Tag: سامي الفهري

زمن الطيب جعبة

عامر بوعزة

عامر بوعزة

يِتْجُوعِب، عبارة بليغة يستعملها التونسيون لوصف من يدّعي في العلم فلسفة ويهرف بما لا يعرف أو يفتي في كل شيء! ومن المرجح أن يكون اشتقاق الفعل من عبارة «جعبة» بسبب ذيوع جملة يستعملها طلاب المدارس الثانوية بكثرة في فروض الإنشاء يقولون: «فلان في جعبته الكثير من الأشياء» وهي صورة مستعارة من الجعبة التي تزدحم فيها الأقلام الملونة لتعبّر عن الوفرة، لكن هذه العبارة لا تستعمل بهذا المعنى الاّ مع ضمير الغائب فمن المستهجن أن يقول الشخص عن نفسه: «في جعبتي الكثير من الأشياء» لأن معنى هذه العبارة في ثقافة الشارع مختلف عن معناها في ثقافة الإنشاء.

لقد أضحى التجوعيب في السنوات الأخيرة ظاهرة ثقافية واجتماعية محيرة بعد انتشار الفايسبوك وتطور استخدامه من أداة للتواصل إلى وسيلة لنشر الأخبار والتأثير في الرأي العام، فالكتابة في كل المجالات وإنفاق الوقت في إحصاء الجامات والرد على التعليقات أمور تجعل الشخص بمرور الأيام والشهور والسنوات يفقد شيئا فشيئا إحساسه بالأرض التي يقف عليها وينسى حدود إمكانياته الذهنية المتواضعة فيرتدي قناع «الطيب جعبة» رمز التجوعيب في المخيال الشعبي، وهي شخصية ابتدعها الضمير الجمعي عندما كانت هذه الظاهرة نادرة تدعو إلى السخرية، أما الآن فقد جعل الفايسبوك  الحمار  يرى نفسه أسدا و الفأر يشعر بنفسه ديناصورا.

هذا السلوك لا يختص به جنس دون غيره، بل لعله أن يكون في النساء أكثر منه بين الرجال لميل المرأة بطبعها إلى ضرب من التجوعيب الفطري، وقدرتها باستخدام نون النسوة وحدها أحيانا على فتح كل مستغلق، كما لا يختص بهذا السلوك متعلّم يتباهى بعلمه فهو أكثر شيوعا لدى الأميين والمنقطعين عن الدراسة في الصفوف المبكرة والعاطلين، وأحباء الراب، والمبشرين بالهجرة وغيرهم من سقط متاع التعليم العمومي في أحلك فترات تاريخه. لأن هؤلاء يعتقدون أن الثقافة العامة لا تكتسب في المدارس والجامعات، بل في التلفزيون وفي الويكيبيديا فتجدهم يتكلمون في كل شيء لأنهم يتوهمون أنهم يعرفون كل المواضيع ولهم حلول لكل المشكلات، ولا يحتاجون إلى التثبت والتدقيق أو التأني قبل الخوض في ما يخوضون فلهم رأي جاهز في كل المسائل التي تعرض عليهم، ولا شك أنهم يفعلون ذلك نكاية في العلم والمتعلمين وإمعانا في إذلال المعرفة وابتذالها.

  لا شكّ أن من بين أهم أسباب هذه الظاهرة أيضا انهيار منظومة الإعلام التقليدية وانقراض مؤسسات الرّقابة على المصنفات الثقافية والفنية، فقد أصبح كل من هبّ ودبّ يفعل ما يريد وما يحبّ، من يريد أن يمثّل فله ذلك ومن يشتهي أن يخرج فلا أحد يمنعه من ذلك، ومن يحب أن ينشط فلينشط، ومن يريد الأمرين معا فلن يعترض سبيله أحد، دعه يعمل دعه يمرّ، كلهم مبدعون عباقرة مؤثرون، هم قرروا ذلك بأنفسهم ولا حاجة لهم بأن يزكيهم أو يمتحنهم أحد، ولعل وظيفة «الكرونيكور» في برامج «التالك شو» هي التي كان لها الفضل الكبير في إعادة الاعتبار لشخصية الطيب جعبة وجعله بمثابة القدوة للأجيال القادمة أحفاد مفيدة ومن لف لفّهم، لكن التجوعيب في المجال الإعلامي والفني أمر هيّن ومقدور عليه قياسا بالتجوعيب السياسي، لقد جمّعت الجمهورية الثانية تحت رايتها كل العاهات التي ثار الشعب ضدها ومنحتها بالديمقراطية ما لم تكن تحلم به مطلقا في ظلّ دولة الاستبداد. حتىهزلت إلى أن سامها كل مفلس وتعلقت همة الطيب جعبة بالجلوس على كرسيّ الرئاسة وحكم البلاد.

سيكتب التاريخ عن شعب تونس أنه أطاح بدولة الاستبداد ليقيم على أنقاضها دولة  التجوعيب، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه نسأله حسن العاقبة.

التعليقات على زمن الطيب جعبة مغلقة more...

اشكي للعروي

نهار الأحد ما يهمك في حد

نهار الأحد ما يهمك في حد

في معرض ردّهم على الممتعضين من الرداءة التلفزيونية السّائدة يردّد البعض عبارة عبد العزيز العروي الشهيرة “بيننا فلسة” مطمئنين إلى جواز استخدامها في غير العصر الذي قيلت فيه، فأين نحن من زمن العروي؟

تلك العبارة قيلت عندما كان الراديو قطعة ثمينة لا تمتلكها كلّ البيوت، وكان الاستماع إلى أسماره أو حفلاته حدثا عائليا يجمع ولا يفرق، كان الراديو يؤدي وظيفته الإخبارية المكرسةَ للدعاية السياسية ويسلّي الناس ويعلّمهم بخرافات الوعظ والإرشاد والتمثيليات الاجتماعية، ويصل الأمر به حدّ تذكيرهم بقواعد التعايش حين ينبّههم عند الساعة العاشرة ليلا إلى ضرورة احترام الجار، أما المتحدثون صُنّاعُ الفرجة الصوتية فيه فقد كانوا من علية القوم ومن كبار المبدعين، إنه زمن الدوعاجي وكرباكة وعثمان الكعاك، زمن الهادي الجويني وصليحة والجموسي والجيل الذهبي المؤسس، وإذا أصبت حظا من أرشيف الإذاعة التونسية الذي عبثت به أيادي العابثين ستجد حتما بقايا من أصوات المسعدي وطه حسين وميخائيل نعيمة والفاضل بن عاشور والبشير خريف وآخرين. إنه زمن لا يتكرّر، فقد كان كلُّ شيء بسيطا وعاديا وممكنا، وكان ثمة وقت للخيال والجمال وأناقة الروح، كانت الأحلام شاسعة رغم الفقر والجهل والتسلّط، والعروي عندما قال عبارته الشهيرة: “بيننا فِلْسة” كان يدرك أنْ لا حرية للأفراد خارج نطاق السلطة، سلطة من يمتلكون القدرة على استعمال “الفِلسة”، فهي لم تكن من حق الجميع، الزعيم في قصره والمعلم في مدرسته والأب في بيته، هؤلاء كانوا قادرين على استعمال “الفِلسة” لتقرير مصير الآخرين وفق ما يرونه هم المصلحةَ الفُضلى.

أي قيمة لهذه العبارة في زمن اليوتيوب؟ البضاعة تُعرض مرة واحدة على الشاشة ثم تصبح متاحة للمشاهدة في أي وقت، تُعرض كاملةً ثم تُجزأ لاحقا إلى لقطات بحسب ما يتوفّر فيها من إثارة، يفقد السياق الدرامي نسقه الخطي في خضم “فوضى خلاقة”، هنا تستطيع أن تشاهد كل شيء متى تشاء بمفردك، فقد سقطت أسطورة السهرة العائلية بكل ما يحفّ بها من صور رومنسية، صورة الأب الذي يطالع الجريدة والأم التي ترفو الجوارب والجدة التي تروي الحكايات بينما تتمطى القطة أمام المدفأة(!) انتهى زمن العائلة وبدأ زمن الأفراد، ولم يعد غريبا أن تنتبه امرأة إلى أن الشاب الذي عُرضتْ صورتُه في الأخبار بعد أن أعدم العشرات في عملية انتحارية هو فلذة كبدها الذي لم تنتبه إليه وهو ينمو خارج حضيرة العائلة متمردا على فِلْسَة العروي. تغيّر كل شيء من حولنا وانهار المعبد على رؤوسنا، وهم يردّدون عبارة لو ظلّ قائلها حيّا بيننا لنقّحها وغيّرها أو تبرّأ منها جملة وتفصيلا.

المسلسلات التي تثير امتعاض الناس لا تدمّر الأخلاق والقيم، بل تدمّر فكرة الإبداع ذاتها وتبتذل الخلق الفني، الآن يمكن لمن هبّ ودبّ أن يتقمّص ثوب المخرج والسيناريست وصاحب الأفكار ليصنع ما يشاء باسم الحرية، هؤلاء الفوضويون الذين يأكلون من كل الموائد ينتحلون صفات لا تناسب مقاساتهم الطبيعية، وهو أمر كان ينبغي أن يعاقب عليه القانون مثلما يفعل عندما يلقي القبض على من ينتحل صفة الغير، الأمرُ أخطر من أن يكون تزمّتا زائدا من المتفرجين إزاء فائض من الحرية لا يناسب أمخاخهم الصغيرة المتيبسة، وأخطر من أن ننهيه هكذا بمجرد الضغط على فِلسة العروي، هذه العبارة إذا ترجمتها إلى لغة العصر وجدتها: “اشرب والاّ طيّر قرنك”، وبنفس هذا الخطاب الفوقي الذي يجعل به بعض صناع الفرجة أنفسهم فوق النقد يحق لآخرين كذلك أن يُلجموا كل الأفواه المحتجة على اعتلاء كافون صهوة قرطاج فالأمر سيّان وفي النهاية لم يفرض أحدٌ على أحدٍ الحضورَ كما لم يفرض عليك أحدٌ المشاهدة!!

التلفزيون ليس مجرد أداة ترفيه وتسلية بل يساهم في التنشئة الاجتماعية، وقد رأى الناس خطره في الاتجاه المعاكس عندما تخصصت قنوات الظلام في غسيل الأدمغة وتكفينها بالأفكار الرجعية، وامتعاض الناس من الدعارة المفروضة علينا بعنوان الحرية هو مجرد وجهة نظر، فأي معنى للنقاش تحت طائلة عبارة أكل عليها الدهر وشرب، ولماذا تريدون أن يكون بيننا وبينكم مجرّد فِلْسة؟ والحال أن ما بيننا هو أجمل وأنقى وأسمى.

التعليقات على اشكي للعروي مغلقة more...

زهرة لمبوبة

في إحدى حلقات البرنامج التلفزيوني الشهير دليلك ملكْ سأل الأستاذ سامي الفهري المشاركين الحالمين بالثروة والملايين عن السيدة الفاضلة زهرة لمبوبة وانتظر من المشاركين أن تكون إجاباتهم كلها صحيحة طالما أنه يسأل عن شخصية فـذّة لايُـغفر لمن لا يعرفها ذنبُ جهله بمآثرها العظيمة وأفضالها الخالدة وما إن خاب أمله ووجد بين الحاضرين من أخفق في معرفة كنية السيدة زهرة حتى اندفع يؤنب المخطئين ويلومهم شديد اللوم بل ويوبّخهم على فقرهم الثقافي المدقع الذي أوقعه في الحرج متسائلا بكل إلحاح : كيف لا تعرفون زهرة لمبوبة ؟

وبما أنني كنت معنيا بتوبيخ الأستاذ سامي الفهري هذا فقد أوقعني جهلي في حرج شديد ليلتئذ إذ كنت أتابع البرنامج بمعية بنيتي الصغيرة ذات السبع سنوات وقد تساءلت بكل براءة عن السيدة زهرة لمبوبة هذه من تكون ؟ واستغربت جهلي بها وعدم معرفتي بشخصية بدا واضحا من خلال ما تشاهده في التلفزيون أنها أشهر من نار على علم ولم أستطع أن أمحو من على وجهها الصغير خيبة الأمل الكبيرة في والدها الذي ربما كانت تعتقد أنه يعرف كل شيء وأنه من غير المسموح له بأن يجهل أمرا كهذا .. ولعلها أن تكون قد تصورت والدها في وضعية الممتحن في ذلك البرنامج فحرمه جهله من فرصة نادرة للحصول على ملايين كثيرة تحول الأحلام الكبيرة المجردة إلى واقع محسوس ملموس ..

وقد دفعني هذا الموقف السّخيف إلى تصفّح كتاب ورقات للعلاّمة حسن حسني عبد الوهاب وكتبا أخرى في التاريخ الثقافي والاجتماعي التونسي وما نشر عن بلادنا في الموسوعات ودائرة المعارف الكونية علّني أظفر بإجابة ملائمة عن السؤال المؤرق من تكون زهرة لمبوبة هذه التي يُـنكر علينا سامي الفهري جهلنا بها ؟

وبما أنني لم أجد في المصادر والمراجع ردّا شافيا عن هذا السؤال الخطير المحيّر فإنني صرت أتحاشى مشاهدة البرنامج بمعية أفراد أسرتي وأتشاغل عنه في الدقائق الأولى حيث يُطرح السؤال المصيري حتى لا أنفضح مجدّدا ولا يكتشف أبنائي خلوّ وفاضي وفراغَ مِزودي وقعودَ همّتي عن طلب العلم الصحيح علم الأنساب والتاريخ والأعلام ولكنني وأنا في غمرة الإحساس بالذنب التمست لنفسي أعذارا شتى فلقد أتْـلـفتُ في القراءة أحلى سنوات العمر وقضيت ما يقارب ربع قرن بين مقاعد الدرس حتى اهترأت سراويلي ونلت من الشهائد ما يسدّ الرمق فما وقع بين يدي شيء عن زهرة لمبوبة ولا درّسني أحد في المناهج المدرسية أو الجامعية شيئا عن هذه المرأة ..وإنني أحمد الله على أن نبّهني التلفزيون إلى جهلي وأهدى إليّ عيوبي وأراني نفسي في مرآته فكشف سوءاتها الكثيرة واستفزّ خمولي فأيقظ في كهولتي حاجة ملحّة إلى الاستزادة من ينابيع المعرفة وفيوض العلم ..


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress