مقالات رأي

السبسي والشاهد: كيف انقلب السحر على الساحر

يوسف الشاهد والسبسي

يوسف الشاهد والسبسي

في تفسيرهم أسبابَ رفض الباجي قايد السبسي التحوير الوزاري الذي أعلن عنه رئيس الحكومة تحدث مستشارو الرئيس عن آليّات التعامل بين رأسي السلطة التنفيذية، كالتنسيق والتشاور والطرق الواجب اعتمادها حسب رأيهم في إعداد أي تحوير حكومي، بينما تركزت اعتراضات قياديي نداء تونس في مختلف المنابر الإعلامية في مسألتين: عدم تمثيل هذه الحكومة لنتائج انتخابات 2014، واعتبارهم النهضة الحاكم الفعلي الذي يقف وراء الشاهد، وبلغ الأمر ببعضهم حدّ تسمية هذا التحوير انقلابا.

مواقف النداء من التحوير توظف جزءا من الحقيقة لكنها تبالغ في تحميل الحكومة الحالية عبء اختيارات اتخذها الرئيس ذاته. ففي الوقت الذي كان فيه الناخبون يتطلعون مباشرة بعد الانتخابات الرئاسية والتشريعية في 2014 إلى مشهد سياسي جديد تماما يقوم على التوازن بين قوتين متكافئتين إحداهما في الحكم والأخرى في المعارضة قرّر رئيس الجمهورية تحت ضغط إكراهات النظام الانتخابي أن تكون النهضة وهي الحزب الثاني ممثلة في الحكومة. وهو الذي قرّر أن يكون رئيس الحكومة من خارج النداء واختار لهذه المهمة الحبيب الصيد الذي يحظى برضى النهضة، وكان من الدوافع إلى ذلك الضغط المسلط على «نداء تونس» تخوفا من التغول.

وهكذا بعد أن كان نداء تونس والنهضة في الخطاب الانتخابي خطين متوازيين لا يلتقيان صارا شريكين في الحكم والتقيا في ما سمي «التوافق» وهو مسار يلتفّ بشكل واضح على مخرجات العملية الانتخابية ويفقد الديمقراطية بعضا من جدواها لدى عموم الناخبين الذين يرون في تجارب الدول المتقدمة أن المعارضة لا تقلّ أهمية عن ممارسة الحكم وأن تحميل المسؤولية كاملة إلى الحزب الفائز أمر ضروري لتسهيل التداول على السلطة. لكن الرئيس خيب أيضا آمال عدد كبير من ناخبيه ذاتهم الذين كان الهدف الأول من الانتخابات لديهم إخراج النهضة من دائرة الحكم، وخيّب أملهم ثانية عندما حرم حزبه من رئاسة الحكومة وخلق واقعا سياسيا اعتبره الكثيرون غير منسجم مع ما أفرزته الصناديق.

لإقالة الحبيب الصيد من مهامه وإرجاع رأس السلطة التنفيذية إلى النداء لجأ الرئيس أيضا إلى آلية لا علاقة لها بالواقع السياسي الذي قررته الانتخابات، فوثيقة قرطاج تشبه إلى حد بعيد الحوار الوطني الذي فرض على النهضة التنازل عن السلطة في 2014 رغم اختلاف الوضع، لكن هذه الوثيقة وسّعت مؤقتا صلاحيات الرئيس، وتم تعيين يوسف الشاهد رئيسا للحكومة ليصبح وهو القادم من نداء تونس ملزما بالبرنامج الإصلاحي الوارد في وثيقة قرطاج أكثر من التزامه بالبرنامج الانتخابي لحزبه. فضاعت في الأثناء الكثير من الوعود الانتخابية على رأسها التزام السبسي باستكمال التحقيق في جريمتي اغتيال شكري بلعيد ومحمد البراهمي وما يعنيه ذلك من المضي قدما في الكشف عن مسؤولية حركة النهضة السياسية في توفير المناخ الملائم للإرهاب.

في ظل هذا الأمر الواقع الذي لم يعد يرتبط كثيرا بنتائج الانتخابات الماضية بقدر ما يهيئ المناخ للاستحقاقات المقبلة تغيرت المعطيات بشكل دراماتيكي على الميدان الحزبي، فقد تفكّك حزب نداء تونس، وخسرت قيادته معركة الشرعية في ظل حرص حافظ قايد السبسي المحموم على فرض سلطته على الحزب أولا وعلى الحكومة ثانيا، واختلطت الأوراق داخل البرلمان في سياحة حزبية مرهقة للمتابعين ومقرفة لعموم الناخبين، وآخر شطحاتها الانصهار الذي وقع بين النداء والحزب الوطني الحر وتسليم مقاليد القيادة إلى سليم الرياحي الذي كان في انتخابات 2014 منافسا للنداء قبل أن يصبح شريكا في الحكم في مرحلة أولى وراعيا للتوافق بين الشيخين إثر لقاء باريس الشهير.

 في الأثناء استطاعت النهضة أن تستفيد من الوضع الجديد الذي بدا لها مريحا أكثر من وجودها في الصف الأول مباشرة، وهو وضع مناسب خصوصا لمقتضيات الظرف الخارجي الذي غير مواقفه من الإسلام السياسي، فحافظت على مواقعها الحساسة في جهاز السلطة وكانت لها الكلمة الفصل في الإبقاء على يوسف الشاهد رئيسا للحكومة بعد أن توقفت مداولات وثيقة قرطاج الثانية عند النقطة 64 المتعلقة بتغييره.

نداء تونس الذي يتزعمه سليم الرياحي هو الذي يعتبر التحوير الحكومي الجديد غير وفيّ لنتائج انتخابات 2014، ويعتبر كذلك أن النهضة هي الحاكم الفعلي للبلاد من وراء يوسف الشاهد والحال أن عددا هاما من وزراء الحكومة الجديدة ورئيسها ينتمون حتى الساعة إلى «نداء تونس». ويبدو الباجي قايد السبسي المسؤول الأول عن الوصول بالبلاد إلى هذا الوضع الخطير، لا سيما بعد أن اتسم موقفه إزاء الخلافات الداخلية في النداء بالضعف الفادح والانحياز المطلق لنجله ووقوفه الآن في صف واحد مع سليم الرياحي في مواجهة يوسف الشاهد الذي اختاره هو بنفسه في سياق تهيئة جيل سياسي جديد ومنحه الضوء الأخضر لمباشرة ما سمي بالحرب على الفساد، ما جعل الحكومة تحظى بتأييد شعبي واسع النطاق.  وهذا ما يضفي مشروعية على تساؤلات الرأي العام عن قدرة الرئيس الفعلية على اتخاذ القرارات المناسبة. لا سيّما أن الانتقال الديمقراطي برمّته أصبح عرضة للانهيار في ظل وضع  اقتصادي وأمني هش وتزايد مستمر للفوضى والبؤس وانسداد الأفق.

التعليقات على السبسي والشاهد: كيف انقلب السحر على الساحر مغلقة more...

التلفزيون البوردال

سيف الطرابلسي كرونيكور في التاسعة

سيف الطرابلسي كرونيكور في التاسعة

لتفسير الزواج العرفي الذي حصل بين قناتي «الحوار التونسي» و«التاسعة»، جرى الإعداد للموسم التلفزيوني الجديد بإطلاق الكثير من الأخبار حول تنقلات المنشطين، واشتغل صُنّاع الإشاعات بمهارة لإضفاء هالة من التشويق عليها، قبل أن يظهر المعنيون بها في الإذاعات للتفنيد والتذمّر من «الصيد في الماء العكر».

هذه الخطّة التسويقية اعتمدت أساسا تقنية «الاستحمار»، فقد استثمرت جيّدا سذاجة يتمتع بها قطاع كبير من المتفرجين تبلغ حدّ الغباء وتؤتي أكلها دائما. فلا شكّ أن الإيحاء بوجود خلافات عميقة في كواليس هذا التلفزيون أو ذاك هو أفضل طُعم يمكن تقديمه لجمهور فضوليّ لا يتردّد أبدا في الضغط على الزرّ الذي سيريه «لحظة سقوط فستان هيفاء وهبي»، وبقدر ما تضمن هذه الخطة للمحتوى التلفزيوني المزمع تقديمه اهتماما شعبيا كفيلا بإرضاء أصحاب الإعلانات تمعن في طمس حقائق لا يريد أحد أن يتحدث عنها:

أولى هذه الحقائق وأهمّها إطلاقا، أنّ المنوّعات التلفزيونية التي تُقدّم اليوم رغم ما يتوفّر لها من تقنيات مذهلة لم ترقَ إلى مستوى ما كان يقدّمه التّلفزيون قبل ثلاثين عاما بإمكانياته القليلة، ولا يُستثنى التلفزيون العمومي في هذا الشأن، فالمنوعات التي تُقدم بنفس الصيغة في مختلف القنوات لا يمكن أن تنافس البتة حلقة واحدة من منوعات نجيب الخطاب عشية الأحد في الثمانينات، لأنها ببساطة تفتقر إلى عنصر مهم في خلفيتها وهو عنصر المسؤولية المجتمعية ولا تحركها الا دوافع الربح السريع أيا كانت تداعيات ما تقدمه على الذهنية العامة في عصر تضاعف فيه تأثير التلفزيون بانتشار وسائل التواصل الاجتماعي والقدرات الهائلة لتناقل الصورة وتخزينها وإعادة مشاهدتها، لقد كانت المنوعة التلفزية في تلك المرحلة التي أصبحت الآن «العصر الذهبي» للتلفزيون القلب النابض للحركة الإبداعية الفنية ومنها انطلقت تجارب مميزة في المسرح والغناء والاستعراض فأنتجت أعمالا فنية خالدة وجعلت من تونس عاصمة للثقافة العربية قبل انتشار الفضائيات، أما منوعات اليوم فتعمل على إنتاج الضّحالة ولا يمكن أن تضيف شيئا ذا بال إلى الذاكرة الثقافية، لقد بلغ الأمر بأحد أبرز منشطي المرحلة حدّ التباهي بأن «التلفزيون البوبال» اختصاص معروف في الغرب، وأنه ليس من السهل على أيّ كان أن ينفذه متجاهلا أنه في تجربته الشخصية قد تجاوز هذا الاختصاص بأشواط وأنه بصدد تقديم «التلفزيون البوردال».

الحقيقة الثانية المسكوت عنها، تتعلّق بفشل تجربة قناة «التّاسعة» في نسختها الأولى، إذ لم تستمر طويلا في تقديم المحتوى الإخباري المنافس، واعتمدت بضغط من جهات التمويل خيار المنوعات الهابطة والثقافة السهلة والاستفزاز للعودة بقوة، وفي غياب أي مبادرات نقدية تتابع هذه التطورات وتفيها حقها من التقييم ذهبت تلك التجربة أدراج النسيان لتكون درسا قاسيا ومعبرا أمام كل باعث قد يفكر لاحقا في الخروج عن الخطّ!

أما ثالثة الأثافي فتتعلّق بهذه الصفقة المريبة التي انتقلت بموجبها مجموعة من البرامج والوجوه دفعة واحدة من قناة إلى أخرى، وبصرف النظر عن خلفيتها القانونية ومشروعيتها الأخلاقية تدلّ هذه الصفقة المبرمة بين «الحوار التّونسي» و «التّاسعة» بوضوح على أن «كاكتوس» باقية وتتمدّد رغم كل الشبهات التي تحفّ بها ورغم أن قضيتها مع التلفزة الوطنية أصبحت أغرب قضية في تاريخ العدالة التونسية ويبدو أن لا أفق لها في ظلّ سلطة الأمر الواقع. كاكتوس غيّرت منذ تأسيسها المشهد الإعلامي بفضل السلطة المادية والمعنوية لبلحسن الطرابلسي صهر الرئيس الأسبق والعلاقات المافياوية المتشعبة التي هيمنت على الإعلام في مطلع الألفية الجديدة بعد فتحه للخواص، فأفرغت المحتوى التلفزيوني في المنوعات والدراما خصوصا من أي مسؤولية مجتمعية، وغرست قيم الإثراء السّريع والتسلية المخدرة ونشرت مضامين العنف والتنطّع على القيم السائدة فيما ظلت توهم الناس دائما بأنه ضرب من الواقعية الصادمة.

لقد كان ظهور برامج «كاكتوس» على شاشة قناة معارضة سابقا صفقة أولى باع بمقتضاها مناضل ثوري الأصل التجاري الذي يملكه إلى مؤسسة اعتبرت أحد أهم أركان الفساد المؤسسي في عهد بن علي، واليوم بهذه الصفقة الثانية تثبت «كاكتوس» نجاعة أسلوب التوسع باعتماد تقنية الانقسام الخلوي السرطانية لتتوّج نجاحا جماهيريا لم يعد ممكنا لأحد إنكاره وتضاعف مجالات انتشار برامجها وأفكارها الهدّامة.


سيدي الوزير ليس من حقك أن تخطئ!

وزير التربية والتعليم

وزير التربية والتعليم

في جلسة عامة لإحدى المؤسسات الاقتصادية، وأثناء النقاش الذي يسبق المصادقة على تقرير المحاسبة قال الرئيس التنفيذي ردّا على بعض المؤاخذات الموجّهة إليه والمتعلقة بمشاريع الشركة وأعمالها المستقبلية: «نحن نخطئ ونتعلّم من أخطائنا». فطلب أحد كبار المساهمين الكلمة بعد أن كان يتابع النقاش في صمت ليجيبه قائلا: «نعم يمكنك أن تتعلّم من أخطائك لو كان الأمر يتعلّق بمالك فقط، أما وقد عهدنا إليك بإدارة أموالنا فليس من حقك أن تخطئ!»

وقياسا على هذا يبدو أيضا تصريح وزير التربية والتعليم التونسي في غير محلّه عندما قال في التلفزيون وهو يعلن انطلاق عملية التسجيل الالكتروني في المدارس إنه يتوقع أن تكون هناك أخطاء، وأثبتت الصور التي انتشرت في مواقع التواصل الاجتماعي لاحقا أنّ الأمر ليس مجرد توقعات بل حدثت أخطاء بالفعل، وكان أحرى بالوزارة أن تفرض على منظوريها وشركائها الالتزام بمستوى الصفر خطأ في عملية كهذه، وهذا ممكن لعدة أسباب بديهية ومنطقية.

أول هذه الأسباب أن عملية التسجيل الالكتروني في المدارس الإعدادية والثانوية ليست إطلاق قمر صناعي أو إرسال بعثة مأهولة إلى كوكب المشتري، إنما هي مسألة أصبحت عادية جدا في دول أخرى نعتقد خطأ أننا أفضل منها، وهي نظريا عملية بسيطة وبدائية مقارنة بما بلغه علم معالجة البيانات الضخمة وانترنت الأشياء الذي يغيّر الآن تدريجيا شكل الحياة على كوكب الأرض، ثم إن هذه العملية محدودة في الزمن ولا تختلف تقنيا في شيء عما هو معمول به مثلا في الحصول على نتائج الباكالوريا والتوجيه الجامعي والتسجيل في الكليات والمعاهد العليا، لكن الوزير وهو ينبهنا إلى إمكانية الخطأ أشعرنا بأن الوزارة ستقوم بتخصيب اليورانيوم والحال أنها بصدد إعادة اختراع العجلة.

إن تونس التي تشتهر بنجاعة كفاءاتها العاملة في حقل الإعلامية والذكاء الصناعي طورت بنية تحتية هامة في مجال الاتصالات لخدمة الاقتصاد اللامادي لكنها لم توفق بعد في إرساء منصة شاملة وفعّالة للحوكمة الالكترونية، وكل المساعي التي بذلت لردم الفجوة الرقمية الداخلية باءت بالفشل، فالاستخدام الأمثل للمعلوماتية ليس في ارتفاع نسبة مستخدمي مواقع التواصل الاجتماعي بل يقاس بمدى قدرة التكنولوجيا على تحسين حياة الأفراد لاسيما في مجال الخدمات، ولا معنى إذن للتسجيل الالكتروني في المدارس إذا لم يضع حدا للازدحام الكارثي في مراكز البريد ولا منفعة للمواطن إذا ما اكتفت وزارة التربية بتصدير حجم العمل اليدوي الذي تختص به في هذا الوقت من العام إلى جهات أخرى أو اكتفت بتأجيله قليلا.

لا يستحق الأمر إذن كل هذه البروباغاندا وكل تلك البهجة الصبيانية الساذجة التي بدت على ملامح الوزير وهو يعلن بنفسه خبر إطلاق هذه الخدمة، فمن الواضح أن الشروع في استخدام هذه المنصة لم يكن جزءا من مشروع شامل لتطوير الخدمات الإدارية بدءا بتخفيفها من الزوائد الورقية وصولا إلى رقمنتها بالكامل، وهذا هو دأب الحكومة الحالية في تدشين مشاريع تبدو من جهة أشبه بالجزر المعزول بعضه عن بعض ومن جهة أخرى تبدو مثل الطبل الذي يحدث كثيرا من القرقعة والضجيج وهو فارغ من الداخل، وأبرز دليل على ذلك اعلان رئيس الحكومة بنفسه منذ شهور عن اطلاق خدمة استخراج المضامين عن بعد واكتشف المواطنون لاحقا ان الوقوف في طابور بالبلدية أهون بكثير من طلب المضمون بالإعلامية وأقل تكلفة على وجه الخصوص.

سيدي الوزير، ليس من حق وزارة التربية والتعليم أن تخطئ فالإصلاح التربوي ليس مجالا للمزايدة السياسية وأبناؤنا ليسوا فئران تجارب في مخابر هذا الإصلاح.

التعليقات على سيدي الوزير ليس من حقك أن تخطئ! مغلقة more...

الخروج عن السكّة

حادث قطار الدهماني يوليو 2018

حادث قطار الدهماني يوليو 2018

في حادثة خروج قطار الدهماني عن السكة وانقلابه اكتفى الإعلام بطمأنة المتفرجين إلى أن الحادث لم يسفر عن وفيات وأن تحقيقا قد فتح للبحث في ملابساته بعد أن سأل أطباء المستشفى عن عدد الإصابات وكيف تمّت معالجتها، ثم طوي الموضوع وعاد الجميع فرحين مسرورين إلى ما كانوا فيه. وقبل ذلك بأيام، نزل سائق أحد القطارات ليترك مركبته تسير وحيدة بسرعة جنونية وتقطع مسافة طويلة قبل أن يتمّ توقيفها بقطع التيّار الكهربائي، ورغم أنه من السّهل تخيّل حالة الرّعب والهلع التي عاشها الركاب والانتباه إلى توفّر جملة من القرائن قد ترقى بالحادثة إلى ما يشبه العمل الإرهابي المدبّر فإن الجمهور اكتفى بتحويلها إلى مادّة تتندّر بها وسائل الإعلام عبر العالم، فتذكر في طرائف أنبائها بسخرية مريرة أنّ تونس تُطلق أول قطار يسير دون سائق، هذا طبعا بعد الإعلان كالمعتاد أن سلطة الإشراف أذنت بفتح تحقيق لتحميل كلّ طرف مسؤوليته.

العامَ الماضي خرجت عن السّكة في مجاز الباب أربع عربات من القطار المتجه من تونس إلى غار الدماء، والحصيلة خمسة وثلاثون جريحا، واصطدم قطار بجدار محطة بنزرت بسبب عطب فني في المكابح مخلفا إصابات بسيطة لاثني عشر شخصا، أما في سنة 2016 فقد قتل خمسة أشخاص وأصيب أربعة وخمسون في حادث اصطدام قطار قعفور بحافلة ركاب مزدوجة قادمة من نابل في مفترق جبل الجلود. ويبقى العام 2015 الأكثر دموية بعد أن اصطدم قطار الدهماني بشاحنة ثقيلة في مستوى مدينة الفحص من ولاية زغوان وتسبّب في مقتل ثمانية عشر شخصا وإصابة حوالي مائة آخرين وكان قطار الدهماني نفسه قد خرج عن سكته في صائفة 2014 قرب مدينة قعفور متسببا في مقتل ستة ركاب وإصابة ستين آخرين.

هذه بعض «إنجازات» الشركة التونسية للسّكك الحديدية في السّنوات الأخيرة، ولا يكفي المجال لاستعراض الحوادث شبه اليومية التي تصطدم فيها القطارات بالسيارات الخفيفة والدراجات والمترجلين والتي تقدرها إحصاءات الشركة ذاتها بمائة حادث سنويا يقع أغلبها في تقاطع السكك مع الطرقات. ورغم أن قراءة سريعة  وغير متخصصة في هذه الحوادث تكفي لتبيّن أن خط الشمال الغربي أصبح يمثل نقطة سوداء تتطلب تدخلا عاجلا لوضع حد للنزيف الاّ أن سلطة الإشراف لا تحرّك ساكنا ويقتصر دورها على فتح تحقيقات لا تفضي إلى شيء، ويتواصل في هذه الأثناء تردّي الخدمات إلى أدنى المستويات، لا في السكك الحديدية فحسب، بل في قطاع النقل بمختلف فروعه وأصنافه وهو ما يمثل عائقا أمام النهوض الاقتصادي والاستثمار والسياحة ومظهرا من مظاهر تقهقر نوع الحياة في تونس وبلوغها حافة البؤس اليومي الممنهج، تدل على ذلك حادثة الإضراب العشوائي الذي شنه سواق الميترو والحافلات ذات عشية صيفية قائظة ضاربين عرض الحائط بكل الالتزامات النقابية والقيم الإنسانية.

القطار الكهربائي في أثيوبيا

القطار الكهربائي في أثيوبيا

  يحدث هذا في تونس التي يبدو أنها أوقفت كل مظهر من مظاهر التقدم لتكمل على مهل إنجاز «الانتقال الديمقراطي» بينما يتقدّم العالم من حولها بسرعة مذهلة، ففي أكتوبر 2017 انتهت في الجزائر أشغال نفق القنطاس بعين الدفلى أطول نفق للقطارات في إفريقيا في نطاق خطة وطنية لتحديث خطوط السكة الحديدية وتطويرها من 4000 كلم حاليا إلى 12500 كلم بحلول العام 2025 بينما دشنت إثيوبيا وجيبوتي أول خط للسكك الحديدية في أفريقيا يعبر الحدود بين البلدين على مسافة 750 كيلمترا ويعمل بالكهرباء فقط. وتتأهب المغرب لمدّ خط حديدي بين مراكش وأغادير بمسافة نحو 300 كلم في نطاق مشروع لربط شمال المغرب بجنوبه من المتوقع أن يصل في مرحلة متقدمة إلى مدينة العيون في الصحراء الغربية.

هكذا تصنع كل الدول المحيطة بنا مستقبلها بينما نذهب نحن بسرعة جنونية إلى حالة من التخلّف المادي والاقتصادي لم يسبق أبدا أن عشناها، وفي الوقت الذي يتغنّى فيه صناع القرار بأهمية التجربة الديمقراطية التونسية عربيا لا يجد المواطن أي أثر إيجابي للديمقراطية في حياته اليومية، وما يزال الفاعلون السياسيون يصرون على إبقاء الرأي العام في أسر قضايا الهوية والأيديولوجيا بينما تطوّقه من كل جانب قضايا مصيرية مثل الأمن الغذائي والفقر المائي والتضخم المالي واهتراء البنية الأساسية وعجز الميزان التجاري الخ وهي قضايا تنبئ بانهيار وشيك للدولة إذا لم يتمّ التصدي لها بما ينبغي من الجدية. لكن الفتور الذي أضحى يرافق أخبار الحوادث وأحوال الدينار والتداعيات الاجتماعية اليومية للأزمة الاقتصادية لا يمكن أن يكون الا مظهرا من مظاهر الاستسلام للأمر الواقع والتعايش مع البؤس بدل الثورة عليه.


يوم من أيام سكسونيا

عامر بوعزة

عامر بوعزة

التّاسعة صباحا، أربعون درجة في الظلّ، يوم آخر من أيام جويلية القائظة يتثاءب ويتمطى ثم ينتصب واقفا ليصبّ شواظه النحاسي على رؤوس الناس ويغمر الشوارع بحرارة خانقة. اصطحبت ابني إلى مركز الأمن لتجديد جواز سفره، فعقلنا السيارة في ظلّ شجرة، وترجّلنا. كان المركز غرفة بيضاء ضيقة بالكاد تتّسع لبعض الأنفار، لكنها اليوم منذ الثامنة صباحا مكتظة بالناس من مختلف الأعمار، فتوكلنا على الله آملين في أن يكون إبكارُنا سببا في خلاصنا سريعا بأخفّ الأضرار.

استقبلنا في مدخل المركز شخص بملابس مدنية وذقن غير حليق، كان يبدو في هيئته تلك أشبه بنادل مقهى، مثلما كان الوافدون وهم يتزاحمون أمامه أشبه بحرفاء سيتناولون على عجل «كابوسان» ويمضون، ألقيت في وجهه تحية الصباح وأعلمته أنني جئت لتجديد جواز سفر، فتجاهل التحية وتركها معلقة في الفراغ قائلا بقدر كبير من اللاّمبالاة: هؤلاء أيضا مثلك فانتظر معهم. ثم أردف: لا أدري إن كانت الموظّفة ستأتي اليوم أم لا!

بعد أن تقتعد مكانا مع القاعدين داخل هذا المشهد يمكنك أن تستوعب ما يحدث وتفكّكه في ذهنك جيدا، وستسعفك في ذلك كلمات طائشة يلقيها بين الفينة والأخرى عون الاستقبال الذي كان يحاول جاهدا أن يبدو ودودا وخدوما ومسلّيا. لقد كان بصدد تقديم عرض من نوع «الوان مان شو»، فرجة الرجل الوحيد، فهو مكلّف بإرشاد المواطنين وتلبية طلبات الراغبين في استخراج شهادة الإقامة بعد الاطّلاع على ما في حوزتهم من وثائق تؤكد انتسابهم بالسكنى إلى المنطقة مرجع النظر والاطمئنان إلى أنهم لم ينسوا الطابع الجبائي، وهو الذي يسلّم بطاقات التعريف الجاهزة لأصحابها مقابل وصل صغير يستظهرون به، وأثناء كل هذا يُسلّي المنتظرين ويحدّثهم عن بعض أسرار المركز العائلية، ثم يغيب قليلا ليجلب من المقهى المجاور قارورة ماء معدني مثلجة لمن يطلبها من الموظفين، كلّ هذا وسيجارته وابتسامته لا تفارقان وجهه الذي يشبه في الواقع كل وجه تونسي مكدود. ومن الواجب إنصاف هذا الرجل فرغم تعدّد وظائفه وتنوعها يبدو مطّلعا جيدا على القوانين متشبّثا بها، حتى إنه رفض أمامنا استخراج شهادة إقامة لمواطن لم يستظهر الا بتصريح على الشرف من صاحب البيت الذي يسكنه على سبيل الإيجار، فقال له وهو يرفع صوته حتى يسمع كل من في القاعة ويشهدهم على صرامته في الحقّ:

–        التّصريحْ عْلَى الشّرفْ ما يعوضش عقد الكِراء، ومَا عَنْدُو حَتَّى قِيمة في الوَثائق الرّسْمِيّة.

 وأضاف كمن يريد أن يطلعنا على سرّ خطير:

–       اشبيه مُولَى الدّار ما يعملش عقد؟ أكيد ثمة  حاجة!

 وحتى يؤكد للرجل صحة موقفه استجاب لإلحاحه وذهب لاستشارة رئيس المركز في الموضوع لكنه عاد والخيبة تعلو محياه قائلا:

–       هو ممنوعْ في القَانُونْ، لكِنْ العَرْف الكْبير ما حبّش يْرجّعِكْ!

المركز مقسّم جغرافيا إلى ثلاث مناطق، المنطقة الأولى على اليسار مخصّصة لجماعة بطاقة التعريف وهم جلوس ينتظرون أمام باب مغلق، هؤلاء كلهم تلاميذ لا شكّ أنهم يأتون إلى هنا لأول مرة في حياتهم، ولا يمكن أن تميّز إن كانت ملامحُهم تدلّ على الامتعاض أم على اللاّمبالاة، ففي مثل هذاالعمر تتشابه المشاعر كثيرا وتبدو بلا معنى، أمّا المنطقة الثانية الواقعة على اليمين  فيقف أمامها طابورُ الذي جاءوا من أجل جواز السفر ينتظرون دورهم لدخول مكتب رئيس المركز حيث يجلس موظف الجوازات أيضا، هؤلاء من أعمار مختلفة ولا يبدو عليهم الانزعاج، فهم متأكدون من أن الشخص المطلوب موجود وبصدد القيام بعمله وأنّ الفرج آت لا محالة لن يؤخره الاّ الوقت الطويل الذي يستغرقه الموظّف مع كل مواطن على حدة والاختراقات التي تحدث بين الفينة والأخرى كلما اقتحم المكتب شخص يبدو نافذا أو على صلة بأحد الموظفين بشكل يعفيه من الانتظار إسوة بالبقية، وقد حدث هذا ثلاث مرّات في ساعة واحدة!

المنطقة الثالثة لا أحد ينتظر أمام بابها المغلق وهي مخصّصة للقضايا العدلية، وغرفة الحجز التي توجد قبالتها خالية، الحمد لله.

عندما تنتبه إلى أنك جالس مع جماعة بطاقة التعريف بينما يفترض أن تكون واقفا مع جماعة الجوازات تنهض للوقوف بجانب الحائط وتدرك أن الموظف الوحيد الذي يشغل بحضوره الركحي المميز صالة الانتظار أوقعك في الخطأ، سامحه الله، وحدّثك عن موظفة بطاقات التعريف بينما أنت تسأله عن موظف الجوازات، لا يهمّ، المهم أن صاحبنا منشغل كثيرا بأمر هذه الموظفة العجيبة، فهو يُذكّر الحاضرين بين الفينة والأخرى بأنه لا يضمن لهم أن انتظارهم سيؤدي إلى نتيجة مثمرة، لأنه لا يعرف إن كانت ستأتي أم لا، ويؤكد أن لا أحد يستطيع أن يجيب عن هذا السّؤال، فهاتفها الجوّال مغلق، كلّ ما يعرفونه أنها ستبدأ الاحتفال بزواجها غدا، وأنّ الإدارة لم تعيّن بعد من سيعوضها عند خروجها في عطلة زواج. وعندما تجرّأ أحد الحاضرين على سؤاله: ولماذا تتصرّف هذه الموظفة هكذا؟ رفع كتفيه وحاجبيه معا في حركة بهلوانية لا يتقنها الاّ رجل أمن محنّك مثله، وتعمّد رفع صوته قائلا: الثّورة!

مركز شرطةستنتبه وقد بدأ العرق يتصبّب من جبينك إلى أنّ جدران المركز مزينة بثلاث لوحات، اللوحة الأولى تمرّ بها سريعا فعليها مجموعة الوثائق المطلوبة عند استخراج بطاقة التعريف الوطنية وجواز السفر وانت تعتقد أنك تعرفها ما دمت قد جئت لتقديم الطلب، وعلى الثانية كُتبت الحقوقُ التي يتمتع بها المواطن عند وجوده في هذا المكان، ومنها أن يصطحب معه محاميه عند الضرورة إلى آخر الأسطوانة الحقوقية التي تشعر في سياق الحال أنها لا تهمك كثيرا بقدر ما يهمك أن تجد كرسيا يجلس عليه المنتظر كما يحدث في كل مراكز الخدمات في العالم. اللوحة الثالثة عليها واجبات الأعوان المُلْزَمين بإنفاذ القوانين، وهي لا تهمّك أيضا بشكل مباشر إذ تبدو أشبه بالقَسَم المِهْني، لكنك تقرأها تزجية للوقت ومضغا للفراغ وإغناء للثقافة العامة وهروبا من هذا البياض الذي يلفّ المكان ويخنق ببلاهته كلّ ما يحيط بك، ولا تستطيع أن تنكر أن هذه اللّوحة مُسلّية جدا.

في حدود الساعة العاشرة وخمس وأربعين دقيقة بدأ عدد من القاعدين ينسلّون هاربين من هذا الجحيم بعد أن ملّوا من الانتظار الذي لا يفضي إلى أيّ بارقة أمل، عندها حدثت مفاجأة لفتت كلّ الأنظار، اخترقت صفوفَ المنتظرين شابة نحيلة فارعة القوام، تضع على رأسها شالا أسود يغطي شعرها، وترتدي ملابس سوداء لا تتناسب مطلقا مع حرارة الجوّ الخانقة، كان وجهها شاحبا ممتقعا وبلا أي لمسة ماكياج، فبدا خاليا من كل ملامح الأنوثة إلى الحدّ الذي يجعلها قادرة على التنكر بسهولة في شكل رجل لو أرادت، ورغم ذلك كانت تتقدّم بخطى واثقة وصلف عجيب لا يخفى، فلم تحيّ أحدا وهي في طريقها إلى الباب المغلق، لكنّ الجميع تنفّسوا الصّعداء لإدراكهم أنها الموظفة المكلفة باستخراج بطاقات التعريف أخيرا وصلت وحلّ ركبها الميمون، وها قد ألقى عون الاستقبال كل ما كان بين يديه وهرول وراءها مرحبا:

-أهلا بالسلطانة، هاك جيت؟! موش غدوة العرس.

فأجابته بما يفيد أن عطلتها تبدأ غدا، وأردفت وهي تسلّمه بعض النقود:

–       ناقصَة سُكّر كيفِ العَادة.

فخرج صاحبنا في اتجاه المقهى بينما انشغلت الموظفة في انتظاره بترتيب مكتبها إذ كان من الواضح ومن البديهي أنها لن تتمكن من الشروع في إنجاز المعاملات الاّ بعد ترشّف قليل من القهوة، ولمّا بدا على الحاضرين المنتظرين أمام باب صامت منذ أكثر من ساعتين قليل من التململ صاحت:

–       أيّا نقْصُوا عْلِيَّ الحِسّْ.

وأمسكت رأسها كمن يعاني من صداع عنيد حتى عاد العون مهرولا يحمل في يده اليمنى القهوة وفي اليسرى قارورة ماء مثلّجة أسالت لعاب كلّ الواقفين.

كان الطابور الذي أتمسّك بتلابيبه يتقدّم ببطء حلزوني مقيت، وكعادة كل الآباء المهووسين دوما بتربية أبنائهم وتثقيفهم حتى في أحلك الظروف وأشدّها وطأة على الأعصاب، اغتنمت الفرصة وتنحنحت لأحدّث ابني الذي أخرجته صيحة الموظفة الدميمة من لامبالاته، قائلا:

–       انظر، أمامك الآن شكل من أشكال الظلم، فنحن هنا مضطهدون معنويا، وما يحدث فيه استهتار كبير بقيم المواطنة وعبث بكرامة الناس، لكن لا أحد منا يستطيع أن يفتح فمه بكلمة واحدة احتجاجا، لأنّ كل ردة فعل يمكن أن تُعتبر بسهولة «هضم جانب موظف عمومي حال مباشرته لوظيفته!»

ولمّا لاحظت خلسة أن جارتي الحسناء في الطابور تصغي بانتباه إلى الحديث الذي كنت أخاطب به ابني تماديت قائلا:

–       في الدول المتقدمة يفصلون بين الخدمات الإدارية والشؤون الأمنية والعدلية، فموظفو الشؤون المدنية والجوازات إداريون أما الشرطة فمجال عملها الأمن العام وإنفاذ القوانين والبحث الجنائي.

        انتبه عون الاستقبال لحديثي لا سيّما بعد أن رفعت صوتي لتسمعني الجارة جيدا، فلم أجد بدا من إضافة فقرة أخرى عما يحدث في الدول المتقدمة قلت:

–       مراكز الخدمات لا بدّ أن تتوفر على مكيفات ليعمل الموظفون في ظروف مريحة، وكراسي يجلس عليها العملاء بعد اقتطاع تذكرة عليها رقم لتحديد الأولوية، هذه من حقوق الانسان الأساسية أيضا، فلا معنى للحرية إذا لم تكن توأما للكرامة.

في تلك الأثناء دخلت مركز الأمن عجوز أجنبية وتوجهت بالكلام إلى عون الاستقبال وظلّت ترطن باللغة الإيطالية برهة من الزمن، فلم يفهمها، وأدار وجهه بين الحاضرين باحثا عمّن يمكنه أن يترجم ما قالته، فتقدّم أحدهم، وقال له: إنها تسأل عن موظف القسم العدلي، لقد تعرضت إلى براكاج وذهبت إلى مركز وسط المدينة للإبلاغ فطلبوا منها التوجّه إلى هذا المركز. فقال له:

 –  قل لها ما ثمة حدّ هنا!

ثم أضاف للتثبت أكثر:

–       اش سرقولها؟

فقال له المترجم المتطوع:

–       تَلِيفُونْ بُورْتَابِلْ.

فقهقه عون الاستقبال والتفت إلى العجوز الإيطالية ورفع إبهامه في وجهها قائلا:

–       مْرِيقْلَةْ!

ثم التفت إلى المترجم وقال وهو يشير إليه بأن الحديث يخصُّه ولا فائدة في نقله إليها:

–       تِحْمِدْ رَبّي مَا قَتلُوهاشْ، جايَة عْلَى تَلِيفُونْ بُورْتَابِلْ!

كانت الساعة تشير إلى الحادية عشرة تماما عندما حدثت مفاجأة أخرى، فبينما كان الجميع يشيّعون بأنظارهم العجوز الإيطالية التي حملت تحت إبطها خفي حنين وغادرت المركز تجرّ خيبتها وتبرطم بكلام غير مفهوم انبثقت أمامنا فجأة شخصية جديدة كأنّ الأرض انشقّت وأخرجتها، فلا يدري أحد من أين طلعت ولا كيف جاءت إلى هذا الركح، اخترقت الصفوف متجهّمة واتجهت نحو مكتب رئيس المركز، كانت في العقد الرابع من العمر تقريبا قصيرة القامة تضع على رأسها حجابا يغلّف وجهها الصارم ونظراتها الفارغة. تذمرت جارتي قائلة:

–       هذا مش معقول، علاش ما ياقفوش في الصف كيفنا! هذه رابع مرة واحنا نستناو م الصباح!

 لا شك أن لهذه المرأة أذنين تشبهان البارابول أو أن حيطان الغرفة البيضاء مزروعة ميكروفونات دقيقة لا ترى فقد التقطت هذه المرأة ما تفوّهت به جارتي لنفسها وحدجتها بنظرة قاسية وهي خارجة من المكتب في اتجاه عون الاستقبال وأجابتها مكشرة من غير أن تلتفت إليها:

–       مشْ صْحِيحْ مَا دْخَلْ حَدّ!

ثم طلبت من العون أن يأتيها هي أيضا بقهوتها وقارورة ماء مثلجة، وعادت إلينا فسدّت الباب بمنكبيها العريضين قائلة:

–       أيّا بالْوَاحِدْ بِالْوَاحِدْ.

والتفتت إليّ بوصفي كنت أول شخص ينتظر دوره للدّخول وقد قرب أكثر مما ينبغي من عتبة الفرج والخلاص وقالت:

–       اشْ عَنْدِكْ؟

قلتُ وأنا أظهر لها اضبارة الأوراق التي أمسكها بيميني:

–       تَجْدِيدْ جوازْ.

ونظرتُ آنذاك مليا في وجهها، فقفز إلى ذهني الروائي كمال الزغباني بطم طميمه ورمقني من وراء نظارتيه بنظرة متضامنة، إذ لا يمكن أن أجد وصفا يليق بهذه الشخصية التي تنتمي إلى عالم الإناث على سبيل المجاز لا غير  أبلغ ممّا وصف به الموظفات اللاتي اعترضن سبيله في رحلته المضنية بين مراكز الأمن لاستخراج بطاقة تعريف فهن من فصيلتها وهي من فصيلتهن، إنها بُومَةٌ حقيقية. أصبح واضحا الآن أنها هي أيضا من موظفات المركز، وإن كان عون الاستقبال لم يذكرها بكلمة، وخصّص عرضه المسرحي كاملا لزميلتها «السّلطانة» التي ستتزوّج غدا وتعاني من صداع فظيع يجعلها لا تقوى على تحمّل لغط التلاميذ الذين جاءوا قبلها بساعتين لقضاء شؤونهم، حدّثنا عنها طويلا، ولم يذكر شيئا عن هذه البومة التي سدّت الباب بمنكبيها العريضين وأخذت من يدي الوثائق للتثبت فيها، سحبت الوثيقة الأولى وكانت شهادة حضور مدرسية فنظرت إلى تاريخها وتطلّعت إليّ قائلة:

–       هذي ما تِمْشِيشْ، قْدِيمَةْ ياسِرْ، منْ شْهَرْ مايْ، اشْكونْ قالْ كمِّل القرايَة في جوان؟

بدأت القهوة تفور في رأسي، فقلت لها:

–       اشنوة معناها؟ اشنوة المطلوب بالضّبط!

قالت وهي تطوي الورقة وتسحب الثانية:

–       مشْ مُشكل توْ نْحُطّوهَا وإنْ شَاء اللهْ يِقْبْلُوهَا.

ثم استدركت وقالت بلغة أشدّ وثوقا بعد أن اكتشفت أنها وجدت حجّة أقوى هذه المرّة:

–       ولْدِكْ عمرو أقلْ مِنْ ثْمَنْطَاشٍ عامْ يِلْزْمُو تَرخِيصْ أبَوِيّ مْصَحَّحْ فِي البَلَدِيَّه.

قلت وأنا أريها جواز السفر الذي انتهت صلوحيته معتقدا أنها لم تفهم طلبي جيدا:

–       تَجْدِيدْ جَوَازْ سَفَرْ لا اسْتِخْرَاجْ لأوّلْ مَرَّة.

فأخذته قائلة:

–       انسَاه هَذَا، مَا عَنْدُو حتَّى قِيمَة، مَا ثَمَّة حَتّى فَرْقْ بين التَّجديد والاِسْتِخراج لأوّل مرّة.

ورفعت إصبعها لتشير إلى اللوحة الأولى على الجدار، تلك التي لم أقرأها عندما كنت أمضغ الفراغ وألتهم البياض وقالت:

–       كلّ شَيْ مْقيّدْ غَادِي اشبيك ما ثبّتـــشْ!

آنذاك فارت القهوة وغمر رأسي طنين النحل فانتزعت منها كل الأوراق بحركة لا أنكر أنها عنيفة بعض الشيء وقلت لها بصوت غاضب:

–       واضَحْ مَفهوم، المهم عندِكْ تَوّة مَا نِتْعَدّاشْ، هَاتْ الأوْرَاقْ.

وخرجت أغمغم وورائي ابني الذي أخرجه غضبي من لامبالاته، فأخذ يحاول بكل السّبل تهدئتي مخافة أن يكون ما ألمّ بي من تبعات ارتفاع ضغط الدم، وأنا أفسر له أن ما يحدث في تلك الغرفة البيضاء يتجاوز كل حدود العقل والمنطق، فتلك البومة تستطيع المجيء إلى مقرّ عملها متى أرادت، ولا أحد فيما يبدو له القدرةُ على مُساءلتها، ومهمّتها الأولى هي البحث في كلّ ملفّ عن ثغرة حتى تتمكّن في الدقائق القليلة التي غاب فيها عون الاستقبال في المقهى المجاور ليجلب لها قهوتها من تفريق الحضبة وتفريغ الغرفة كأنّ الطابور لم يكن، إنها تستطيع فعلا أن توزع في دقائق قليلة عشرات الأشخاص المنتظرين منذ الصباح بالعثور في كل اضبارة على ورقة ناقصة أو طابع جبائي مسهوّ عنه أو تعريف بالإمضاء في البلدية لم يحدث الخ. وقلت على سبيل المقارنة:

–       في الدول المتقدمة، يتولى عون الاستقبال مراجعة الملف مع صاحب الطلب ليطمئن إلى أن كل أوراقه صحيحة قبل أن يسمح له باقتطاع التذكرة والجلوس على كراسي الانتظار حتى لا يضيع وقته سبهللا ويصل إلى الشباك ثم يعود خائبا.

ونكاية في هذه البومة، قرّرت ألاّ أؤجل عمل اليوم إلى الغد وأنْ أحاول سدّ كلّ ثغرات الملف لأعود إليها وأنال منها وأقضي وطري اليوم بالذات، لقد ركبتُ رأسي بعد أن فارت داخله القهوة وأطفأت النيران المتأججة، وفي ساعة واحدة نسخت بطاقة الأعداد المدرسية لتكون شاهدا على براءتي أنا وابني من التحيّل على وزارتي التربية والدّاخلية، فهذه البطاقة تثبت أنه واصل الدّراسة في شهر جوان وارتقى إلى الصفّ الموالي، ثم توقّفت عند محلّ عمومي للانترنت كان صاحبه ينشّ الذّباب على حواسيب قديمة تعود إلى عهد بن علي، فجلست ربع ساعة لأكتب بصعوبة ترخيصا أسمح فيه لابني باستخراج جواز سفر، ثم أخذت هذه الوثيقة إلى دائرة بلدية كنت أعرف مسبقا أنها لا ازدحام فيها لبعدها عن وسط المدينة، وأنجزت التعريف بالإمضاء، ثم قفلت راجعا إلى المركز، وجدته هادئا هذه المرة ولا أحد ينتظر أمام الأبواب، فاستقبلني العون المكلف بتجديد جوازات السفر وأخذ من يدي الوثائق ليراجعها ولما تأكّد من سلامتها قال: اجلس.

كانوا ثلاثة أنفار في الغرفة، رئيس المركز أمام مكتبه يراجع بعض الملفات دون أن يرفع رأسه غارقا في صمته البارد الذي ظلّ متمترسا به منذ ساعات الصباح الأولى، وكانت البومة جالسة إلى طاولة أخرى تُقلّب بعض الدّفاتر، بينما شرع موظف الجوازات في إنجاز معاملتي، فأخرج أوراقا إدارية ووضع بينها أوراقا كربونية من النوع الذي يستخدم في الكتابة على الآلة الراقنة في عصور ما قبل الكمبيوتر، وقال لي وهو يكتب الاسم:

–       أنت فلان المذيع..

فقاطعته، وأنا أشعر لأول مرة بشيء من الراحة النفسية:

–       سابقا.

لكن البومة رفعت رأسها في هذه اللحظة لتنغص علي هذا الشعور الطارئ بالراحة صائحة:

–       انت هو؟! علاش تنْطُرْ عْليَّ فِي الأوْراق؟

فقلت:

–       لأنني انتظرت واقفا ساعتين قبل قدومك للتثبت من ملفي.

قالت:

–       ما يهِمّكش فيّ وقْتاَش نْجي! أوراقك ناقصة والترخيص لازم، تُنطُرْ عْليَّ حَاسِبْنِي مَرْتِكْ؟

أعترف أنني لم أستطع مجاراتها في هذا الجدل، فقد أفحمتني لا بقوة حجتها وإنما بغرابة الصورة التي استعملتها، كان يكفي أن أتخيل للحظة واحدة أن هذه البومة فعلا «مَرْتِي» (زوجتي) حتى ينتابني شعور تمتزج فيه الحاجة إلى الضحك بالرغبة في الغثيان. في تلك اللحظة خرج رئيس المركز لأول مرة عن صمته وحرك يديه بطريقة قائد الأوركسترا ليقول: كُفّوا، انتهى. ويغمز الموظف الجالس أمامه بأن ينجز المعاملة بأسرع ما يمكن حتى يسرح من أمامه هذا المواطن «الخرا»، لكن هذا الموظف وفي محاولة أخيرة لتبديد سوء التفاهم قال لي بصوت يشبه الهمس:

–       إنها لم تخطئ، فالترخيص ضروري فعلا، من قال إن الولي يوافق على تجديد جواز سفر ابنه، أن يكون له جواز سابق لا يعني التّجديد آليا أو الترخيص المطلق، خصوصا وأنت تعرف الآن كل مشاكل سفر الشباب إلى الخارج سواء للحرقان أو للانضمام إلى جماعات إرهابية.

فقلت بدوري هامسا:

–       قد يكون ما تقول وجيها فعلا، لكن ألست أنا من سيُمْضي الآن على هذه الوثائق التي تعمرها؟ ألا يعتبر إمضائي هذا ترخيصا؟ ألا يعتبر وجودي أمامك الآن دليلا على موافقتي؟ ألا يمكن أن تشهد أنت على صحة إمضائي إذا كتبت أمامك ترخيصا؟ لماذا تعقيد الأمور واشتراط التعريف بالإمضاء في البلدية؟

رفع كتفيه وحاجبيه معا بطريقة من الواضح أنها خاصة برجال الأمن وقال:

–       صحيح، لكن ذلك هو القانون، تلك هي التعليمات.

بعد التّوقيع على الاستمارة واستيفاء كل شروط الطلب غادرنا المركز على أمل الرجوع إليه بعد خمسة عشر يوما للحصول على الجواز، قلت لابني وأنا أفكّ السيارة من عقالها مفسّرا حالة الزهو التي أصبحت عليها:

–       أربع ساعات فقط لتجديد جواز السفر، إنها رغم كل شيء معجزة حقيقية بكل المقاييس.

فقال وقد بدا عليه مرة أخرى الانتباه والفضول:

–       عندما سئل عون الاستقبال عن سر استهتار الموظفة بمواعيد شغلها وعبثها بكرامة المواطنين قال: إنها الثورة، فما علاقة هذا بذاك؟

التعليقات على يوم من أيام سكسونيا مغلقة more...

كيف أساء نبيل معلول إلى قطر

الدوحة

الدوحة

كل تونسي أصادفه زائرا الدّوحة للمرة الأولى أحرص على سؤاله بعد يوم أو يومين من وصوله عن رأيه فيما رأى وعن المقارنة بين انطباعاته الجديدة والصورة التي كان يحملها من قبل عن قطر. وغالبا ما يعبّر الزائرون على تنوّع مستوياتهم الثقافية والاجتماعية عن انبهارهم بمستوى العيش في هذه العاصمة الخليجية المثيرة للجدل وعن اختلاف مشاهداتهم العينية عن الصورة القبلية التي كانت لديهم. والسبب في تلك الصورة أحكام مسبقة لا تستند إلى معطيات موضوعية بقدر ما تعبر عن خلفية سياسية وحساسية إيديولوجية، إذ عادة ما يكون الجدل الدائر بين السياسيين حول علاقة قطر بالإخوان المسلمين منطلقا لجعل البعض يعتقدون أن هذا البلد غارق في التزمت وأن الحياة فيه تشبه حياة البدو في عصور الإسلام الأولى أو على أقل تقدير أن تكون ضمائر الناس فيه خاضعة لرقابة صارمة يفرضها الدعاة ولجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يجعل حياة المسلمين غير المتديّنين وحياة أهل الكتاب صعبة وعسيرة.

كل ذلك يتبدّد حتما منذ لحظة الوصول إلى مطار حمد الدولي الذي يُصنّف واحدا من أفضل مطارات الدنيا، فهناك سيكتشف المشاهد أنه أمام مجتمع يقوم على التعدد والتنوع واحترام الاختلاف، وكل مظاهر الرفاه الاجتماعي والرخاء الاقتصادي متصلة بالتركيبة الديمغرافية المعقدة التي تجعل المواطنين يمثلون حصة ضئيلة في بلادهم مع المقيمين ومعظمهم من الآسيويين ثم من العرب والأوروبيين بنسب متفاوتة، هؤلاء يتوزعون على مختلف القطاعات حسب المهارة وحاجة النمو الاقتصادي السريع للدولة، فلئن تتركز العمالة الآسيوية بكثافة في مجالات الصناعة والإنشاء والتعمير فإن فرص العمل كثيرة للكفاءات العربية والغربية في مجال الخدمات وقطاعات الصحة والتربية والرياضة وغيرها من المجالات. يعيش هؤلاء على اختلاف لغاتهم وثقافاتهم وعاداتهم في أمن وسلام، وهم مدعوون فقط إلى احترام قانون الدولة وهو قانون مدني وضعي يسيّر الحياة العامة وفق مبادئ العدالة والإنصاف ويقف فيصلا بين حرية الأفراد ومقتضيات العمران.

في هذا المجتمع، المواطنون محافظون ومعظمهم متدينون، لكن لا أحد يجبر أحدا على التديّن، والفضاءات التجارية التي تعتبر الوجهة السياحية والملاذ اليومي لكل الناس خصوصا في فصل الحرارة والرطوبة لا تكاد تميزها في شيء عن نظيراتها في الدول الأوروبية فقط يمكنك أن تلاحظ وجود بعض الأكشاك المخصصة لتقبل الصدقات ودفع الزكاة. لقد استطاعت الدولة هنا أن تفرض نظاما اجتماعيا يقوم على احترام الهوية الوطنية وحقوق الجاليات، فالأنشطة التجارية مثلا تتوقف وقت صلاة الجمعة بمقتضى القانون، لكن أداء الشعائر طوعي واختيار شخصي، والقانون يعتبر التّجاهر بالإفطار في الفضاءات العامة خلال شهر رمضان مخالفة، لكن المقاهي والمطاعم في المطار وفي المنشآت السياحية تواصل نشاطها دون مساءلة حرفائها عن ديانتهم أو التفتيش في عقائدهم.

نبيل معلول المدرب الوطني
نبيل معلول المدرب الوطني

كل تونسي يزور الدوحة لأول مرة يبدأ منذ وصوله في محو صورة مظلمة رسمتها في ذهنه شبكات التواصل الاجتماعي التي لا يميز الناشطون فيها بين الأنظمة وشعوبها فيهدمون البيوت على رؤوس ساكنيها آخذين هذا بجريرة ذاك، وهو شكل من أشكال التعصب الفكري البغيض، ولا شك أن الكثير من أفراد الجالية التونسية المقيمة في قطر يعملون كل من موقعه على إزالة هذه الأحكام المسبقة والتصورات الخاطئة لا تزلفا لنظام سياسي بعينه بل ردا لجميل شعب طيب ومسالم وله قدرة على إكرام الضيف تفوق كل شعوب الخليج قاطبة، ومن أبسط الواجبات أن ننقل للناس الصورة الحقيقية لهذا البلد لا أن نغذي لديهم عن جهل أو عن طمع الصورة السلبية الخاطئة. هكذا خلط الناس بين سلوك نبيل معلول المدرب الوطني وإفراطه في إظهار تدينه بمناسبة أو بغير مناسبة وكونه مقيما في قطر، واستغلوا تلك الحركات الصبيانية الشخصية المبالغ فيها والمتهافتة للتعريض بالدولة المضيفة والإيهام بأنها سبب من أسباب هذا الشكل الكاريكاتوري الذي بدا عليه مدربنا، هذا غير صحيح بالمرة، وقديما قيل: يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعله العدو بعدوه، ربنا لا تؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، أنت مولانا ونعم النّصير.

التعليقات على كيف أساء نبيل معلول إلى قطر مغلقة more...

زمن الطيب جعبة

عامر بوعزة

عامر بوعزة

يِتْجُوعِب، عبارة بليغة يستعملها التونسيون لوصف من يدّعي في العلم فلسفة ويهرف بما لا يعرف أو يفتي في كل شيء! ومن المرجح أن يكون اشتقاق الفعل من عبارة «جعبة» بسبب ذيوع جملة يستعملها طلاب المدارس الثانوية بكثرة في فروض الإنشاء يقولون: «فلان في جعبته الكثير من الأشياء» وهي صورة مستعارة من الجعبة التي تزدحم فيها الأقلام الملونة لتعبّر عن الوفرة، لكن هذه العبارة لا تستعمل بهذا المعنى الاّ مع ضمير الغائب فمن المستهجن أن يقول الشخص عن نفسه: «في جعبتي الكثير من الأشياء» لأن معنى هذه العبارة في ثقافة الشارع مختلف عن معناها في ثقافة الإنشاء.

لقد أضحى التجوعيب في السنوات الأخيرة ظاهرة ثقافية واجتماعية محيرة بعد انتشار الفايسبوك وتطور استخدامه من أداة للتواصل إلى وسيلة لنشر الأخبار والتأثير في الرأي العام، فالكتابة في كل المجالات وإنفاق الوقت في إحصاء الجامات والرد على التعليقات أمور تجعل الشخص بمرور الأيام والشهور والسنوات يفقد شيئا فشيئا إحساسه بالأرض التي يقف عليها وينسى حدود إمكانياته الذهنية المتواضعة فيرتدي قناع «الطيب جعبة» رمز التجوعيب في المخيال الشعبي، وهي شخصية ابتدعها الضمير الجمعي عندما كانت هذه الظاهرة نادرة تدعو إلى السخرية، أما الآن فقد جعل الفايسبوك  الحمار  يرى نفسه أسدا و الفأر يشعر بنفسه ديناصورا.

هذا السلوك لا يختص به جنس دون غيره، بل لعله أن يكون في النساء أكثر منه بين الرجال لميل المرأة بطبعها إلى ضرب من التجوعيب الفطري، وقدرتها باستخدام نون النسوة وحدها أحيانا على فتح كل مستغلق، كما لا يختص بهذا السلوك متعلّم يتباهى بعلمه فهو أكثر شيوعا لدى الأميين والمنقطعين عن الدراسة في الصفوف المبكرة والعاطلين، وأحباء الراب، والمبشرين بالهجرة وغيرهم من سقط متاع التعليم العمومي في أحلك فترات تاريخه. لأن هؤلاء يعتقدون أن الثقافة العامة لا تكتسب في المدارس والجامعات، بل في التلفزيون وفي الويكيبيديا فتجدهم يتكلمون في كل شيء لأنهم يتوهمون أنهم يعرفون كل المواضيع ولهم حلول لكل المشكلات، ولا يحتاجون إلى التثبت والتدقيق أو التأني قبل الخوض في ما يخوضون فلهم رأي جاهز في كل المسائل التي تعرض عليهم، ولا شك أنهم يفعلون ذلك نكاية في العلم والمتعلمين وإمعانا في إذلال المعرفة وابتذالها.

  لا شكّ أن من بين أهم أسباب هذه الظاهرة أيضا انهيار منظومة الإعلام التقليدية وانقراض مؤسسات الرّقابة على المصنفات الثقافية والفنية، فقد أصبح كل من هبّ ودبّ يفعل ما يريد وما يحبّ، من يريد أن يمثّل فله ذلك ومن يشتهي أن يخرج فلا أحد يمنعه من ذلك، ومن يحب أن ينشط فلينشط، ومن يريد الأمرين معا فلن يعترض سبيله أحد، دعه يعمل دعه يمرّ، كلهم مبدعون عباقرة مؤثرون، هم قرروا ذلك بأنفسهم ولا حاجة لهم بأن يزكيهم أو يمتحنهم أحد، ولعل وظيفة «الكرونيكور» في برامج «التالك شو» هي التي كان لها الفضل الكبير في إعادة الاعتبار لشخصية الطيب جعبة وجعله بمثابة القدوة للأجيال القادمة أحفاد مفيدة ومن لف لفّهم، لكن التجوعيب في المجال الإعلامي والفني أمر هيّن ومقدور عليه قياسا بالتجوعيب السياسي، لقد جمّعت الجمهورية الثانية تحت رايتها كل العاهات التي ثار الشعب ضدها ومنحتها بالديمقراطية ما لم تكن تحلم به مطلقا في ظلّ دولة الاستبداد. حتىهزلت إلى أن سامها كل مفلس وتعلقت همة الطيب جعبة بالجلوس على كرسيّ الرئاسة وحكم البلاد.

سيكتب التاريخ عن شعب تونس أنه أطاح بدولة الاستبداد ليقيم على أنقاضها دولة  التجوعيب، ولله فينا علم غيب نحن صائرون إليه نسأله حسن العاقبة.

التعليقات على زمن الطيب جعبة مغلقة more...

حادثة شرف

عمار عمروسية التائب عن الجبهة الشعبية

عمار عمروسية التائب عن الجبهة الشعبية

يُروى أن الصّاحب بن عباد كان مولعا بالسّجع، فلمّا قال لقاضي مدينة “قم”: أيّها القاضي بقُمْ، قَدْ عَزَلْنَاكَ فَقُمْ، ظلّ القاضي يقول إذا سُئِل عن سبب عزله: أنا معزولُ السّجع من غير جرمٍ ولا سببِ! والذي حصل تحت قبة البرلمان التونسي في جلسة الحوار مع رئيس الحكومة يشبه هذه الحال التي تسيطر فيها اللّغة على صاحبها وتشلّ قدرته على الإدراك والتمييز، فقد استبدّت شهوة البلاغة بأحد أبرز وجوه المعارضة حتى وقع في الفخ.

لا يحتاج الأمر جهدا كبيرا لتبيّن الفرق بين دعوة الحكومة إلى رفع رجليها عن الشّعب وبين تهديدها بأن رجليها ستُرفع إذا لم تفعل ذلك، ففي علم اللسانيات للّغة ذاكرةٌ تجعل المجاز يحلّ محلّ الحقيقة بقوّة التداول، ونحن هنا أمام ظاهرة لغوية معروفة وطبيعية، والدليل على ذلك أن جزءا كبيرا من كلام الشارع التونسي يستوجب الحذر مغبّة الوقوع في ما يُعرف “بالغَشّة”، وهي ظاهرة شائعة تقوم على شحن المفردات اليومية بدلالات جنسية، والكلام التونسي يمتاز بقدرته على استيعاب المعاني الجنسية والتعبير عنها في عملية تفريغ جماعية للعواطف المكبوتة تحت وطأة المواضعات الاجتماعية، وعبثا يحاول بعض المفسّرين إقناع العامة بأن “نيتهم السيئة” هي التي جعلتهم يفهمون ما يفهمون في كلام المعارض لرئيس الحكومة لأن المتلقي لا يتحكم في الصورة الذهنية التي تكونها لديه العبارات التي يسمعها.

ظاهرة “الغشّة” قديمة في التراث العربي، وأبرز دليل على ذلك المعنى الذي يوحي به كلام التاجر في “المقامة المضيرية” للهمذاني وهو يفتخر أمام ضيفه بمكوّنات ثروته، إذ يقول “وَهذَا المِنْدِيلُ سَلْنِي عَنْ قِصَّتِهِ،..، وَقَعَ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُهُ، فَاتَّخَذَتَ امْرَأَتِي بَعْضَهُ سَرَاوِيلاً، وَاتَّخَذْتُ بَعْضَهُ مِنْدِيلاً، دَخَلَ فِي سَرَاوِيلهَا عِشْرُونَ ذِرَاعاً”، وكان أستاذنا الجليل توفيق بكار يقول في شرح هذه المقامة: “إن ظاهر الكلام يدلّ على كمية القماش التي صنعت منها السراويل، أما باطنه فله معنى آخر والعياذ بالله!، وكنّا جميعا ونحن في ميْعة الصّبا وريعانه نفهم المعنى بجلاء، ونضحك في استحياء إجلالا للمقام الذي نحن فيه.

لا خلاف إذن في أن الاستعارة الأولى التي استخدمها عمار عمروسية النائب عن الجبهة الشعبية تعني شيئا أكثر من القهر والاستبداد، فوضعُ الرِّجلِ أعنف دلالةً من وضع اليد، إذ توحي بالإذلال، وهي استعارة موفقة في سياقها، أمّا التّهديد برفع الرجلين فلا معنى له في الذهنية العامة حقيقة ومجازا الا الجنس. وهكذا تضمحل الصورة التي ترسمها الاستعارة الأولى للحكومة وهي تضع رجليها على الشعب لتحلّ محلها صورة الاستعارة الثانية صورة الحكومة المهدّدةُ بالاغتصَاب.

إن حرص النائب على صياغة تدخله مشهديا وبمكونات خطابية استفزازية مبهرة جعله يمنح خصومه كرة ثمينة يسجلونها في مرمى المعارضة، فالانحراف بالنّقاش العام إلى حلبة “الأخلاقوي” بادّعاء العفّة والنّقاء لعبة معروفة في سياق التوزيع التقليدي للفصائل السياسية إلى فصيلين كبيرين: فصيل الأتقياء الأنقياء في مقابل الأشرار الفسّاد (بالمعنى العامي الأخلاقي الصرف). ومن السهل تسجيل الهدف، فمن الصعب على شعب يتحاشى استخدام عبارة “الفقوس” وهو يتبضّع في الأسواق أن يتقبّل بسهولة تهديد المعارضة للحكومة في مجلس النواب برفع رجليها. كلّ شيء الا الشرف!


الدور الإسرائيلي في انتخابات اليونسكو

د حمد بن عبد العزيز الكواريِ

د حمد بن عبد العزيز الكواريِ

  القول بأن الصهاينة هم أكبر المستفيدين من الخلافات العربية وأنهم أحرص الناس على تغذيتها ليس مجرّد نسج على منوال نظريّة المؤامرة وعزفا على وتر المظلوميّة، بل حقيقة تؤكدها أدلّة كثيرة عبر التاريخ، من ذلك ما وقع في باريس أثناء التصويت المشوّق طيلة أسبوع كامل من شهر أكتوبر العام 2017 لانتخاب خلف للبلغارية “ايرينا بوكوفا” على رأس اليونسكو. هذه الانتخابات دارت وسط أجواء مشحونة بالتوتر السياسي على خلفية أزمة الخليج ما أدى في نهاية المطاف إلى إسقاط المرشح القطري الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري بعد تحقيقه تقدّما لم يسبق أن حقّقه أي مرشّح عربيّ لهذا المنصب من قبل، لكنّ الديبلوماسية العربية عملت بضراوة على عرقلته في الأمتار الأخيرة وفسح المجال أمام المنافسة الفرنسية “أودراي أزولاي” بعد أن كان اللوبي الصهيوني أول من اعترض على ترشيحه لهذا المنصب.

خلال شهر مارس وعند الإعلان رسميا عن ترشّح حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة السابق في دولة قطر لمنصب المدير العام لليونسكو، وجه سيمون صامويل مدير العلاقات الدولية في مركز سيمون ويزنتال رسالة احتجاج إلى رئيس المجلس التنفيذي للمنظمة، وهذا المركز هو جمعية غير حكومية معترف بها دوليا وتقوم بدور استشاري في الأمم المتحدة واليونسكو ومجلس أوروبا، تأسست هذه المنظمة اليهودية في العام 1977 ومقرّها في لوس أنجلس، أما نشاطها الرئيس فيتمثّل في ملاحقة المتبقين على قيد الحياة من الضباط النازيين والذين تعتبرهم مجرمي حرب، ومن أهدافها أيضا حفظ ذاكرة المحرقة النازية (الهولوكوست) لدى الأجيال الجديدة. وقد تضمنت رسالة الاحتجاج على ترشح الكواري تذكيرا بما رصدته المنظمة من منشورات تراها معادية للسامية وتحرض على كره اليهود في معرض قطر الدولي للكتاب خلال الفترة التي تولى فيها الكواري وزارة الثقافة والفنون والتراث. وتعتبر المنظمة كتاب “القدس في عيون الشعراء” الذي أصدرته الوزارة للكاتب محمد قجة دليل إدانة يكفي للاعتراض على وجود هذا الرجل في منصب مدير عام لليونسكو، ففي المقدمة التي تحمل1205 توقيعه يعتبر أن في وجود القدس ضمن سيطرة المسلمين رمزا لوحدة الـدولـة الإسلامية ورفعتها، وفـي احتلالها وضياعها رمـز لتفكّك الـدولـة وضعفها، ولم تتوقّف المنظمة عند المقدمة بل اعتبرت أن الكتاب رغم كونه يتضمّن مجموعة أشعار عن القدس ينطوي على معاداة للسّامية لا تخفى ويشيع نظرية المؤامرة، إذ يتبنى مقولة الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي عن الأساطير الصهيونية حول علاقة إسرائيل بالقدس، ويتضمّن اتهاما صريحا للكيان الصهيوني بالوقوف وراء كل مشاكل الشرق الأوسط من الحرب الأهلية اللبنانية حتى حربي الخليج الأولى والثانية وغزو العراق وأفغانستان كما يتهمه بالسيطرة على الإعلام الغربي ليستخلص محرر الرسالة أن الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري يتبنى أسلوب “جوزف غوبلز” وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر النازية وهو ما يكفي لتحذير اليونسكو من تبعات ترشيحه لمنصب المدير العام.

وبناء على هذا الموقف “شبه الرسمي” نشر موقع Jforum الناطق باسم اليهود الفرنكوفونيين على الانترنت، مقالا بعنوان “العرب لا يريدون اليهودية أزولاي في اليونسكو” اعتبر الترشيح الفرنسي عملا استفزازيا، وتوقّع أن تتأجّج مشاعر الغضب في الدول العربية لاختيار الإيليزي شخصا من أصل يهودي لقيادة اليونسكو التي تعتبر مسرحا تقليديا للنزاع حول القدس، لكن ذلك لم يقع البتة إذ كانت دول عربية عدة قد انحازت إلى إسرائيل في رفضها المرشّح القطري حمد بن عبد العزيز الكواري وأخذت تشتغل نيابة عنها لإقصائه. وقد تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الافتراضي في شتى أنحاء العالم مشهدا مؤسفا لمسؤول مصري ينادي في كواليس اليونسكو بسقوط دولة قطر، وهو مشهد على ما يخلّفه في النفس من حسرة ومرارة يختصر عمق الأزمة التي تشقّ الصفّ العربي وتمنعه من التقدّم إلى العالم بالتّماسك المطلوب في خضم تدافع طاحن بين الهويّات والثقافات.

التعليقات على الدور الإسرائيلي في انتخابات اليونسكو مغلقة more...

ضدّ الحكومة مرّة أخرى!

حاتم بن سالم وزير التربية

حاتم بن سالم وزير التربية

المسألة هذه المرة أبسط بكثير مما تقول وزارة التربية وأقلّ تعقيدا مما تحاول أن تقنع الناس به، فموت التلميذتين رحمة السعيدي وسرور الهيشري رحمهما الله، في حريق داخل مبيت المدرسة الإعدادية 25 جويلية بتالة من ولاية القصرين أمر لا بدّ أن تتحمّل الحكومة مسؤوليته بشجاعة أيّا كانت نتائج التحقيق الذي أمرت به.

نقول هذا بعد البيان الإعلامي الذي أصدرته الوزارة في ساعة متأخرة مساء السادس من فيفري والذي تعلم فيه أنها قد “بادرت بعدُ بالتّحقيق في ملابسات الحادثة، ورصد الإخلالات أيا كان مأتاها، وتحديد واضح للمسؤوليات في نطاق الإجراءات القانونية وطبقا للتراتيب المعمول بها في الغرض” والبيان كما هو واضح من خلال هذه الفقرة القصيرة صيغ بلغة خشبية ميتة وقوالب إدارية جاهزة استنفدت طاقتها التعبيرية منذ سنوات، فضلا عن وجود أخطاء في التركيب لا تناسب مقام الوزارة، ولا ينسى البيان أن يذكّر الناس بأنّ “الظرف يتطلّب الخشوع والترحّم على التلميذتين البريئتين” ولم يبق إلا أن يُذكّر بأنّ لكلّ نفس أجلا وأنْ لا رادّ لقضاء الله وقدره، يأتي كل هذا المجهود اللّغوي لتغليف الرسالة الأصلية التي كتب لأجلها البيان ونشر على عجل من غير أن يحمل حتى توقيع الوزير وهي الدعوة إلى النأي بهذه الحادثة عن التوظيف واتهام الجهات التي تستبق نتائج التحقيق بأنها جهات غير مسؤولة وأن ما تقوم به أمر غير مقبول!

بيان إعلامي
بيان إعلامي

لماذا يثير مثل هذا البيان حنق الناس ويفاقم غضبهم؟ لأنه ببساطة متخلف كثيرا عن اللحظة السياسية الراهنة، ففي الوقت الذي تتعلل فيه السلطة في تونس بشقيها التنفيذي والتشريعي بأن الانتقال الديمقراطي مكسب تاريخي يستدعي التضحية وتحمل المصاعب الاقتصادية والاجتماعية ما تزال ردود الفعل الحكومية على مقاس عهود الاستبداد، حيث لا مجال مطلقا للحديث عن المسؤولية السياسية والشجاعة الأخلاقية، وإنما يجري التّعامل مع الكوارث دائما بما يخدم صورة السلطة لا غير، هكذا يبدو الإعلان عن فتح تحقيق إداري أو قضائي إجراء استثنائيا ومزية كبرى والحال أنه أمر بديهي ومنطقي، علما أن هذا الأمر لم يعد ليُطمئنَ أحدا فكلّ التحقيقات التي فُتحت لم تُغلق، والتونسيون أصبحوا مقتنعين بأن أفضل طريقة لطمر قضايا الرأي العام تتمثل في فتح التحقيقات والدعوة إلى عدم التشويش عليها وانتظار نتائجها التي لن تظهر أبدا. وإذا افترضنا أن لهذا التحقيق نتائجَ عملية واضحة، كأن يكون التماس الكهربائي ناتجا عن تقصير أحد الأعوان، فستنتهي القضية بشكل قانوني مناسب وبسرعة قياسية وهو ما يسمى في لغة السياسة “البحث عن كبش الفداء”.

المطلوب إذن في ظل الوعي المواطني الجديد الذي تتباهى به السلطة بوصفه مكونا أساسيا من مكونات الدولة الديمقراطية التمييز بين المسؤولية القانونية التي سيحددها البحث الإداري أو القضائي والمسؤولية السياسية والأخلاقية التي لا تحتاج تحقيقا لإثباتها، فوقوع حريق داخل مؤسسة عمومية نتجت عنه أضرار بشرية يعني بشكل واضح إخلال السلطة في القيام بواجبها تجاه مواطنيها (دافعي الضرائب)، ويمكن رصد هذا التقصير في مستويين على الأقل، أولا في مستوى الأسباب التي أدّت إلى نشوب الحريق وثانيا في مستوى الأسباب التي جعلت عملية الإغاثة وإخلاء المكان دون وقوع ضحايا لا تتمّ بالشكل المناسب. وهذا ما يحتم على السلطة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة وأي قرار يطالب به الرأي العام هو للتأكيد رمزيا على علوية العقد الاجتماعي والأخلاقي الذي يحدد العلاقة بين السلطة المنتخبة والمواطن الذي انتخبها، إن التغاضي عن تقصير السلطة وتهاونها يفضي بالضرورة إلى استسهال المواطن من جهته في القيام بواجباته والديمقراطية إذ تقوم على توازن دقيق بين الحق والواجب لها ثمن ينبغي أن يدفعه كل من يسهم بشكل أو بآخر في الإخلال بهذا التوازن.

التعليقات على ضدّ الحكومة مرّة أخرى! مغلقة more...

Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress