Tag: تونس

حرب الداندورمة

بائع الداندورمة

بائع الداندورمة

على بعد أمتار قليلة من تمثال الزعيم التاريخي الحبيب بورقيبة، يقف في مدينة سوسة بائعُ الدندرمة التّركي بملابسه الفولكلورية المميّزة وعربته الأنيقة الحمراء، ها هنا في الشارع الرئيس لواحدة من أجمل المدن السياحية في تونس يشاهد المارّة أمرا جديدا مختلفا ويقبلون على اقتناء بضاعة لم يألفوها من قبل وسط دهشةٍ وإعجابٍ لا يخفيان.

يلفت بائع الدندرمة الانتباه إليه بطريقة عرضه الشهيرة المميّزة، فأسلوب بيع المثلّجات التركية يكاد يكون واحدا في كل مكان، وفي السنوات الأخيرة بدأ هؤلاء الباعة يجرّون عربات الدندرمة خارج تركيا، يتجوّلون بها في بلدان عربية شتّى سبقتهم إليها المسلسلات التركية المدبلجة بقصصها المشوّقة وحسناواتها المثيرات. لكن على مواقع التّواصل الاجتماعي ينتشر الذّعر من بائع الدندرمة هذا بوصفه رمزا لعودة الاحتلال العثماني البغيض، ويمثّل الفزع من “الغول” التركي أحد امتدادات الصراع السياسي والإيديولوجي القائم بين العلمانيين والإسلاميين، فتركيا التي يناهض الكثيرون في تونس تغوّلها الاقتصادي والثقافي هي تركيا التي يقودها حزب إسلامي، أما تركيا العلمانية التي خلّصها كمال أتاتورك من قفطان الخلافة الثقيل فقد كان الحبيب بورقيبة يعتبرها نموذجا أعلى. لقد عاشت تونس قبل الاستقلال قرونا تحت راية الخلافة العثمانية وارتبطت صورة البايات وكبار موظفي الإيالة في ذهن العامّة بالجباية وما يعتريها من مظالم، فاقترنت صورة الأتراك بالشّرور والمصائب لا سيّما بعيدا عن المركز الحضري، حيث كانت تقيم قبائل وعشائر لا تتمي إلى الدولة بقدر انتمائها إلى مذهب صوفي يمثله وليّ صالح، كانت التجمعات السكنية في الأرياف والقرى تتحلّق حول الزوايا ولا يربطها بالدولة الاّ المجْبى، لذلك تحتفظ الذّاكرة الشعبية بعبارة “التّتريك” لوصف الشيء الذي لحقه الخراب، ومن ثمة يقال مجازا عند حدوث المصيبة: “لقد تترّكنا”. وفي سياق التذمّر الحالي من حضور البضائع التركية في الأسواق التونسية يردّد البعضُ هذه العبارة لا على سبيل الاستئناس ببلاغتها فحسب بل اختزالا للرأي القائل بأن لتركيا الأردوغانية مطامعَ توسّعيةً إحياء لمجد الإمبراطورية العثمانية التّليد، والتوسّع في ظلّ النّظام العالمي الجديد لا يعني الاحتلال العسكري بل فرض النموذج الثقافي بالمعنى الشامل للكلمة.

لقائل أن يقول: إنّ خوف شقّ من التونسيين من التّـتريك والأفغنة وخوف شقّ آخر من الأمركة والفرنسة لهو دليل إيجابي على اعتزاز الشعب بهويته الوطنية وقدرته على مقاومة النماذج الوافدة، هذا صحيح نظريا لكنّ الواقع يشير إلى أنّ هذه الفوبيا لا تعدو أن تكون أداة لتكريس الانهزامية والشعور المرضي بالاضطهاد الثقافي، لا سيّما في صفوف مستعملي وسائل التّواصل الاجتماعي حيث يهيمن بشكل قوي خطاب جلد الذات وتدميرها، فتزداد الهوّة بين الصورة الافتراضية ونظيرتها الواقعية عمقا واتّساعًا كما يتواصل تسطيح الفهم العامي للواقع والتحديات المفروضة عليه، فالكل يشتكي ولا أحد يبادر بالتغيير الإيجابي.

هناك في مدينة سوسة التي يُسمّيها التّونسيون جوهرة السّاحل، غير بعيد عن بائع الدندرمة التركي، قد تفاجئك في موسم الصّيف أوساخ متراكمة لم تأت شاحنات البلدية لرفعها، في ذات الشّارع سيؤلمك حتْما مشهدُ فنادق مهجورة وأخرى متداعية للسّقوط تطلّ على شاطئ بوجعفر الذي كان فيما مضى لا يقلّ جمالا وروعة عن شواطئ الإسكندرية وبيروت وسائر المدن المتوسطية. وأنت تتجول وسط كثير من الفوضى المرورية قد يبدو لك بائع الدندرمة النقطة المضيئة الوحيدة التي تسرُّ النفس وتبهجها. في تركيا سواء أكنت في إسطنبول أم في واحدة من المدن السياحية الشهيرة، ستعجب أولا بنظافة المكان وشغف الأتراك بمدنهم وأعمالهم واعتزازهم بالوطن الذي ينتمون إليه. لكننا نخاف من التّتريك وعندما يشير أحدهم بإصبعه إلى القمر يتوقف نظرنا دائما عند حدود الإصبع ولا يتعدّاها.

التعليقات على حرب الداندورمة مغلقة more...

تحت سماء مرصعة بالكاميرات

 

8-adhensive.jpg_50x50لم تتبقّ لي الاّ بعض الصّفحات من رواية بدأت قراءتها منذ أكثر من شهر، لكنني عندما بحثت عنها في مكتبتي لأكملها لم أجدها، فتّشت بلا جدوى في كل مكان أرتاده، فتأكدت أنني قد أضعتها في مكان ما ولم أتفطّن. بدأت أعيد في ذهني ترتيب الأحداث التي عشتها منذ الأسبوع الماضي، لقد أخذت معي هذا الكتاب إلى أحد المجمّعات التجارية الكبرى هنا في الدوحة، وقرأت منه فصلا في المقهى قبل أن أذهب لاقتناء بعض حاجات البيت، فثبت لديّ إذن أنّه لا يوجد الا احتمال واحد قويّ: لقد نسيت أن آخذ الكتاب من عربة المشتريات بعد أن أفرغتها في السيارة!، فما كان الغد، عدتُ إلى المُجمّع التّجاري وأعطيت مواصفات الكتاب لأحد أعوان الحراسة، فتخاطب مع جهة ما هاتفيا، ثم طلب مني الذهاب إلى الإدارة لأتسلّمه، فلم يستغرق الأمر الاّ دقائق حتى عدت ومعي حاجتي.

عندما فكّرت في الذّهاب إلى المجمّع التجاري لاسترجاع الكتاب المفقود كان ذلك اختبارا لذاكرتي أوّلا، فقد كنت على يقين من أنني سأجده لو صحّ أنني قد نسيته فعلا في العربة، فما سيحصل في مثل هذه الحالات معروف، سيأتي أحد هؤلاء العمال الآسيويين الذين يعملون في مأوى السيارات ليعيد العربات الفارغة إلى مكانها في مدخل المجمّع كما يفعلون دائما عندما تتبعثر هنا وهناك، وعندما ينتبه إلى الكتاب لن يكون بوسعه الاّ أن يحمله إلى الإدارة كي تضعه على ذمّة من سيأتي ليسأل عنه، لا يتعلّق الأمر بالكتاب لأن قيمته المادية ضئيلة ولا تغري أحدا بالاستحواذ عليه، فالأمر ذاته سيحدث لو كانت الحاجة المفقودة هاتفا أو حاسوبا أو بضاعة أخرى ثمينة. هؤلاء العمّال الذين ترتسم على وجوههم معالم البؤس لا يجرؤ أحدهم على فعل أي شيء خارج عن القانون هنا حيث يعملون، إنهم يأتون من أماكن مختلفة من العالم، ليعملوا في دول الخليج العربي من أجل تغيير حياتهم، والمبالغ الزهيدة التي يحصلون عليها ذات قيمة لا يستهان بها في بلدانهم الأصلية، وأي مخالفة يرتكبها أحدهم ستجعله بمقتضى قوانين الكفالة عرضة للترحيل شأنه شأن كل المقيمين على تباين درجاتهم واختلاف وظائفهم. صرامة القوانين وحدها تجعل أكثر من سبعين جنسية تتعايش تحت سماء واحدة على اختلاف أعراقها وأجناسها ودياناتها، بينما تشتعل حروب في مناطق أخرى من العالم بين أبناء الجنسية الواحدة لاختلاف في الأيديولوجيا فقط أحيانا، لكنّ صرامة القوانين لا تقاس بعدد رجال الأمن في الأماكن العامة، فذلك يشعرك بأنك تتحرّك داخل زنزانة كبيرة ويجعل من الانضباط سلوكا ظرفيا لا غير، إنما تضطلع كاميراهات المراقبة الموجودة في كلّ مكان بخلق إحساس عام بأنّ كل شيء تحت السيطرة، وأنّ كلّ ما يقوم به الانسان في الفضاءات العامة مكشوف، فهل يمثّل ذلك تعدّيا على الخصوصية وانتهاكا للحرّية الشخصية رغم أنه ضروري لصنع مجتمع آمن تنعدم فيه الجريمة أو تكاد؟

إن فرضية استرجاعي الكتاب لو فقدته في أحد المُجمّعات التّجارية في تونس تظلّ قائمة لكن بنسبة ضعيفة جدّا، فكثير من المشاكل التي باتت تؤرق المواطنين في السنوات الأخيرة تتّصل بانعدام الأمن والأمان وارتفاع منسوب العنف والجريمة، رغم كلّ منجزات الثّورة السياسية لا سيّما في باب التشريعات الخاصّة بحقوق الانسان ما يزال المجتمع في حاجة إلى نظام مراقبة أمنية شامل ودائم يضمن الانضباط لقواعد العيش المشترك ويوفّر الأمان، لا يعني ذلك العودة إلى المربّع الأول، حيث تتمّ مقايضة الحرّيات بالأمن، فما يحصل في الأنظمة الاستبدادية عادة هو الانحراف بهذه الأجهزة سواء أكانت بشرية أم الكترونية عن وظيفتها الأمنية الوقائية واستغلالها في تعقّب الرأي المخالف والتصدي له بوليسيا، لكنّ ذلك لا يعني إلغاءها كلّيا في سبيل مقاومة الاستبداد، وهو الخطأ الذي قد تكون تونس وقعت فيه خلال السّنوات الأولى التي أعقبت سقوط نظام بن علي.

لكن إمكانية ضياع الكتاب في أحد المجمعات التجارية في تونس يبقى أمرا نادر الحدوث، إذ لا أحد يفكر في سرقة كتاب، وهناك يتعيّن عليك أن تعيد بنفسك العربة إلى مكانها بعد إفراغ محتوياتها في السيّارة، فأنت لا تحصل عليها الا بمقابل مالي، ولو حصل أن حدث هذا الأمر فليس بوسعي أن أتخيّل حقا ما إذا كان العثور عليه ممكنا وبنفس السّهولة التي تجري بها الأمور في مناخ اجتماعي وسياسي مختلف كالذي يوجد في الخليج، لكن السّؤال عن الخصوصيّة في مقابل الأمن يتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة ليكون سؤالا كونيا وحيرة أصيلة، أيّهما أفضل أن تعيش آمنا تحت سماء مزروعة بالكاميراهات مطمئنا إلى أن عيْنا ما ترعاك فيما هي تحصي أنفاسك، أم أن تعيش حرّا متمرّدا على كل أشكال التّعقب والمراقبة دون ضمانات حقيقية تكفل لك أمنك؟ وأي معنى للحرية الشخصية والخصوصية ولم يعد ممكنا الاستغناء عن التكنولوجيا التي اخترقت كل الخصوصيات، تلك هي المسألة.

التعليقات على تحت سماء مرصعة بالكاميرات مغلقة more...

فلسطين أولا، فلسطين دائما

Michel Boujenah

ميشال بوجناح

خريف العام ألفين وعشرة، أياما قليلة قبل أن تندلع شرارة الثورة في تونس، انشغل التونسيون بمقطع فيديو لمطرب يغنّي في أحد الفنادق بالأراضي الفلسطينية المحتلة، ويهتف وسط جمهور من السّكارى بحياة بن علي ونتانياهو معا، الضجّة التي أثارتها الحادثة أجبرت هذا المطرب التونسي على الانسحاب كلّيا من السّاحة الفنية والاختفاء تماما من المشهد، كانت تلك لحظة جماعية فارقة انضافت إلى لحظة أخرى سبقتها، حينما وجّه بن علي دعوة إلى شارون لحضور القمّة العالمية لمجتمع المعلومات العام 2005، فدقّ مسمارا آخر في نعش حكمه المتهالك، ومنح المعارضة الديمقراطية فرصة ذهبية لتسجيل نقاط أخرى قرّبتها أكثر من الجماهير الشعبية، فالتّطبيع مع الكيان الإسرائيلي الغاصب خطّ أحمر لدى التونسيين جميعا حتى تلك اللحظة.

هناك أكثر من سبب يجعل من التّطبيع فكرة مرفوضة في الشّارع التونسي، أوّل هذه الأسباب دون شكّ الموقفُ التاريخي الذي يحسب لتونس في سجل القضيّة الفلسطينية، فبعد اجتياح القوات الإسرائيلية بيروت عام 1982 وإرغام الفلسطينيين على مغادرتها، اتّخذ الرئيس الحبيب بورقيبة قرارا شجاعا باستضافتهم وتمكينهم من إدارة شؤون القضية من تونس، واستُقبل كوادر منظمة التحرير الفلسطينية وعائلاتهم استقبالا شعبيا هائلا في ميناء بنزرت، وعندما لاحقتهم طائرات العدوّ يوم غرة أكتوبر 1985، إلى حمّام الشطّ اختلط الدّم التونسي والفلسطيني، فالغارة لم يكن لديها متّسع من الوقت لتفادي التونسيين واستثنائهم من المجزرة.

أبو جهاد

أبو جهاد 1936-1988

في تونس أيضا امتدّت يدُ الغدر إلى أحد أبرز قادة المنظّمة التّاريخيين الشّهيد أبو جهاد، وخرجت جموع التونسيين مندّدة، فالمظاهرات الوحيدة التي كانت السّلطات السّياسية تسمح بتنظيمها هي المظاهرات المُساندة للقضيّة الفلسطينيّة، وعلى امتداد أكثر من عشر سنوات ظلّت فلسطين بكل مكوّناتها التّاريخيّة والسّياسية والثّقافية جزءا من الحياة التونسية اليومية، باندماج الفلسطينيين في المجتمع التونسي، إلى أن قرّرت قيادة المنظمة العودة بموجب اتّفاق “أوسلو” إلى ما أسماه الشّاعر الراحل أحمد دحبور “الجزء المتاح من الوطن”، فخرج الفلسطينيون من تونس كما لم يخرجوا من قبل، من أيّ مكان عربي أقاموا فيه منذ النّكبة، عبّر عن ذلك محمود درويش ليلة الوداع صيف عام 1994 بقوله: “لقد رأينا في تونس من الألفة والحنان والسند السمح ما لم نر في أي مكان آخر، لذلك نخرج منها كما لم نخرج من أي مكان آخر نقفز من حضنها الى موطئ القدم الأول في ساحة الوطن الخلفية بعدما تجلّت لنا فيها في البشر والشجر والحجر صور أرواحنا المحلّقة  كعاملات النّحل على أزهار السّياج البعيد”.

فعلت تونس ذلك رغم بعدها الجغرافي عن الشّرق الأوسط، ورغم أن خلاف بورقيبة مع عبد الناصر بعد خطاب أريحا جعل منه في أنظار المسحورين بالمضامين الثورية الشرقية عميلا وخائنا، ولم يكن ذلك صراعا بين زعيمين تاريخيين، بقدر ما كان انعكاسا للتناقض الحادّ بين الواقعية السياسيّة و المثاليّة الايديولوجية.

قصص التّضامن التّونسي مع الشّعب الفلسطيني في قضيته العادلة لا تنتهي، وآخرها ما كشفته حركة المقاومة الإسلامية حماس حول النشاط الحركي للمهندس التونسي محمد الزواري الذي اغتيل أمام بيته في صفاقس في ديسمبر 2016 ضمن كتائب عز الدين القسّام جناحها العسكري مُتّهمةً جهاز المخابرات الإسرائيلي بتصفيته، هذه الحادثة تبعتها إهانة أخرى لم يتردّد التونسيون في التعبير عن غضبهم إزاءها، إذ ظهر صحفيّ من القناة العاشرة الإسرائيلية وهو يتكلّم بطلاقة من أمام مقرّ وزارة الدّاخلية في قلب العاصمة دون أن يطرف له جفن، لكن الاستقطاب الثنائي الذي يقسم السّاحة السياسية بين الإسلاميين والعلمانيين ألقى بظلاله في هذه الحادثة على الموقف المبدئي التّاريخي من القضيّة الفلسطينية وظهر بعض التردد والارتباك في تقدير الموقف لا سيما بعد دخول حماس على الخطّ.
لا يعني هذا بالطبع، انعدام أي شكل من أشكال التطبيع مطلقا أو بما يسمح على الأقل بالتباهي إزاء الدول العربية الأخرى التي

محمود درويش

محمود درويش

تصنّف في خانة “المهرولين”، لكن كان ثمّة موقف شعبيّ يعتبر التطبيع خطيئة ويعادي الصهيونية باعتبارها حركة عنصريّة بوضوح شديد وبلا أي التباس، فاليهود في تونس يمارسون حياتهم بشكل طبيعي، وزوّار معبد الغريبة لم يتوقفوا يوما عن الزيارة رغم كل المتغيرات السياسية. فما الذي يجعل إذن الرأي العام ينقسم هذه المرّة بخصوص قضية “ميشال بوجناح” والحال أنها قضية واضحة وبسيطة ولا تحتمل التعقيد؟ هو فنان فرنسي يهودي من أصول تونسية يحبّ تونس ولا يتردّد في الدّفاع عنها، لكنه أيضا مناصر للفكر الصهيوني وللنزعة الاستيطانية التوسعيّة التي تقتات من عذابات الشعب الفلسطيني اليومية، والاعتراض على تمكينه من تقديم عرضه على ركح مسرح قرطاج موقف سياسي مناصر للشعب الفلسطيني الشعب الذي يخوض معركته وحيدا في زمن أصبحت فيه الدول العربية تطالب بتجريم المقاومة ونسبتها إلى الإرهاب.

كل طرح يتجاهل هذا المعطى ويتناول المسألة من زاوية حرية التعبير والديمقراطية فقط هو طرح يتغافل عن الجوهر، فإيمان التونسيين بعدالة القضية الفلسطينية إيمان راسخ جعلهم على امتداد عقود طويلة يناهضون كلّ أشكال التّطبيع، وما الاختلاف في هذه القضية والبحث عن مبررات هامشية للالتفاف على كونها موقفا سياسيا قبل كلّ شيء الاّ دليل على أنّ تنوّع الطيف السياسي والإيديولوجي وإن كان دليلا على حيوية المشهد الديمقراطي فإنه جعل بعض الثوابت المبدئية تتصدّع وتتداعى للسقوط.

التعليقات على فلسطين أولا، فلسطين دائما مغلقة more...

طهّر يا مــطهّر

لوحة للفنان عز الدين البراريلوحة للفنان عز الدين البراري

لوحة للفنان عز الدين البراري

شوف هاك العصفور عيش ولدي، الجملة هذي هي اللي يستعملها الطهار قبل بش يلهِّي الصغير اللي بين ايديه ويهبط عليه بهاك الجلم ويقولو العرب رحلت. ومن حينك تتكسر قلة الفاكية في الوطا ويترماو فوقها الزغار والزغاريط يعطي مسد، وهاك المطهر أربعة م الناس شادينو من ساقيه عرقو شرتلة ويعيط لين يفحم في وسط هاك الزازة. من بعد يرميوه وسط النساء على جلد علوش جديد مخبي م العيد، وتبدا خالتو تْمروَح عليه وأمو تقبض في الرشوق.

صُغرنا الكل عدّيناه خايفين م الغول والطهّار، كيما يقول لطفي بوشناق في غنايتو، مللّي يطلّ في راس الزنقة بالطبلية البيضاء والفاليجة الجلد تسمع كان فر فر وكل واحد يِترمى في دارهم.

الطهّار هو أول الناس اللي كذبو علينا واحنا صغار، وقتللي يقولك شوف عيش ولدي هاك العصفور تصدقو وتسرح بعينيك معاه وتسهلو مهمتو من غير ما تشعر وما يجيش لبالك اللي المقص بش يضرب ضربتو

كي تجي تشوف واستنادا لنظريات علم النفس الحديث عندنا الحق نخافو م الطهار، الضربة موجعة ومن غير بنج ومفاجأة لأنه في أغلب الحالات تلقا الصغير ماهوش فاهم كوعو من بوعو لا عارف علاه حنّاولو، لا علاه لبسوه جبة، لا علاه ركبوه فوق حصان، يعيش سبعة أيام وسبعة ليالي كيف السلطان ومن بعد ما يفيق كان بالمقص هبط عليه والناس الكل تضحك شايخة.

(continue reading…)

التعليقات على طهّر يا مــطهّر مغلقة more...

عَلمتَ شيئًا وغابتْ عنكَ أشياءُ

حنبعلاهتمت إذاعة البي بي سي بخبر العثور في المهدية على جرة من العهد الفينيقي وُجد بداخلها هيكل عظمي، وخصصت جانبا من برنامجها اليومي بي بي سي اكسترا يوم الرابع من أغسطس لإلقاء مزيد من الضوء على هذا الحدث الهام والتوسّع فيه، لكنها اقتصرت على دعوة مراسلها في تونس لمحاورته ولم تستضف للغرض باحثا مختصّا من علماء التاريخ أو الآثار.

قد يكون هذا الأمر عاديا لو اقتصر الحوار على الجانب الخبري وهو ما يفي فيه المراسلون بالغرض عادة، لكن المذيع في لندن استرسل في الحوار وتجاوزَ بالمراسل حدود الإخبار إلى الاستقراء والتأويل وهي منطقة محفوفة بالمخاطر، فسأله إن كان العثورُ بمحض الصدفة على هكذا قطعة يعني أن الدولة مقصرة في القيام بالحفريات اللازمة؟، ولمّا كان مثل هذا السؤال فخّا يتطلب قدرة على المناورة أرهفنا السّمع لنصغي بانتباه إلى الطريقة التي سيتوخاها الزميل في تفنيد هذا الاستنتاج ونستفيد من قدرته على تجاوز السؤال المفخخ دون إحراج السائل، إذ العثور على الكنوز الأثرية بمحض الصدفة عادة ما يكون منطلقا لحفريات جديدة في مناطق غير متوقعة ولا يعني أبدا تقصيرا المؤسسات. ومن ثمة لا توجد منطقيا علاقة سببية مباشرة بين الخبر والاستنتاج، لكن المراسل لم يُكذِّب، بل استرسل في شرح مظاهر التقصير في التنقيب عن الآثار ورعاية التاريخ في بلاده!إذاعة بي بي سي

لا شكّ أن المذيع قد طرح سؤاله ذاك وهو تحت تأثير الضجيج الصادر عن تونس وهي تعيش في الغليان، فلا أحد يعجبه شيء هنا مطلقا، وتنتشر شظايا هذا التذمر الوطني حتما عبر أدوات التواصل الاجتماعي الالكتروني الذي جعل العالم أرضا مسطّحة، لكنْ عجبًا من ذاكرةِ الزميل وقد اعتراها الوهنُ، وأيُّ وهنٍ هو، سيّما وقد تعلّق الأمر بأحداث وقعت في السابق، قبل سقوط النظام. وقد كنا نودّ لو تفضّل بالإشارة ولو لمامًا إلى مشروع الخارطة الوطنية للمواقع الأثرية والمعالم التاريخية الذي انطلق العمل فيه وفق قانون وضع منذ بداية تسعينات القرن الماضي ويشهد بوضوح على أن جهد المعهد الوطني للتراث في هذا الصدد يشمل مختلف بقاع الجمهورية ولا يُميّز جهة عن أخرى كما ادّعى الزميل في ردّه على السؤال.

لكم نتمنى أن يكون هذا مجرّد خطأ في التقدير، فالزميل ثامر الزغلامي علاوة على خطته الوظيفية في الإذاعة التونسية يراسل بانتظام إذاعة البي بي سي في لندن وراديو مونت كارلو في باريس، ويفترض فيمن يتصدّى لهذه المهام الصعبة في آن معا أن يتوفّر على قدرات خارقة. أما أن يكون خطأ فذلك أفضلُ طبعا من أن يكون عزفا على وتر الخراب وتبنيا لنظرية العدم التي لا يعترفُ أصحابها بأي شيء إيجابي تحقق قبل مجيئهم إلى ساحة الحكم بعد الرابع عشر من جانفي، وهي رذيلة أخرى نُنزّهُ الزميل من أنْ يكون قد وقع فيها أيضا.

التعليقات على عَلمتَ شيئًا وغابتْ عنكَ أشياءُ مغلقة more...

أحمد اللُّغماني

جنازة أحمد اللغمانيجنازة أحمد اللغماني

جنازة أحمد اللغماني

ينبغِي أنْ تَموتَ قليلاً
لِيمشِيَ خلفَك
يومَ وَداعِكَ هذا الوطنْ
ينبغي،
لِيُمَدَّدَ جِسمُكَ في رايةٍ
ويقولَ النُّحاةُ كلامًا كثيرًا بِلا غَايَةٍ
أنْ تَسيلَ دِماءُ القَصائِدِ بيْنَ يديكْ
في هِجاءِ الزَّمنْ
كيْ تقولَ البلادُ “لقَدْ كانَ مِنَّا وَكَانَ لَنَا”
ينبغِي أنْ تكونَ القَتيلَ الذِي يَتَبسَّمُ
للقاتلينْ
من وراءِ بيَاضِ الكفنْ
غير أنّك والكلماتُ ترفرفُ حولَك
في شُرُفَاتِ الغِيابْ
كنتَ ذاكرةً للجراحِ القديمةِ
كنت َالفُصولَ التي نَسيتْها الفُصولُ
وكنتَ الحَنينَ
 وكُنتَ الشَّجنْ

التعليقات على أحمد اللُّغماني مغلقة more...

رسالة هادئة إلى دكتور غاضب

الدكتور فيصل القاسم

الدكتور فيصل القاسم

الدكتور فيصل القاسم
أنت لا تعرفني ومع ذلك اسمح لي أن أُعاتبك عتاب مودة، لا أعاتبك على موقف فالمواقف من شيم الرجال وهي ليست للعتب، بل للجدل والاختلاف فيها رحمة. لكن أعاتبك على قولك في ديباجة ما كتبت: “سمعت أن النظام الديمخراطي في تونس مزعوج من حلقة تلفزيونية…”.
لَهْ يا عيب الشوم!
أهكذا تورد يا فيصلُ الإبلُ؟!
لقد درستُ الأدب العربي على يدي رجل من أنبل الرجال، أديب من أمتن أدباء عصره معرفة، وهو الذي أستعير منه عبارة “عتاب المودة”، فقد كانت تجري على لسانه كلما أراد جدلا واختلافا، وكان يقول عندما يصحّح خطأ شائعا بصواب مهجور: ” أشيعوا عني في المدينة قولي كذا وكذا…”، لأنه يؤمن أن العلم بلا عمل مجرد هراء أو فساء. أستاذنا الجليل أطال الله عمره كان مفردا في صيغة الجمع، ونحن نعتز به وننتسب إلى علمه ونتمثل بمواقفه كلما فرضت علينا نفسها ونحن في تجليات الكتابة. لكنه وهذا بيت القصيد لم يكن من حملة الدكتوراه، عاش محروما من حرف الدال الذي يتدلدل من السطر قبل اسمك يا دكتور، ومع ذلك كان على خُلُق عظيم!
أرأيت كم هي ثمينة عندكم تلكمُ الدال التي تجرجرونها وراء أسمائكم، وكيف هي لا تساوي شيئا عندنا إذا لم تكن قرينة علم وأخلاق وأدب !!
عتبي عليك في انسياقك وراء الهوى، وتفريطك بسهولة وبلا تردّد في أعزّ ما تملك وما يُفترض أن يكون فيك من وقار العلماء، ذلك الذي يشعُّ من لفظ الدكتور وراء اسمك. بربّك هل رأيت دكتورا غيرك يستعمل لفظ “الديمخراطي”؟، لست أستغرب منك قولك “سمعت أنّ” رغم أنها كلمة معيبة في حقك وطعنة أخرى سددتها إلى شبح الدكتور الذي يلازمك كظلّك، فالدكاترة عادة لا ينطقون بمثل هذا الهراء، لا ينفعلون بمجرد السماع، بل تحركهم الحجج القوية الموثقة، الدكاترة يا دكتور يناقشون القضايا الأصلية ولا ينشغلون بهوامش الأمور…
تستبدل حرف القاف بحرف الخاء في عبارة الديمقراطية، فتوحي بما يحفّ بهذا الصوت من المعاني القبيحة في عبارة “الخرا”؟!، رسالتك وصلت، لكنها لا تستحق أن يُردّ عليها، لكونها أولا صادرةً عمّن لا صفة له، فالديمقراطية في تونس شأن تونسي، ولأنها حالة واقعية لا يعتدّ فيها بالسماع، سيما إذا كان محدّثك من الشق المهزوم في انتخابات تستطيع أن تقول فيها ما تشاء إلا أن تكون غير ديمقراطية، صحيح أن تونس تمرّ بظرف استثنائي صعب، لكن التونسيين  بأنفتهم وشموخهم يدركون أن للحرية ثمنا، وهو ثمن ضئيل لا يقارن بالخراب الذي حلّ باسم الديمقراطية في أوطان أخرى أنت تعرفها. وملخص ذلك أن الحرة عندنا تجوع ولا تأكل بثدييها كما يفعل آخرون وأخريات.
النظام الديمقراطي في تونس حقيقة كائنة بفضل دماء الشهداء البررة ولن يغير منها نعتك الشائن لها، لن ينقص منها ذلك بقدر ما ينقص منك، فلتراع حرمة الكلمة كلمةِ الدكتور التي تكاد تنطق من الضجر وراء اسمك في كل المحافل ولا تهبط درجة أخرى في الحضيض لتكتب كما يكتب صبيان الفايسبوك والسُّفهاء.

التعليقات على رسالة هادئة إلى دكتور غاضب مغلقة more...

ضدّ الحكومة

الحبيب الصيد رئيس الحكومة التونسية

الحبيب الصيد رئيس الحكومة التونسية

المشهد ذاته تقريبا تخيله منذ سنوات قليلة علاء الأسواني في روايته عمارة يعقوبيان، يقف الطالب المتفوق أمام لجنة من الضباط لدخول أكاديمية الشرطة، فلا يشفع له نبوغه لأنه ابن حارس عمارة ولا يحق له الانتساب إلى الشرطة. وقد لا ينتبه كثير من القراء والمتفرجين في غمرة الأحداث الكثيرة المتشعبة التي تفيض على جانبي الرواية إلى العداء الرمزي الذي نشب بين هذا الشاب بعد أن انتمى إلى الإخوان المسلمين والشرطة ممثلة في شاب آخر لا يختلف عنه في العمر لكن من الواضح أنه قادم من “وسط محترم” على حد عبارة وزير العدل المصري المخلوع في الواقع. لم يختر هذان الشابان مصيرهما، كل ما حدث أن الانتماء الطبقي حدّد لكل واحد منهما دوره في مسرحية الحياة: فجعل أحدهما ضحية والآخر جلادا، وينتهي الاثنان قتيلين في معركة ينبغي لكل طرف فيها أن يلغي الآخر.

يحدث هذا في الخيال ويتجسد ما يشبهه في الواقع، هناك في مصر التي يرى بعض السّاسة هنا في تونس أنها غادرت حديقة الربيع العربي وتركت شعبنا يرفل لوحده في غابةٍ أزهارُها تخلب الأنظار تحت سماء ديمقراطية لا يعكر صفوها شيء غير بعض الأحداث المتفرقة التي تبدو بلا قيمة تُذكر لدى صاحب السعادة من فرط لامبالاته بها، كالاحتجاجات الموسمية في الجنوب والمناطق الفقيرة المهمشة وهي تعيد بقوة إلى الواجهة متلازمة الديمقراطية والتنمية. نحن إذن أمام نموذجين مختلفين، هناك في القاهرة أغلق العسكر قوسي الربيع العربي وزجّوا بالإخوان في السجون بعد أن حملتهم الصناديق إلى السلطة، وهنا في تونس انتقال ديمقراطي يتعايش فيه الحزب الإسلامي القادر على تغيير جلده كلما اقتضى الأمر مع الدولة العميقة وسائر مكونات المجتمع، لكن هناك في ظلّ الدكتاتورية العائدة بقوة يستقيل الوزراء أو يقالون “احتراما للرأي العام”، وهنا في ظل الديمقراطية الناشئة لا يستقيل الوزراء ولا الرؤساء ولو سلح عليهم جمهور الفايسبوك ولو أصبحوا أضحوكة أو طراطيرَ، يتوهم البعض منهم أن استقالته من منصبه ستؤدي إلى انهيار الجمهورية على رؤوس الناس وكأنه المحور الذي تدور عليه دواليب الحكم. والاستقالة الوحيدة التي حصلت كانت بتوقيع وزير التربية في حكومة الترويكا، وهي استقالة كان يمكن أن توضع هي أيضا في كتاب غينيس للأرقام القياسية إلى جانب منجزاتنا التنموية الأخرى كأكبر علم مفروش في الصحراء وأكبر عصير برتقال فهو تقريبا الوزير الوحيد في العالم الذي ظلّ يزاول عمله في الوزارة وهو مستقيل دون أن يعرف أحد ما إذا كان مسؤولا عن قراراته في تلكم الفترة أم لا؟!

استُقيل وزير العدل المصري، وهو اشتقاق لغوي جميل يصف حالة من تُفرض عليه الاستقالة حفاظا على ماء الوجه، ولم يُستقَل أي وزير عندنا رغم الحماقات الكثيرة المتكررة، والحالات القليلة التي اضطرّ فيها الحاكم إلى تسليم الأمانة والهبوط من كرسي العرش كان ثمنها باهظا جدّا ولم تكن في كل الأحوال تعبر عن احترام الرأي العام بقدر ما كانت فرارا من جحيم مفتوح على مصراعيه، كذلك فعل حمادي الجبالي عند اغتيال شكري بلعيد  ومن بعده علي العريض بعد اغتيال محمد البراهمي، وكأن التداول على السلطة لدى هؤلاء لا يحتكم إلى معايير الإخفاق والنجاح في قلب معادلات التنمية والرفاه التقليدية وإنما في حاجة دائمة إلى قرابين بشرية. وقد اعترف مؤخرا المنصف المرزوقي وهو يرمّم ما تهدّم من تمثاله السياسي والحقوقي بأنه كان ينبغي عليه الاستقالة من منصبه عندما كان رئيسا مؤقتا للجمهورية لكن هذا الاعتراف المتأخر لا يزيد الرأي العام الا إحباطا إزاء عقلية التشبث بالسلطة التي لا يختلف فيها الحكام الجدد عن سابقيهم، فلا اختلاف بين قوله ذلك وقول بن علي في اللحظات الأخيرة “غلطوني”، ولا يضيف شيئا قوله وهو خارج السلطة “كان ينبغي أن أستقيل” الا المزيد من المرارة والسخرية.

يستقيل الوزراء في العالم المتحضر لا لأنهم مسؤولون بشكل مباشر على ما يحدث في وزاراتهم ولكن لأن مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية تقتضي ذلك، فالاستقالة في حالات كثيرة رسالة إيجابية من الحاكم إلى المحكوم، ويمكنها في الوقت المناسب أن تنزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها. والمتابع للشأن السياسي والاجتماعي في تونس بعد مضي مائة يوم من انتصاب حكومة الحبيب الصيد يمكنه أن يتبيّن بسهولة أنها في حاجة إلى استقالات كثيرة في وزارات لم يرق أداؤها إلى النجاعة المطلوبة، لكن التعنت ومعالجة الأخطاء بأخطاء أفظع لا يزيد الأزمات الا استفحالا، لا يختلف في ذلك قول وزير التربية في حكومة النداء للممنوعين من اجتياز امتحان الكاباس “تو نرجعولكم الخمسطاش دينار”؟؟! عن قول وزيرة المرأة في حكومة الترويكا وهي تعضّ بالنواجذ على كرسي الوزارة: اشربوا ماء البحر…!، فلا عزاء للتونسيين في طبقة كاملة من المناضلين خيبت أمل الناس في السياسة والديمقراطية وجعلت بعضهم يغبط في سره الرأي العام المصري الذي أقال وزير العدل لحماقة ارتكبها في برنامج تلفزيوني وما أكثر الحماقات التي نتجرّعها يوميا.


خارج عن السيطرة

Mosquée Ez-zitouna 04حدثني أحد الأصدقاء قال:

بعد رحيل بن علي اعتلى المنبر في المسجد الذي كنت أصلي به الجمعة رجل لا أعرفه، لم أسأل عن مآل الخطيب السابق فقد كان واضحا أنه أجبر على البقاء في البيت بعد أن عصفت به رياح لم يتهيأ لها.

تكلم الخطيب الجديد يومها فارتجل الكلام ارتجالا، ونظم الدعاء بطلاوة آسرة، كان صوته يعلو وينخفض، يسرع ويبطئ، يتلون ويتموج فانشدّت الأنظار إليه من أول كلمة نطق بها إلى أن أقام الصلاة، وما هي إلا أن فرغ الجمع من الركوع والسجود والدعاء فاستقبلهم الإمام الخطيب قائلا يا عباد الله، لقد بلغنا من الإخوة المصلين اقتراح بأن نُغــيّر وقت هذه الصلاة فنجعلها في الواحدة بعد الزوال فما قولكم؟

اشتدّ اللغط في المسجد وعلا هرج المصلين استنكارا لهذا الاقتراح، فقد حرص تنظيم المساجد منذ “العهد البائد” على أن تُصلى الجمعة في وقتين مختلفين: عند دخول الظهر وعند نهايته فتتصل بصلاة العصر وهو الأنسب في القيظ، وكان المرء يختار الوقت المناسب بحسب مهنته إذ لا تعطل أعمال الناس أيام الجمعة في تونس المحروسة إلا مساء خلافا لما هو سائد في الشرق.

ولما بدا واضحا أن الأمر لا يحظى بإجماع الحاضرين قال الإمام الجديد: لنحتكم إلى رأي الأغلبية، أو ليست تلك هي الديمقراطية، وليرفع يده كل من يرغب في تغيير وقت الصلاة في هذا المسجد! لكن الهرج تزايد واللغط اشتدّ وامتنع الحاضرون وكانوا بين جالسين وواقفين عن استفتاء الإمام، فما كان منه إلا أن صاح من جديد: يا عباد الله لا يجوز هذا اللغط في بيت العبادة، لنترك الأمر كما هو ولنؤجل النظر في اقتراح الإخوة إلى حين.

توقف صديقي قليلا ثم قال: وفي الأسبوع الموالي تغير وقت الصلاة وارتفع أذان الجمعة في الواحدة بعد الزوال، فانقطعت عن هذا المسجد الجامع وصرت أقطع عشرات الكيلومترات بحثا عن الصلاة الثانية ولم يتيسر لي سماع خطبة أخرى لهذا الإمام الخطيب إلا في مناسبتين اثنتين علقتا في بالي وكانتا الدافع الأكبر لحديثي هذا.

ازداد شوقي لمعرفة الحكاية بعد أن خلت أنها بلغت النهاية فاستسلمت لحديث الصديق وأصغيت بانتباه، قال: عدت إلى ذلك المسجد مرة في عطلة عيد الأضحى، يومها رفع ذات الإمام يديه إلى السماء متضرعا في خاتمة الخطبتين: اللهم عليك بالعلمانيين، شتت شملهم وأبد نسلهم… فتملكني خوف شديد من أن تفلت مني كلمة آمين وأنا أعتبر نفسي رغم مواظبتي على الصلاة أحد العلمانيين. أما الخطبة الثانية التي حضرتها إثر ذلك فكانت القطرة التي أفاضت كأس صبري، لقد فوجئت يومها بأذان واحد يرفع للجمعة ولم يخرج أحد كعادته لينبه المصلين بأن من لغا لا جمعة له كما درجت العادة في المساجد التونسية وعلمت آنفا أن رفع الأذان ثلاث مرات هو في المذهب الوهابي بدعة عثمانية وكل بدعة ظلالة وكل ظلالة في النار، وأن هذه البدعة قد ألغيت من هذا المسجد ، ليس هذا مهما فقد كانت خطبة الإمام يومها  أشبه بكابوس لم أفق منه حتى الساعة، لم يقتصر فيها على الدعاء على العلمانيين بل أضاف فيها حديثا عن الجهاد والجهاديين وبرأ نفسه من حث الشباب على الجهاد في سوريا لأن تونس على حد قوله أولى بجهاد شبابها، وقال لا فظ فوه: ينتظر العلمانيون منا أن نعود إلى السجون ويعودوا هم إلى سدة الحكم هيهات هيهات، لن يكون ذلك إلا أن تغرق البلاد في بحر من الدماء، فغايتنا التي لن نتنازل عنها هي تحكيم شرع الله طال الزمن أم قصر.

عند هذا الحد سكت صاحبي سكتة طويلة، خلت أنها استغرقت دهرا وأضاف: لقد سألت عن ذلك الإمام وعن الملّة التي ينتمي إليها فقيل لي إنه من أحد التيارات الإسلامية المعتدلة ! وهو معروف بانتسابه إلى الجناح الأكثر تشددا داخلها ! أما عن مستواه العلمي فهو لا يتجاوز الثالثة من التعليم الثانوي.

قلت لصاحبي لعلك قد انتهيت بمغادرة هذا المسجد الجامع إلى غير رجعة فالأئمة الخطباء تتباين مستوياتهم وتختلف، لكنه رمقني بنظرة تحمل أكثر من معنى: لقد أحدثت في خطب ذلك الرجل ندوبا عميقة لم أبرأ منها بعد، لقد احتقرت نفسي جالسا بين يدي ذاك الإمام ومن هم في درجته ونوع تفكيره فلعله أن يكون قاتلي من غير أن أدري لقد فقدت الرغبة في الصلاة وأخشى أن ينتهي بي الأمر إلى ما لا تحمد عقباه.

التعليقات على خارج عن السيطرة مغلقة more...

عدالة ساكسونيا

عدالة ساكسونيافي القرن الخامس عشر عرفت ولاية ساكسونيا الألمانية قانونا شهيرا ارتبط باسمها على مرّ العصور، وهو قانون يميّز بشكل سافر بين النبلاء والفقراء في تطبيق العقوبات، فالفقير الكادح يُعدَمُ في الساحات العامة بقطع رقبته، أما الغني ذو الحظوة والمكانة فيُعدمون ظلَّه!

وقضية نقابة التلفزة التونسية مع شركة “كاكتوس” لم تخرج بعد من نطاق عدالة ساكسونيا، فقد أنهت محاكم البلاد تقريبا النظر في كل الملفات المتعلقة بالثورة وبتّت فيها، فأطلقت سراح كبار مسؤولي الدولة في “العهد البائد” بعد أن لم تَجِدْ في ملفاتهم ما يمكن أن يُدينهم وأوصتهم بعدم الظهور في الأماكن العامة احتراما لمشاعر الراكبين على الثورة، ثم أغلقت المحاكمُ العسكرية قضايا الشهداء والجرحى ووضعت الختم العسكري الثقيل على مقولة السبسي الشهيرة: “القناصة إشاعة”، وأخيرا برّأت ابنة زين العابدين بن علي ذاته من تهمة تبييض الأموال ورفعت عنها قرار تحجير السفر حتى تتمكن من الذهاب إلى المملكة العربية السعودية لأداء مناسك العمرة! يحدث هذا بينما يتواصل تحجير السفر على الأستاذ محمد الفهري شلبي المدير العام الأسبق للتلفزة التونسية بوصفه أحد خمسة مسؤولين لم يقولوا: “لا” في وجه سامي الفهري عندما كان يصول ويجول، فالقضية الوحيدة التي ترتخي أمامها عضلات القضاءهي هذه القضية التي اتهم فيها المديرون باقتناء برامج خارج قانون الصفقات العمومية وهي قضية تأبى المحاكم البت فيها وغلق ملفّها وإعطاء المتصلين بها حقوقهم، مواصلةً تسليط عقوبةِ المنع من السفر على شخص حتى لو أدين لما عوقب بمثل هذا العقاب الظالم!

تستمرّ هذه القضية حتى الساعة رغم أن شركة كاكتوس التي صادرت الدولة نصيب بلحسن الطرابلسي في رأس مالها تبث برامجها بذبذبات الحوار التونسي القناة المعارضة الأولى لنظام بن علي وتحقق أعلى نسب المشاهدة(!). هكذا أعيد توزيع المقاعد من جديد، بقي من بقي في مكانه وغيّر من غيّر مكانه، حصل كثير من المذنبين على صكوك التوبة الغفران ودخل من دخل بيت أبي سفيان. ولم تنتبه العدالة إلى أن مماطلتها في هذه القضية لا تجعل منها مأساة انسانية واجتماعية في حياة الأستاذ محمد الفهري شلبي فحسب بل أيضا كوميديا سوداء مضحكة، لقد ظلّ الراكبون على هذه الثورة يبحثون عن مؤيدات تُـقنعهم هم أولا وتقنع العالم ثانيا بوجهة نظرهم، إذ ينبغي الكثير من الجرائم والكثير من المتهمين والكثير من الضحايا حتى يقتنع الناس بأن تونس كانت تعيش حالة الجاهلية الأولى قبل هذا الطوفان، ومثلما لم يجرؤ بن علي على محاكمة معارضيه باسم الاختلاف السياسي ولفق لهم قضايا تحرش و اغتصاب و تخابر مع دول أجنبية فعل خصومه أيضا عندما استلموا السلطة، فلم يقدموا مسؤولا واحدا إلى العدالة بتهمة الاستبداد والانحراف السياسي بل تركوا المحامين والنقابات والفضوليين يقدمون قضايا ذات خلفية سياسية تفوح منها روائح الانتقام الشخصي تحت مسميات مختلفة أبرزها إساءة التصرف في المال العام أو مخالفة قانون الصفقات العمومية، وهكذا اختلط الحابل بالنابل وَوُضِع البيض كله في سلة واحدة، ونظرا لتفاهة الكثير من القضايا المرفوعة وخواء ملفاتها من المؤيدات والقرائن الدامغة لم يعاقَبْ أحدٌ من الذين قال عنهم الرئيس في سويعاته الأخيرة: “غلطوني وسيحاسبون”، لكأنهم أول المستفيدين من الثورة التي قامت ضدّهم، “فسيادته” لو حاسبهم كما توعّد لما أطلق سراحهم مثلما فعلت عدالة ساكسونيا.


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress