بإعلانه تجميد اختصاصات مجلس الشعب وجّه الرئيس قيس سعيّد أعنف ضربة سياسية من نوعها لحزب حركة النهضة خلال عشر سنوات كاملة من الممارسة الفعلية والمتواصلة للسلطة. وتركزت القراءات الأولى لقرارات الخامس والعشرين من جويلية في اتجاهين: اتجاه يرى أن ما حدث يمثل تصحيحا لا بد منه لمسار ديمقراطي معطوب، واتجاه يصفه بالانقلاب الذي سينهي تجربة الإسلام السياسي في تونس.

الانقلاب في مواجهة الانتفاضة:

الرئيس التونسي قيس سعيد

الرئيس التونسي قيس سعيد

كانت حركة النهضة أول من وصف قرارات 25 جويلية بالانقلاب لأن الرئيس عند استخدامه الفصل ثمانين من الدستور الذي يتيح له اتخاذ تدابير في مواجهة «خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها» لم يتقيّد بشرطين أساسيين: بقاءِ المجلس في حال انعقاد دائم وعدمِ حلّ الحكومة. من ثمة لا تمثل هذه القرارات من وجهة نظرها انقلابا على الشرعية فحسب، بل خرقا جسيما للدستور، بما يوحي ضمنيا بتوفر الشرط الذي يتيح للمجلس -لو قُدّر له أن ينعقد من جديد- سحبَ الثقة من الرئيس!

ثم ستتخذ سردية الانقلاب مسارين مختلفين: فعلى الصعيد المحلي اجتمع حولها فريق من السياسيين من مشارب إيديولوجية متنوّعة، بل ومتناقضة، ولأول مرة منذ عشر سنوات تعود إلى الأذهان جبهة «18 أكتوبر» التي تشكّلت في 2005 لمواجهة استبداد نظام بن علي، بعودة سياسيين أنفقوا خلال سنوات الانتقال الديمقراطي جلّ رصيدهم النضالي كأحمد نجيب الشابي، وحمّة الهمامي المتحدث باسم حزب العمال اليساري الذي أصبح أتباع النهضة على شبكات التواصل الاجتماعي يجدون في تدخلاته ما يشفي غليلهم!  وتزامن الحديث عن الانقلاب مع بيانات صادرة عن عدة منظمات حقوقية بخصوص وضع الحريات العامة والفردية ومستقبل حرية التعبير في ظلّ التدابير الاستثنائية.

ترتبط فكرة الانقلاب في هذا المسار إذن بعودة محتملة وممكنة وقوية للاستبداد، فلا تناقش مواقفُ العلمانيين واليساريين والليبراليين في الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني كثيرا الأسبابَ إنما تتوسع في النتائج، وتتجاوز حالة الاختناق السياسي التي حصلت بسبب الخلاف بين السلطتين التنفيذية والتشريعية والتي ظهرت انعكاساتها جلية على الواقع اليومي من خلال سوء إدارة أزمة كوفيد 19، لتناقش استحواذ الرئيس على صلاحيات شبه مطلقة بعد 25 جويلية في مواجهة «خطر داهم» غير متفق عليه بدقّة.

أما المسار الثاني لسردية الانقلاب فإيديولوجي تشتغل عليه النهضة بقوة في محيطها الدولي، فقد مثلت تونس إلى -غاية 25 جويلية- أمام العالم الأنموذج الوحيد ضمن بلدان الربيع العربي لعدم التعارض بين الإسلام والديمقراطية. هذا الموقف الذي يدعمه الإسلاميون بقوة في الداخل والخارج يساندهم فيه الحزام الحقوقي الداعم لهم على غرار الرئيس الأسبق الدكتور المنصف المرزوقي والناشطة الحقوقية اليمنية الحائزة على جائزة نوبل للسلام توكل كرمان اللذين أسسا معا في 2014 «المجلس العربي للدفاع عن الثورات والديمقراطية». ولا يكترث هذا الموقف بالواقع المحلي قدر اهتمامه بلعبة المحاور الدولية، فوجود حركة تمثل الإسلام السياسي في نسيج ديمقراطية ناشئة أهم بكثير من الثمن الاجتماعي والاقتصادي الذي يدفعه الشعب. ولذلك لا يهتم أصحاب هذا الموقف كثيرا بالأسباب والمسببات ولا يحفلون البتة بالهبة لشعبية التي ساندت الرئيس ولا بالانتفاضة التي سبقت قراراته ودفعت إليها بقوة. ويتسم هذا الخطاب بالحدة والمباشرة والتصعيد، لا سيما أن ما يسمونه «الانقلاب على الشرعية» في تونس تزامن مع عودة حركة طالبان للحكم في أفغانستان وهو ما لمحت إليه كرمان في بعض تغريداتها متسائلة عن الدروس التي يمكن الخروج بها من المقارنة بين التجربتين.

لنلاحظ هنا أمرين:

أولا: يخدم هذا الاصطفاف الأحزاب الأغلبية المتضررة أكثر من غيرها من تلك القرارات والتي وضعت نفسها منذ اليوم الأول في موقع الضحية لا الجاني رغم مسؤوليتها الكبيرة في الوصول إلى نقطة اللاّعودة تلك! لكن عدم التركيز على الأسباب يؤدي إلى التغاضي عن المساءلة الأخلاقية والقانونية لا سيما في قضايا المال السياسي الفاسد وتوظيف قوى الضغط الأجنبية لتوجيه الانتخـــــابات، وكل الجرائم الأخرى التي رفعت عنها الحصانة. كما يؤدي داخل الأحزاب وخارجها في الفضاء العام إلى تجاهل النقد الذاتي باعتبار أن كل تقييم لمسار الانتقال الديمقراطي لا بد أن يأخذ بعين الاعتبار المنطلقات التأسيسية، لا سيما أن الخطاب الرئاسي غالبا ما يستهدف المنظومة بأكملها.

الدكتور المنصف المرزوقي

الدكتور المنصف المرزوقي

ثانيا: تجاهل النخب الانتفاضة الشعبية التي سبقت قرارات الرئيس، باستثناء بعض الأصوات من داخل النهضة ذاتها -على غرار سمير ديلو- دعت إلى الإصغاء جيدا إلى الجمهور بعدم إنكار الانتفاضة الحقيقية التي شهدتها مختلف مدن الجمهورية يوم 25 جويلية والتي اتسمت في الغالب بالطابع العفوي، -وإن كانت الدعوة إليها قد تمّت عبر شبكات التواصل الاجتماعي- والتي صبّت جامّ غضبها على حركة النهضة باستهداف مقراتها، كما عبرت عن فرحها بقرارات الرئيس عبر مسيرات مساندة شعبية لا يمكن إنكارها. ولعله من البديهي أن تكون لكل «انقلاب» سردية مضادّة تنفيه وهي التي يستخدمها الرئيس قيس سعيّد إذ يبرر ما أقدم عليه بالاستجابة إلى الإرادة الشعبية. ويربط كل توجهاته المستقبلية بالعبارة المفتاح في كامل تجربته السياسية «الشعب يريد».

نهاية الإسلام السياسي أم بدايته؟

وأيا كان توصيف ما حدث، تصحيحا للمسار أم انقلابا، فإن الأصوات التي تعالت لتعتبر 25 جويلية يوما يؤرخ لنهاية «الإسلام السياسي» في تونس تبدو متفائلة في موقع لا يجوز فيه التفاؤل، فخطاب قيس سعيد يقوم أساسا على خلط السياسة بالدين بشكل غير مسبوق، بما يضفي على وظيفة الرئاسة تصورا دينيا يشحنها بطاقات فوق بشرية، وأبرز نموذج على ذلك تصريحه المرتجل لقناة «سكاي نيوز» في شارع الحبيب بورقيبة والذي ردّ فيه على الذين يتهمونه بالانقلاب قائلا: «لا أخاف إلا الله رب العالمين لا أخاف إلا ربي لأنه هو حسيبي في كل خطوة أخطوها، وحسيبي يوم أقف بين يديه، يوم الحساب» وأكد أنه قد احترم القانون والمقامات والأخلاق وكل القيم وأنه عاهدهم على كلمة الحق لكنهم نكثوا العهود وأنه لن ينكث العهد أبدا. ويبدو هؤلاء الذي يعنيهم في هذ الخطاب كتلة مبهمة بلا هوية، فهم لا يمثلون المعارضة، بل «أناس في قلوبهم مرض»، وهو مصطلح قرآني يتنزل في صميم ثنائية الكفر والإيمان! وهو ما يدفعنا إلى استنتاجين:

التأكيد أولا على خطورة هذا الخطاب الديني في سياق سياسي دقيق كالذي تمرّ به تونس في ظلّ مصاعب الانتقال الديمقراطي، لا سيّما أنه مشحون بعدوانية غير خافية وتتكثّف فيه معاني التفرقة والعداوة بما يتعارض ووظيفة رئيس الجمهورية كما يحدّدها الدستور بوصفه «رمز وحدة الدولة»، فضلا عن ضبابية هذا الخطاب في إدارة شؤون الحكم، ففي الوقت الذي تطالب فيه النخب والمؤسسات المانحة بالإسراع في تعيين حكومة ذات كفاءة اقتصادية أساسا لتجاوز مصاعب المرحلة يتحدث قيس سعيّد عن أشخاص «لا يخونون العهود»!

الانتباه ثانيا إلى أن هذا الخطاب يقف على يمين خطاب الإسلام السياسي التقليدي الذي تمثله النهضة والذي تجرد في السنوات العشر الماضية من وطأة المقول الديني تحت إكراهات البراغماتية. فلن تجد عند أي قيادي نهضوي خطابا يشبهه في انشداده إلى المرجعية الدينية. وهذا ما يعطّل لأول مرة المتلازمة التاريخية بين الحركة التي تمارس السياسة باسم الإسلام والإسلام ذاته! والتي تستخدم في العادة لحشد قواعد لها استعداد دائم لنصرة الإسلام رغم تضررها -بحكم انتمائها إلى القاع الاجتماعي- من الأزمة الاقتصادية والاجتماعية التي يمثل الإسلاميون أحد أبرز عناصرها!  فالرئيس لا يبدو في هذا السياق في صراع مع الإسلام السياسي بل مع وجه من وجوهه، وهو صراع داخل بنية التفكير ذاتها مجاله الالتزام الأخلاقي، في إطار البحث عن «الفرقة الناجية».