Tag: الانتقال الديمقراطي

التلفزيون البوردال

سيف الطرابلسي كرونيكور في التاسعة

سيف الطرابلسي كرونيكور في التاسعة

لتفسير الزواج العرفي الذي حصل بين قناتي «الحوار التونسي» و«التاسعة»، جرى الإعداد للموسم التلفزيوني الجديد بإطلاق الكثير من الأخبار حول تنقلات المنشطين، واشتغل صُنّاع الإشاعات بمهارة لإضفاء هالة من التشويق عليها، قبل أن يظهر المعنيون بها في الإذاعات للتفنيد والتذمّر من «الصيد في الماء العكر».

هذه الخطّة التسويقية اعتمدت أساسا تقنية «الاستحمار»، فقد استثمرت جيّدا سذاجة يتمتع بها قطاع كبير من المتفرجين تبلغ حدّ الغباء وتؤتي أكلها دائما. فلا شكّ أن الإيحاء بوجود خلافات عميقة في كواليس هذا التلفزيون أو ذاك هو أفضل طُعم يمكن تقديمه لجمهور فضوليّ لا يتردّد أبدا في الضغط على الزرّ الذي سيريه «لحظة سقوط فستان هيفاء وهبي»، وبقدر ما تضمن هذه الخطة للمحتوى التلفزيوني المزمع تقديمه اهتماما شعبيا كفيلا بإرضاء أصحاب الإعلانات تمعن في طمس حقائق لا يريد أحد أن يتحدث عنها:

أولى هذه الحقائق وأهمّها إطلاقا، أنّ المنوّعات التلفزيونية التي تُقدّم اليوم رغم ما يتوفّر لها من تقنيات مذهلة لم ترقَ إلى مستوى ما كان يقدّمه التّلفزيون قبل ثلاثين عاما بإمكانياته القليلة، ولا يُستثنى التلفزيون العمومي في هذا الشأن، فالمنوعات التي تُقدم بنفس الصيغة في مختلف القنوات لا يمكن أن تنافس البتة حلقة واحدة من منوعات نجيب الخطاب عشية الأحد في الثمانينات، لأنها ببساطة تفتقر إلى عنصر مهم في خلفيتها وهو عنصر المسؤولية المجتمعية ولا تحركها الا دوافع الربح السريع أيا كانت تداعيات ما تقدمه على الذهنية العامة في عصر تضاعف فيه تأثير التلفزيون بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقدرات الهائلة لتناقل الصورة وتخزينها وإعادة مشاهدتها، لقد كانت المنوعة التلفزية في تلك المرحلة التي أصبحت الآن «العصر الذهبي» للتلفزيون القلب النابض للحركة الإبداعية الفنية ومنها انطلقت تجارب مميزة في المسرح والغناء والاستعراض فأنتجت أعمالا فنية خالدة وجعلت من تونس عاصمة للثقافة العربية قبل انتشار الفضائيات، أما منوعات اليوم فتعمل على إنتاج الضّحالة ولا يمكن أن تضيف شيئا ذا بال إلى الذاكرة الثقافية، لقد بلغ الأمر بأحد أبرز منشطي المرحلة حدّ التباهي بأن «التلفزيون البوبال» اختصاص معروف في الغرب، وأنه ليس من السهل على أيّ كان أن ينفذه متجاهلا أنه في تجربته الشخصية قد تجاوز هذا الاختصاص بأشواط وأنه بصدد تقديم «التلفزيون البوردال».

الحقيقة الثانية المسكوت عنها، تتعلّق بفشل تجربة قناة «التّاسعة» في نسختها الأولى، إذ لم تستمر طويلا في تقديم المحتوى الإخباري المنافس، واعتمدت بضغط من جهات التمويل خيار المنوعات الهابطة والثقافة السهلة والاستفزاز للعودة بقوة، وفي غياب أي مبادرات نقدية تتابع هذه التطورات وتفيها حقها من التقييم ذهبت تلك التجربة أدراج النسيان لتكون درسا قاسيا ومعبرا أمام كل باعث قد يفكر لاحقا في الخروج عن الخطّ!

أما ثالثة الأثافي فتتعلّق بهذه الصفقة المريبة التي انتقلت بموجبها مجموعة من البرامج والوجوه دفعة واحدة من قناة إلى أخرى، وبصرف النظر عن خلفيتها القانونية ومشروعيتها الأخلاقية تدلّ هذه الصفقة المبرمة بين «الحوار التّونسي» و «التّاسعة» بوضوح على أن «كاكتوس» باقية وتتمدّد رغم كل الشبهات التي تحفّ بها ورغم أن قضيتها مع التلفزة الوطنية أصبحت أغرب قضية في تاريخ العدالة التونسية ويبدو أن لا أفق لها في ظلّ سلطة الأمر الواقع. كاكتوس غيّرت منذ تأسيسها المشهد الإعلامي بفضل السلطة المادية والمعنوية لبلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق والعلاقات المافياوية المتشعبة التي هيمنت على الإعلام في مطلع الألفية الجديدة بعد فتحه للخواص، فأفرغت المحتوى التلفزيوني في المنوعات والدراما خصوصا من أي مسؤولية مجتمعية، وغرست قيم الإثراء السّريع والتسلية المخدرة ونشرت مضامين العنف والتنطّع على القيم السائدة فيما ظلت توهم الناس دائما بأنه ضرب من الواقعية الصادمة.

لقد كان ظهور برامج «كاكتوس» على شاشة قناة معارضة سابقا صفقة أولى باع بمقتضاها مناضل ثوري الأصل التجاري الذي يملكه إلى مؤسسة اعتبرت أحد أهم أركان الفساد المؤسسي في عهد بن علي، واليوم بهذه الصفقة الثانية تثبت «كاكتوس» نجاعة أسلوب التوسع باعتماد تقنية الانقسام الخلوي السرطانية لتتوّج نجاحا جماهيريا لم يعد ممكنا لأحد إنكاره وتضاعف مجالات انتشار برامجها وأفكارها الهدّامة.


ضدّ الحكومة مرّة أخرى!

حاتم بن سالم وزير التربية

حاتم بن سالم وزير التربية

المسألة هذه المرة أبسط بكثير مما تقول وزارة التربية وأقلّ تعقيدا مما تحاول أن تقنع الناس به، فموت التلميذتين رحمة السعيدي وسرور الهيشري رحمهما الله، في حريق داخل مبيت المدرسة الإعدادية 25 جويلية بتالة من ولاية القصرين أمر لا بدّ أن تتحمّل الحكومة مسؤوليته بشجاعة أيّا كانت نتائج التحقيق الذي أمرت به.

نقول هذا بعد البيان الإعلامي الذي أصدرته الوزارة في ساعة متأخرة مساء السادس من فيفري والذي تعلم فيه أنها قد “بادرت بعدُ بالتّحقيق في ملابسات الحادثة، ورصد الإخلالات أيا كان مأتاها، وتحديد واضح للمسؤوليات في نطاق الإجراءات القانونية وطبقا للتراتيب المعمول بها في الغرض” والبيان كما هو واضح من خلال هذه الفقرة القصيرة صيغ بلغة خشبية ميتة وقوالب إدارية جاهزة استنفدت طاقتها التعبيرية منذ سنوات، فضلا عن وجود أخطاء في التركيب لا تناسب مقام الوزارة، ولا ينسى البيان أن يذكّر الناس بأنّ “الظرف يتطلّب الخشوع والترحّم على التلميذتين البريئتين” ولم يبق إلا أن يُذكّر بأنّ لكلّ نفس أجلا وأنْ لا رادّ لقضاء الله وقدره، يأتي كل هذا المجهود اللّغوي لتغليف الرسالة الأصلية التي كتب لأجلها البيان ونشر على عجل من غير أن يحمل حتى توقيع الوزير وهي الدعوة إلى النأي بهذه الحادثة عن التوظيف واتهام الجهات التي تستبق نتائج التحقيق بأنها جهات غير مسؤولة وأن ما تقوم به أمر غير مقبول!

بيان إعلامي
بيان إعلامي

لماذا يثير مثل هذا البيان حنق الناس ويفاقم غضبهم؟ لأنه ببساطة متخلف كثيرا عن اللحظة السياسية الراهنة، ففي الوقت الذي تتعلل فيه السلطة في تونس بشقيها التنفيذي والتشريعي بأن الانتقال الديمقراطي مكسب تاريخي يستدعي التضحية وتحمل المصاعب الاقتصادية والاجتماعية ما تزال ردود الفعل الحكومية على مقاس عهود الاستبداد، حيث لا مجال مطلقا للحديث عن المسؤولية السياسية والشجاعة الأخلاقية، وإنما يجري التّعامل مع الكوارث دائما بما يخدم صورة السلطة لا غير، هكذا يبدو الإعلان عن فتح تحقيق إداري أو قضائي إجراء استثنائيا ومزية كبرى والحال أنه أمر بديهي ومنطقي، علما أن هذا الأمر لم يعد ليُطمئنَ أحدا فكلّ التحقيقات التي فُتحت لم تُغلق، والتونسيون أصبحوا مقتنعين بأن أفضل طريقة لطمر قضايا الرأي العام تتمثل في فتح التحقيقات والدعوة إلى عدم التشويش عليها وانتظار نتائجها التي لن تظهر أبدا. وإذا افترضنا أن لهذا التحقيق نتائجَ عملية واضحة، كأن يكون التماس الكهربائي ناتجا عن تقصير أحد الأعوان، فستنتهي القضية بشكل قانوني مناسب وبسرعة قياسية وهو ما يسمى في لغة السياسة “البحث عن كبش الفداء”.

المطلوب إذن في ظل الوعي المواطني الجديد الذي تتباهى به السلطة بوصفه مكونا أساسيا من مكونات الدولة الديمقراطية التمييز بين المسؤولية القانونية التي سيحددها البحث الإداري أو القضائي والمسؤولية السياسية والأخلاقية التي لا تحتاج تحقيقا لإثباتها، فوقوع حريق داخل مؤسسة عمومية نتجت عنه أضرار بشرية يعني بشكل واضح إخلال السلطة في القيام بواجبها تجاه مواطنيها (دافعي الضرائب)، ويمكن رصد هذا التقصير في مستويين على الأقل، أولا في مستوى الأسباب التي أدّت إلى نشوب الحريق وثانيا في مستوى الأسباب التي جعلت عملية الإغاثة وإخلاء المكان دون وقوع ضحايا لا تتمّ بالشكل المناسب. وهذا ما يحتم على السلطة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة وأي قرار يطالب به الرأي العام هو للتأكيد رمزيا على علوية العقد الاجتماعي والأخلاقي الذي يحدد العلاقة بين السلطة المنتخبة والمواطن الذي انتخبها، إن التغاضي عن تقصير السلطة وتهاونها يفضي بالضرورة إلى استسهال المواطن من جهته في القيام بواجباته والديمقراطية إذ تقوم على توازن دقيق بين الحق والواجب لها ثمن ينبغي أن يدفعه كل من يسهم بشكل أو بآخر في الإخلال بهذا التوازن.

التعليقات على ضدّ الحكومة مرّة أخرى! مغلقة more...

الباتيندة

الباجي قايد السبسييخلص فقيد الصحافة العربية قصي صالح درويش في كتابه “يحدث في تونس” إلى استشراف مستقبل الأحداث بعد تفاقم أزمة الخلافة سنة 87، فيصنّف المرشحين للفوز بعرش بورقيبة إلى مجموعات، ثم ينتهي إلى القول بأن مجموعة “زين العابدين بن علي والهادي البكوش” هي الأقدر على الإطاحة بالرئيس العجوز بإثبات عجزه عن ممارسة وظائف الرئاسة وتطبيق الفصل 57 من الدستور!!!!

نُشر الكتاب ومنع من التداول في تونس وقد أثبت فيه صاحبه أنّ دلائل عجز بورقيبة عن ممارسة وظائفه السّامية تعود إلى سنة 1973 عندما أقدم في خطوة مُحيّرة على إبرام اتفاقية وحدة مع العقيد معمر القذافي وهو الذي يعارض دائما توجهات جيرانه الوحدوية بشكل استعراضي مرتكزا أساسا إلى عدم نضج أسبابها، وبدا تراجعه عن الإيفاء بالتزامات جربة تلعثما سياسيا مُهينا لمكانة الزعيم التاريخية وبُعدِ نظره الاستراتيجي، لكن لم يكن ممكنا للهادي نويرة أو لمحمد مزالي طيلة سنوات الهبوطِ إلى الجحيم استصدارُ شهادة طبية لإقالة الزعيم من مهامّه بوصفه “صاحب الباتيندة” في دولة الاستقلال لا في الحزب الاشتراكي الدستوري فقط .

وفعلها زين العابدين بن علي!
لكنه ولأسباب تتعلق بالباتيندة وبعقلية القطيع قدّم للجميع تبريرا عاطفيا لما حصل، فهو “قد أنقذ بورقيبة من بورقيبة”، وشكّل هذا التبرير قاعدة دعائية استراتيجية “للعهد الجديد”، فزعموا أنه يقوم على التواصل والاستمرارية لا مع البورقيبية فحسب مع بل مع كل رواد الإصلاح بدءا من خير الدين!! وهكذا صدّق الشعب الذي بلغ ساعتئذ من الوعي والنضج “ما يسمح لكـلّ أبنائـه وفئاتـه بالمشاركة البنّاءة في تصـريف شؤونه” بوعي قطيعي أن الباتيندة لم تخرج من بيت الحزب الاشتراكي الدستوري وأن ما حدث لا يعدو أن يكون عملية ترميم وإعادة طلاء للجدران والأبواب والسقوف، وقد فتحت أثناء هذا الترميم نوافذ للتهوئة تسلّل منها معارضون قدامى ونقابيون ويساريون إلى سدّة الحكم وظلّوا هناك حتى النهاية. وعلى مدى ثلاثة وعشرين عاما لم يتمرّد أحد من داخل البيت على صاحب الباتيندة الجديد رغم الفساد وإرادة التوريث ونكث العهود إلى أن وقعت الثورة وحصل الذي حصل.

rached-ghannouchi1لا غرابة إذن في ظلّ هذه العقلية التونسية الفريدة، أن يُنظّر “مناضلو نداء تونس” للتوافق فهو الطريقة الوحيدة لحماية صاحب الباتيندة وأبنائه وأحفاده من خطر الانتخابات “عافانا وعافاكم الله” ومن إمكانية أن تنتقل الزعامة من المؤسس إلى شخص آخر تتجه إليه إرادة الناخبين “لا قدّر الله”. لم يخرج أحد على سلطة بورقيبة رغم عجزه، ولم يتمرّد أحدٌ على بنْ عَلي رغم فساده، ولن يقول أحد: “لا” للباجي قايد السبسي رغم ما يرتكبه من أخطاء في حق نفسه أولا والحزب الذي قاده إلى الرئاسة ثانيا. لا يقول أحد: لا في وجه الزعيم المؤسس القائد الملهم البطل المنقذ الواحد الأحد!، ولا يختلف في ذلك دستوري عن نهضوي، فهؤلاء أيضا لا يستطيعون الخروج من جلباب راشد الغنوشي مهما كان حجم التنازلات الموجعة والمهينة التي أضحت الحركةُ تقدمها من أجل البقاء، ومهما كانت الصورة الكاريكاتورية التي أصبحت عليها بسبب مفارقات الحكم وإكراهات البراغماتية. الحركة تغيّر مواقفها دون مراجعات علنية واضحة، والصقور الذين كانوا يهدّدون بالسّحل وقطع الأيدي والأرجل لا يستقيلون لعدم انسجام مواقف الحركة الجديدة مع ما يؤمنون به وما قضوا في سبيله أحلى سنوات العمر وراء القضبان، لا يحتجون لا يعلنون صراحة تخليهم عن ثوبهم الإيديولوجي القديم، كل ما في الأمر أن الحركة تتقدّم دائما إلى الجمهور في شكل كتلة واحدة مبهمة، تحتوي صراعاتها في داخل الداخل وتأتمر بأوامر الشيخ الذي يعلو ولا يُعلى عليه!

الوعي القطيعي في تونس وعقلية الباتيندة ليستا حكرا على حزب دون آخر بل ثقافة أصيلة متجذرة ومقاومة لا واعية ومتوارثة للفعل الديمقراطي الذي يُعلي مكانة المؤسسة على الأفراد ويفرض التداول الانتخابي على القيادة، يتشابه في ذلك أكبر حزبين في تونس كما يتشابه الجناحان حقا!

التعليقات على الباتيندة مغلقة more...

بين مطرقة النهضة وسندان النّداء

 

                   السبسي والغنشيفي السنوات الأخيرة من حكم بن علي، تفاقمت الخلافات داخل التجمّع بشكل لم يعد يخفى على الأنظار، وأثناء الانتخابات البلدية 2010 بلغ الاحتقان في بعض الولايات حدّ استخدام العنف تعبيرا عن عدم رضا شقّ من القواعد على اختيارات القيادة المركزية وترشيحاتها.

في ذات الفترة وبمناسبة تجديد الشعب الدستورية حدّثنا تجمّعي ضليع في الشأن الحزبي القاعدي بكثير من المرح عن عملية تجديد مكتب الشعبة في منطقته التي تعدّ واحدة من أفخم المناطق بالمدينة، فروى لنا كيف كان المترشّحون في الانتخابات منقسمين إلى شِقّين وكيف انتدب كل شِقّ يوم المؤتمر مجموعة من “الخلائق” من ذوي العضلات المفتولة للحضور أمام مقرّ الشعبة حيث يشرف أحد أعضاء الحكومة على الاجتماع، وكيف أن هذه الخلائق تمت دعوتها من الجانبين إلى فطور صباحيّ فاخر في نزل واحد كان على ملك أحد المترشحين، وكيف كان هؤلاء الفُتوّات المنتدبون في غاية الانسجام خلال السّاعات التي سبقت انطلاق مهمتهم الرسمية، فهم محترفون وبحكم تبادل الأدوار والمواقع قد يجد أيّ واحد منهم نفسه في مواجهة زميله بعد أن كانا معا في مهمة سابقة. وإجابة عن سؤال يبدو ساذجا في إبّانه عن الجدوى من توظيف هؤلاء الخلائق وتنصيبهم أمام مقرّ الاجتماع طالما أنْ لن تكون هناك معركة حقيقية في الأفق أجاب محدّثنا بأنّ ذلك كان بغاية تنفير الناس النظاف من الاقتراب من مقرّ الاجتماع ومجرّد التفكير في حضوره حتى لا تتلخبط أوراقُ المشاركين في الانتخابات المعروفة نتائجُها سلفا، وختم صاحبنا حديثه بالقول: إنّ المضحك في الأمر أن الجماعة قد صرفوا يومها على “لجنة التنظيم” هذه ما يقارب الألفي دينار بينما كانت موازنة الشعبة تشكو عجزا يقدر بثلاثمائة دينار فقط، وقد تبرّع الوزير المشرف على الاجتماع بهذا المبلغ من ماله الخاص تقديرا لوطنية المنتسبين إلى هذه الشعبة وتثمينا لتضحياتهم الجسام في سبيل الصالح العام!.

أبطال هذه المسرحية الواقعية لم ينسحبوا من المشهد بعد سقوط النظام بل توزعوا على عدة أحزاب وأصبح جزء كبير منهم من “مناضلي نداء تونس”، وظلّوا يمارسون السياسة بالعضلات المفتولة في ضوء التفكّك العلائقي المزمن بين مكوّنات البيت الواحد كما كان الشأن دائما،  فالتجمع الدستوري الديمقراطي لم يكن عند تكوّنه في 1988 حزبا عقائديا بالمعنى الإيديولوجي الذي تقوم عليه الأحزاب، كلّ ما في الأمر أن الجنرال عندما أزاح بورقيبة سحب البساط من تحت أقدام الدساترة الذين حكموا البلاد بمقتضى شرعية حركة التحرير الوطني وبناء الدولة الحديثة ثلاثين عاما، وكان على هؤلاء أن يصطفّوا وراءه تحت مظلّة شرعيّة الإنقاذ إذ كانوا أعرف الناس بأنهم لا يمكنهم الوقوف في وجه التيّار، والحقّ أن ذلك لم يكن ليزعجهم، ففي أقلّ من أربع وعشرين ساعة تغيّرت الهتافات من الدّعاء للمجاهد الأكبر بدوام الصّحة والبقاء قرونا على عرش الجمهورية  إلى التهليل بما أقدم عليه وزيره الأول بينما كانوا يغُطّون في نوم عميق، كان ذلك سهلا جدّا، بل كان ذلك أسهل شيء يمكن أن يقوموا به، لكنّ الرئيس الجديد كان يعمل على دمج مختلف ألوان الطيف السياسي تحت مظلة مشروعه الذي تضمنه بيان 7 نوفمبر والذي تحمّس له المعارضون أكثر من الموالين، وهو ما كان صعبا عليهم  استيعابه والترحيب به، كان اسم التّجمع جبّة فضفاضة تتسع للجميع وبدا منذ اللّحظات الأولى أن المراجعات الكبرى سيُعهد بها إلى أشخاص ينتمون فكريا إلى اليسار، وأن ما كان يطلق عليهم حينها “جيوب الرّدة” ستقتصر مهمتهم لفترة قد تطول على التصفيق والمساندة والهتاف وإرسال برقيات الدّعم وتشكيل لجان اليقظة الليلية وكتابة التقارير الأمنية لا غير، وبالعودة إلى صحافة تلك الأيّام يتّضح الشّرخ العميق بين توجهات الوافدين الجدد إلى السّلطة والمنتسبين القدامى الذين ورثهم بن علي عن سلفه، وكان إعلان الرئيس عن تشكيل الحكومة الجديدة قبل انعقاد “مؤتمر الإنقاذ” لا بعده مراوغة  لم تخطر على بال أحد للفصل بين الشأن التّجمعي والشأن الحكومي وتخليص المؤتمر من كل الضّغوط كما قالت الجرائد تعليقا على ذلك. وظلت قبضة الجنرال الحديدية ممسكة بخيوط لعبة التناقضات بمهارة شديدة طيلة عقدين من الزمن، فلم يكن الطّرفان ليجتمعان الاّ في مواجهة الخطر الأصولي، وكان الإسلاميون يعرفون أكثر من غيرهم أن الشقّ اليساري في الحكومة هو الأخطر والأشدّ مراسا لأنه يواجههم من منطلقات عقائدية، وأنه لولا ذلك لكان التّقارب ممكنا مع بن علي فقد قدّموا تنازلات كثيرة لم يقدّرها أحد حقّ قدرها منذ التّوقيع على الميثاق الوطني والتخلي عن الاسم التاريخي للحركة “الاتجاه الإسلامي” وتنويه بعضهم إلى أن تونس حققت نهضة اقتصادية واستقرارا اجتماعيا ملحوظا في التسعينات ولا يعيب نظام حكمها الا إقصاؤهم من المشاركة في الحياة السياسية والتنكيل بهم.

martgannouchi1وعندما أسّس الباجي قائد السبسي حركة نداء تونس بتجميع روافد مختلفة تحت مظلّة إنقاذ البلاد من الخطر الأصولي سارعت النهضة بنعته بالتجمّع، ولم يكن القصد من ذلك الإساءة للتجمعيين، فلا مشكلة لديهم من هذه الناحية، إذ كانوا أول من فتح لهم أبواب التّوبة على مصراعيها منذ 2011 واستفادوا كثيرا من مواهب المطبّلين منهم الذين لا يستغنى عنهم أيّ ماسك بزمام السلطة وإن تعفّف، وتخلّوا تحت إكراهات الانضباط الحزبي عن مطلب تحصين الثورة، بل مثّلت سنوات الترويكا العصر الذهبي للخلائق الذين وجدوا مسميات عديدة لتصريف طاقاتهم وتوزعوا بين حماية الثورة وتثبيت الإسلام ونصرة الشريعة.  لكن كانت عبارة التجمع في خطاباتهم تعبيرا عن التركيبة الهجينة التي تجمع اليساري بالدستوري، هذه الخلطة العجيبة هي أكثر ما يزعج الإسلاميين وهم يعتبرونها سبب محنتهم في عهد بن علي، ونكاد نجزم أن نقمتهم على محمد الشرفي الذي تُنسب إليه سياسة تجفيف المنابع هي أضعافُ نقمتِهم على بن علي ذاته، وكلما اتجه حزب النداء الآن إلى التطهّر من روافده اليسارية بعد أن وظّفها بنجاح في معركة الوصول إلى السّلطة اقتربت النهضة من النداء وتعانقا كمن يضع ساقا على ساق وهو جالس في المقهى.

التعليقات على بين مطرقة النهضة وسندان النّداء مغلقة more...

ضدّ الحكومة

الحبيب الصيد رئيس الحكومة التونسية

الحبيب الصيد رئيس الحكومة التونسية

المشهد ذاته تقريبا تخيله منذ سنوات قليلة علاء الأسواني في روايته عمارة يعقوبيان، يقف الطالب المتفوق أمام لجنة من الضباط لدخول أكاديمية الشرطة، فلا يشفع له نبوغه لأنه ابن حارس عمارة ولا يحق له الانتساب إلى الشرطة. وقد لا ينتبه كثير من القراء والمتفرجين في غمرة الأحداث الكثيرة المتشعبة التي تفيض على جانبي الرواية إلى العداء الرمزي الذي نشب بين هذا الشاب بعد أن انتمى إلى الإخوان المسلمين والشرطة ممثلة في شاب آخر لا يختلف عنه في العمر لكن من الواضح أنه قادم من “وسط محترم” على حد عبارة وزير العدل المصري المخلوع في الواقع. لم يختر هذان الشابان مصيرهما، كل ما حدث أن الانتماء الطبقي حدّد لكل واحد منهما دوره في مسرحية الحياة: فجعل أحدهما ضحية والآخر جلادا، وينتهي الاثنان قتيلين في معركة ينبغي لكل طرف فيها أن يلغي الآخر.

يحدث هذا في الخيال ويتجسد ما يشبهه في الواقع، هناك في مصر التي يرى بعض السّاسة هنا في تونس أنها غادرت حديقة الربيع العربي وتركت شعبنا يرفل لوحده في غابةٍ أزهارُها تخلب الأنظار تحت سماء ديمقراطية لا يعكر صفوها شيء غير بعض الأحداث المتفرقة التي تبدو بلا قيمة تُذكر لدى صاحب السعادة من فرط لامبالاته بها، كالاحتجاجات الموسمية في الجنوب والمناطق الفقيرة المهمشة وهي تعيد بقوة إلى الواجهة متلازمة الديمقراطية والتنمية. نحن إذن أمام نموذجين مختلفين، هناك في القاهرة أغلق العسكر قوسي الربيع العربي وزجّوا بالإخوان في السجون بعد أن حملتهم الصناديق إلى السلطة، وهنا في تونس انتقال ديمقراطي يتعايش فيه الحزب الإسلامي القادر على تغيير جلده كلما اقتضى الأمر مع الدولة العميقة وسائر مكونات المجتمع، لكن هناك في ظلّ الدكتاتورية العائدة بقوة يستقيل الوزراء أو يقالون “احتراما للرأي العام”، وهنا في ظل الديمقراطية الناشئة لا يستقيل الوزراء ولا الرؤساء ولو سلح عليهم جمهور الفايسبوك ولو أصبحوا أضحوكة أو طراطيرَ، يتوهم البعض منهم أن استقالته من منصبه ستؤدي إلى انهيار الجمهورية على رؤوس الناس وكأنه المحور الذي تدور عليه دواليب الحكم. والاستقالة الوحيدة التي حصلت كانت بتوقيع وزير التربية في حكومة الترويكا، وهي استقالة كان يمكن أن توضع هي أيضا في كتاب غينيس للأرقام القياسية إلى جانب منجزاتنا التنموية الأخرى كأكبر علم مفروش في الصحراء وأكبر عصير برتقال فهو تقريبا الوزير الوحيد في العالم الذي ظلّ يزاول عمله في الوزارة وهو مستقيل دون أن يعرف أحد ما إذا كان مسؤولا عن قراراته في تلكم الفترة أم لا؟!

استُقيل وزير العدل المصري، وهو اشتقاق لغوي جميل يصف حالة من تُفرض عليه الاستقالة حفاظا على ماء الوجه، ولم يُستقَل أي وزير عندنا رغم الحماقات الكثيرة المتكررة، والحالات القليلة التي اضطرّ فيها الحاكم إلى تسليم الأمانة والهبوط من كرسي العرش كان ثمنها باهظا جدّا ولم تكن في كل الأحوال تعبر عن احترام الرأي العام بقدر ما كانت فرارا من جحيم مفتوح على مصراعيه، كذلك فعل حمادي الجبالي عند اغتيال شكري بلعيد  ومن بعده علي العريض بعد اغتيال محمد البراهمي، وكأن التداول على السلطة لدى هؤلاء لا يحتكم إلى معايير الإخفاق والنجاح في قلب معادلات التنمية والرفاه التقليدية وإنما في حاجة دائمة إلى قرابين بشرية. وقد اعترف مؤخرا المنصف المرزوقي وهو يرمّم ما تهدّم من تمثاله السياسي والحقوقي بأنه كان ينبغي عليه الاستقالة من منصبه عندما كان رئيسا مؤقتا للجمهورية لكن هذا الاعتراف المتأخر لا يزيد الرأي العام الا إحباطا إزاء عقلية التشبث بالسلطة التي لا يختلف فيها الحكام الجدد عن سابقيهم، فلا اختلاف بين قوله ذلك وقول بن علي في اللحظات الأخيرة “غلطوني”، ولا يضيف شيئا قوله وهو خارج السلطة “كان ينبغي أن أستقيل” الا المزيد من المرارة والسخرية.

يستقيل الوزراء في العالم المتحضر لا لأنهم مسؤولون بشكل مباشر على ما يحدث في وزاراتهم ولكن لأن مسؤوليتهم السياسية والأخلاقية تقتضي ذلك، فالاستقالة في حالات كثيرة رسالة إيجابية من الحاكم إلى المحكوم، ويمكنها في الوقت المناسب أن تنزع فتيل الأزمة قبل اشتعالها. والمتابع للشأن السياسي والاجتماعي في تونس بعد مضي مائة يوم من انتصاب حكومة الحبيب الصيد يمكنه أن يتبيّن بسهولة أنها في حاجة إلى استقالات كثيرة في وزارات لم يرق أداؤها إلى النجاعة المطلوبة، لكن التعنت ومعالجة الأخطاء بأخطاء أفظع لا يزيد الأزمات الا استفحالا، لا يختلف في ذلك قول وزير التربية في حكومة النداء للممنوعين من اجتياز امتحان الكاباس “تو نرجعولكم الخمسطاش دينار”؟؟! عن قول وزيرة المرأة في حكومة الترويكا وهي تعضّ بالنواجذ على كرسي الوزارة: اشربوا ماء البحر…!، فلا عزاء للتونسيين في طبقة كاملة من المناضلين خيبت أمل الناس في السياسة والديمقراطية وجعلت بعضهم يغبط في سره الرأي العام المصري الذي أقال وزير العدل لحماقة ارتكبها في برنامج تلفزيوني وما أكثر الحماقات التي نتجرّعها يوميا.


خليــــــفة الأقـــــرع

سمير الوافي

سمير الوافي

صغار السن، الذين بالكاد يقرأون ما هو مقرر لهم في حصص التشجيع على المطالعة في مدارسهم لا يعرفون خليفة الأقرع!

هي قصة قصيرة للبشير خريف أب الرواية في تونس نشرها ضمن مجموعته القصصية مشموم الفل، وأخرجها للسينما حمودة بن حليمة تحكي عن رجل يحمل هذا الاسم لأنه مصاب بمرض جلدي في رأسه، وخولت له هذه العاهة أن يكون محلّ ثقة “رجال المدينة” فيدخل بيوتهم لقضاء حاجات شتى. لأنه أقرع دخل خليفة عالم النساء المغلق واكتشف أسرارهن وخطاياهن واستأنسن به في قضاء شؤونهن العاطفية المحرمة ونزواتهن. وكانت رسالة البشير خريف من وراء هذه الحكاية الطريفة واضحةً أراد أن يقول فيها إن الفساد الأخلاقي لا صلة له بالتحرّر، فهو ينقد بسخرية لاذعة المجتمع التقليدي المحافظ الذي يبدو من الخارج مجتمع الفضيلة والصلاح بينما يكفي التسلل إلى داخله لاكتشاف كمّ هائل من الرذائل، ورجال الحومة في هذه القصة كانوا يعتقدون أن خليفة الأقرع برأس سليم يغطيه الشعر سيكون رجلا “كاملا” ولن يحق له دخول بيوتهم لأنه سيحمل معه فيروس الرذيلة دون أن ينتبهوا إلى أن الرّذيلة تسكن بيوتهم! ولهذا نرى بطل القصة عند بوبكر الدقاز يطلب منه أن يفعل له شيئا لتبقى الدملة في رأسه فهي جواز سفره إلى عالم الحريم والأسرار الدافئة، تلك الدملة منحته معرفة كاملة رغم أنهم من خارج الدائرة المغلقة يعتبرونه رجلا ناقصا. (continue reading…)

التعليقات على خليــــــفة الأقـــــرع مغلقة more...

Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress