Tag: الثورة التونسية

يوم من أيام سكسونيا

عامر بوعزة

عامر بوعزة

التّاسعة صباحا، أربعون درجة في الظلّ، يوم آخر من أيام جويلية القائظة يتثاءب ويتمطى ثم ينتصب واقفا ليصبّ شواظه النحاسي على رؤوس الناس ويغمر الشوارع بحرارة خانقة. اصطحبت ابني إلى مركز الأمن لتجديد جواز سفره، فعقلنا السيارة في ظلّ شجرة، وترجّلنا. كان المركز غرفة بيضاء ضيقة بالكاد تتّسع لبعض الأنفار، لكنها اليوم منذ الثامنة صباحا مكتظة بالناس من مختلف الأعمار، فتوكلنا على الله آملين في أن يكون إبكارُنا سببا في خلاصنا سريعا بأخفّ الأضرار.

استقبلنا في مدخل المركز شخص بملابس مدنية وذقن غير حليق، كان يبدو في هيئته تلك أشبه بنادل مقهى، مثلما كان الوافدون وهم يتزاحمون أمامه أشبه بحرفاء سيتناولون على عجل «كابوسان» ويمضون، ألقيت في وجهه تحية الصباح وأعلمته أنني جئت لتجديد جواز سفر، فتجاهل التحية وتركها معلقة في الفراغ قائلا بقدر كبير من اللاّمبالاة: هؤلاء أيضا مثلك فانتظر معهم. ثم أردف: لا أدري إن كانت الموظّفة ستأتي اليوم أم لا!

بعد أن تقتعد مكانا مع القاعدين داخل هذا المشهد يمكنك أن تستوعب ما يحدث وتفكّكه في ذهنك جيدا، وستسعفك في ذلك كلمات طائشة يلقيها بين الفينة والأخرى عون الاستقبال الذي كان يحاول جاهدا أن يبدو ودودا وخدوما ومسلّيا. لقد كان بصدد تقديم عرض من نوع «الوان مان شو»، فرجة الرجل الوحيد، فهو مكلّف بإرشاد المواطنين وتلبية طلبات الراغبين في استخراج شهادة الإقامة بعد الاطّلاع على ما في حوزتهم من وثائق تؤكد انتسابهم بالسكنى إلى المنطقة مرجع النظر والاطمئنان إلى أنهم لم ينسوا الطابع الجبائي، وهو الذي يسلّم بطاقات التعريف الجاهزة لأصحابها مقابل وصل صغير يستظهرون به، وأثناء كل هذا يُسلّي المنتظرين ويحدّثهم عن بعض أسرار المركز العائلية، ثم يغيب قليلا ليجلب من المقهى المجاور قارورة ماء معدني مثلجة لمن يطلبها من الموظفين، كلّ هذا وسيجارته وابتسامته لا تفارقان وجهه الذي يشبه في الواقع كل وجه تونسي مكدود. ومن الواجب إنصاف هذا الرجل فرغم تعدّد وظائفه وتنوعها يبدو مطّلعا جيدا على القوانين متشبّثا بها، حتى إنه رفض أمامنا استخراج شهادة إقامة لمواطن لم يستظهر الا بتصريح على الشرف من صاحب البيت الذي يسكنه على سبيل الإيجار، فقال له وهو يرفع صوته حتى يسمع كل من في القاعة ويشهدهم على صرامته في الحقّ:

–        التّصريحْ عْلَى الشّرفْ ما يعوضش عقد الكِراء، ومَا عَنْدُو حَتَّى قِيمة في الوَثائق الرّسْمِيّة.

 وأضاف كمن يريد أن يطلعنا على سرّ خطير:

–       اشبيه مُولَى الدّار ما يعملش عقد؟ أكيد ثمة  حاجة!

 وحتى يؤكد للرجل صحة موقفه استجاب لإلحاحه وذهب لاستشارة رئيس المركز في الموضوع لكنه عاد والخيبة تعلو محياه قائلا:

–       هو ممنوعْ في القَانُونْ، لكِنْ العَرْف الكْبير ما حبّش يْرجّعِكْ!

المركز مقسّم جغرافيا إلى ثلاث مناطق، المنطقة الأولى على اليسار مخصّصة لجماعة بطاقة التعريف وهم جلوس ينتظرون أمام باب مغلق، هؤلاء كلهم تلاميذ لا شكّ أنهم يأتون إلى هنا لأول مرة في حياتهم، ولا يمكن أن تميّز إن كانت ملامحُهم تدلّ على الامتعاض أم على اللاّمبالاة، ففي مثل هذاالعمر تتشابه المشاعر كثيرا وتبدو بلا معنى، أمّا المنطقة الثانية الواقعة على اليمين  فيقف أمامها طابورُ الذي جاءوا من أجل جواز السفر ينتظرون دورهم لدخول مكتب رئيس المركز حيث يجلس موظف الجوازات أيضا، هؤلاء من أعمار مختلفة ولا يبدو عليهم الانزعاج، فهم متأكدون من أن الشخص المطلوب موجود وبصدد القيام بعمله وأنّ الفرج آت لا محالة لن يؤخره الاّ الوقت الطويل الذي يستغرقه الموظّف مع كل مواطن على حدة والاختراقات التي تحدث بين الفينة والأخرى كلما اقتحم المكتب شخص يبدو نافذا أو على صلة بأحد الموظفين بشكل يعفيه من الانتظار إسوة بالبقية، وقد حدث هذا ثلاث مرّات في ساعة واحدة!

المنطقة الثالثة لا أحد ينتظر أمام بابها المغلق وهي مخصّصة للقضايا العدلية، وغرفة الحجز التي توجد قبالتها خالية، الحمد لله.

عندما تنتبه إلى أنك جالس مع جماعة بطاقة التعريف بينما يفترض أن تكون واقفا مع جماعة الجوازات تنهض للوقوف بجانب الحائط وتدرك أن الموظف الوحيد الذي يشغل بحضوره الركحي المميز صالة الانتظار أوقعك في الخطأ، سامحه الله، وحدّثك عن موظفة بطاقات التعريف بينما أنت تسأله عن موظف الجوازات، لا يهمّ، المهم أن صاحبنا منشغل كثيرا بأمر هذه الموظفة العجيبة، فهو يُذكّر الحاضرين بين الفينة والأخرى بأنه لا يضمن لهم أن انتظارهم سيؤدي إلى نتيجة مثمرة، لأنه لا يعرف إن كانت ستأتي أم لا، ويؤكد أن لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السّؤال، فهاتفها الجوّال مغلق، كلّ ما يعرفونه أنها ستبدأ الاحتفال بزواجها غدا، وأنّ الإدارة لم تعيّن بعد من سيعوضها عند خروجها في عطلة زواج. وعندما تجرّأ أحد الحاضرين على سؤاله: ولماذا تتصرّف هذه الموظفة هكذا؟ رفع كتفيه وحاجبيه معا في حركة بهلوانية لا يتقنها الاّ رجل أمن محنّك مثله، وتعمّد رفع صوته قائلا: الثّورة!

مركز شرطةستنتبه وقد بدأ العرق يتصبّب من جبينك إلى أنّ جدران المركز مزينة بثلاث لوحات، اللوحة الأولى تمرّ بها سريعا فعليها مجموعة الوثائق المطلوبة عند استخراج بطاقة التعريف الوطنية وجواز السفر وانت تعتقد أنك تعرفها ما دمت قد جئت لتقديم الطلب، وعلى الثانية كُتبت الحقوقُ التي يتمتع بها المواطن عند وجوده في هذا المكان، ومنها أن يصطحب معه محاميه عند الضرورة إلى آخر الأسطوانة الحقوقية التي تشعر في سياق الحال أنها لا تهمك كثيرا بقدر ما يهمك أن تجد كرسيا يجلس عليه المنتظر كما يحدث في كل مراكز الخدمات في العالم. اللوحة الثالثة عليها واجبات الأعوان المُلْزَمين بإنفاذ القوانين، وهي لا تهمّك أيضا بشكل مباشر إذ تبدو أشبه بالقَسَم المِهْني، لكنك تقرأها تزجية للوقت ومضغا للفراغ وإغناء للثقافة العامة وهروبا من هذا البياض الذي يلفّ المكان ويخنق ببلاهته كلّ ما يحيط بك، ولا تستطيع أن تنكر أن هذه اللّوحة مُسلّية جدا.

في حدود الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة بدأ عدد من القاعدين ينسلّون هاربين من هذا الجحيم بعد أن ملّوا من الانتظار الذي لا يفضي إلى أيّ بارقة أمل، عندها حدثت مفاجأة لفتت كلّ الأنظار، اخترقت صفوفَ المنتظرين شابة نحيلة فارعة القوام، تضع على رأسها شالا أسود يغطي شعرها، وترتدي ملابس سوداء لا تتناسب مطلقا مع حرارة الجوّ الخانقة، كان وجهها شاحبا ممتقعا وبلا أي لمسة ماكياج، فبدا خاليا من كل ملامح الأنوثة إلى الحدّ الذي يجعلها قادرة على التنكر بسهولة في شكل رجل لو أرادت، ورغم ذلك كانت تتقدّم بخطى واثقة وصلف عجيب لا يخفى، فلم تحيّ أحدا وهي في طريقها إلى الباب المغلق، لكنّ الجميع تنفّسوا الصّعداء لإدراكهم أنها الموظفة المكلفة باستخراج بطاقات التعريف أخيرا وصلت وحلّ ركبها الميمون، وها قد ألقى عون الاستقبال كل ما كان بين يديه وهرول وراءها مرحبا:

-أهلا بالسلطانة، هاك جيت؟! موش غدوة العرس.

فأجابته بما يفيد أن عطلتها تبدأ غدا، وأردفت وهي تسلّمه بعض النقود:

–       ناقصَة سُكّر كيفِ العَادة.

فخرج صاحبنا في اتجاه المقهى بينما انشغلت الموظفة في انتظاره بترتيب مكتبها إذ كان من الواضح ومن البديهي أنها لن تتمكن من الشروع في إنجاز المعاملات الاّ بعد ترشّف قليل من القهوة، ولمّا بدا على الحاضرين المنتظرين أمام باب صامت منذ أكثر من ساعتين قليل من التململ صاحت:

–       أيّا نقْصُوا عْلِيَّ الحِسّْ.

وأمسكت رأسها كمن يعاني من صداع عنيد حتى عاد العون مهرولا يحمل في يده اليمنى القهوة وفي اليسرى قارورة ماء مثلّجة أسالت لعاب كلّ الواقفين.

كان الطابور الذي أتمسّك بتلابيبه يتقدّم ببطء حلزوني مقيت، وكعادة كل الآباء المهووسين دوما بتربية أبنائهم وتثقيفهم حتى في أحلك الظروف وأشدّها وطأة على الأعصاب، اغتنمت الفرصة وتنحنحت لأحدّث ابني الذي أخرجته صيحة الموظفة الدميمة من لامبالاته، قائلا:

–       انظر، أمامك الآن شكل من أشكال الظلم، فنحن هنا مضطهدون معنويا، وما يحدث فيه استهتار كبير بقيم المواطنة وعبث بكرامة الناس، لكن لا أحد منا يستطيع أن يفتح فمه بكلمة واحدة احتجاجا، لأنّ كل ردة فعل يمكن أن تُعتبر بسهولة «هضم جانب موظف عمومي حال مباشرته لوظيفته!»

ولمّا لاحظت خلسة أن جارتي الحسناء في الطابور تصغي بانتباه إلى الحديث الذي كنت أخاطب به ابني تماديت قائلا:

–       في الدول المتقدمة يفصلون بين الخدمات الإدارية والشؤون الأمنية والعدلية، فموظفو الشؤون المدنية والجوازات إداريون أما الشرطة فمجال عملها الأمن العام وإنفاذ القوانين والبحث الجنائي.

        انتبه عون الاستقبال لحديثي لا سيّما بعد أن رفعت صوتي لتسمعني الجارة جيدا، فلم أجد بدا من إضافة فقرة أخرى عما يحدث في الدول المتقدمة قلت:

–       مراكز الخدمات لا بدّ أن تتوفر على مكيفات ليعمل الموظفون في ظروف مريحة، وكراسي يجلس عليها العملاء بعد اقتطاع تذكرة عليها رقم لتحديد الأولوية، هذه من حقوق الانسان الأساسية أيضا، فلا معنى للحرية إذا لم تكن توأما للكرامة.

في تلك الأثناء دخلت مركز الأمن عجوز أجنبية وتوجهت بالكلام إلى عون الاستقبال وظلّت ترطن باللغة الإيطالية برهة من الزمن، فلم يفهمها، وأدار وجهه بين الحاضرين باحثا عمّن يمكنه أن يترجم ما قالته، فتقدّم أحدهم، وقال له: إنها تسأل عن موظف القسم العدلي، لقد تعرضت إلى براكاج وذهبت إلى مركز وسط المدينة للإبلاغ فطلبوا منها التوجّه إلى هذا المركز. فقال له:

 –  قل لها ما ثمة حدّ هنا!

ثم أضاف للتثبت أكثر:

–       اش سرقولها؟

فقال له المترجم المتطوع:

–       تَلِيفُونْ بُورْتَابِلْ.

فقهقه عون الاستقبال والتفت إلى العجوز الإيطالية ورفع إبهامه في وجهها قائلا:

–       مْرِيقْلَةْ!

ثم التفت إلى المترجم وقال وهو يشير إليه بأن الحديث يخصُّه ولا فائدة في نقله إليها:

–       تِحْمِدْ رَبّي مَا قَتلُوهاشْ، جايَة عْلَى تَلِيفُونْ بُورْتَابِلْ!

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة تماما عندما حدثت مفاجأة أخرى، فبينما كان الجميع يشيّعون بأنظارهم العجوز الإيطالية التي حملت تحت إبطها خفي حنين وغادرت المركز تجرّ خيبتها وتبرطم بكلام غير مفهوم انبثقت أمامنا فجأة شخصية جديدة كأنّ الأرض انشقّت وأخرجتها، فلا يدري أحد من أين طلعت ولا كيف جاءت إلى هذا الركح، اخترقت الصفوف متجهّمة واتجهت نحو مكتب رئيس المركز، كانت في العقد الرابع من العمر تقريبا قصيرة القامة تضع على رأسها حجابا يغلّف وجهها الصارم ونظراتها الفارغة. تذمرت جارتي قائلة:

–       هذا مش معقول، علاش ما ياقفوش في الصف كيفنا! هذه رابع مرة واحنا نستناو م الصباح!

 لا شك أن لهذه المرأة أذنين تشبهان البارابول أو أن حيطان الغرفة البيضاء مزروعة ميكروفونات دقيقة لا ترى فقد التقطت هذه المرأة ما تفوّهت به جارتي لنفسها وحدجتها بنظرة قاسية وهي خارجة من المكتب في اتجاه عون الاستقبال وأجابتها مكشرة من غير أن تلتفت إليها:

–       مشْ صْحِيحْ مَا دْخَلْ حَدّ!

ثم طلبت من العون أن يأتيها هي أيضا بقهوتها وقارورة ماء مثلجة، وعادت إلينا فسدّت الباب بمنكبيها العريضين قائلة:

–       أيّا بالْوَاحِدْ بِالْوَاحِدْ.

والتفتت إليّ بوصفي كنت أول شخص ينتظر دوره للدّخول وقد قرب أكثر مما ينبغي من عتبة الفرج والخلاص وقالت:

–       اشْ عَنْدِكْ؟

قلتُ وأنا أظهر لها اضبارة الأوراق التي أمسكها بيميني:

–       تَجْدِيدْ جوازْ.

ونظرتُ آنذاك مليا في وجهها، فقفز إلى ذهني الروائي كمال الزغباني بطم طميمه ورمقني من وراء نظارتيه بنظرة متضامنة، إذ لا يمكن أن أجد وصفا يليق بهذه الشخصية التي تنتمي إلى عالم الإناث على سبيل المجاز لا غير  أبلغ ممّا وصف به الموظفات اللاتي اعترضن سبيله في رحلته المضنية بين مراكز الأمن لاستخراج بطاقة تعريف فهن من فصيلتها وهي من فصيلتهن، إنها بُومَةٌ حقيقية. أصبح واضحا الآن أنها هي أيضا من موظفات المركز، وإن كان عون الاستقبال لم يذكرها بكلمة، وخصّص عرضه المسرحي كاملا لزميلتها «السّلطانة» التي ستتزوّج غدا وتعاني من صداع فظيع يجعلها لا تقوى على تحمّل لغط التلاميذ الذين جاءوا قبلها بساعتين لقضاء شؤونهم، حدّثنا عنها طويلا، ولم يذكر شيئا عن هذه البومة التي سدّت الباب بمنكبيها العريضين وأخذت من يدي الوثائق للتثبت فيها، سحبت الوثيقة الأولى وكانت شهادة حضور مدرسية فنظرت إلى تاريخها وتطلّعت إليّ قائلة:

–       هذي ما تِمْشِيشْ، قْدِيمَةْ ياسِرْ، منْ شْهَرْ مايْ، اشْكونْ قالْ كمِّل القرايَة في جوان؟

بدأت القهوة تفور في رأسي، فقلت لها:

–       اشنوة معناها؟ اشنوة المطلوب بالضّبط!

قالت وهي تطوي الورقة وتسحب الثانية:

–       مشْ مُشكل توْ نْحُطّوهَا وإنْ شَاء اللهْ يِقْبْلُوهَا.

ثم استدركت وقالت بلغة أشدّ وثوقا بعد أن اكتشفت أنها وجدت حجّة أقوى هذه المرّة:

–       ولْدِكْ عمرو أقلْ مِنْ ثْمَنْطَاشٍ عامْ يِلْزْمُو تَرخِيصْ أبَوِيّ مْصَحَّحْ فِي البَلَدِيَّه.

قلت وأنا أريها جواز السفر الذي انتهت صلوحيته معتقدا أنها لم تفهم طلبي جيدا:

–       تَجْدِيدْ جَوَازْ سَفَرْ لا اسْتِخْرَاجْ لأوّلْ مَرَّة.

فأخذته قائلة:

–       انسَاه هَذَا، مَا عَنْدُو حتَّى قِيمَة، مَا ثَمَّة حَتّى فَرْقْ بين التَّجديد والاِسْتِخراج لأوّل مرّة.

ورفعت إصبعها لتشير إلى اللوحة الأولى على الجدار، تلك التي لم أقرأها عندما كنت أمضغ الفراغ وألتهم البياض وقالت:

–       كلّ شَيْ مْقيّدْ غَادِي اشبيك ما ثبّتـــشْ!

آنذاك فارت القهوة وغمر رأسي طنين النحل فانتزعت منها كل الأوراق بحركة لا أنكر أنها عنيفة بعض الشيء وقلت لها بصوت غاضب:

–       واضَحْ مَفهوم، المهم عندِكْ تَوّة مَا نِتْعَدّاشْ، هَاتْ الأوْرَاقْ.

وخرجت أغمغم وورائي ابني الذي أخرجه غضبي من لامبالاته، فأخذ يحاول بكل السّبل تهدئتي مخافة أن يكون ما ألمّ بي من تبعات ارتفاع ضغط الدم، وأنا أفسر له أن ما يحدث في تلك الغرفة البيضاء يتجاوز كل حدود العقل والمنطق، فتلك البومة تستطيع المجيء إلى مقرّ عملها متى أرادت، ولا أحد فيما يبدو له القدرةُ على مُساءلتها، ومهمّتها الأولى هي البحث في كلّ ملفّ عن ثغرة حتى تتمكّن في الدقائق القليلة التي غاب فيها عون الاستقبال في المقهى المجاور ليجلب لها قهوتها من تفريق الحضبة وتفريغ الغرفة كأنّ الطابور لم يكن، إنها تستطيع فعلا أن توزع في دقائق قليلة عشرات الأشخاص المنتظرين منذ الصباح بالعثور في كل اضبارة على ورقة ناقصة أو طابع جبائي مسهوّ عنه أو تعريف بالإمضاء في البلدية لم يحدث الخ. وقلت على سبيل المقارنة:

–       في الدول المتقدمة، يتولى عون الاستقبال مراجعة الملف مع صاحب الطلب ليطمئن إلى أن كل أوراقه صحيحة قبل أن يسمح له باقتطاع التذكرة والجلوس على كراسي الانتظار حتى لا يضيع وقته سبهللا ويصل إلى الشباك ثم يعود خائبا.

ونكاية في هذه البومة، قرّرت ألاّ أؤجل عمل اليوم إلى الغد وأنْ أحاول سدّ كلّ ثغرات الملف لأعود إليها وأنال منها وأقضي وطري اليوم بالذات، لقد ركبتُ رأسي بعد أن فارت داخله القهوة وأطفأت النيران المتأججة، وفي ساعة واحدة نسخت بطاقة الأعداد المدرسية لتكون شاهدا على براءتي أنا وابني من التحيّل على وزارتي التربية والدّاخلية، فهذه البطاقة تثبت أنه واصل الدّراسة في شهر جوان وارتقى إلى الصفّ الموالي، ثم توقّفت عند محلّ عمومي للانترنت كان صاحبه ينشّ الذّباب على حواسيب قديمة تعود إلى عهد بن علي، فجلست ربع ساعة لأكتب بصعوبة ترخيصا أسمح فيه لابني باستخراج جواز سفر، ثم أخذت هذه الوثيقة إلى دائرة بلدية كنت أعرف مسبقا أنها لا ازدحام فيها لبعدها عن وسط المدينة، وأنجزت التعريف بالإمضاء، ثم قفلت راجعا إلى المركز، وجدته هادئا هذه المرة ولا أحد ينتظر أمام الأبواب، فاستقبلني العون المكلف بتجديد جوازات السفر وأخذ من يدي الوثائق ليراجعها ولما تأكّد من سلامتها قال: اجلس.

كانوا ثلاثة أنفار في الغرفة، رئيس المركز أمام مكتبه يراجع بعض الملفات دون أن يرفع رأسه غارقا في صمته البارد الذي ظلّ متمترسا به منذ ساعات الصباح الأولى، وكانت البومة جالسة إلى طاولة أخرى تُقلّب بعض الدّفاتر، بينما شرع موظف الجوازات في إنجاز معاملتي، فأخرج أوراقا إدارية ووضع بينها أوراقا كربونية من النوع الذي يستخدم في الكتابة على الآلة الراقنة في عصور ما قبل الكمبيوتر، وقال لي وهو يكتب الاسم:

–       أنت فلان المذيع..

فقاطعته، وأنا أشعر لأول مرة بشيء من الراحة النفسية:

–       سابقا.

لكن البومة رفعت رأسها في هذه اللحظة لتنغص علي هذا الشعور الطارئ بالراحة صائحة:

–       انت هو؟! علاش تنْطُرْ عْليَّ فِي الأوْراق؟

فقلت:

–       لأنني انتظرت واقفا ساعتين قبل قدومك للتثبت من ملفي.

قالت:

–       ما يهِمّكش فيّ وقْتاَش نْجي! أوراقك ناقصة والترخيص لازم، تُنطُرْ عْليَّ حَاسِبْنِي مَرْتِكْ؟

أعترف أنني لم أستطع مجاراتها في هذا الجدل، فقد أفحمتني لا بقوة حجتها وإنما بغرابة الصورة التي استعملتها، كان يكفي أن أتخيل للحظة واحدة أن هذه البومة فعلا «مَرْتِي» (زوجتي) حتى ينتابني شعور تمتزج فيه الحاجة إلى الضحك بالرغبة في الغثيان. في تلك اللحظة خرج رئيس المركز لأول مرة عن صمته وحرك يديه بطريقة قائد الأوركسترا ليقول: كُفّوا، انتهى. ويغمز الموظف الجالس أمامه بأن ينجز المعاملة بأسرع ما يمكن حتى يسرح من أمامه هذا المواطن «الخرا»، لكن هذا الموظف وفي محاولة أخيرة لتبديد سوء التفاهم قال لي بصوت يشبه الهمس:

–       إنها لم تخطئ، فالترخيص ضروري فعلا، من قال إن الولي يوافق على تجديد جواز سفر ابنه، أن يكون له جواز سابق لا يعني التّجديد آليا أو الترخيص المطلق، خصوصا وأنت تعرف الآن كل مشاكل سفر الشباب إلى الخارج سواء للحرقان أو للانضمام إلى جماعات إرهابية.

فقلت بدوري هامسا:

–       قد يكون ما تقول وجيها فعلا، لكن ألست أنا من سيُمْضي الآن على هذه الوثائق التي تعمرها؟ ألا يعتبر إمضائي هذا ترخيصا؟ ألا يعتبر وجودي أمامك الآن دليلا على موافقتي؟ ألا يمكن أن تشهد أنت على صحة إمضائي إذا كتبت أمامك ترخيصا؟ لماذا تعقيد الأمور واشتراط التعريف بالإمضاء في البلدية؟

رفع كتفيه وحاجبيه معا بطريقة من الواضح أنها خاصة برجال الأمن وقال:

–       صحيح، لكن ذلك هو القانون، تلك هي التعليمات.

بعد التّوقيع على الاستمارة واستيفاء كل شروط الطلب غادرنا المركز على أمل الرجوع إليه بعد خمسة عشر يوما للحصول على الجواز، قلت لابني وأنا أفكّ السيارة من عقالها مفسّرا حالة الزهو التي أصبحت عليها:

–       أربع ساعات فقط لتجديد جواز السفر، إنها رغم كل شيء معجزة حقيقية بكل المقاييس.

فقال وقد بدا عليه مرة أخرى الانتباه والفضول:

–       عندما سئل عون الاستقبال عن سر استهتار الموظفة بمواعيد شغلها وعبثها بكرامة المواطنين قال: إنها الثورة، فما علاقة هذا بذاك؟

التعليقات على يوم من أيام سكسونيا مغلقة more...

لقد وقعنا في الفخّ

فخ العولمةوَصَفَ كتابُ فخّ العولمة بدقة ما حدث قبل حدوثه، ولم يكن ذلك تنبؤا بقدر ما كان استشرافا عميقا لما سيؤول إليه وضع الانسان والدولة في ظل دكتاتورية السوق والعولمة. فقد سارت الأمور في اتجاه مغاير لما بشّرت به الدعاية وانتهى الأمر إلى الاعتداء على الديمقراطية والرفاهية على حد تعبير المؤلفين.

مع نمو العولمة ازدادت الفوارق بين البشر، وأصبحت نظرية الخُمُس الثري بمثابة الحتمية التاريخية، عشرون في المائة من السكان يمتلكون الثروة وثمانون في المائة سكانٌ فائضون عن الحاجة يعيش جزء كبير منهم بالتبرعات والإحسان والتكافل الاجتماعي. قلصت التكنولوجيا فرص العمل وألغت الفلسفةُ الليبراليةُ دورَ الدولة الاجتماعي واقتضت المديونية أن تنضبط الحكوماتُ بصرامة أمام مؤسسات النقد الدولية حيث يتحكم مضاربون كبار في اقتصاديات الدول وسياساتها من وراء وميض شاشات الكمبيوتر فتفاقم عجزها. كلُّ شيء كان مخططا له بدقة، والسؤال المحيّر حول: ماذا سنفعل بالفائضين عن الحاجة؟ كان مطروحا منذ البداية على منظري اقتصاد السوق، وقرّروا أن خليطا من التسلية المخدرة والتغذية الكافية يمكن أن يهدّئ خواطر المُحبطين. لن تلتزم مؤسسات الإنتاج بأي واجب اجتماعي تحت ضغط المنافسة التي تفرضها العولمة إذ الاهتمامُ بأمر العاطلين عن العمل هو من اختصاص جهات أخرى، وينبغي أن يقع عبء الأعمال الخيرية على عاتق الأفراد في مبادرات تضامنية يقومون بها لمساعدة بعضهم البعض. لقد أخذت المنافسة المعولمة تطحن الناس طحنا وتدمّر تماسكهم الاجتماعي، وقعنا في الفخّ، ولم يكن ثمة سبيل إلى القفز على هذه الهوة العميقة أو تجنبها، وأصبحت الهزات الاقتصادية تعصف بدول عريقة في الديمقراطية والرفاه الاجتماعي وتلقي بظلالها العميقة على أوضاع الناس فيها، أما في الدول التي تفتقر إلى الديمقراطية والتي كانت تتمتع في الماضي القريب بقدر نسبي من الرفاه الاجتماعي فإن الانقراض التدريجي للطبقة الوسطى وتوسع رقعة الفاقة والبؤس قادا إلى الانفجار.   (continue reading…)

التعليقات على لقد وقعنا في الفخّ مغلقة more...

رسالة هادئة إلى دكتور غاضب

الدكتور فيصل القاسم

الدكتور فيصل القاسم

الدكتور فيصل القاسم
أنت لا تعرفني ومع ذلك اسمح لي أن أُعاتبك عتاب مودة، لا أعاتبك على موقف فالمواقف من شيم الرجال وهي ليست للعتب، بل للجدل والاختلاف فيها رحمة. لكن أعاتبك على قولك في ديباجة ما كتبت: “سمعت أن النظام الديمخراطي في تونس مزعوج من حلقة تلفزيونية…”.
لَهْ يا عيب الشوم!
أهكذا تورد يا فيصلُ الإبلُ؟!
لقد درستُ الأدب العربي على يدي رجل من أنبل الرجال، أديب من أمتن أدباء عصره معرفة، وهو الذي أستعير منه عبارة “عتاب المودة”، فقد كانت تجري على لسانه كلما أراد جدلا واختلافا، وكان يقول عندما يصحّح خطأ شائعا بصواب مهجور: ” أشيعوا عني في المدينة قولي كذا وكذا…”، لأنه يؤمن أن العلم بلا عمل مجرد هراء أو فساء. أستاذنا الجليل أطال الله عمره كان مفردا في صيغة الجمع، ونحن نعتز به وننتسب إلى علمه ونتمثل بمواقفه كلما فرضت علينا نفسها ونحن في تجليات الكتابة. لكنه وهذا بيت القصيد لم يكن من حملة الدكتوراه، عاش محروما من حرف الدال الذي يتدلدل من السطر قبل اسمك يا دكتور، ومع ذلك كان على خُلُق عظيم!
أرأيت كم هي ثمينة عندكم تلكمُ الدال التي تجرجرونها وراء أسمائكم، وكيف هي لا تساوي شيئا عندنا إذا لم تكن قرينة علم وأخلاق وأدب !!
عتبي عليك في انسياقك وراء الهوى، وتفريطك بسهولة وبلا تردّد في أعزّ ما تملك وما يُفترض أن يكون فيك من وقار العلماء، ذلك الذي يشعُّ من لفظ الدكتور وراء اسمك. بربّك هل رأيت دكتورا غيرك يستعمل لفظ “الديمخراطي”؟، لست أستغرب منك قولك “سمعت أنّ” رغم أنها كلمة معيبة في حقك وطعنة أخرى سددتها إلى شبح الدكتور الذي يلازمك كظلّك، فالدكاترة عادة لا ينطقون بمثل هذا الهراء، لا ينفعلون بمجرد السماع، بل تحركهم الحجج القوية الموثقة، الدكاترة يا دكتور يناقشون القضايا الأصلية ولا ينشغلون بهوامش الأمور…
تستبدل حرف القاف بحرف الخاء في عبارة الديمقراطية، فتوحي بما يحفّ بهذا الصوت من المعاني القبيحة في عبارة “الخرا”؟!، رسالتك وصلت، لكنها لا تستحق أن يُردّ عليها، لكونها أولا صادرةً عمّن لا صفة له، فالديمقراطية في تونس شأن تونسي، ولأنها حالة واقعية لا يعتدّ فيها بالسماع، سيما إذا كان محدّثك من الشق المهزوم في انتخابات تستطيع أن تقول فيها ما تشاء إلا أن تكون غير ديمقراطية، صحيح أن تونس تمرّ بظرف استثنائي صعب، لكن التونسيين  بأنفتهم وشموخهم يدركون أن للحرية ثمنا، وهو ثمن ضئيل لا يقارن بالخراب الذي حلّ باسم الديمقراطية في أوطان أخرى أنت تعرفها. وملخص ذلك أن الحرة عندنا تجوع ولا تأكل بثدييها كما يفعل آخرون وأخريات.
النظام الديمقراطي في تونس حقيقة كائنة بفضل دماء الشهداء البررة ولن يغير منها نعتك الشائن لها، لن ينقص منها ذلك بقدر ما ينقص منك، فلتراع حرمة الكلمة كلمةِ الدكتور التي تكاد تنطق من الضجر وراء اسمك في كل المحافل ولا تهبط درجة أخرى في الحضيض لتكتب كما يكتب صبيان الفايسبوك والسُّفهاء.

التعليقات على رسالة هادئة إلى دكتور غاضب مغلقة more...

المهرولون

دموع التماسيح

دموع التماسيح

للتونسيين مع الدموع التلفزية تاريخ طويل، فمنذ زمن الأسود والأبيض لم تكن خطب الزعيم الحبيب بورقيبة تخلو من لحظات عاطفية تتغير فيها نبرته وتترقرق دمعته فيتوقف ليرفع النظارات ويمسح عينيه ويعدل صوته ثم يعود إلى السياق كأن شيئا لم يكن. كان يُحدث الناس عن طفولته وأمه ونساء عائلته فيبكي ثم يعلن أن تحرير المرأة هي قضيته الشخصية الأولى، ويحدث الناس عن الزنازين التي اقتيد إليها والمنافي التي أبعد فيها فيبكي ثم يؤكد أنه قد انتصر على الذين كانوا يعتقدون أن إخراج فرنسا أمر مستحيل، وكان يغالب دموعه كلما تذكر أن تونس ستستمر من بعده، وسرعان ما يطمئن جمهوره على مستقبلها لأن أساسها متين لا تقتلعه العواصف العاتية.

كنا نحب الزعيم ونحب خطبه ودموعه التي هي أبلغ من كل صيغ التوكيد في اللغة، وعندما كبرنا وحدثونا عنه اتضح أن كل تلك الدموع التي ذرفها في خطبه كانت جزءا من سيناريو متقن للتواصل الجماهيري في زمن كان فيه بعض الزعماء يستحوذون على مشاعر الملايين بدمعة وابتسامة. ورغم ذلك لم يشكّ أحد في صدقها لأنها كانت رسائل عاطفية مشفرة ترسخ في الأذهان العلاقة الأبوية التي تربط الزعيم القائد بالشعب وتجعله المرادف الرمزي للدولة.

وفي نهاية الثمانينات، عندما غنى محمد عبد الوهاب رائعته “من غير ليه” بكى صالح جغام في برنامج تلفزي غضبا على أشخاص لم تعجبهم الأغنية وقال كلمته الشهيرة: “لا تكتبوا عن الأشياء التي لا تعرفونها ولا تشعرون بقيمته لأنكم لم تعيشوها”. كان صالح جغام صوتا من أصوات الإذاعة في عزها ورمزا من رموز الثقافة العصامية، وقبل سنة واحدة من وفاته المفاجئة كان في قلب تحولات المشهد الثقافي والإعلامي كمن يقود عاصفة بمفرده، تلك العاصفة التي بشّر بها الشابي من قبل لاقتلاع الجذور اليابسة، وكان عندئذ صادقا في دموعه لأنه كان يخوض معركة حقيقية ضدّ الرداءة.

من شهد سهرة الوداع الفلسطيني ذات ليلة صيف من إحدى سنوات التسعينات لا يمكن الا أن تعلق بذاكرته كما تعلق الذكريات الجميلة دمعة محمود درويش، كانت دمعة صغيرة لكنها نهر من الأحاسيس نَبَع من جهة في القلب لا يدركها الا الشاعر، في تلك اللحظة لم تستطع اللغة أن تقول بمفردها مشاعر شعبين عاشا معا اثنتي عشرة سنة كاملة بحلوها ومرّها، “هل نسينا شيئاً وراءنا؟ نعم… نسينا تلفُّت القلب، وتركنا فيك خير ما فينا، تركنا فيك شهداءنا الذين نوصيك بهم خيرا”، هي دمعة ترجمت إلى كل لغات العالم عرفان فلسطين بالسخاء العاطفي التونسي، واختصرت عمرا مشتركا امتزجت فيه الدماء بالدماء عندما لاحقت طائرات العدوّ تحت أنظار العالم منظمة التحرير الفلسطينية حتى شواطئ الساحل الافريقي الشمالية، في ليلة الوداع تلك تلألأت في بريق الدمعة صور السفينة وهي تدخل صباحا ميناء بنزرت حاملة المقاتلين الفلسطينيين وأيتام الشهداء القادمين من جهنم بيروت، ضاقت بهم الأرضُ على رحابتها ففتحت لهم تونس أحضانها، تلفعت زوجة الرئيس بكوفية فلسطينية وحملت في ذراعيها طفلا وتقدمت المقاتلين وهم ينزلون من السفينة على وجوههم غبار المعركة الأخيرة والحصار وعلى أكتافهم رشاشات لم يطلب منهم أحد خلعها قبل الهبوط إلى أرض قرطاج. وظلت تونس تفتخر طويلا بأنها البلد العربي الوحيد الذي لم يخرج منه الفلسطينيون مطرودين، بل عادوا منها إلى ما يشبه البلد وما يمكن اعتباره بداية الاعتراف بالدولة.

وكم كان مؤثرا مشهد أرملة شهيد إسلامي وهي تقول لأحد قادة حركة النهضة باكية: لا تنتقموا، حدث ذلك في أعقاب الانتخابات الأولى بعد الثورة وكانت شماريخ الفرح تملأ سماء مونبليزير، كانت تلك المرأة التي تعرف الجمر أكثر من غيرها تبكي من شدّة الفرح، وكانت دعوتها أبناء الحركة للصمود في وجه ثعبان السلطة وإغراءاته ذروة الشموخ الذي يكلل كل القصص الأليمة، لكنّ صورتها ضاعت شيئا فشيئا في ضباب الكراهية السوداء وتلاشت في دخان الحقد الأعمى.   للدمعة هيبتها وللابتسامة رونقها عندما تنبعان من القلب وتفيضان صدقا وبهاء، لكننا صرنا إلى زمن تهاوت فيه القيم وتبعثرت تحت أقدام المهرولين والمتسلقين، ومثلما لا يشك أحد في صدق هذه الدموع التي ذكرت لا يختلف عاقلان في أن الدموع التي تقطر نفاقا ورياء لا تثير في النفس أي أسف أو أسى بل تستفز مشاعر السخط وتتحول بمرور الأيام إلى ما يشبه النكتة أو الموقف السخيف الذي يتندّر به الناس، يدخل ضمن هذا الباب بكاء ذلك الوجه الرياضي المعروف وهو يشكر “سيادة الرئيس” ويدعو لوالديه بالرحمة لما أنعم به على القـناة وباعثها، ولا يختلف عنه في شيء مدير الحملة الانتخابية للرئيس المنتهية ولايته عندما بكى بين يدي سمير الوافي نيابة عن مساجين العهد السابق من غير أن ينتبه إلى أن ضحايا القهر الحقيقيين لا يبكون، وليسوا في حاجة إلى من يبكي نيابة عنهم، فتلك خصلة أخرى من الخصال التي تجعل الناس أمامهم يتضاءلون، وكل بُكاء مأجور باسم معاناتهم هو ضرب من التحيّــل الموصوف.


الثورة التونسية، تغيير نظام أم تغيير مجتمع

لا أحد كان يتوقع حدوث هذا السيناريو: رحيل الجنرال زين العابدين بن علي ذي القبضة الحديدية الخانقة عن أرض تونس وسمائها عشية 14 جانفي 2011 بطريقة مرتجلة يكتنفها الغموض، ولا أحد قد احتاط لذلك على الأقل بتصور المقتضيات العاجلة، فبدا هذا الارتباك عند التردّد في استخدام آلية الدستور[1] بما جعل البلاد تشهد تعاقب رئيسين في أقلّ من أربع وعشرين ساعة بعد أن هيمن عليها رئيسان لفترة نصف قرن ونيف[2]! ، و تتالت الأخطاء في ظلّ حكومة السيد محمد الغنوشي إلى أن أجبره الحراك الجماهيري في محيط مقر الحكومة أو ما أصبح يعرف بمصطلح “اعتصام القصبة” على الاستقالة وعيّن الرئيس المؤقت السيد فؤاد المبزع رجلا من رجال العهد البورقيبي السيد الباجي قائد السبسي للاضطلاع بأعباء المرحلة الانتقالية، مع الإعلان في ذات الوقت عن تعليق العمل بالدستور القديم وتحديد موعد لانتخابات تعدّدية تفضي إلى إنشاء مجلس تأسيسي في منتصف صائفة 2011.

الثورة التونسية

الثورة التونسية

تؤكّد أحداث الأربعين يوما التي تلت فرار الرئيس التونسي المخلوع إذن أن الثورة لم يكن مخططا لها بالشكل الذي يضمن تحقيق أهدافها بسرعة وفعالية، فكانت ثورة شعب رفع شعار إسقاط النظام دون أن يتهيأ لإمكانية تحقق مطلبه هذا !،  فوسط الارتباك الحكومي والتردد الواضح في التعامل مع الماضي مجسّدا في رموز النظام السابق ومؤسساته ، عاد المُهجرون من المنافي بسرعة وتتالى تأسيس الأحزاب السياسية استعدادا لاستحقاقات المرحلة المقبلة، وتواصل الوضع الأمني مضطربا حتى بلغ يوم 25 فيفري حدّ الاعتداء العنيف على أحد رموز السيادة الوطنية مقـرِّ وزارة الداخلية الشامخ المهيب وسط الشارع الرئيسي في العاصمة وهو صورة عن هيبة الدولة وقسوتها، و كان الشارع ذاته قد احتضن الآلاف من المنادين برحيل بن علي عشية يوم 14 جانفي بينما كان سجناء سياسيون يقبعون في أقبية هذه الوزارة يسمعون صدى هتافات الناس وهم تحت الأرض لا يرون من سماء الحرية أو أفقها المفتوح إلا بصيصا من الضوء يتسع شيئا فشيئا تحت وقع الحناجر المدوية.

في ظلّ تجاذبات عنيفة تستدرج الثورة الشعبية إلى ساحتها للاستحواذ على منجزها، تضمَّن الخطاب الرئاسي[3] الذي رسم خارطة طريق الفترة الانتقالية في معرض حديثه عن بعث “هيئة تحقيق أهداف الثورة والاصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي” إشارة إلى رجال المرحلة فهذه الهيئة متكونة من “شخصيات سياسية وطنية وممثلين عن مختلف الأحزاب السياسية والهيئات والمنظمات والجمعيات ومكونات المجتمع المدني المعنية بالشأن الوطني في العاصمة والجهات ممن شاركوا في الثورة وساندوها[4]. (continue reading…)


رماد البوعزيزي

ـ1 ـ

أثر الفعل تجاوز الفعل ذاته، على نحو فاجأ المخيلة، ولم يتوقعه الظن. بلدة فقيرة منومة أيقظت المدن من سباتها. جناح فراشة تونسية ولـد إعصارا عربيا. وها هي العاصفة، الآن، تسكن في كل بيت في هذه البقعة

أدونيس

أدونيس

العربية من العالم.

أما كيف حدث ما حدث، أو لكي نحور إيجابيا المثل العربي الشعبي: كيف صارت الحبة التونسية قبة عربية؟ فأمر يجب أن يعالجه، تفهما واعتبارا، إضاءة واستنارة، ذوو الخبرة والاختصاص.

في كل حال، يُشير هذا الذي حدث إلى الطاقة العملية التي يختزن الإنسان والتي تتفجر على نحو يحير ويدهش، خصوصا أنه لم تقم به طبقة بعينها، أو نخبة محددة. ولم يصدر عن نظريـة في تحريك الجماعات. ولم ينزل من فوق، أو من مسبقات فوقية. صعد من أسفل. من التجارب الحية. من آلام البشر وعذاباتهم. إنه انبثاق من الحياة ذاتها.

إذا أضفنا حضور المرأة إلى جانب الرجل في كل ما حدث، والطابع اللاعـُنفي، بعامة، ونـُشدان الحرية والكرامة والعدالة وحكم القانون، قبل الهتاف المألوف ضد الاستعمار، أو البطالة، أو الفقر، فإنني، شخصيا، لا أتردد في وصف ما حدث بأنه ظاهرة عربية فريدة حقـا.

ـ 2 ـ

حتى الآن، زُلزلت السلطات العربية. سقط بعضها. وبعضها الآخر يتأرجح. فلتذهب كلها إلى مصيرها الصغير البائس. لم تفعل شيئا يمكن الاعتزاز به، حضاريا، أو البناء عليه. لم تفعل، بعامة، إلا بوصفها شركات استثمار في بلدان تُهيمن عليها كانها مجرد أسواق.

تجارب دامية متنوعة طول خمسة عشر قرنا كانت، منطقيا، كافية لكي تزول ثقافة الخلافة والاستخلاف. لكنها على العكس» ظلت بقيمها وعناصرها وأدواتها مستمرة وفعالة. وهذا ما تؤكده مرحلتنا التاريخية الراهنة، مجسمة في السلطات العربية الوطنيـة، منذ نشوئها، بعد الاستقلال، في أواسط القرن الماضي المنصرم. (continue reading…)


إعــــدام ميت

 

محمد البوعزيزي

محمد البوعزيزي

حمدت الله كثيرا عندما قرأت نص أدونيس “رماد البوعزيزي” ، لقد هبط هذا النص في وقت حرج أخذ فيه جمع غفير من الأوصياء على التاريخ والرّمز والمجاز يسحبون محمد من أسماله البالية ليخرجوه بالقوة من بيت الأسطورة الذي شيدته له ضمائر الناس في الوطن العربي، وقد كان سببا -مجرد سبب لا غير- في أن تتهاوى أصنام السياسة العربية الواحد تلو الآخر فتتكسّر تحت وطأة أمواج الغضب الشعبي.

جاء أدونيس في الوقت المناسب ومدّ يده ليدفع البوعزيزي دفعةً قوية إلى الداخل ويغلق باب البيت آخذا المفتاح معه، إنها نقطة ينبغي أن يعود الجميع بعدها إلى السطر ويبحثوا عن جثة أخرى يبدؤون معها سطرا آخر في لعبة الكـرّ والفرّ العجيبة هذه، فالاندفاع الأهوج في مقاومة صورة البوعزيزي وصدّها تحت مسميات العدالة والحق والفضيلة والديمقراطية تبدو للناظر عن بعد كالوقوف أمام قاطرة  تشق عباب الفراغ. إن إحساس بعض الأشخاص بامتلاك الحقيقة لا يعدو أن يكون تورما واضحا في ذواتهم وخللا في تصورهم للوجود، فهم لا يتورعون مثلا إذ يفتحون  ثلاجة الموتى ليقتلعوا  ضرسا ذهبيا يرون أنهم أحق به من الديدان، أو يقصون إصبع جثة متفحمة ليفوزوا بخاتم يعرفون أنْ لا أحد سيتذكره في المأتم. هؤلاء هم الجزء المخفي من جبل الثلج، هذا الجزء ما كان ليظهر لو لم يذوّب حريقُ البوعزيزي الجزء الظاهر منه والذي كان ستارا كثيفا يمنع الناس من رؤية الأشياء كما ينبغي أن تُرى.

لقد كانت الثورة الشعبية زلزالا عنيفا أطاح بعرش الفساد وظلت ارتداداته المتتابعة تسحب الأرض من تحت الأنبياء الجدد والكهنة والسحرة وحملة المباخر والمشعوذين، وها إن رماد البوعزيزي يعيد إلى الحقيقة شيئا من نسبيتها بعد أن مرّغ أنفَها البعضُ في وحل المزايدات الانتهازية والدونكيشوتيات الخالية من كل معنى إيجابي، فلم يكن ضروريا الربط بين الدفاع عن سجينة لم يهتم أحد بالإصغاء إليها في غمرة الثورة وما تلاها وإخراج البوعزيزي من ذاكرة الرمز وتجلياته الممكنة والتراجع عن منحه شرف الحرف الأول في فقرة التغيير الدراماتيكي الذي حدث. (continue reading…)


حوار إذاعي مع السيد أحمد المناعي

أحمد المناعي

أحمد المناعي

بعد سنوات طويلة قضاها في المنفى عاد السيد أحمد المناعي ليدشن مرحلة جديدة من حياته في تونس الثورة، تونس التي تعد الآن بالحرية والديمقراطية مستجيبة لتطلعات أجيال من المناضلين عُـذِّبوا كثيرا في سجون بن علي من أجل مجاهرتهم بهذا الحق.
يحمل السيد أحمد المناعي في ذاكرته خبرة سنوات النضال السياسي ضدّ الدكتاتورية وقد خبرها جيدا بعدما التفّ الرئيس السابق على وعوده بالديمقراطية والتعدّدية وصنع من الإسلاميين فزاعة بنى على أكتافها جهاز الهيمنة والاستبداد الذي أطاح به الشباب يوم 14 جانفي 2011 في ثورة عربية غير مسبوقة ينظر لها العالم الآن بكل انبهار
في هذا الحوار يستعرض السيد أحمد المناعي حصيلة سنوات النضال السياسي والمنفى القسري من تجربة انتخابات 1989 وصولا إلى محاولة اغتياله في فرنسا على أيدي البوليس السياسي المختص في تعقب المعارضين في العواصم الأوروبية. وخلال هذا الحوار يستعرض السيد أحمد المناعي  جملة من الآراء تتعلق بما يحدث راهنا في تونس : أي دور للشباب في صياغة الأفق السياسي للبلاد وكيف يمكن فهم حزب حركة النهضة الذي يتأهب الآن للمشاركة في الحكم بنسبة الأغلبية.

استمع إلى الحوار كاملا ويستغرق ساعة وعشر دقائق

mannai

———-

أجري الحوار في شهر أوت 2011


صبّ الماء على اليدين

عبد العزيز بن ضياء

عبد العزيز بن ضياء

في حوار صحفي أجري معه أكد السيد ساسي بن حليمة محامي عبد العزيز بن ضياء أن موكله لا يقبع في ثكنة العوينة بسبب تهم واضحة يمكن اعتمادها للزج به في السجن وإنما احتياطيا تحت ضغط الشارع الذي لن يحتمل رؤيته طليقا، فلو حصل ذلك لحدث ما لا يمكن التكهن به من فوضى وعنف على سبيل التذمر والاحتجاج، وكانت الكلمة المفتاح في تبرير المحامي براءة هذا السياسي “الكبير” الذي رافق عهدين من عهود الدولة التونسية إلى الهاوية، أن موكله لم يكن له ذنب فيما حصل إذ لم يكن صانع سياسة الفساد بل كان مجرد “صباب ماء على اليدين”.

وعندما يصدر كلام كهذا عن أستاذ في القانون مشهود له بالبراعة و طول ذات اللسان في ساحات القضاء ومَعامِعه فإنّ الشعب الكريم سيتجرّع لامحالة بعضا من مرارة الخيبة، فالناس ينتظرون تسليط عقوبة تليق بوزير شارك في إدارة دفة البلاد أربعة عقود بلا كلل أو ملل حتى صار حضوره في المحافل الرسمية للدولة التونسية أبرز دليل مرئي على ضعف هذه الدولة وتراجع أدائها العام بل ووقوعها في تناقض صارخ بين منطوقها الخطابي وأسلوبها السياسي، فبينما كان  نظام بن علي يزعُم الإيمان بدور الشباب في تحقيق المصير كانت الطبقة الحاكمة في تونس تتآكل تدريجيا تحت وطأة الترهل والشيخوخة والضعف وما كان لبعض الرماد المذرور على العيون أن يصرف أنظار الناس عن خطورة الوضع بعد أن بدأت رائحة الصراع على خلافة الرئيس تزكم الأنوف وبدأ حضور هذا الوزير بالذات مع صهر الرئيس الصاعد بقوة يستفز قريحة المشاهدين وينبئهم بأنه بصدد البحث عن مقعد وثير في دولة ما بعد بن علي أيضا. (continue reading…)


أحمد الكرفاعي : عندما خرجنا من بيت طاعة الزعيم

رئيس تحرير الرأي سابقا

رئيس تحرير الرأي سابقا

احتلت جريدة الرأي طيلة عقد كامل من الزمن (1977-1987) مكانة ممتازة في التجربة الصحفية التونسية بوصفها محطة مهمة من محطات النضال ضدّ الاستبداد السياسي والعمل من أجل إرساء الديمقراطية الحقيقية في مناخ سياسي تسوده كاريزما الزعيم فتلقي بظلالها الحادة والقاتمة على مشهد شمولي ينزلق بسرعة ضدّ حركة التحرّر.

في هذا السياق تتنزل تجربة السيد أحمد الكرفاعي إذ تفتح وعيه السياسي في مناخ الحزب الحرّ الدستوري وفي أحضان رعاية بورقيبة الرمز والانسان  للشباب الدستوري المؤتمن على وضع لبنات الدولة الحديثة وإنجاح مرحلة الاستقلال ولكنه سرعان ما وجد نفسه منذ بداية السبعينات وبعد تجربة مهمة في جريدة العمل الناطقة بلسان الحزب منساقا ومندفعا في اتجاه مغاير اتجاه يؤمن بالديمقراطية سبيلا إلى تحقيق الانعتاق الحقيقي والخروج بالانسان التونسي من القهر والهيمنة أيا كان مأتاها الاستعمار الامبريالي أم طموح الدولة الحديثة.

وهكذا كانت صحيفة الرأي التي ظهرت في نهاية سنة 77 أياما قليلة قبل الخميس الأسود (26 جانفي 1978)  نقطة الجذب القوية التي التف حولها الديمقراطيون والمثقفون وعلى صفحاتها بدأت تظهر الأفكار المتحرّرة والأساليب المجدّدة في مقاربة الواقع السياسي بعينين مختلفتين تؤمنان بالحرية

هذا الحوار الإذاعي الذي أجريناه مع السيد أحمد الكرفاعي يعود الفضل فيه إلى مبادرة حزب المؤتمر من أجل الجمهورية بالتنويه إلى مسيرة الرجل النضالية وحقه في التكريم في عهد ما بعد الثورة باعتبار أن جيله مهّد الطريق ولا شكّ أما ما تشهده تونس اليوم من رغبة في إرساء نموذج سياسي ديمقراطي حقيقي ولأن للسيد أحمد الكرفاعي كما قال الدكتور المنصف المرزوقي يومها أسلوبا لا يستهان بأهميته في استقطاب الأقلام واستمالتها ومنحها الثقة في النفس وهو ما يغلب العامل الانساني في تجربة الرأي على شتى العوامل الأخرى.

استقبلنا السيد أحمد الكرفاعي ( 77 سنة ) في بيته الكائن بمنطقة رادس جنوب العاصمة التونسية والكائن أمام محطة قطارات الضواحي وبحضور الشاعرين محمد بن صالح وحسين العوري وبقية أفراد الأسرة الصغيرة استمتعنا قرابة ساعة من الزمن بسرد أطوار من حياة الضيف ونضالاته في سبيل حرية التعبير وكرامة الانسان.

استمع إل الحوار كاملا

Audio clip: Adobe Flash Player (version 9 or above) is required to play this audio clip. Download the latest version here. You also need to have JavaScript enabled in your browser.


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress