
لوحة للفنان عز الدين البراري

لوحة للفنان عز الدين البراري
هل أتاك حديث البوكيمون جو؟ اللعبة اللي حرمها مفتي الديار التونسية، أي نعم في دولة مدنية المفتي يصدر فتوى لتحريم لعبة الكترونية.
اللعبة هذي خرجت بداية شهر جويلية في بعض دول العالم وفي أقل من أسبوعين وصلت لمليارات الأشخاص ، تجاوزت في فترة قصيرة جدا النجاح اللي حققتو مواقع كيف تويتر وفايسبوك في عشرة سنين. وولات ظاهرة عالمية، هي لعبة تتلعب باستخدام الهواتف الذكية وتنتمي إلى ما يعبر عنه الواقع المعزز، وهذي تفسيرها ساهل، اللعب الأخرى تتلعب مائة بالمائة في عالم افتراضي متخيل لا وجود له في الواقع أما اللعبة هذي فأول ما تستخدمها تأخذ موقعك وتشغل الكاميرا متع تاليفونك وتخليك تتحرك في الواقع متاعك متع كل يوم وتبحث ع البوكيمونات الكائنات الخيالية اللي ما هي موجودة الا في تاليفونك لكن تراها انت ع الشاشة
إلى هذا الحد يبدو الأمر طبيعي لأن كل لعبة من ألعاب الفيديو عندها مخاطرها. اللي ماهوش طبيعي أنو مفتي الديار التونسية يصدر فتوى بتحريم اللعبة هذي ماهوش طبيعي لأن فعل التحريم في دولة مدنية هو سابقة خطيرة، والأسباب اللي قدمها المفتي فضفاضة من السهل أنك تلبسها لأي شيء آخر وتحرمو…(للاستماع إلى الفقرة كاملة)

الغنوشي أردوغان
محاولة انقلاب عسكري فاشلة في تركيا تابعها الجمهور في تونس بعقلية الفيراج، ناس مع أردوغان وناس ضدو ، وهذي هي النتيجة المنطقية لقسمة المجتمع إلى طائفتين: علمانيين وإخوان.
الجو اللي دار في الفايسبوك ليلة الانقلاب الفاشل يشبه لهاك الأجواء متع أفلام فريد شوقي وقت اللي يدخل الباندي القهوة ويجبد صاحبو بش يعطيه بونيات فإذا بيها الناس الكل اللي في القهوة يدوروا يضربوا في بعضهم بالكراسي والشقوفات
اخطانا من أفلام السينما المصرية وهات نشوفو فيلم الأخ أردوغان ونحاولو نجاوبو على السؤال التالي ياخي احنا اش مدخلنا؟
أولا الاهتمام بالسياسة الدولية ظاهرة صحية في المطلق، لكن اللي ماهوش عادي هو الانقسام الحاد بين متعصبين لأردوغان ومتعصبين ضدو، لأنو في النهاية وأيا كانت النتيجة اللي بش يبقى هو التعصب.
ثانيا، اللي صار في ها المناسبة يشبه لحكاية السيد اللي عمل ترميمات لدارو وزيّنها و مع أول مطرة تعرى الدهن وتشققت الحيوط من جديد واكتشف اللي المقاول غشو (استمع إلى الفقرة كاملة)
الباب الصغير والباب الكبير، قالوا الحبيب الصيد يرفض الخروج من الباب الصغير في محاولة لتفسير عدم تجاوبو مع المبادرة الرئاسية بالطريقة المطلوبة اللي هي تقديم الاستقالة
والبقاء في حالة تصريف أعمال. عبارة كيفما هذي تنطلق من أحكام جاهزة تخليي الناس تعتقد اللي الاستقالة هي الخروج من الباب الصغير يعني الخروج اللي فيه حطّ من مكانة الشخص المعنوية بينما الخروج عبر بوابة البرلمان ووضع عمل الحكومة أمام ثقة النواب هو الخروج الكبير…
بعض العناوين الصحفية كيف ها العنوان هذا تغلّط برشة خصوصا لما تعطي انطباع اللي هي حقيقة مطلقة موش وجهة نظر نسبية ، الوضع اللي احنا فيه يقول اللي استقالة رئيس الحكومة هي الخروج من الباب الكبير ويا ريت تكون من غير أي وقوف أمام البرلمان، لأن سياق الأحداث أبعد ما يكون عن الدستور ومجلس نواب الشعب ينفذ في مبادرة سياسية مسقطة عليه وماهيش نابعة منو، اش يفيد وقوف الحبيب الصيد أمام نواب ينفذوا في أجندة أحزابهم اللي قررت تغييرو؟ واش يفيد تمسكوا هو وحدو بتطبيق الدستور وقت اللي النخبة السياسية بكلها تقريبا ماهيش متقلقة من عدم احترام الدستور؟

مطلع تسعينات القرن الماضي كنت أدرّس العربية لتلاميذ الباكالوريا في إحدى قرى السّاحل، وكان من تقاليد المنهج الدراسي أن نُحدّد بدءا وإجمالا مراحل تطوّر الحركة العقلية عند العرب قبل شرح النصوص الأدبية وتحليلها مستأنسين بما جاء في كتب أحمد أمين لأنها تفي بالحاجة.

مولوتوف
لكنني فوجئت يوما بأحد التلاميذ يقول: “لقد عرّفتَ الجاهلية بأنها مرحلة ما قبل ظهور الإسلام وهذا غير صحيح، فالجاهلية هي كلُّ حكمٍ لا يعمل بما أنزل الله”. فأجبته بأنّ ما يقوله يخرج عن نطاق الدرس لأنه ضرب من التوصيف الإيديولوجي بينما نحن بصدد مقاربة تاريخية بغاية وضع النصوص في سياقها، وأنه بصرف النّظر عن التّاريخ والإيديولوجيا لا يمكن أخلاقيا تقديم الرأي المخالف بنفي الغير ونسبته إلى الجهل، وطلبت منه أن يغادر الدّرس إذا كان يعتقد حقّا أنّ ما أقوله غير صحيح، فما كان منه الاّ أن غادر القاعة، ولا أذكر أنني رأيته بعدها كثيرا إلى أن وقعت حادثة المولوتوف، فلاذ بالفرار إلى وجهة غير معلومة واختفى عن الأنظار إلى الأبد.
كانت تلك أول مواجهة مع جيل آخر من المنتسبين إلى الحركة الإسلامية، جيل التلاميذ، فطيلة أعوام الجامعة كانت القوى متكافئة نسبيا في ساحات الكلية وأروقتها، وكان العنف الثوري قاسما مشتركا بين كل الفصائل، سواء أرفعت صور تشي غيفارا أم ردّدت أناشيد الإخوان، فقد وحّدتهم المواجهةُ الحاسمة مع السّلطة وآلة القمع الجهنمية، وكان للإسلاميين دور مهم طيلة سنة 1987 في تحريك الشارع والخروج بالمظاهرات من بين أسوار الكليات من أجل كسر الحصار المفروض على الحرم الجامعي ونقل مظاهر الاحتجاج إلى العاصمة ومحيطها الشعبي، وقد كانوا هم الأقدر على ذلك بفضل امتدادهم التنظيمي في المجتمع وتغلغلهم في أبعد خلاياه خلافا لبقية التنظيمات.
مضت على تلك الأيام سنوات قليلة تغيّر فيها الوضع من حال إلى حال، شهدت البلاد انفراجا نسبيا بعد رحيل بورقيبة إلى منفاه، فخرج قادة الاتجاه الإسلامي من السّجون ليوقّعوا على ميثاق وطني يتعهّد فيه الجميع بإدارة الاختلاف بعيدا عن منطق العنف والإقصاء، وغيّر الاتّجاه الإسلامي اسمه استعدادا للمشاركة في الحياة السياسية بعد أن أعلن زعيمه التاريخي راشد الغنوشي ثقته في الله أولا وفي بن علي ثانيا، ثم سرعان ما أطلّ غول العنف من جديد بعد أن تعطّلت الزيجة السّعيدة بين الرجلين، وعادت زجاجات المولوتوف الحارقة إلى الشارع تستهدف مقرّات الحكومة والتّجمع إلى أن وقعت حادثة باب سويقة الشهيرة. عاشت البلاد آنذاك حالة من الانفلات الأمني تحوّلت معها شُعبُ التّجمع إلى لجان يقظة تؤمن دوريات ليلية ونهارية في الأحياء والشوارع وترفع تقاريرها إلى من يهمّه الأمر، وكانت تلك هي اللبنة الأولى في صرح الدولة البوليسية التي ستحكم عشرين عاما بقبضة من حديد.
يصعب علينا اليوم أن نُصدّق أن كل ذلك محض افتراء وأن كل ذلك العنف كان مفبركا لتشويه الإسلاميين فليس من سمع كمن رأى. كنا يومها في قاعة الأساتذة، في الاستراحة الصباحية الأولى التي تتوزع دقائقها بين دخان السجائر وأنفاس القهوة السوداء وبياض الطبشور والثرثرة، عندما هجم تلميذان من أكثر تلاميذنا انضباطا على القاعة بزجاجات حارقة كانا يخفيانها في مكان ما في السّاحة استعدادا للّحظة الصّفر. انفجاراتٌ قويّةٌ وسقوطُ جدارٍ فذعرٌ واختناقٌ وإغماءٌ وتدافعٌ إلى النافذة الوحيدة المفتوحة على كلّ الاحتمالات للإفلات من الجحيم، لم نكن مهيئين لهذه التجربة، فهذا لا يحدث الا للآخرين، ولم نكن ندرك في تلك اللحظات المرتبكة التي واجهنا فيها الرّعب بكل تفاصيله أن بعض تلاميذنا قد استهدفونا بعمل إرهابي. كلّ ما عرفناه لاحقا أن الخليّة النّائمة التي قامت بالعملية ألقي القبض على بعض عناصرها فيما تمكن آخرون من مغادرة البلاد، بل وقيل إن قائدها ذاك الذي خرج من درس العربية احتجاجا على التعريف الاصطلاحي لكلمة “الجاهلية” أصبح أميرا للجماعة في دولة أوروبية، ولم نكن نميّز الحقيقة من البهتان فيما يصلنا من أخبار “سنوات الجمر”، لكنّ الثّابت في كلّ هذا أن شبّانا في عمُر غضّ يانع قد غُسِلت أدمغتُهم جيّدا وأصبحوا آلاتٍ يُتحكم فيها عن بُعد للقيام بأكثر الأعمال شراسةً رغم الهدوء والانضباط والتربية والأخلاق والوجه الضّحوك.

لقد تذكّرت كل هذا وأنا أستمع إلى القيادي النهضوي “سمير ديلو” يرغي ويزبد في إذاعة موزاييك ردّا على نائبة النداء “هالة عمران” التي طلبتْ منه ألا يكون خصما وحكما في الآن ذاته وأن يتريّث حتى تبُتَّ هيئةُ الحقيقة والكرامة فيما إذا كان “محرز بودقّة” المتّهمُ بتنفيذ انفجارات سوسة والمنستير صائفة 87 بريئا، فأجابها موازيا بين الضّحية والجلاّد في قوله: هل يتعيّن أيضا نزعُ صفة الشّهيد عن “شكري بلعيد” إلى أن تحكم المحكمة في قضيته (هكذا!)، ديلو أصرّ على استخدام لفظ “المرحوم الشهيد” في حديثه عمّن يعتبره التونسيون إرهابيا –إلى أن يأتي ما يخالف ذلك – مستخدما استراتيجية “هذا غير صحيح”، لاعتبار العملية منسوبة زورا إلى الاتجاه الإسلامي رغم أن ضلوعه في هذا الأمر محسوم.
واضح إذن أن حركة النهضة رغم إعلانها التحوّل التاريخي إلى حزب سياسي مدني غير قادرة على التخلّص من جلبابها الإخواني، ويستعصي عليها مواجهة الماضي بشجاعة الرّجال من أجل الحاضر والمستقبل، فهي تستغلّ حالة الغيبوبة الجماعية والتصحّر المعرفي السّائدة للإمعان في قلب الحقائق وتسويق نظرتها هي إلى التّاريخ، أحرى بالنهضة في هذه المناسبة أن تعتذر لضحاياها من داخل منظومتها الفكرية أولا، أولئك الشبان الذين زجّت بهم في أتون “الجهاد” فرفعوا السّلاح في وجه المجتمع وهم جزء منه، أولئك الذين بَرمجت أمخاخَهم للعصيان فصاروا وقودا في معركة كان من السّهل اجتنابُها، أولئك الذين ابتلعتهم غياهب السّجون والبطالة والفقر دفاعا عن فكرة “تطبيق الشريعة” التي رأت الحركة اليوم وهي تتشعبط في جدار السلطة أنها لم تعد مناسبة للوضع الجديد، بكلّ بساطة كان أحرى بالنهضة أن تعتذر من “محرز بودقّة” بدل أن تزجّ باسمه في معركة أخرى لا طائل من ورائها وتمعنَ في الهروب إلى الأمام.
يخلص فقيد الصحافة العربية قصي صالح درويش في كتابه “يحدث في تونس” إلى استشراف مستقبل الأحداث بعد تفاقم أزمة الخلافة سنة 87، فيصنّف المرشحين للفوز بعرش بورقيبة إلى مجموعات، ثم ينتهي إلى القول بأن مجموعة “زين العابدين بن علي والهادي البكوش” هي الأقدر على الإطاحة بالرئيس العجوز بإثبات عجزه عن ممارسة وظائف الرئاسة وتطبيق الفصل 57 من الدستور!!!!
لا غرابة إذن في ظلّ هذه العقلية التونسية الفريدة، أن يُنظّر “مناضلو نداء تونس” للتوافق فهو الطريقة الوحيدة لحماية صاحب الباتيندة وأبنائه وأحفاده من خطر الانتخابات “عافانا وعافاكم الله” ومن إمكانية أن تنتقل الزعامة من المؤسس إلى شخص آخر تتجه إليه إرادة الناخبين “لا قدّر الله”. لم يخرج أحد على سلطة بورقيبة رغم عجزه، ولم يتمرّد أحدٌ على بنْ عَلي رغم فساده، ولن يقول أحد: “لا” للباجي قايد السبسي رغم ما يرتكبه من أخطاء في حق نفسه أولا والحزب الذي قاده إلى الرئاسة ثانيا. لا يقول أحد: لا في وجه الزعيم المؤسس القائد الملهم البطل المنقذ الواحد الأحد!، ولا يختلف في ذلك دستوري عن نهضوي، فهؤلاء أيضا لا يستطيعون الخروج من جلباب راشد الغنوشي مهما كان حجم التنازلات الموجعة والمهينة التي أضحت الحركةُ تقدمها من أجل البقاء، ومهما كانت الصورة الكاريكاتورية التي أصبحت عليها بسبب مفارقات الحكم وإكراهات البراغماتية. الحركة تغيّر مواقفها دون مراجعات علنية واضحة، والصقور الذين كانوا يهدّدون بالسّحل وقطع الأيدي والأرجل لا يستقيلون لعدم انسجام مواقف الحركة الجديدة مع ما يؤمنون به وما قضوا في سبيله أحلى سنوات العمر وراء القضبان، لا يحتجون لا يعلنون صراحة تخليهم عن ثوبهم الإيديولوجي القديم، كل ما في الأمر أن الحركة تتقدّم دائما إلى الجمهور في شكل كتلة واحدة مبهمة، تحتوي صراعاتها في داخل الداخل وتأتمر بأوامر الشيخ الذي يعلو ولا يُعلى عليه!
في إحدى خطب الجمعة بمسجد من المساجد التي خرجت عن سيطرة الدولة، تناول الإمام أوضاع البلاد وأرجع كل ما يعكر صفو النظام إلى رغبة العلمانيين في السيطرة مجددا على الحكم وإعادة الأمر إلى ما كان عليه في عهد المخلوع، فهم حسب قوله لا يقبلون بوجود الإسلاميين في مواقع أخرى غير السجون، ولا ينظرون بعين الرضى إلى تقوى الشباب لأنها لا تنسجم وأفكار الغرب الكافر، إنهم أعداء الإسلام!
في ظل هذه الفكرة التي تنظر إلى الأشياء من زاوية واحدة وبمنطق دغمائي لا يجد خطيب الجمعة هذا حرجا في أن يفسر الوقائع للمصلين من وجهة نظره هو، فأحداث العنف كلها من باب سويقة إلى سليمان والروحية وبئر علي بن خليفة وكلية الآداب والسفارة الأمريكية…، مفتعلة مبالغ فيها منسوبة زورا وبهتانا إلى المتدينين بغاية إظهارهم بشكل مرعب يهدّد أمن المواطن وسلامته الشخصية!، ولا يتوقف الرجل عند حدود البلاد التونسية بل يتعداها إلى الجزائر، فالعشرية السوداء التي تستعمل اليوم للتخويف من الإسلاميين هي أيضا فزاعة ظالمة، وآلاف القتلى الذين عثر عليهم مذبوحين كانوا على حدّ قوله ضحايا الجيش اغتالهم ونسب الأمر إلى أعدائه!.
يلخص هذا الإمام استراتيجيا الخطاب لدى كثير من المتكلمين باسم الإسلام، فهم يقدمون خطابا تبسيطيا يفسر التاريخ بنظرية المؤامرة، وهو خطاب المسلمات يتداخل فيه بإحكام ما قاله الله الحي القيوم وما قاله إمام الثالثة من التعليم الثانوي، فيقضي نهائيا على كل رغبة في التفكير وكل نزعة إلى التساؤل خصوصا لدى فئة من الناس ليس لديها بحكم عوامل موضوعية أخرى أي استعداد للاختلاف، وهو خطاب انتقائي يختار من الحوادث ما يلائم رغبته وقدرته معا في تسطيح الأذهان، فمن السهل إرجاع الإرهاب إلى الاستخبارات ومن الصعب إيجاد مبرر واحد لدفن ابن جرير الطبري في بيته!. هذا الخطاب التعبوي الذي يهدف إلى تعميم عقدة الشعور بالاضطهاد، بنيته نمطية بسيطة تقوم على الصراع بين الخير والشر دون تعديلات يفرضها السياق فالإسلاميون في هذا الخطاب مضطهدون حتى وهم على رأس السلطة!، وهو خطاب مظلل يستغل السياق ليوحي بأنه الحقيقة المطلقة مما يجعل كثيرا من المتدينين وخصوصا الجدد منهم والبسطاء لا يستندون في مواقفهم وآرائهم إلى قراءات وتحاليل شخصية إنما يستأنسون الكفاية في ما يحصلون عليه من خطب المساجد ودروسها، تلك التي تعدّهم إلى “ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة”، وتؤهلهم إلى “جادلهم بالتي هي أحسن”، دون حاجة إلى الغوص في بطون المجلدات والكتب.
وليس غريبا أن تكون بعض خطب الجمعة على هذه الشاكلة ولكن الغريب أن ينتشر هذا التفكير خارج المساجد ويتوزع في الفضاءات العامة عبر شبكات التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، فالتعاطف الشعبي الواسع مع ضحايا انفجارات الشعانبي حرك من جديد آلة الخطاب التعبوي القائمة على عقدة الاضطهاد، وصرت تقرأ هنا وهناك مواقف غريبة تبدأ من مجرد التشكيك في الرواية الرسمية لتصل في النهاية إلى تكذيبها تماما. هذه المواقف تختلق سيناريوهات لا يقبلها المنطق السليم لمخالفتها السياق الطبيعي، فمن الصعب عزل أحداث الشعانبي عن الحرب في مالي أو الاعتداء على منشأة غاز في الجزائر أو الجهاد في سوريا أو تفجير مسجد شيعي في باكستان لأن العقيدة التي تحرك هذه الأحداث واحدة وليس ثمة موضوعيا ما يبرر استثناء الوضع التونسي. لكن الآلة تتحرك وفق إيقاع مضبوط، ففي الوقت الذي اضطرت فيه السلطة الحاكمة بفعل الصدمة الشعبية إلى تغيير موقفها من السلفيين انطلقت حركة التشكيك! تماما كما حدث في اغتيال شكري بلعيد عندما غير رئيس الحكومة موقفه نزولا عند ضغط الصدمة الشعبية فانطلقت روايات مشككة يذهب بعضها إلى القول بأن الاغتيال لم يقع أصلا!!
ولئن كان البعض يرى أن هذا الخطاب هو نتيجة منطقية لحالة الانفلات في بعض المساجد وفضاءات التواصل الالكتروني حيث يمكن تفسير الأشياء من غير التقيد بضوابط، فإنه من الجائز أيضا الانتباه إلى أن التشكيك بجرة قلم في كل الحقائق وإن كانت دامغة يهدف إلى زعزعة كل مظاهر الوحدة الوطنية التي يسترجعها الناس في لحظات الحزن والصدمة والخوف، كما أن انخراط بعض المؤسسات الإعلامية حديثة النشأة في تعميم خطاب الشك هذا يجعل الأمر أعقد من أن يكون مجرد انفلات خارج عن السيطرة.
عندما علمت من الصديق مختار الفجاري المقيم منذ سنوات طويلة بالمملكة العربية السعودية نبأ وفاة رشيد الغزي أستاذنا في كلية الآداب بمنوبة استيقظت في ذاكرتي صور خلت أن النسيان قد التهمها فإذا هي نابضة بالحياة ناصعة بالألوان كأن لم يتراكم عليها غبار الزمن، وفي مساء ذات اليوم حينما اتصل بي الصديقان شهاب بوهاني وعبد العزيز الجلاصي من سلطنة عمان حيث يقيمان كنت جالسا في مقرّ البريد المركزي بالدوحة أمضغ الوقت في انتظار طرد بريدي قادم من مكان ما في هذا العالم الصغير، فتركت دوري لمن جاء بعدي كي ألتقط خارج القاعة بوضوح أوضح صوت صديقين لم تسعفنا صدف الحياة للّقاء دقائقَ منذ عشرين عاما أو أكثر، تلك المكالمة سحبتني من يدي وأعادتني إلى أيّام الشّباب الأولى، كأنني أدخل غرفة مصعد حديدي بارد ليهبط بي ثلاثين عاما بينما في المرآة صور شاحبة لوجوه وحكايات وأيام لا يستطيع النسيان إخمادها، وكان لزاما عليّ أن أنعى لصديقيّ أستاذنا المشترك رشيد الغزي فاغرورقت أثناء الكلام أصواتنا معا.
هكذا نحن أبناء منوبة طلبة كلية الآداب، لك مطلقُ الحرية في أن تقول عنّا ما تشاء، لكن لن تُنكر علينا وفاءنا لبعضنا البعض والرّابطة العميقة التي تشدّنا إلى ذلك المكان الذي جمعنا منتصف ثمانينات القرن الماضي مهما تناءى بنا المكان فهناك لم نتعلم اللّغة والأدب والعروض والبلاغة فحسب بل تعلمنا الحياة.
كلية منوبة في ذلك الوقت، كانت نوّارة الجامعة التونسية، الطلبة الوافدون من كل الأنحاء ضاق بهم المبنى التاريخي للجامعة وللكلية في شارع 9 أفريل، فكان الانتقال من صخب المدينة إلى هدأة الحقول، من ضجيج الحانات والمقاهي إلى طراوة العشب وعذوبة الندى، كانت أجمل أوقات الكلية تلك التي نقضيها في الساحات المفتوحة والشوارع الخلفية والقاعات الفارغة، أما الدروس فقد كانت أشبه بحلقات التعليم الزيتوني حيث يرتبط كل شيخ بدرس في الفقه أو النحو أو الحديث، فلم يكن الانتسابُ إلى هذا الصفّ أو ذاك له معنى، إذ يمكن للطالب أن يختار الدّرس الذي يشاء وكانت مناهجُ الكلّية يومئذ تسمح بذلك وتمنح الطالب حرية كبيرة في البحث والتكوين الذاتي، كان تحليل قصيدة خليل حاوي “البحار والدرويش” مرتبطا بكمال عمران، وكان درس الرومنسية العربية أجمل ما يكون مع محمد لطفي اليوسفي، ولا غنى عن محمد صالح المراكشي في دراسة رشيد رضا كما لا غنى عن محمد الهادي الطرابلسي في فهم المنهج الأسلوبي، وهكذا دواليك، وكنا نعرف بمكر الشباب وذكائه الوقّاد أن بعض هؤلاء الذين ذكرت لا يمكن أن تنتفع منهم كثيرا خارج الدرس الذي ارتبطوا به وهو عادة موضوع الدكتوراه التي اشتغلوا عليها سنوات طويلة والبعض الآخر يمكنك أن تتعلّم منه كلّ شيء بلا استثناء.
وسط هذه السمفونية، ارتبط رشيد الغزي برواية “الياطر” لحنا مينة وكانت العبارة تسري في أروقة الكلية سريان الماء في الأرض اليباب فتحييها، “الياطر في السنة الثانية، لن تفهمها إلا مع الغزي”، وكان ذلك كذلك، تمتلئ القاعة حتى تفيض والعيون جميعا معلقة على زكريا المرسنلي وهو يقول: “لست راضيا عما حدث”، وبينما يذهب كل الشرّاح والمحللين إلى تفسير هندسة الرواية وبراعة حنا مينة في كسر تسلسل السرد الخطي والقفز على الأزمنة، يتنفس رشيد الغزي عميقا وهو ينظر إلى الحقول الخضراء الفسيحة خارج نافذة المبنى، ويسأل: من منكم يحبّ الصيد، من منكم يحبّ البحر؟، تملأ الدهشة أفق المكان فيقول بثقة كبيرة: لن تفهموا الياطر مالم تحبوا البحر؟.
كان غامضا بعض الشيء قليل الكلام والظهور، فلم نكن نعرف عنه غير أنه من “حمام الأغزاز” وأنه يحبّ البحر كثيرا وينتظر بفارغ الصبر نهاية الأسبوع ليغادر العاصمة في اتجاه قريته البحرية الفاتنة، ومنذ تلك اللحظات سترتدي صورة زكريا المرسنلي في مخيلتي وجه رشيد الغزي وسيأخذ صوته نبرات صوت الأستاذ الخافتة، وكان ذلك من أجمل دروس الرواية أن تبدأ أولا بهدم الجدار الوهمي المصطنع بين الأدب والحياة بين الخيال والحقيقة فتعيش النص بينما أنت تقرأه.
في أحد امتحانات مادّة اللغة، طلب منا الأستاذ رشيد الغزي أن نحلّل آية من آيات القرآن الكريم، فاستعصت على الجميع واتجه الطلبة إلى غيره من الأساتذة بعد الفراغ من الامتحان لسؤالهم عن هذه الآية العصية على التحليل، واختلفت الآراء حتى وصل الأمر إلى صاحب الامتحان ذاته في قاعة الأساتذة وجرّب بنفسه تحليل الآية فاستعصت عليه، فما كان منه الا أن حذف السؤال وأعلمنا بأن تلك الآية مختلف في تحليلها وأنه لم ينتبه إلى ذلك عند وضعها في الامتحان، وكان ذلك هو الدرس الثاني الكبير الذي تعلمناه منه: تواضع العلماء.
رحم الله أستاذنا الكبير رشيد الغزي ورزق أهله جميل الصبر.
في السنوات الأخيرة من حكم بن علي، تفاقمت الخلافات داخل التجمّع بشكل لم يعد يخفى على الأنظار، وأثناء الانتخابات البلدية 2010 بلغ الاحتقان في بعض الولايات حدّ استخدام العنف تعبيرا عن عدم رضا شقّ من القواعد على اختيارات القيادة المركزية وترشيحاتها.
وعندما أسّس الباجي قائد السبسي حركة نداء تونس بتجميع روافد مختلفة تحت مظلّة إنقاذ البلاد من الخطر الأصولي سارعت النهضة بنعته بالتجمّع، ولم يكن القصد من ذلك الإساءة للتجمعيين، فلا مشكلة لديهم من هذه الناحية، إذ كانوا أول من فتح لهم أبواب التّوبة على مصراعيها منذ 2011 واستفادوا كثيرا من مواهب المطبّلين منهم الذين لا يستغنى عنهم أيّ ماسك بزمام السلطة وإن تعفّف، وتخلّوا تحت إكراهات الانضباط الحزبي عن مطلب تحصين الثورة، بل مثّلت سنوات الترويكا العصر الذهبي للخلائق الذين وجدوا مسميات عديدة لتصريف طاقاتهم وتوزعوا بين حماية الثورة وتثبيت الإسلام ونصرة الشريعة. لكن كانت عبارة التجمع في خطاباتهم تعبيرا عن التركيبة الهجينة التي تجمع اليساري بالدستوري، هذه الخلطة العجيبة هي أكثر ما يزعج الإسلاميين وهم يعتبرونها سبب محنتهم في عهد بن علي، ونكاد نجزم أن نقمتهم على محمد الشرفي الذي تُنسب إليه سياسة تجفيف المنابع هي أضعافُ نقمتِهم على بن علي ذاته، وكلما اتجه حزب النداء الآن إلى التطهّر من روافده اليسارية بعد أن وظّفها بنجاح في معركة الوصول إلى السّلطة اقتربت النهضة من النداء وتعانقا كمن يضع ساقا على ساق وهو جالس في المقهى.