مقالات رأي

عندما يكذب التونسيون ويصدّقون أنفسهم

 

راشد الغنوشي دافوس 2017

راشد الغنوشي دافوس 2017

تناولت وسائل الإعلام التونسية مؤخرا بكثافة خبرا يفيد بأن منتدى دافوس صنّف تونس البلد الديمقراطي الوحيد في العالم، وصنّف المغرب والجزائر ومصر والعراق والأردن ضمن الدّول التي توجد فيها ديمقراطية، واستثنى ليبيا وسوريا واليمن لأنها تعيش حربا أهلية بينما صنّف دول الخليج في خانة الدّول التي لا توجد بها ديمقراطية. وقد وردت صيغة الخبر واحدة في مختلف المواقع، والاجتهاد الوحيد الذي لوحظ هو في العناوين المصاحبة أو في محاولة التدقيق بالإشارة إلى أن هذه الدّراسة قد صدرت بعد نهاية أشغال المنتدى! ورغم هذه الصيغة المبهمة التي لا تحدّد السّياق الحقيقي للمعلومة فإن الإعلام التونسي تعامل مع هذا الخبر دون أدنى مساءلة.

بقليل من البحث يتّضح أن الخبر لا علاقة له بمنتدى دافوس إطلاقا، وأن الخريطة التي رافقته في بعض المواقع والتي تميّز تونس باللون الأزرق في مجال الديمقراطية هي من منشورات الأمم المتحدة، وقد أعادت نشرها مجلّة (The economist) يوم 9 جانفي 2016 ضمن مقال بعنوان “الشتاء العربي” تحدثت فيه عن مآل الثورات العربية وأفردت فقرة للحديث عن الاستثناء التونسي في مجال الديمقراطية استنادا إلى ثلاثة معايير هي تصنيف تونس من قبل مؤسسة “فريدوم هاوس” الأمريكية كأول بلد عربي تتوفر فيه الحرّية، والمركز المتقدم الذي تحتله تونس في تقييم منظمة التصنيف الديمقراطي بالنمسا، وحصول أربع منظمات من المجتمع المدني على جائزة نوبل للسلام. وقد نوّهت عدة مواقع وصحف تونسية في الإبّان بالمقال المذكور للأهمية العالمية التي تحظى بها هذه المجلة.

وإذا حاولنا ربط الصلة بين هذا الخبر في صيغته الأصلية التي تعود إلى سنة مضت والدورة الراهنة لمنتدى دافوس لن نعثر الا على تغريدة في تويتر تحت وسم (#) دافوس تضمنت الخريطة المذكورة والمنصوص عليها بوضوح أن المجلة نشرتها نقلا عن وثائق الأمم المتحدة بينما يتضح بسهولة أن الوسم غير رسمي ولا يمثل المنتدى في شيء، وهو ما يثبت أن كثيرا من المواقع الالكترونية والصحف تنزع إلى المجهود الأدنى ولا يأبه المشتغلون بها حتى عن البحث في الأسئلة الأساسية المُكوّنة لأيّ خبر صحفي والتي تُعتبر من أبْجديات المهنة.

من وثائق منظمة الأمم المتحدة

من وثائق منظمة الأمم المتحدة

من الأرجح إذن أننا مرة أخرى إزاء مغالطة إعلامية واسعة النّطاق، لكن تبدو مدروسة بعناية شديدة، فالمشاركة التونسية هذا العام في منتدى دافوس من الأهميّة بمكان، أولا لأنها تأتي مباشرة بعد انعقاد المؤتمر الدولي للاستثمار في تونس، وثانيا لحجم التمثيلية السياسية في هذه النّسخة لا سيّما بمشاركة راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة بشكل مواز للحضور الرسمي ممثّلا في يوسف الشاهد رئيس الحكومة، وانتشار الخبر المغلوط بهذه الصيغة مع التنصيص على أنه قد ورد في أحدث دراسة للمنتدى صدرت بعد انتهاء أشغاله إنما يربط ضمنيا بين هذه المشاركة والاعتراف الدولي المتجدد بالاستثناء التونسي، خصوصا وأن ما نسب إلى منتدى دافوس أثار موجة من الابتهاج الشديد في أوساط المنتسبين إلى حركة النهضة على شبكات التواصل الاجتماعي.


الحقّ الذي يُــراد به باطل

الإعلامي حسان بالواعر

الإعلامي حسان بالواعر

تعيد قضية حسّان بالواعر إلى الواجهة ملف حوكمة المؤسسات الإعلامية العمومية، ذلك أن عرضه على مجلس التأديب لقيامه بنشاط مواز في قناة تلفزيونية خاصة ومعاقبته بالرفت المؤقت من الإذاعة يفتح الباب أمام تأويلات سياسية متعددة رغم أن الإدارة تتعلّل بنصوص قانونية.

لا ينكر المتابعون لهذا الملف أن الإذاعة التونسية تستند في دعواها إلى النظام الأساسي للأعوان الذي يمنع على العاملين بها القيام بنشاط مواز دون ترخيص كتابي مسبق، ويؤكد الرئيس المدير العام في حوار صحفي حول الموضوع أن الترخيص ممكن في حالات مغايرة حيث يكون النشاط الموازي مختلفا عن طبيعة النشاط الأصلي مشدّدا على أن تضارب الاتجاهات التحريرية بين الإذاعة وقناة نسمة هو المحرّك الأساس للقضية وهو ما يؤكد الطّابع السياسي لهذا الملف رغم وضوح المدخل القانوني.

هناك فعلا عدة أسباب تدعو إلى الاعتقاد في أن القضية مُركّبة وكان يمكن أن تجري معالجتها وفق أسلوب مغاير يراعي المصلحة الفضلى لكل الأطراف، أول هذه الأسباب أن النظام الأساسي لأعوان الإذاعة نص قانوني قديم لم يعد يتماشى والوضع الجديد للحريات ولقطاع الإعلام في البلاد بعد الثورة لاسيما بدخول القطاع الخاص على الخط واعتبار المرفق العام أهم مصدر للموارد البشرية ذات الكفاءة والتجربة، ثاني هذه الأسباب وجود حالات مشابهة لحالة حسان بالواعر من حيث تضارب الاتجاهات التحريرية بين المشغلين لكنها تقبع في الظل أبرزها حالة الصحفي الذي يتمتع بخطة مدير ويشتغل في ذات الوقت مراسلا لإذاعتين أجنبيتين، بما يؤكد اعتماد الإدارة سياسة المكيالين وعدم تشبثها بالمصلحة الفضلى لكل الأطراف قاعدة مبدئية حيث يستفيد الصحفي بتعاونه مع قناة خاصة ماديا ومعنويا وتستفيد مؤسّسته بلا شك إن آجلا أو عاجلا من هذه التجربة، فالظهور التلفزيوني يمكّن الإذاعي من الانتشار والتأثير وامتلاك قاعدة جماهيرية عريضة، وإن كان الاختلاف بين الخط التحريري لقناة نسمة وخط المرفق العام حادّا حتى التضارب حقا فقد كان يمكن بكل بساطة ودون اللجوء إلى آلية العقاب تكليف الصحفي بعمل آخر غير تقديم البرامج في انتظار انتهاء تجربته مع القناة، على أن يظل أمام كل الأطراف التزام أخلاقي وحيد يتمثل في عدم إخلال المعني بالأمر بواجباته الأصلية أيّا كان نوعها وهو ما يمكن إثباته بالأدلة غير القابلة للدحض عند وقوعه والتصرّف إزاءه بما تقرّه القوانين والأعراف.

(مواصلة القراءة…)


شارع الحرية

ليلة السابع عشر من جانفي 1991 واصل التلفزيون التونسي تقديم برامجه بلا انقطاع، تابعت نشرات الأخبار لحظة بلحظة أنباء قصف بغداد وحقّقت إنجازا مهنيا ستظلّ الذاكرة تتباهى به لسنوات. ارتفعت في يوم وليلة نجومية الصحفيين الذين كانوا يقدمون أخبار الحرب وكان بعضهم يرتجلون أحيانا بقدرة فائقة ترجمة البرقيات التي تصل إلى الأستوديو ولا تحتمل الانتظار، كان ذلك نجاحا مميزا، ولا أحد يعرف على وجه التدقيق كيف اتُّخذ هذا القرار الجريء؟ ولكنْ بصرف النظر عمّا يمكن أن يكون قد وقع حقّا في كواليس تلك الليلة بين الإدارة العامة للإذاعة والتلفزة ورئاسة الجمهورية فإن المنتج النهائي الواصل إلى بيوت كل التونسيين عبر

صدام حسين

صدام حسين

الشاشة أثبت القدرة المهنية المبهرة التي استجاب بها الصحفيون للتحدي الكبير، لم يكن ثمة انترنت أو قنوات فضائية بالحجم المتاح حاليا، ومن الصعب على صحفي اليوم أن يتخيل نفسه في مواجهة حدث عالمي كبير كهذا أعزل بلا أدوات، فقط كانت لدى العاملين بمختلف المحطات برقيات متهاطلة على أجهزة التلكس في غرف الأخبار وأجهزة راديو عملاقة لالتقاط قنوات الشرق والإذاعات البعيدة وحافظة الحبيب اللمسي موزع الهاتف الشهير، أضف إلى ذلك صعوبة تحديد طبيعة الخطاب الإعلامي الرسمي المطلوب وكيفية ترجمة المسافة الفاصلة بين القرار السياسي واتجاهات الرأي العام بدقة، فعلى الصعيد السياسي تحفظت تونس في الجامعة العربية على التحرك العسكري الدولي ضدّ دولة عربية عضو في الجامعة مع إعلان رفضها غزو العراق دولةَ الكويت، وجماهيريا كان الشارعُ منحازا كلّيا إلى العراق وكانت صور صدام حسين تملأ الشّوارع والسّاحات في المظاهرات الحاشدة ضدّ العدوان، وكان على الإعلام أن يُعبّر عن الموقف الرسمي دون أن ينجرف وراء العاطفة الشعبية.

(مواصلة القراءة…)


اذكُروا قتْلاكُم بخير

في مئوية أبي القاسم الشابي، زار وفد من الكُتّاب والإعلاميين روضة الشاعر للاطّلاع على معرض وثائقي أعدّته وزارة الثقافة والمحافظة على التراث هناك، وما أن ألقى الإعلامي الشّهير فرج شوشان نظرة على المكان وتفرّس في وجوه المحيطين بالشّابي من رموز الحياة الثقافية في تونس الثلاثينات حتى استشاط غضبا وانبرى يقول: هؤلاء هم الذين قتلوا الشّابي فكيف تجلبونهم إلى قبره ليلازموا روحه كظلّها؟
كان واضحا أن الوزارة لم تنظر إلى الشاعر انسانا مفردا بل رمزا لمرحلة، فكرّمت في عيد ميلاده الثلاثينات التي هي من أهمّ مراحل التّاريخ الثّقافي والاجتماعي في تونس، لكنّ فرج شوشان نظر يومها إلى الأمور من زاوية سريالية تتعالى على سلطان الموت، فتخيّل الشاعر محتفظا في مكان ما من الأبدية بوعيه كاملا، وفجأة يجد كل المحافظين الذين تربّصوا به حيّا وآلموه يحيطون به من جديد في حفلة عيد ميلاده!!

عواطف حميدة
عواطف حميدة

لقد سعدت أيّما سعادة بتدشين ساحة في مدينة المنستير باسم الإعلامية الراحلة عواطف حميدة، إذ سيكون على أشخاص كثيرين أن يتذكّروا أفعالهم مع المرحومة كلّما عبروا هذه السّاحة وهُم سيعبرونها مرارا في اليوم الواحد لأنها تقع قبالة الإذاعة وعواطف قضّت حياتها كلّها هناك ولم تكن لها حياة أخرى خارج بيت العائلة وأشرطة نجاة الصّغيرة وعلب الموسيقى والبرامج، ستكون هذه السّاحة إبرة تخز ضمائرهم الاّ أن تكون ضمائرُهم قد ماتت، فالضّمائر لا تنطلي عليها المساحيق التي يرتديها النّاس عند الموت ولا تُصدّق أكاذيب عاطفية يصطنعونها اصطناعا ويخفون تحتها كلّ الجرائم المعنوية التي ارتكبوها.

عواطف حميدة حاربوها وهي في أوج طموحها، وآلَمُوها وهي تشقّ طريقها كمن ينحت في الصّخر، وحسدوها وهي تنتصر على المصاعب وتصعد السّلم درجة درجة بمحض إخلاصها للمهنة وتعبها وسهر الليالي، لقد فعلوا كلّ ما لا يخطر على بال من أجل أن تُخطئ أو تُعاقَب أو تُطرد وتَشفّوا فيها عندما وبّخها مسؤول رفيع المستوى يوما ما، بل إنّ كثيرا من الذين كانت ستشملهم حملة التنظيف التي باشرتها في الإذاعة الوطنية يوم أن كُلّفت بإدارتها تنفّسوا الصّعداء عندما بلغهم نبأ مقتلها.
لم تكن حياة عواطف في الإذاعة الاّ مزيجا من كثير من الألم وقليل جدا من الفرح، كانت تصرّ على المضيّ قُدُما، فعملت بلا هوادة، ولم تَرمِ المنديل أو ترفع الرّاية البيضاء، لم يكن صعبا عليها قبل التفرّغ للمهنة التي أحبّتها أن توفّق بين عملها الأصلي في التعليم الثانوي والإذاعة والتلفزيون بل كان أصعب شيء هو المحافظة على الثّبات والتوازن وسط العواصف العاتية التي لم تهدأ يوما، وأشهد أن عواطف لم تُمنح يوما فرصةَ الابتعاد عن خطّ المواجهة الأماميّ كي ترتاح قليلا وتنظر إلى الأشياء بذهن أكثر صفاء، لكنّ العداواتِ والأحقادَ التي تؤلم النّفس وتُعذّب الرّوح وتُمزّق الوجدان سرعان ما تصبح بمجرد أن يأتي الموت كأن لم تكنْ، فيتساوى الأصدقاء والأعداء في حفلة تنكرية باذخة تُنفَق فيها مشاعرُ الودّ بسخاء، تلك المشاعر التي لا تظهر أبدا الاّ في الجنازات ما كان أحوج الموتى إلى قليل منها وهم على قيد الحياة!

ساحة عواطف حميدة قبالة إذاعة المنستير لن تعيد صديقتنا إلى الحياة فهي حيّة في القلب والذاكرة ولم تغادر مكانها أصلا، كلّ ما في الأمر يا عواطف أنّ كثيرا من الأوغاد الذين تعرفين والذين كانوا ينتظرون سقوطك من على السلّم بفارغ الصّبر والشّماتة بل يسعون إليه سعيا سيظلّ شبحك يرفرف فوق رؤوسهم ينتقيهم دون غيرهم في مسرحية النفاق الاجتماعي العظيمة هذه، سيظلّ شبحك ينظر إلى هؤلاء الذين يرتدون وجوها كثيرة بعد أن فقدت وجوههم ملامحها الأصلية من فرط الكذب، هؤلاء الذين يذرفون الدموع على الموتى ممدّدين في توابيتهم ويمشون وراء الجنازات ولا يذكرون قتلاهُم الاّ بخير.


مولوتــــوف

 مطلع تسعينات القرن الماضي كنت أدرّس العربية لتلاميذ الباكالوريا في إحدى قرى السّاحل، وكان من تقاليد المنهج الدراسي أن نُحدّد بدءا وإجمالا مراحل تطوّر الحركة العقلية عند العرب قبل شرح النصوص الأدبية وتحليلها مستأنسين بما جاء في كتب أحمد أمين لأنها تفي بالحاجة.

مولوتوف

مولوتوف

لكنني فوجئت يوما بأحد التلاميذ يقول: “لقد عرّفتَ الجاهلية بأنها مرحلة ما قبل ظهور الإسلام وهذا غير صحيح، فالجاهلية هي كلُّ حكمٍ لا يعمل بما أنزل الله”. فأجبته بأنّ ما يقوله يخرج عن نطاق الدرس لأنه ضرب من التوصيف الإيديولوجي بينما نحن بصدد مقاربة تاريخية بغاية وضع النصوص في سياقها، وأنه بصرف النّظر عن التّاريخ والإيديولوجيا لا يمكن أخلاقيا تقديم الرأي المخالف بنفي الغير ونسبته إلى الجهل، وطلبت منه أن يغادر الدّرس إذا كان يعتقد حقّا أنّ ما أقوله غير صحيح، فما كان منه الاّ أن غادر القاعة، ولا أذكر أنني رأيته بعدها كثيرا إلى أن وقعت حادثة المولوتوف، فلاذ بالفرار إلى وجهة غير معلومة واختفى عن الأنظار إلى الأبد.

كانت تلك أول مواجهة مع جيل آخر من المنتسبين إلى الحركة الإسلامية، جيل التلاميذ، فطيلة أعوام الجامعة كانت القوى متكافئة نسبيا في ساحات الكلية وأروقتها، وكان العنف الثوري قاسما مشتركا بين كل الفصائل، سواء أرفعت صور تشي غيفارا أم ردّدت أناشيد الإخوان، فقد وحّدتهم المواجهةُ الحاسمة مع السّلطة وآلة القمع الجهنمية، وكان للإسلاميين دور مهم طيلة سنة 1987 في تحريك الشارع والخروج بالمظاهرات من بين أسوار الكليات من أجل كسر الحصار المفروض على الحرم الجامعي ونقل مظاهر الاحتجاج إلى العاصمة ومحيطها الشعبي، وقد كانوا هم الأقدر على ذلك بفضل امتدادهم التنظيمي في المجتمع وتغلغلهم في أبعد خلاياه خلافا لبقية التنظيمات.

مضت على تلك الأيام سنوات قليلة تغيّر فيها الوضع من حال إلى حال، شهدت البلاد انفراجا نسبيا بعد رحيل بورقيبة إلى منفاه، فخرج قادة الاتجاه الإسلامي من السّجون ليوقّعوا على ميثاق وطني يتعهّد فيه الجميع بإدارة الاختلاف بعيدا عن منطق العنف والإقصاء، وغيّر الاتّجاه الإسلامي اسمه استعدادا للمشاركة في الحياة السياسية بعد أن أعلن زعيمه التاريخي راشد الغنوشي ثقته في الله أولا وفي بن علي ثانيا، ثم سرعان ما أطلّ غول العنف من جديد بعد أن تعطّلت الزيجة السّعيدة بين الرجلين، وعادت زجاجات المولوتوف الحارقة إلى الشارع تستهدف مقرّات الحكومة والتّجمع إلى أن وقعت حادثة باب سويقة الشهيرة. عاشت البلاد آنذاك حالة من الانفلات الأمني تحوّلت معها شُعبُ التّجمع إلى لجان يقظة تؤمن دوريات ليلية ونهارية في الأحياء والشوارع وترفع تقاريرها إلى من يهمّه الأمر، وكانت تلك هي اللبنة الأولى في صرح الدولة البوليسية التي ستحكم عشرين عاما بقبضة من حديد.

يصعب علينا اليوم أن نُصدّق أن كل ذلك محض افتراء وأن كل ذلك العنف كان مفبركا لتشويه الإسلاميين فليس من سمع كمن رأى. كنا يومها في قاعة الأساتذة، في الاستراحة الصباحية الأولى التي تتوزع دقائقها بين دخان السجائر وأنفاس القهوة السوداء وبياض الطبشور والثرثرة، عندما هجم تلميذان من أكثر تلاميذنا انضباطا على القاعة بزجاجات حارقة كانا يخفيانها في مكان ما في السّاحة استعدادا للّحظة الصّفر. انفجاراتٌ قويّةٌ وسقوطُ جدارٍ فذعرٌ واختناقٌ وإغماءٌ وتدافعٌ إلى النافذة الوحيدة المفتوحة على كلّ الاحتمالات للإفلات من الجحيم، لم نكن مهيئين لهذه التجربة، فهذا لا يحدث الا للآخرين، ولم نكن ندرك في تلك اللحظات المرتبكة التي واجهنا فيها الرّعب بكل تفاصيله أن بعض تلاميذنا قد استهدفونا بعمل إرهابي. كلّ ما عرفناه لاحقا أن الخليّة النّائمة التي قامت بالعملية ألقي القبض على بعض عناصرها فيما تمكن آخرون من مغادرة البلاد، بل وقيل إن قائدها ذاك الذي خرج من درس العربية احتجاجا على التعريف الاصطلاحي لكلمة “الجاهلية” أصبح أميرا للجماعة في دولة أوروبية، ولم نكن نميّز الحقيقة من البهتان فيما يصلنا من أخبار “سنوات الجمر”، لكنّ الثّابت في كلّ هذا أن شبّانا في عمُر غضّ يانع قد غُسِلت أدمغتُهم جيّدا وأصبحوا آلاتٍ يُتحكم فيها عن بُعد للقيام بأكثر الأعمال شراسةً رغم الهدوء والانضباط والتربية والأخلاق والوجه الضّحوك.

سمير ديلو
سمير ديلو

لقد تذكّرت كل هذا وأنا أستمع إلى القيادي النهضوي “سمير ديلو” يرغي ويزبد في إذاعة موزاييك ردّا على نائبة النداء “هالة عمران” التي طلبتْ منه ألا يكون خصما وحكما في الآن ذاته وأن يتريّث حتى تبُتَّ هيئةُ الحقيقة والكرامة فيما إذا كان “محرز بودقّة” المتّهمُ بتنفيذ انفجارات سوسة والمنستير صائفة 87 بريئا، فأجابها موازيا بين الضّحية والجلاّد في قوله: هل يتعيّن أيضا نزعُ صفة الشّهيد عن “شكري بلعيد” إلى أن تحكم المحكمة في قضيته (هكذا!)، ديلو أصرّ على استخدام لفظ “المرحوم الشهيد” في حديثه عمّن يعتبره التونسيون إرهابيا –إلى أن يأتي ما يخالف ذلك – مستخدما استراتيجية “هذا غير صحيح”، لاعتبار العملية منسوبة زورا إلى الاتجاه الإسلامي رغم أن ضلوعه في هذا الأمر محسوم.

واضح إذن أن حركة النهضة رغم إعلانها التحوّل التاريخي إلى حزب سياسي مدني غير قادرة على التخلّص من جلبابها الإخواني، ويستعصي عليها مواجهة الماضي بشجاعة الرّجال من أجل الحاضر والمستقبل، فهي تستغلّ حالة الغيبوبة الجماعية والتصحّر المعرفي السّائدة للإمعان في قلب الحقائق وتسويق نظرتها هي إلى التّاريخ، أحرى بالنهضة في هذه المناسبة أن تعتذر لضحاياها من داخل منظومتها الفكرية أولا، أولئك الشبان الذين زجّت بهم في أتون “الجهاد” فرفعوا السّلاح في وجه المجتمع وهم جزء منه، أولئك الذين بَرمجت أمخاخَهم للعصيان فصاروا وقودا في معركة كان من السّهل اجتنابُها، أولئك الذين ابتلعتهم غياهب السّجون والبطالة والفقر دفاعا عن فكرة “تطبيق الشريعة” التي رأت الحركة اليوم وهي تتشعبط في جدار السلطة أنها لم تعد مناسبة للوضع الجديد، بكلّ بساطة كان أحرى بالنهضة أن تعتذر من “محرز بودقّة” بدل أن تزجّ باسمه في معركة أخرى لا طائل من ورائها وتمعنَ في الهروب إلى الأمام.


الباتيندة

الباجي قايد السبسييخلص فقيد الصحافة العربية قصي صالح درويش في كتابه “يحدث في تونس” إلى استشراف مستقبل الأحداث بعد تفاقم أزمة الخلافة سنة 87، فيصنّف المرشحين للفوز بعرش بورقيبة إلى مجموعات، ثم ينتهي إلى القول بأن مجموعة “زين العابدين بن علي والهادي البكوش” هي الأقدر على الإطاحة بالرئيس العجوز بإثبات عجزه عن ممارسة وظائف الرئاسة وتطبيق الفصل 57 من الدستور!!!!

نُشر الكتاب ومنع من التداول في تونس وقد أثبت فيه صاحبه أنّ دلائل عجز بورقيبة عن ممارسة وظائفه السّامية تعود إلى سنة 1973 عندما أقدم في خطوة مُحيّرة على إبرام اتفاقية وحدة مع العقيد معمر القذافي وهو الذي يعارض دائما توجهات جيرانه الوحدوية بشكل استعراضي مرتكزا أساسا إلى عدم نضج أسبابها، وبدا تراجعه عن الإيفاء بالتزامات جربة تلعثما سياسيا مُهينا لمكانة الزعيم التاريخية وبُعدِ نظره الاستراتيجي، لكن لم يكن ممكنا للهادي نويرة أو لمحمد مزالي طيلة سنوات الهبوطِ إلى الجحيم استصدارُ شهادة طبية لإقالة الزعيم من مهامّه بوصفه “صاحب الباتيندة” في دولة الاستقلال لا في الحزب الاشتراكي الدستوري فقط .

وفعلها زين العابدين بن علي!
لكنه ولأسباب تتعلق بالباتيندة وبعقلية القطيع قدّم للجميع تبريرا عاطفيا لما حصل، فهو “قد أنقذ بورقيبة من بورقيبة”، وشكّل هذا التبرير قاعدة دعائية استراتيجية “للعهد الجديد”، فزعموا أنه يقوم على التواصل والاستمرارية لا مع البورقيبية فحسب مع بل مع كل رواد الإصلاح بدءا من خير الدين!! وهكذا صدّق الشعب الذي بلغ ساعتئذ من الوعي والنضج “ما يسمح لكـلّ أبنائـه وفئاتـه بالمشاركة البنّاءة في تصـريف شؤونه” بوعي قطيعي أن الباتيندة لم تخرج من بيت الحزب الاشتراكي الدستوري وأن ما حدث لا يعدو أن يكون عملية ترميم وإعادة طلاء للجدران والأبواب والسقوف، وقد فتحت أثناء هذا الترميم نوافذ للتهوئة تسلّل منها معارضون قدامى ونقابيون ويساريون إلى سدّة الحكم وظلّوا هناك حتى النهاية. وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما لم يتمرّد أحد من داخل البيت على صاحب الباتيندة الجديد رغم الفساد وإرادة التوريث ونكث العهود إلى أن وقعت الثورة وحصل الذي حصل.

rached-ghannouchi1لا غرابة إذن في ظلّ هذه العقلية التونسية الفريدة، أن يُنظّر “مناضلو نداء تونس” للتوافق فهو الطريقة الوحيدة لحماية صاحب الباتيندة وأبنائه وأحفاده من خطر الانتخابات “عافانا وعافاكم الله” ومن إمكانية أن تنتقل الزعامة من المؤسس إلى شخص آخر تتجه إليه إرادة الناخبين “لا قدّر الله”. لم يخرج أحد على سلطة بورقيبة رغم عجزه، ولم يتمرّد أحدٌ على بنْ عَلي رغم فساده، ولن يقول أحد: “لا” للباجي قايد السبسي رغم ما يرتكبه من أخطاء في حق نفسه أولا والحزب الذي قاده إلى الرئاسة ثانيا. لا يقول أحد: لا في وجه الزعيم المؤسس القائد الملهم البطل المنقذ الواحد الأحد!، ولا يختلف في ذلك دستوري عن نهضوي، فهؤلاء أيضا لا يستطيعون الخروج من جلباب راشد الغنوشي مهما كان حجم التنازلات الموجعة والمهينة التي أضحت الحركةُ تقدمها من أجل البقاء، ومهما كانت الصورة الكاريكاتورية التي أصبحت عليها بسبب مفارقات الحكم وإكراهات البراغماتية. الحركة تغيّر مواقفها دون مراجعات علنية واضحة، والصقور الذين كانوا يهدّدون بالسّحل وقطع الأيدي والأرجل لا يستقيلون لعدم انسجام مواقف الحركة الجديدة مع ما يؤمنون به وما قضوا في سبيله أحلى سنوات العمر وراء القضبان، لا يحتجون لا يعلنون صراحة تخليهم عن ثوبهم الإيديولوجي القديم، كل ما في الأمر أن الحركة تتقدّم دائما إلى الجمهور في شكل كتلة واحدة مبهمة، تحتوي صراعاتها في داخل الداخل وتأتمر بأوامر الشيخ الذي يعلو ولا يُعلى عليه!

الوعي القطيعي في تونس وعقلية الباتيندة ليستا حكرا على حزب دون آخر بل ثقافة أصيلة متجذرة ومقاومة لا واعية ومتوارثة للفعل الديمقراطي الذي يُعلي مكانة المؤسسة على الأفراد ويفرض التداول الانتخابي على القيادة، يتشابه في ذلك أكبر حزبين في تونس كما يتشابه الجناحان حقا!


الفزّاعة

 

salfia-bezerrفي إحدى خطب الجمعة بمسجد من المساجد التي خرجت عن سيطرة الدولة، تناول الإمام أوضاع البلاد وأرجع كل ما يعكر صفو النظام إلى رغبة العلمانيين في السيطرة مجددا على الحكم وإعادة الأمر إلى ما كان عليه في عهد المخلوع، فهم حسب قوله لا يقبلون بوجود الإسلاميين في مواقع أخرى غير السجون، ولا ينظرون بعين الرضى إلى تقوى الشباب لأنها لا تنسجم وأفكار الغرب الكافر، إنهم أعداء الإسلام!

في ظل هذه الفكرة التي تنظر إلى الأشياء من زاوية واحدة وبمنطق دغمائي لا يجد خطيب الجمعة هذا حرجا في أن يفسر الوقائع للمصلين من وجهة نظره هو، فأحداث العنف كلها من باب سويقة إلى سليمان والروحية وبئر علي بن خليفة وكلية الآداب والسفارة الأمريكية…، مفتعلة مبالغ فيها منسوبة زورا وبهتانا إلى المتدينين بغاية إظهارهم بشكل مرعب يهدّد أمن المواطن وسلامته الشخصية!، ولا يتوقف الرجل عند حدود البلاد التونسية بل يتعداها إلى الجزائر، فالعشرية السوداء التي تستعمل اليوم للتخويف من الإسلاميين هي أيضا فزاعة ظالمة، وآلاف القتلى الذين عثر عليهم مذبوحين كانوا على حدّ قوله ضحايا الجيش اغتالهم ونسب الأمر إلى أعدائه!.

يلخص هذا الإمام استراتيجيا الخطاب لدى كثير من المتكلمين باسم الإسلام، فهم يقدمون خطابا تبسيطيا يفسر التاريخ بنظرية المؤامرة، وهو خطاب المسلمات يتداخل فيه بإحكام ما قاله الله الحي القيوم وما قاله إمام الثالثة من التعليم الثانوي، فيقضي نهائيا على كل رغبة في التفكير وكل نزعة إلى التساؤل خصوصا لدى فئة من الناس ليس لديها بحكم عوامل موضوعية أخرى أي استعداد للاختلاف، وهو خطاب انتقائي يختار من الحوادث ما يلائم رغبته وقدرته معا في تسطيح الأذهان، فمن السهل إرجاع الإرهاب إلى الاستخبارات ومن الصعب إيجاد مبرر واحد لدفن ابن جرير الطبري في بيته!. هذا الخطاب التعبوي الذي يهدف إلى تعميم عقدة الشعور بالاضطهاد، بنيته نمطية بسيطة تقوم على الصراع بين الخير والشر دون تعديلات يفرضها السياق فالإسلاميون في هذا الخطاب مضطهدون حتى وهم على رأس السلطة!، وهو خطاب مظلل يستغل السياق ليوحي بأنه الحقيقة المطلقة مما يجعل كثيرا من المتدينين وخصوصا الجدد منهم والبسطاء لا يستندون في مواقفهم وآرائهم إلى قراءات وتحاليل شخصية إنما يستأنسون الكفاية في ما يحصلون عليه من خطب المساجد ودروسها، تلك التي تعدّهم إلى “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، وتؤهلهم إلى “جادلهم بالتي هي أحسن”، دون حاجة إلى الغوص في بطون المجلدات والكتب.

وليس غريبا أن تكون بعض خطب الجمعة على هذه الشاكلة ولكن الغريب أن ينتشر هذا التفكير خارج المساجد ويتوزع في الفضاءات العامة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، فالتعاطف الشعبي الواسع مع ضحايا انفجارات الشعانبي حرك من جديد آلة الخطاب التعبوي القائمة على عقدة الاضطهاد، وصرت تقرأ هنا وهناك مواقف غريبة تبدأ من مجرد التشكيك في الرواية الرسمية لتصل في النهاية إلى تكذيبها تماما. هذه المواقف تختلق سيناريوهات لا يقبلها المنطق السليم لمخالفتها السياق الطبيعي، فمن الصعب عزل أحداث الشعانبي عن الحرب في مالي أو الاعتداء على منشأة غاز في الجزائر أو الجهاد في سوريا أو تفجير مسجد شيعي في باكستان لأن العقيدة التي تحرك هذه الأحداث واحدة وليس ثمة موضوعيا ما يبرر استثناء الوضع التونسي. لكن الآلة تتحرك وفق إيقاع مضبوط، ففي الوقت الذي اضطرت فيه السلطة الحاكمة بفعل الصدمة الشعبية إلى تغيير موقفها من السلفيين انطلقت حركة التشكيك! تماما كما حدث في اغتيال شكري بلعيد عندما غير رئيس الحكومة موقفه نزولا عند ضغط الصدمة الشعبية فانطلقت روايات مشككة يذهب بعضها إلى القول بأن الاغتيال لم يقع أصلا!!

ولئن كان البعض يرى أن هذا الخطاب هو نتيجة منطقية لحالة الانفلات في بعض المساجد وفضاءات التواصل الالكتروني حيث يمكن تفسير الأشياء من غير التقيد بضوابط، فإنه من الجائز أيضا الانتباه إلى أن التشكيك بجرة قلم في كل الحقائق وإن كانت دامغة يهدف إلى زعزعة كل مظاهر الوحدة الوطنية التي يسترجعها الناس في لحظات الحزن والصدمة والخوف، كما أن انخراط بعض المؤسسات الإعلامية حديثة النشأة في تعميم خطاب الشك هذا يجعل الأمر أعقد من أن يكون مجرد انفلات خارج عن السيطرة.


الياطر

 

2012133037000000عندما علمت من الصديق مختار الفجاري المقيم منذ سنوات طويلة بالمملكة العربية السعودية نبأ وفاة رشيد الغزي أستاذنا في كلية الآداب بمنوبة استيقظت في ذاكرتي صور خلت أن النسيان قد التهمها فإذا هي  نابضة بالحياة ناصعة بالألوان كأن لم يتراكم عليها غبار الزمن، وفي مساء ذات اليوم حينما اتصل بي الصديقان شهاب بوهاني وعبد العزيز الجلاصي من سلطنة عمان حيث يقيمان كنت جالسا في مقرّ البريد المركزي بالدوحة أمضغ الوقت في انتظار طرد بريدي قادم من مكان ما في هذا العالم الصغير، فتركت دوري لمن جاء بعدي كي ألتقط خارج القاعة بوضوح أوضح صوت صديقين لم تسعفنا صدف الحياة للّقاء دقائقَ منذ عشرين عاما أو أكثر، تلك المكالمة سحبتني من يدي وأعادتني إلى أيّام الشّباب الأولى، كأنني أدخل غرفة مصعد حديدي بارد ليهبط بي ثلاثين عاما بينما في المرآة صور شاحبة لوجوه وحكايات وأيام لا يستطيع النسيان إخمادها، وكان لزاما عليّ أن أنعى لصديقيّ أستاذنا المشترك رشيد الغزي فاغرورقت أثناء الكلام أصواتنا معا.

هكذا نحن أبناء منوبة طلبة كلية الآداب، لك مطلقُ الحرية في أن تقول عنّا ما تشاء، لكن لن تُنكر علينا وفاءنا لبعضنا البعض والرّابطة العميقة التي تشدّنا إلى ذلك المكان الذي جمعنا منتصف ثمانينات القرن الماضي مهما تناءى بنا المكان فهناك لم نتعلم اللّغة والأدب والعروض والبلاغة فحسب بل تعلمنا الحياة.

كلية منوبة في ذلك الوقت، كانت نوّارة الجامعة التونسية، الطلبة الوافدون من كل الأنحاء ضاق بهم المبنى التاريخي للجامعة وللكلية في شارع 9 أفريل، فكان الانتقال من صخب المدينة إلى هدأة الحقول، من ضجيج الحانات والمقاهي إلى طراوة العشب وعذوبة الندى، كانت أجمل أوقات الكلية تلك التي نقضيها في الساحات المفتوحة والشوارع الخلفية والقاعات الفارغة، أما الدروس فقد كانت أشبه بحلقات التعليم الزيتوني  حيث يرتبط كل شيخ بدرس في الفقه أو النحو أو الحديث، فلم يكن الانتسابُ إلى هذا الصفّ أو ذاك له معنى، إذ يمكن للطالب أن يختار الدّرس الذي يشاء وكانت مناهجُ الكلّية يومئذ تسمح بذلك وتمنح الطالب حرية كبيرة في البحث والتكوين الذاتي، كان تحليل قصيدة خليل حاوي “البحار والدرويش” مرتبطا بكمال عمران، وكان درس الرومنسية العربية أجمل ما يكون مع محمد لطفي اليوسفي، ولا غنى عن محمد صالح المراكشي في دراسة رشيد رضا كما لا غنى عن محمد الهادي الطرابلسي في فهم المنهج الأسلوبي، وهكذا دواليك، وكنا نعرف بمكر الشباب وذكائه الوقّاد أن بعض هؤلاء الذين ذكرت لا يمكن أن تنتفع منهم كثيرا خارج الدرس الذي ارتبطوا به وهو عادة موضوع الدكتوراه التي اشتغلوا عليها سنوات طويلة والبعض الآخر يمكنك أن تتعلّم منه كلّ شيء بلا استثناء.

وسط هذه السمفونية، ارتبط رشيد الغزي برواية “الياطر” لحنا مينة وكانت العبارة تسري في أروقة الكلية سريان الماء في الأرض اليباب فتحييها، “الياطر في السنة الثانية، لن تفهمها إلا مع الغزي”، وكان ذلك كذلك، تمتلئ القاعة حتى تفيض والعيون جميعا معلقة على زكريا المرسنلي وهو يقول: “لست راضيا عما حدث”، وبينما يذهب كل الشرّاح والمحللين إلى تفسير هندسة الرواية وبراعة حنا مينة في كسر تسلسل السرد الخطي والقفز على الأزمنة، يتنفس رشيد الغزي عميقا وهو ينظر إلى الحقول الخضراء الفسيحة خارج نافذة المبنى، ويسأل: من منكم يحبّ الصيد، من منكم يحبّ البحر؟، تملأ الدهشة أفق المكان فيقول بثقة كبيرة: لن تفهموا الياطر مالم تحبوا البحر؟.

كان غامضا بعض الشيء قليل الكلام والظهور، فلم نكن نعرف عنه غير أنه من “حمام الأغزاز” وأنه يحبّ البحر كثيرا وينتظر بفارغ الصبر نهاية الأسبوع ليغادر العاصمة في اتجاه قريته البحرية الفاتنة، ومنذ تلك اللحظات سترتدي صورة زكريا المرسنلي في مخيلتي وجه رشيد الغزي وسيأخذ صوته نبرات صوت الأستاذ الخافتة، وكان ذلك من أجمل دروس الرواية أن تبدأ أولا بهدم الجدار الوهمي المصطنع بين الأدب والحياة بين الخيال والحقيقة فتعيش النص بينما أنت تقرأه.

في أحد امتحانات مادّة اللغة، طلب منا الأستاذ رشيد الغزي أن نحلّل آية من آيات القرآن الكريم، فاستعصت على الجميع واتجه الطلبة إلى غيره من الأساتذة بعد الفراغ من الامتحان لسؤالهم عن هذه الآية العصية على التحليل، واختلفت الآراء حتى وصل الأمر إلى صاحب الامتحان ذاته في قاعة الأساتذة وجرّب بنفسه تحليل الآية فاستعصت عليه، فما كان منه الا أن حذف السؤال وأعلمنا بأن تلك الآية مختلف في تحليلها وأنه لم ينتبه إلى ذلك عند وضعها في الامتحان، وكان ذلك هو الدرس الثاني الكبير الذي تعلمناه منه: تواضع العلماء.

رحم الله أستاذنا الكبير رشيد الغزي ورزق أهله جميل الصبر.


بين مطرقة النهضة وسندان النّداء

 

                   السبسي والغنشيفي السنوات الأخيرة من حكم بن علي، تفاقمت الخلافات داخل التجمّع بشكل لم يعد يخفى على الأنظار، وأثناء الانتخابات البلدية 2010 بلغ الاحتقان في بعض الولايات حدّ استخدام العنف تعبيرا عن عدم رضا شقّ من القواعد على اختيارات القيادة المركزية وترشيحاتها.

في ذات الفترة وبمناسبة تجديد الشعب الدستورية حدّثنا تجمّعي ضليع في الشأن الحزبي القاعدي بكثير من المرح عن عملية تجديد مكتب الشعبة في منطقته التي تعدّ واحدة من أفخم المناطق بالمدينة، فروى لنا كيف كان المترشّحون في الانتخابات منقسمين إلى شِقّين وكيف انتدب كل شِقّ يوم المؤتمر مجموعة من “الخلائق” من ذوي العضلات المفتولة للحضور أمام مقرّ الشعبة حيث يشرف أحد أعضاء الحكومة على الاجتماع، وكيف أن هذه الخلائق تمت دعوتها من الجانبين إلى فطور صباحيّ فاخر في نزل واحد كان على ملك أحد المترشحين، وكيف كان هؤلاء الفُتوّات المنتدبون في غاية الانسجام خلال السّاعات التي سبقت انطلاق مهمتهم الرسمية، فهم محترفون وبحكم تبادل الأدوار والمواقع قد يجد أيّ واحد منهم نفسه في مواجهة زميله بعد أن كانا معا في مهمة سابقة. وإجابة عن سؤال يبدو ساذجا في إبّانه عن الجدوى من توظيف هؤلاء الخلائق وتنصيبهم أمام مقرّ الاجتماع طالما أنْ لن تكون هناك معركة حقيقية في الأفق أجاب محدّثنا بأنّ ذلك كان بغاية تنفير الناس النظاف من الاقتراب من مقرّ الاجتماع ومجرّد التفكير في حضوره حتى لا تتلخبط أوراقُ المشاركين في الانتخابات المعروفة نتائجُها سلفا، وختم صاحبنا حديثه بالقول: إنّ المضحك في الأمر أن الجماعة قد صرفوا يومها على “لجنة التنظيم” هذه ما يقارب الألفي دينار بينما كانت موازنة الشعبة تشكو عجزا يقدر بثلاثمائة دينار فقط، وقد تبرّع الوزير المشرف على الاجتماع بهذا المبلغ من ماله الخاص تقديرا لوطنية المنتسبين إلى هذه الشعبة وتثمينا لتضحياتهم الجسام في سبيل الصالح العام!.

أبطال هذه المسرحية الواقعية لم ينسحبوا من المشهد بعد سقوط النظام بل توزعوا على عدة أحزاب وأصبح جزء كبير منهم من “مناضلي نداء تونس”، وظلّوا يمارسون السياسة بالعضلات المفتولة في ضوء التفكّك العلائقي المزمن بين مكوّنات البيت الواحد كما كان الشأن دائما،  فالتجمع الدستوري الديمقراطي لم يكن عند تكوّنه في 1988 حزبا عقائديا بالمعنى الإيديولوجي الذي تقوم عليه الأحزاب، كلّ ما في الأمر أن الجنرال عندما أزاح بورقيبة سحب البساط من تحت أقدام الدساترة الذين حكموا البلاد بمقتضى شرعية حركة التحرير الوطني وبناء الدولة الحديثة ثلاثين عاما، وكان على هؤلاء أن يصطفّوا وراءه تحت مظلّة شرعيّة الإنقاذ إذ كانوا أعرف الناس بأنهم لا يمكنهم الوقوف في وجه التيّار، والحقّ أن ذلك لم يكن ليزعجهم، ففي أقلّ من أربع وعشرين ساعة تغيّرت الهتافات من الدّعاء للمجاهد الأكبر بدوام الصّحة والبقاء قرونا على عرش الجمهورية  إلى التهليل بما أقدم عليه وزيره الأول بينما كانوا يغُطّون في نوم عميق، كان ذلك سهلا جدّا، بل كان ذلك أسهل شيء يمكن أن يقوموا به، لكنّ الرئيس الجديد كان يعمل على دمج مختلف ألوان الطيف السياسي تحت مظلة مشروعه الذي تضمنه بيان 7 نوفمبر والذي تحمّس له المعارضون أكثر من الموالين، وهو ما كان صعبا عليهم  استيعابه والترحيب به، كان اسم التّجمع جبّة فضفاضة تتسع للجميع وبدا منذ اللّحظات الأولى أن المراجعات الكبرى سيُعهد بها إلى أشخاص ينتمون فكريا إلى اليسار، وأن ما كان يطلق عليهم حينها “جيوب الرّدة” ستقتصر مهمتهم لفترة قد تطول على التصفيق والمساندة والهتاف وإرسال برقيات الدّعم وتشكيل لجان اليقظة الليلية وكتابة التقارير الأمنية لا غير، وبالعودة إلى صحافة تلك الأيّام يتّضح الشّرخ العميق بين توجهات الوافدين الجدد إلى السّلطة والمنتسبين القدامى الذين ورثهم بن علي عن سلفه، وكان إعلان الرئيس عن تشكيل الحكومة الجديدة قبل انعقاد “مؤتمر الإنقاذ” لا بعده مراوغة  لم تخطر على بال أحد للفصل بين الشأن التّجمعي والشأن الحكومي وتخليص المؤتمر من كل الضّغوط كما قالت الجرائد تعليقا على ذلك. وظلت قبضة الجنرال الحديدية ممسكة بخيوط لعبة التناقضات بمهارة شديدة طيلة عقدين من الزمن، فلم يكن الطّرفان ليجتمعان الاّ في مواجهة الخطر الأصولي، وكان الإسلاميون يعرفون أكثر من غيرهم أن الشقّ اليساري في الحكومة هو الأخطر والأشدّ مراسا لأنه يواجههم من منطلقات عقائدية، وأنه لولا ذلك لكان التّقارب ممكنا مع بن علي فقد قدّموا تنازلات كثيرة لم يقدّرها أحد حقّ قدرها منذ التّوقيع على الميثاق الوطني والتخلي عن الاسم التاريخي للحركة “الاتجاه الإسلامي” وتنويه بعضهم إلى أن تونس حققت نهضة اقتصادية واستقرارا اجتماعيا ملحوظا في التسعينات ولا يعيب نظام حكمها الا إقصاؤهم من المشاركة في الحياة السياسية والتنكيل بهم.

martgannouchi1وعندما أسّس الباجي قائد السبسي حركة نداء تونس بتجميع روافد مختلفة تحت مظلّة إنقاذ البلاد من الخطر الأصولي سارعت النهضة بنعته بالتجمّع، ولم يكن القصد من ذلك الإساءة للتجمعيين، فلا مشكلة لديهم من هذه الناحية، إذ كانوا أول من فتح لهم أبواب التّوبة على مصراعيها منذ 2011 واستفادوا كثيرا من مواهب المطبّلين منهم الذين لا يستغنى عنهم أيّ ماسك بزمام السلطة وإن تعفّف، وتخلّوا تحت إكراهات الانضباط الحزبي عن مطلب تحصين الثورة، بل مثّلت سنوات الترويكا العصر الذهبي للخلائق الذين وجدوا مسميات عديدة لتصريف طاقاتهم وتوزعوا بين حماية الثورة وتثبيت الإسلام ونصرة الشريعة.  لكن كانت عبارة التجمع في خطاباتهم تعبيرا عن التركيبة الهجينة التي تجمع اليساري بالدستوري، هذه الخلطة العجيبة هي أكثر ما يزعج الإسلاميين وهم يعتبرونها سبب محنتهم في عهد بن علي، ونكاد نجزم أن نقمتهم على محمد الشرفي الذي تُنسب إليه سياسة تجفيف المنابع هي أضعافُ نقمتِهم على بن علي ذاته، وكلما اتجه حزب النداء الآن إلى التطهّر من روافده اليسارية بعد أن وظّفها بنجاح في معركة الوصول إلى السّلطة اقتربت النهضة من النداء وتعانقا كمن يضع ساقا على ساق وهو جالس في المقهى.


الحياة من عالم الأموات

18323154أخيرا فرغتُ من رواية “المرحوم”، فقد استغرقت قراءتها وقتا طويلا رغم أن حجمها لا يتجاوز حجم الروايات المعتاد، لكنّ أمر القراءة لا يتعلّق بالحجم والوقت فحسب بل بالعلاقة التي تنشأ بين القارئ والكتاب، القراءةُ إقامة مؤقتة في عالم الرواية، وكثيرة هي الرّوايات التي يفرغ منها القارئُ بسرعة كبيرة فيغادرها بنفس السرعة، لكنّ رواية المرحوم للروائي المصري حسن كمال ليست من هذا الصنف قطعا.

رواية تطلّ على الحياة من مشرحة كليّة الطب، في ذلك المكان الموحش ترقد الجثث المحقونة بالفورمول، لكن المرحوم يحرّكها ويسامرها ويطهو لها الشاي ويدخّن معها، ومعه نكتشف أن لكلّ جثة اسما وحكاية ورسالة، والمرحوم  مُكلّف بهذه الرسائل وله القدرة على ارتداء الجثث للقيام بهذا التّكليف.

وفي الرواية نصّان، علامات يرويها المرحوم، ومذكرات يرويها محمود سلمان طالب الطبّ الذي التقى المرحوم عندما جاء إلى هذا المكان بحثا عن قصص ينشرها في مجلة الكلية. فينبني السرد على وجهتي نظر متلازمتين في خضم ثنائيات متعدّدة تحفل بها الرّواية وتكسر بواسطتها النظرة الأفقية الواحدة للعالم، هذه الازدواجية تجعلنا نتجوّل في عالم روائي تتداخل فيه الأشياء وتتهاوى الحدود بين الموت والحياة، والعقل والجنون، فقصّة المرحوم تهدم كل الفواصل وتزجّ بالقارئ في متاهة كبرى، من هو المرحوم؟ أهو عبد الحيّ أم سعيد؟ أم روح أخرى ترتدي جسد أحدهما؟ هل يكتب علاماته من عالم الأموات بعد أن تحرّرت روحه إلى الأبد؟ أم هو كائن موجود في مكان ما من هذا العالم؟ تنفتح العلامات بلقطة سينمائية تركّز على صورة الثلاجة مكتوب عليها : “هنا ترقد الأجساد التي ظلّت طريقها إلى باطن الأرض والأرواح التي ظلت طريقها إلى السماء، هؤلاء الذين حرموا من صفة الرحمة لا أحد يطلق عليهم المرحوم، أنا المرحوم الوحيد في هذا المكان”، وتنفتح مذكرات محمود سلمان بعبارة أناتولي فرانس : “ربما يكون الفضول هو أعظم فضائل البشر”، وبين الرّحمة التي يسعى إليها الأوّل والفضول الذي يحرك الثاني تتجوّل كاميرا حسن كمال وتلاحق كل الشخصيات التي تبدأ جثثا محنّطة في مشرحة الكلية لتنتهي قصّة في ذهن القارئ والتباسا بين الأشياء والمتناقضات، القصّة هي التي تنتصر في النهاية: “اختر الأسهل عليك، الأقرب إلى التصديق..لا يهم ما تراه أنت ولا ما أراه أنا ، المهم هو الموجود في هذه الحقيبة”. يشير بذلك إلى الحقيقة التي تظلّ أعلى من البشر والزمن والتي تجعل من “المرحوم” تجربة ذهنية محضا تقع في منطقة  التماسّ بين الواقع والخيال، هناك يتحوّل ذهان المرحوم الذي يعاينه محمود سلمان من موقع طالب الطبّ ضربا من الجنون الخلاّق والإرادة المتوثبة.

رواية المرحوم تستدرج القارئ بشراسة إلى ما يشبه النزال، فالإقامة في تلك المنطقة التي لا يريد الأحياء دخولها مسكونين بالرّعب تصبح تمرينا حقيقيا على معايشة الموت عبر التأمّل، ومثلما يحدث في أفلام الرعب يكفّ الحكي عن الإمتاع، ليفتك الكاتب بطمأنينة القارئ ويحرّره من مشاعر الخوف التي تسكن أعماقه، لكنك وقد استطعت الفراغ منها لن تنكر حتما متانة البنيان الروائي فيها وقوّة اللّغة، وعمق الرؤيا، ولعلّ أوراق الضابط أشرف البشلاوي المضمنة في العلامة الثامنة عشرة قد ارتفعت بك إلى الذّرى وهي تنقل بصوت الاعتراف كوميدياء سوداء تحرّكها أصابع السّلطة في كلّ زمان ومكان كالخناجر في  أجساد المسحوقين من طلاّب الحرية، تلك الصّفحات لعلّها أن تكون من أقوى ما كُتب عن أمن الدولة والثَّورات في مُدوّنة الرّواية العربيّة.


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress