Tag: الثورة التونسية

حوار إذاعي مع السيد أحمد المناعي

أحمد المناعي

أحمد المناعي

بعد سنوات طويلة قضاها في المنفى عاد السيد أحمد المناعي ليدشن مرحلة جديدة من حياته في تونس الثورة، تونس التي تعد الآن بالحرية والديمقراطية مستجيبة لتطلعات أجيال من المناضلين عُـذِّبوا كثيرا في سجون بن علي من أجل مجاهرتهم بهذا الحق.
يحمل السيد أحمد المناعي في ذاكرته خبرة سنوات النضال السياسي ضدّ الدكتاتورية وقد خبرها جيدا بعدما التفّ الرئيس السابق على وعوده بالديمقراطية والتعدّدية وصنع من الإسلاميين فزاعة بنى على أكتافها جهاز الهيمنة والاستبداد الذي أطاح به الشباب يوم 14 جانفي 2011 في ثورة عربية غير مسبوقة ينظر لها العالم الآن بكل انبهار
في هذا الحوار يستعرض السيد أحمد المناعي حصيلة سنوات النضال السياسي والمنفى القسري من تجربة انتخابات 1989 وصولا إلى محاولة اغتياله في فرنسا على أيدي البوليس السياسي المختص في تعقب المعارضين في العواصم الأوروبية. وخلال هذا الحوار يستعرض السيد أحمد المناعي  جملة من الآراء تتعلق بما يحدث راهنا في تونس : أي دور للشباب في صياغة الأفق السياسي للبلاد وكيف يمكن فهم حزب حركة النهضة الذي يتأهب الآن للمشاركة في الحكم بنسبة الأغلبية.

استمع إلى الحوار كاملا ويستغرق ساعة وعشر دقائق

 

———-

أجري الحوار في شهر أوت 2011


يوم من أيام سكسونيا

عامر بوعزة

عامر بوعزة

التّاسعة صباحا، أربعون درجة في الظلّ، يوم آخر من أيام جويلية القائظة يتثاءب ويتمطى ثم ينتصب واقفا ليصبّ شواظه النحاسي على رؤوس الناس ويغمر الشوارع بحرارة خانقة. اصطحبت ابني إلى مركز الأمن لتجديد جواز سفره، فعقلنا السيارة في ظلّ شجرة، وترجّلنا. كان المركز غرفة بيضاء ضيقة بالكاد تتّسع لبعض الأنفار، لكنها اليوم منذ الثامنة صباحا مكتظة بالناس من مختلف الأعمار، فتوكلنا على الله آملين في أن يكون إبكارُنا سببا في خلاصنا سريعا بأخفّ الأضرار.

استقبلنا في مدخل المركز شخص بملابس مدنية وذقن غير حليق، كان يبدو في هيئته تلك أشبه بنادل مقهى، مثلما كان الوافدون وهم يتزاحمون أمامه أشبه بحرفاء سيتناولون على عجل «كابوسان» ويمضون، ألقيت في وجهه تحية الصباح وأعلمته أنني جئت لتجديد جواز سفر، فتجاهل التحية وتركها معلقة في الفراغ قائلا بقدر كبير من اللاّمبالاة: هؤلاء أيضا مثلك فانتظر معهم. ثم أردف: لا أدري إن كانت الموظّفة ستأتي اليوم أم لا!

(مواصلة القراءة…)


لقد وقعنا في الفخّ

فخ العولمةوَصَفَ كتابُ فخّ العولمة بدقة ما حدث قبل حدوثه، ولم يكن ذلك تنبؤا بقدر ما كان استشرافا عميقا لما سيؤول إليه وضع الانسان والدولة في ظل دكتاتورية السوق والعولمة. فقد سارت الأمور في اتجاه مغاير لما بشّرت به الدعاية وانتهى الأمر إلى الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية على حد تعبير المؤلفين.

مع نمو العولمة ازدادت الفوارق بين البشر، وأصبحت نظرية الخُمُس الثري بمثابة الحتمية التاريخية، عشرون في المائة من السكان يمتلكون الثروة وثمانون في المائة سكانٌ فائضون عن الحاجة يعيش جزء كبير منهم بالتبرعات والإحسان والتكافل الاجتماعي. قلصت التكنولوجيا فرص العمل وألغت الفلسفةُ الليبراليةُ دورَ الدولة الاجتماعي واقتضت المديونية أن تنضبط الحكوماتُ بصرامة أمام مؤسسات النقد الدولية حيث يتحكم مضاربون كبار في اقتصاديات الدول وسياساتها من وراء وميض شاشات الكمبيوتر فتفاقم عجزها. كلُّ شيء كان مخططا له بدقة، والسؤال المحيّر حول: ماذا سنفعل بالفائضين عن الحاجة؟ كان مطروحا منذ البداية على منظري اقتصاد السوق، وقرّروا أن خليطا من التسلية المخدرة والتغذية الكافية يمكن أن يهدّئ خواطر المُحبطين. لن تلتزم مؤسسات الإنتاج بأي واجب اجتماعي تحت ضغط المنافسة التي تفرضها العولمة إذ الاهتمامُ بأمر العاطلين عن العمل هو من اختصاص جهات أخرى، وينبغي أن يقع عبء الأعمال الخيرية على عاتق الأفراد في مبادرات تضامنية يقومون بها لمساعدة بعضهم البعض. لقد أخذت المنافسة المعولمة تطحن الناس طحنا وتدمّر تماسكهم الاجتماعي، وقعنا في الفخّ، ولم يكن ثمة سبيل إلى القفز على هذه الهوة العميقة أو تجنبها، وأصبحت الهزات الاقتصادية تعصف بدول عريقة في الديمقراطية والرفاه الاجتماعي وتلقي بظلالها العميقة على أوضاع الناس فيها، أما في الدول التي تفتقر إلى الديمقراطية والتي كانت تتمتع في الماضي القريب بقدر نسبي من الرفاه الاجتماعي فإن الانقراض التدريجي للطبقة الوسطى وتوسع رقعة الفاقة والبؤس قادا إلى الانفجار.   (مواصلة القراءة…)


رسالة هادئة إلى دكتور غاضب

الدكتور فيصل القاسم

الدكتور فيصل القاسم

الدكتور فيصل القاسم
أنت لا تعرفني ومع ذلك اسمح لي أن أُعاتبك عتاب مودة، لا أعاتبك على موقف فالمواقف من شيم الرجال وهي ليست للعتب، بل للجدل والاختلاف فيها رحمة. لكن أعاتبك على قولك في ديباجة ما كتبت: “سمعت أن النظام الديمخراطي في تونس مزعوج من حلقة تلفزيونية…”.
لَهْ يا عيب الشوم!
أهكذا تورد يا فيصلُ الإبلُ؟!
لقد درستُ الأدب العربي على يدي رجل من أنبل الرجال، أديب من أمتن أدباء عصره معرفة، وهو الذي أستعير منه عبارة “عتاب المودة”، فقد كانت تجري على لسانه كلما أراد جدلا واختلافا، وكان يقول عندما يصحّح خطأ شائعا بصواب مهجور: ” أشيعوا عني في المدينة قولي كذا وكذا…”، لأنه يؤمن أن العلم بلا عمل مجرد هراء أو فساء. أستاذنا الجليل أطال الله عمره كان مفردا في صيغة الجمع، ونحن نعتز به وننتسب إلى علمه ونتمثل بمواقفه كلما فرضت علينا نفسها ونحن في تجليات الكتابة. لكنه وهذا بيت القصيد لم يكن من حملة الدكتوراه، عاش محروما من حرف الدال الذي يتدلدل من السطر قبل اسمك يا دكتور، ومع ذلك كان على خُلُق عظيم!
أرأيت كم هي ثمينة عندكم تلكمُ الدال التي تجرجرونها وراء أسمائكم، وكيف هي لا تساوي شيئا عندنا إذا لم تكن قرينة علم وأخلاق وأدب !!
عتبي عليك في انسياقك وراء الهوى، وتفريطك بسهولة وبلا تردّد في أعزّ ما تملك وما يُفترض أن يكون فيك من وقار العلماء، ذلك الذي يشعُّ من لفظ الدكتور وراء اسمك. بربّك هل رأيت دكتورا غيرك يستعمل لفظ “الديمخراطي”؟، لست أستغرب منك قولك “سمعت أنّ” رغم أنها كلمة معيبة في حقك وطعنة أخرى سددتها إلى شبح الدكتور الذي يلازمك كظلّك، فالدكاترة عادة لا ينطقون بمثل هذا الهراء، لا ينفعلون بمجرد السماع، بل تحركهم الحجج القوية الموثقة، الدكاترة يا دكتور يناقشون القضايا الأصلية ولا ينشغلون بهوامش الأمور…
تستبدل حرف القاف بحرف الخاء في عبارة الديمقراطية، فتوحي بما يحفّ بهذا الصوت من المعاني القبيحة في عبارة “الخرا”؟!، رسالتك وصلت، لكنها لا تستحق أن يُردّ عليها، لكونها أولا صادرةً عمّن لا صفة له، فالديمقراطية في تونس شأن تونسي، ولأنها حالة واقعية لا يعتدّ فيها بالسماع، سيما إذا كان محدّثك من الشق المهزوم في انتخابات تستطيع أن تقول فيها ما تشاء إلا أن تكون غير ديمقراطية، صحيح أن تونس تمرّ بظرف استثنائي صعب، لكن التونسيين  بأنفتهم وشموخهم يدركون أن للحرية ثمنا، وهو ثمن ضئيل لا يقارن بالخراب الذي حلّ باسم الديمقراطية في أوطان أخرى أنت تعرفها. وملخص ذلك أن الحرة عندنا تجوع ولا تأكل بثدييها كما يفعل آخرون وأخريات.
النظام الديمقراطي في تونس حقيقة كائنة بفضل دماء الشهداء البررة ولن يغير منها نعتك الشائن لها، لن ينقص منها ذلك بقدر ما ينقص منك، فلتراع حرمة الكلمة كلمةِ الدكتور التي تكاد تنطق من الضجر وراء اسمك في كل المحافل ولا تهبط درجة أخرى في الحضيض لتكتب كما يكتب صبيان الفايسبوك والسُّفهاء.


المهرولون

دموع التماسيح

دموع التماسيح

للتونسيين مع الدموع التلفزية تاريخ طويل، فمنذ زمن الأسود والأبيض لم تكن خطب الزعيم الحبيب بورقيبة تخلو من لحظات عاطفية تتغير فيها نبرته وتترقرق دمعته فيتوقف ليرفع النظارات ويمسح عينيه ويعدل صوته ثم يعود إلى السياق كأن شيئا لم يكن. كان يُحدث الناس عن طفولته وأمه ونساء عائلته فيبكي ثم يعلن أن تحرير المرأة هي قضيته الشخصية الأولى، ويحدث الناس عن الزنازين التي اقتيد إليها والمنافي التي أبعد فيها فيبكي ثم يؤكد أنه قد انتصر على الذين كانوا يعتقدون أن إخراج فرنسا أمر مستحيل، وكان يغالب دموعه كلما تذكر أن تونس ستستمر من بعده، وسرعان ما يطمئن جمهوره على مستقبلها لأن أساسها متين لا تقتلعه العواصف العاتية.

كنا نحب الزعيم ونحب خطبه ودموعه التي هي أبلغ من كل صيغ التوكيد في اللغة، وعندما كبرنا وحدثونا عنه اتضح أن كل تلك الدموع التي ذرفها في خطبه كانت جزءا من سيناريو متقن للتواصل الجماهيري في زمن كان فيه بعض الزعماء يستحوذون على مشاعر الملايين بدمعة وابتسامة. ورغم ذلك لم يشكّ أحد في صدقها لأنها كانت رسائل عاطفية مشفرة ترسخ في الأذهان العلاقة الأبوية التي تربط الزعيم القائد بالشعب وتجعله المرادف الرمزي للدولة.

وفي نهاية الثمانينات، عندما غنى محمد عبد الوهاب رائعته “من غير ليه” بكى صالح جغام في برنامج تلفزي غضبا على أشخاص لم تعجبهم الأغنية وقال كلمته الشهيرة: “لا تكتبوا عن الأشياء التي لا تعرفونها ولا تشعرون بقيمته لأنكم لم تعيشوها”. كان صالح جغام صوتا من أصوات الإذاعة في عزها ورمزا من رموز الثقافة العصامية، وقبل سنة واحدة من وفاته المفاجئة كان في قلب تحولات المشهد الثقافي والإعلامي كمن يقود عاصفة بمفرده، تلك العاصفة التي بشّر بها الشابي من قبل لاقتلاع الجذور اليابسة، وكان عندئذ صادقا في دموعه لأنه كان يخوض معركة حقيقية ضدّ الرداءة.

من شهد سهرة الوداع الفلسطيني ذات ليلة صيف من إحدى سنوات التسعينات لا يمكن الا أن تعلق بذاكرته كما تعلق الذكريات الجميلة دمعة محمود درويش، كانت دمعة صغيرة لكنها نهر من الأحاسيس نَبَع من جهة في القلب لا يدركها الا الشاعر، في تلك اللحظة لم تستطع اللغة أن تقول بمفردها مشاعر شعبين عاشا معا اثنتي عشرة سنة كاملة بحلوها ومرّها، “هل نسينا شيئاً وراءنا؟ نعم… نسينا تلفُّت القلب، وتركنا فيك خير ما فينا، تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا”، هي دمعة ترجمت إلى كل لغات العالم عرفان فلسطين بالسخاء العاطفي التونسي، واختصرت عمرا مشتركا امتزجت فيه الدماء بالدماء عندما لاحقت طائرات العدوّ تحت أنظار العالم منظمة التحرير الفلسطينية حتى شواطئ الساحل الافريقي الشمالية، في ليلة الوداع تلك تلألأت في بريق الدمعة صور السفينة وهي تدخل صباحا ميناء بنزرت حاملة المقاتلين الفلسطينيين وأيتام الشهداء القادمين من جهنم بيروت، ضاقت بهم الأرضُ على رحابتها ففتحت لهم تونس أحضانها، تلفعت زوجة الرئيس بكوفية فلسطينية وحملت في ذراعيها طفلا وتقدمت المقاتلين وهم ينزلون من السفينة على وجوههم غبار المعركة الأخيرة والحصار وعلى أكتافهم رشاشات لم يطلب منهم أحد خلعها قبل الهبوط إلى أرض قرطاج. وظلت تونس تفتخر طويلا بأنها البلد العربي الوحيد الذي لم يخرج منه الفلسطينيون مطرودين، بل عادوا منها إلى ما يشبه البلد وما يمكن اعتباره بداية الاعتراف بالدولة.

وكم كان مؤثرا مشهد أرملة شهيد إسلامي وهي تقول لأحد قادة حركة النهضة باكية: لا تنتقموا، حدث ذلك في أعقاب الانتخابات الأولى بعد الثورة وكانت شماريخ الفرح تملأ سماء مونبليزير، كانت تلك المرأة التي تعرف الجمر أكثر من غيرها تبكي من شدّة الفرح، وكانت دعوتها أبناء الحركة للصمود في وجه ثعبان السلطة وإغراءاته ذروة الشموخ الذي يكلل كل القصص الأليمة، لكنّ صورتها ضاعت شيئا فشيئا في ضباب الكراهية السوداء وتلاشت في دخان الحقد الأعمى.   للدمعة هيبتها وللابتسامة رونقها عندما تنبعان من القلب وتفيضان صدقا وبهاء، لكننا صرنا إلى زمن تهاوت فيه القيم وتبعثرت تحت أقدام المهرولين والمتسلقين، ومثلما لا يشك أحد في صدق هذه الدموع التي ذكرت لا يختلف عاقلان في أن الدموع التي تقطر نفاقا ورياء لا تثير في النفس أي أسف أو أسى بل تستفز مشاعر السخط وتتحول بمرور الأيام إلى ما يشبه النكتة أو الموقف السخيف الذي يتندّر به الناس، يدخل ضمن هذا الباب بكاء ذلك الوجه الرياضي المعروف وهو يشكر “سيادة الرئيس” ويدعو لوالديه بالرحمة لما أنعم به على القـناة وباعثها، ولا يختلف عنه في شيء مدير الحملة الانتخابية للرئيس المنتهية ولايته عندما بكى بين يدي سمير الوافي نيابة عن مساجين العهد السابق من غير أن ينتبه إلى أن ضحايا القهر الحقيقيين لا يبكون، وليسوا في حاجة إلى من يبكي نيابة عنهم، فتلك خصلة أخرى من الخصال التي تجعل الناس أمامهم يتضاءلون، وكل بُكاء مأجور باسم معاناتهم هو ضرب من التحيّــل الموصوف.


الثورة التونسية، تغيير نظام أم تغيير مجتمع

لا أحد كان يتوقع حدوث هذا السيناريو: رحيل الجنرال زين العابدين بن علي ذي القبضة الحديدية الخانقة عن أرض تونس وسمائها عشية 14 جانفي 2011 بطريقة مرتجلة يكتنفها الغموض، ولا أحد قد احتاط لذلك على الأقل بتصور المقتضيات العاجلة، فبدا هذا الارتباك عند التردّد في استخدام آلية الدستور[1] بما جعل البلاد تشهد تعاقب رئيسين في أقلّ من أربع وعشرين ساعة بعد أن هيمن عليها رئيسان لفترة نصف قرن ونيف[2]! ، و تتالت الأخطاء في ظلّ حكومة السيد محمد الغنوشي إلى أن أجبره الحراك الجماهيري في محيط مقر الحكومة أو ما أصبح يعرف بمصطلح “اعتصام القصبة” على الاستقالة وعيّن الرئيس المؤقت السيد فؤاد المبزع رجلا من رجال العهد البورقيبي السيد الباجي قائد السبسي للاضطلاع بأعباء المرحلة الانتقالية، مع الإعلان في ذات الوقت عن تعليق العمل بالدستور القديم وتحديد موعد لانتخابات تعدّدية تفضي إلى إنشاء مجلس تأسيسي في منتصف صائفة 2011.

الثورة التونسية

الثورة التونسية

تؤكّد أحداث الأربعين يوما التي تلت فرار الرئيس التونسي المخلوع إذن أن الثورة لم يكن مخططا لها بالشكل الذي يضمن تحقيق أهدافها بسرعة وفعالية، فكانت ثورة شعب رفع شعار إسقاط النظام دون أن يتهيأ لإمكانية تحقق مطلبه هذا !،  فوسط الارتباك الحكومي والتردد الواضح في التعامل مع الماضي مجسّدا في رموز النظام السابق ومؤسساته ، عاد المُهجرون من المنافي بسرعة وتتالى تأسيس الأحزاب السياسية استعدادا لاستحقاقات المرحلة المقبلة، وتواصل الوضع الأمني مضطربا حتى بلغ يوم 25 فيفري حدّ الاعتداء العنيف على أحد رموز السيادة الوطنية مقـرِّ وزارة الداخلية الشامخ المهيب وسط الشارع الرئيسي في العاصمة وهو صورة عن هيبة الدولة وقسوتها، و كان الشارع ذاته قد احتضن الآلاف من المنادين برحيل بن علي عشية يوم 14 جانفي بينما كان سجناء سياسيون يقبعون في أقبية هذه الوزارة يسمعون صدى هتافات الناس وهم تحت الأرض لا يرون من سماء الحرية أو أفقها المفتوح إلا بصيصا من الضوء يتسع شيئا فشيئا تحت وقع الحناجر المدوية.

في ظلّ تجاذبات عنيفة تستدرج الثورة الشعبية إلى ساحتها للاستحواذ على منجزها، تضمَّن الخطاب الرئاسي[3] الذي رسم خارطة طريق الفترة الانتقالية في معرض حديثه عن بعث “هيئة تحقيق أهداف الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” إشارة إلى رجال المرحلة فهذه الهيئة متكونة من “شخصيات سياسية وطنية وممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني المعنية بالشأن الوطني في العاصمة والجهات ممن شاركوا في الثورة وساندوها[4]. (مواصلة القراءة…)


رماد البوعزيزي

ـ1 ـ

أثر الفعل تجاوز الفعل ذاته، على نحو فاجأ المخيلة، ولم يتوقعه الظن. بلدة فقيرة منومة أيقظت المدن من سباتها. جناح فراشة تونسية ولـد إعصارا عربيا. وها هي العاصفة، الآن، تسكن في كل بيت في هذه البقعة

أدونيس

أدونيس

العربية من العالم.

أما كيف حدث ما حدث، أو لكي نحور إيجابيا المثل العربي الشعبي: كيف صارت الحبة التونسية قبة عربية؟ فأمر يجب أن يعالجه، تفهما واعتبارا، إضاءة واستنارة، ذوو الخبرة والاختصاص.

في كل حال، يُشير هذا الذي حدث إلى الطاقة العملية التي يختزن الإنسان والتي تتفجر على نحو يحير ويدهش، خصوصا أنه لم تقم به طبقة بعينها، أو نخبة محددة. ولم يصدر عن نظريـة في تحريك الجماعات. ولم ينزل من فوق، أو من مسبقات فوقية. صعد من أسفل. من التجارب الحية. من آلام البشر وعذاباتهم. إنه انبثاق من الحياة ذاتها.

إذا أضفنا حضور المرأة إلى جانب الرجل في كل ما حدث، والطابع اللاعـُنفي، بعامة، ونـُشدان الحرية والكرامة والعدالة وحكم القانون، قبل الهتاف المألوف ضد الاستعمار، أو البطالة، أو الفقر، فإنني، شخصيا، لا أتردد في وصف ما حدث بأنه ظاهرة عربية فريدة حقـا.

ـ 2 ـ

حتى الآن، زُلزلت السلطات العربية. سقط بعضها. وبعضها الآخر يتأرجح. فلتذهب كلها إلى مصيرها الصغير البائس. لم تفعل شيئا يمكن الاعتزاز به، حضاريا، أو البناء عليه. لم تفعل، بعامة، إلا بوصفها شركات استثمار في بلدان تُهيمن عليها كانها مجرد أسواق.

تجارب دامية متنوعة طول خمسة عشر قرنا كانت، منطقيا، كافية لكي تزول ثقافة الخلافة والاستخلاف. لكنها على العكس» ظلت بقيمها وعناصرها وأدواتها مستمرة وفعالة. وهذا ما تؤكده مرحلتنا التاريخية الراهنة، مجسمة في السلطات العربية الوطنيـة، منذ نشوئها، بعد الاستقلال، في أواسط القرن الماضي المنصرم. (مواصلة القراءة…)


إعــــدام ميت

 

محمد البوعزيزي

محمد البوعزيزي

حمدت الله كثيرا عندما قرأت نص أدونيس “رماد البوعزيزي” ، لقد هبط هذا النص في وقت حرج أخذ فيه جمع غفير من الأوصياء على التاريخ والرّمز والمجاز يسحبون محمد من أسماله البالية ليخرجوه بالقوة من بيت الأسطورة الذي شيدته له ضمائر الناس في الوطن العربي، وقد كان سببا -مجرد سبب لا غير- في أن تتهاوى أصنام السياسة العربية الواحد تلو الآخر فتتكسّر تحت وطأة أمواج الغضب الشعبي.

جاء أدونيس في الوقت المناسب ومدّ يده ليدفع البوعزيزي دفعةً قوية إلى الداخل ويغلق باب البيت آخذا المفتاح معه، إنها نقطة ينبغي أن يعود الجميع بعدها إلى السطر ويبحثوا عن جثة أخرى يبدؤون معها سطرا آخر في لعبة الكـرّ والفرّ العجيبة هذه، فالاندفاع الأهوج في مقاومة صورة البوعزيزي وصدّها تحت مسميات العدالة والحق والفضيلة والديمقراطية تبدو للناظر عن بعد كالوقوف أمام قاطرة  تشق عباب الفراغ. إن إحساس بعض الأشخاص بامتلاك الحقيقة لا يعدو أن يكون تورما واضحا في ذواتهم وخللا في تصورهم للوجود، فهم لا يتورعون مثلا إذ يفتحون  ثلاجة الموتى ليقتلعوا  ضرسا ذهبيا يرون أنهم أحق به من الديدان، أو يقصون إصبع جثة متفحمة ليفوزوا بخاتم يعرفون أنْ لا أحد سيتذكره في المأتم. هؤلاء هم الجزء المخفي من جبل الثلج، هذا الجزء ما كان ليظهر لو لم يذوّب حريقُ البوعزيزي الجزء الظاهر منه والذي كان ستارا كثيفا يمنع الناس من رؤية الأشياء كما ينبغي أن تُرى.

لقد كانت الثورة الشعبية زلزالا عنيفا أطاح بعرش الفساد وظلت ارتداداته المتتابعة تسحب الأرض من تحت الأنبياء الجدد والكهنة والسحرة وحملة المباخر والمشعوذين، وها إن رماد البوعزيزي يعيد إلى الحقيقة شيئا من نسبيتها بعد أن مرّغ أنفَها البعضُ في وحل المزايدات الانتهازية والدونكيشوتيات الخالية من كل معنى إيجابي، فلم يكن ضروريا الربط بين الدفاع عن سجينة لم يهتم أحد بالإصغاء إليها في غمرة الثورة وما تلاها وإخراج البوعزيزي من ذاكرة الرمز وتجلياته الممكنة والتراجع عن منحه شرف الحرف الأول في فقرة التغيير الدراماتيكي الذي حدث. (مواصلة القراءة…)


صبّ الماء على اليدين

عبد العزيز بن ضياء

عبد العزيز بن ضياء

في حوار صحفي أجري معه أكد السيد ساسي بن حليمة محامي عبد العزيز بن ضياء أن موكله لا يقبع في ثكنة العوينة بسبب تهم واضحة يمكن اعتمادها للزج به في السجن وإنما احتياطيا تحت ضغط الشارع الذي لن يحتمل رؤيته طليقا، فلو حصل ذلك لحدث ما لا يمكن التكهن به من فوضى وعنف على سبيل التذمر والاحتجاج، وكانت الكلمة المفتاح في تبرير المحامي براءة هذا السياسي “الكبير” الذي رافق عهدين من عهود الدولة التونسية إلى الهاوية، أن موكله لم يكن له ذنب فيما حصل إذ لم يكن صانع سياسة الفساد بل كان مجرد “صباب ماء على اليدين”.

وعندما يصدر كلام كهذا عن أستاذ في القانون مشهود له بالبراعة و طول ذات اللسان في ساحات القضاء ومَعامِعه فإنّ الشعب الكريم سيتجرّع لامحالة بعضا من مرارة الخيبة، فالناس ينتظرون تسليط عقوبة تليق بوزير شارك في إدارة دفة البلاد أربعة عقود بلا كلل أو ملل حتى صار حضوره في المحافل الرسمية للدولة التونسية أبرز دليل مرئي على ضعف هذه الدولة وتراجع أدائها العام بل ووقوعها في تناقض صارخ بين منطوقها الخطابي وأسلوبها السياسي، فبينما كان  نظام بن علي يزعُم الإيمان بدور الشباب في تحقيق المصير كانت الطبقة الحاكمة في تونس تتآكل تدريجيا تحت وطأة الترهل والشيخوخة والضعف وما كان لبعض الرماد المذرور على العيون أن يصرف أنظار الناس عن خطورة الوضع بعد أن بدأت رائحة الصراع على خلافة الرئيس تزكم الأنوف وبدأ حضور هذا الوزير بالذات مع صهر الرئيس الصاعد بقوة يستفز قريحة المشاهدين وينبئهم بأنه بصدد البحث عن مقعد وثير في دولة ما بعد بن علي أيضا. (مواصلة القراءة…)


أحمد الكرفاعي : عندما خرجنا من بيت طاعة الزعيم

رئيس تحرير الرأي سابقا

رئيس تحرير الرأي سابقا

احتلت جريدة الرأي طيلة عقد كامل من الزمن (1977-1987) مكانة ممتازة في التجربة الصحفية التونسية بوصفها محطة مهمة من محطات النضال ضدّ الاستبداد السياسي والعمل من أجل إرساء الديمقراطية الحقيقية في مناخ سياسي تسوده كاريزما الزعيم فتلقي بظلالها الحادة والقاتمة على مشهد شمولي ينزلق بسرعة ضدّ حركة التحرّر.

في هذا السياق تتنزل تجربة السيد أحمد الكرفاعي إذ تفتح وعيه السياسي في مناخ الحزب الحرّ الدستوري وفي أحضان رعاية بورقيبة الرمز والانسان  للشباب الدستوري المؤتمن على وضع لبنات الدولة الحديثة وإنجاح مرحلة الاستقلال ولكنه سرعان ما وجد نفسه منذ بداية السبعينات وبعد تجربة مهمة في جريدة العمل الناطقة بلسان الحزب منساقا ومندفعا في اتجاه مغاير اتجاه يؤمن بالديمقراطية سبيلا إلى تحقيق الانعتاق الحقيقي والخروج بالانسان التونسي من القهر والهيمنة أيا كان مأتاها الاستعمار الامبريالي أم طموح الدولة الحديثة.

وهكذا كانت صحيفة الرأي التي ظهرت في نهاية سنة 77 أياما قليلة قبل الخميس الأسود (26 جانفي 1978)  نقطة الجذب القوية التي التف حولها الديمقراطيون والمثقفون وعلى صفحاتها بدأت تظهر الأفكار المتحرّرة والأساليب المجدّدة في مقاربة الواقع السياسي بعينين مختلفتين تؤمنان بالحرية

هذا الحوار الإذاعي الذي أجريناه مع السيد أحمد الكرفاعي يعود الفضل فيه إلى مبادرة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بالتنويه إلى مسيرة الرجل النضالية وحقه في التكريم في عهد ما بعد الثورة باعتبار أن جيله مهّد الطريق ولا شكّ أما ما تشهده تونس اليوم من رغبة في إرساء نموذج سياسي ديمقراطي حقيقي ولأن للسيد أحمد الكرفاعي كما قال الدكتور المنصف المرزوقي يومها أسلوبا لا يستهان بأهميته في استقطاب الأقلام واستمالتها ومنحها الثقة في النفس وهو ما يغلب العامل الانساني في تجربة الرأي على شتى العوامل الأخرى.

استقبلنا السيد أحمد الكرفاعي ( 77 سنة ) في بيته الكائن بمنطقة رادس جنوب العاصمة التونسية والكائن أمام محطة قطارات الضواحي وبحضور الشاعرين محمد بن صالح وحسين العوري وبقية أفراد الأسرة الصغيرة استمتعنا قرابة ساعة من الزمن بسرد أطوار من حياة الضيف ونضالاته في سبيل حرية التعبير وكرامة الانسان.

استمع إل الحوار كاملا

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress