجن سنة 2001 عن الجلاّد الذي ينتظره هناك ليحرُس عزلته ويذيقه من نار الاضطهاد صنوفا وألوانا، وتساءل بحسّه الحقوقي عن هذا الآدميّ الذي هو مواطن تونسيّ شبّ وترعرع في هذه الأرض ونَما وهو يتنشق هواءها ويكرع من مائها ويرتوي من نسغ جمالها، ولكنه انتهى جلاّدا في خدمة قضية قد تبدو له عادلةً منصفةً بينما تبدو لغيره ظالمةً جائرة.

هذه الفكرة التي قلّما يُـنتبَهُ إلى بداهتها ألهمت الأدباءََ والسينمائيين، ليس أدلّ على ذلك من فيلم “الكرنك” المأخوذ عن قصة لنجيب محفوظ أدان فيها القمع السياسي في عهد عبد الناصر والملاحقات التي استهدفت شباب الجامعات بمختلف انتماءاتهم الإيديولوجية لمجرّد نقدهم ثورةَ الضباط الأحرار، وتشير قرائنُ عديدةٌ إلى أن صورةَ الضابط الذي كان جلاَّدا قاسيا في المعتقل ثم صار إلى السجن بعد النكسة تتطابق مع صورة صلاح نصر مدير المخابرات العامة المصرية السابق الذي تمت محاكمته في قضية انحراف المخابرات الشهيرة في أعقاب نكسة 67، ويعتبر مشهدُ لقائِه وهو سجينٌ مع الطلبة الذين كان يُعذِّبهم من أقوى مشاهد الفيلم.

كما تُعتبر شخصية الضابط توفيق شركس (محمود عبد العزيز) في شريط “البريء” لوحيد حامد وعاطف الطيب أبرز نموذج سينمائي لهذه المفارقة، فهو المكلف بالإشراف على المعتقل الصحراوي الكائن في منطقة نائية من العالم يُعذب فيها “أعداء النظام” من الطلبة والمثقفين والنشطاء السياسيين بطريقة موغلة في الفظاعة، ولكننا نراه في اللقطات الأولى وهو يختار هدية ابنته في عيد ميلادها فيرفض أن يبتاع لها لعبةً في شكل “عسكر وحرامية” ويفضِّل اختيار آلة موسيقية ناعمة بما يعكس بوضوح هذا الازدواجَ الحادّ في شخصية الجلاّد التي قد

يدلُّ مظهرُهَا الخارجيُّ وهي بعيدةٌ عن سياقِها الوظيفي على غير ما تبطنه. (مواصلة القراءة…)


عين الحسود فيها عود

التحركات المضادة لنضال الإذاعيين من أجل القطع مع الماضي تدلّ على أن علة العلل في القطاع الصحفي هي انحسار رقعة التضامن المبدئي وتبجيل البعض مصالحهم الشخصية على المصلحة العامة، وهذه الممانعة هي أفضل دليل على أن نظام بن علي ما يزال قائم الذات يتحرك بلا خجل أو وجلٍ في الواقع أو داخل النفوس والضمائر سنة كاملة بعد حدوث الثورة، فالمطالب التي تبنتها النقابة الوطنية للصحفيين والتي يجري التشكيك في مشروعيتها تتعلق بثلاثة محاور أساسية لا مناص منها لإعادة بناء الإعلام العمومي على أسس سليمة: الاستقلالية المهنية والشفافية الإدارية وكرامة الصحفي.

الاستقلالية المهنية لتحصين الإذاعة عن التجاذبات الحزبية والاحتواء الإيديولوجي وحتى لا تعود من جديد بوقا لفائدة هذا الطرف أو ذاك بتنشيط حاستي الخوف والطمع ولا تحنّ إلى دورها القديم في خدمة الدكتاتورية، وهو ما يستدعي وضع أطر ديمقراطية لصياغة القرار التحريري والسهر على تنفيذه.

الشفافية الإدارية لأن الإذاعة بما هي مرفق عمومي ليست في معزل عن رياح الفساد العطنة التي سمّمت الأجواء والنفوس وأفقدت قيمة النزاهة معناها حتى صار هاجس البعض السّعيُ إلى الانتفاع من سوء التصرف لا مقاومته والوقوف ضدّه، فكل التفاصيل المتعلقة بفرص العمل والتكوين ليست من باب النميمة أو الحسد والتباغض وإنما ينبغي أن يُـنظر إليها بمنظار أسمى لأنها تقود إلى فكرة العدالة والإنصاف التي هي الآن همّ وطني شاسع يشترك في المطالبة به التونسيون جميعا.

كرامة الصحفي لأنّ الإعلام العمومي رغم ما يقدمه من جليل الخدمات للمواطنين يظلّ الشماعة المثالية التي تُـعلق عليها النخبة أخطاءها وتنفس بواسطتها عن شعور بالذنب دفين لم تقدر على التحرر منه بطرق سوية في إطار مراجعات نقدية ذاتية، فمن السهولة بمكان القول إن الإعلام هو صانع الدكتاتوريات، وهو في خدمة الاستبداد والفساد، خصوصا بالنظر في البنى التشريعية والإدارية القائمة والتي تيسّر ذلك بل تعبّد له الطريق ولكنه مظهر وحيد من مظاهر الاستبداد وشجرة يتيمة في غابة الفساد، ومن الحيف العظيم استثناء الإذاعة العمومية من حملة الإصلاح والمراجعات العميقة التي تشمل الآن كل شيء، انتصارا لكرامة الصحفي التونسي الذي أثبت دائما كفاءته واقتداره كلما رأيناه يعمل في دول أخرى… (مواصلة القراءة…)


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress