Author Archive

الخروج عن السكّة

حادث قطار الدهماني يوليو 2018

حادث قطار الدهماني يوليو 2018

في حادثة خروج قطار الدهماني عن السكة وانقلابه اكتفى الإعلام بطمأنة المتفرجين إلى أن الحادث لم يسفر عن وفيات وأن تحقيقا قد فتح للبحث في ملابساته بعد أن سأل أطباء المستشفى عن عدد الإصابات وكيف تمّت معالجتها، ثم طوي الموضوع وعاد الجميع فرحين مسرورين إلى ما كانوا فيه. وقبل ذلك بأيام، نزل سائق أحد القطارات ليترك مركبته تسير وحيدة بسرعة جنونية وتقطع مسافة طويلة قبل أن يتمّ توقيفها بقطع التيّار الكهربائي، ورغم أنه من السّهل تخيّل حالة الرّعب والهلع التي عاشها الركاب والانتباه إلى توفّر جملة من القرائن قد ترقى بالحادثة إلى ما يشبه العمل الإرهابي المدبّر فإن الجمهور اكتفى بتحويلها إلى مادّة تتندّر بها وسائل الإعلام عبر العالم، فتذكر في طرائف أنبائها بسخرية مريرة أنّ تونس تُطلق أول قطار يسير دون سائق، هذا طبعا بعد الإعلان كالمعتاد أن سلطة الإشراف أذنت بفتح تحقيق لتحميل كلّ طرف مسؤوليته.

(مواصلة القراءة…)


يوم من أيام سكسونيا

عامر بوعزة

عامر بوعزة

التّاسعة صباحا، أربعون درجة في الظلّ، يوم آخر من أيام جويلية القائظة يتثاءب ويتمطى ثم ينتصب واقفا ليصبّ شواظه النحاسي على رؤوس الناس ويغمر الشوارع بحرارة خانقة. اصطحبت ابني إلى مركز الأمن لتجديد جواز سفره، فعقلنا السيارة في ظلّ شجرة، وترجّلنا. كان المركز غرفة بيضاء ضيقة بالكاد تتّسع لبعض الأنفار، لكنها اليوم منذ الثامنة صباحا مكتظة بالناس من مختلف الأعمار، فتوكلنا على الله آملين في أن يكون إبكارُنا سببا في خلاصنا سريعا بأخفّ الأضرار.

استقبلنا في مدخل المركز شخص بملابس مدنية وذقن غير حليق، كان يبدو في هيئته تلك أشبه بنادل مقهى، مثلما كان الوافدون وهم يتزاحمون أمامه أشبه بحرفاء سيتناولون على عجل «كابوسان» ويمضون، ألقيت في وجهه تحية الصباح وأعلمته أنني جئت لتجديد جواز سفر، فتجاهل التحية وتركها معلقة في الفراغ قائلا بقدر كبير من اللاّمبالاة: هؤلاء أيضا مثلك فانتظر معهم. ثم أردف: لا أدري إن كانت الموظّفة ستأتي اليوم أم لا!

(مواصلة القراءة…)


كيف أساء نبيل معلول إلى قطر

الدوحة

الدوحة

كل تونسي أصادفه زائرا الدّوحة للمرة الأولى أحرص على سؤاله بعد يوم أو يومين من وصوله عن رأيه فيما رأى وعن المقارنة بين انطباعاته الجديدة والصورة التي كان يحملها من قبل عن قطر. وغالبا ما يعبّر الزائرون على تنوّع مستوياتهم الثقافية والاجتماعية عن انبهارهم بمستوى العيش في هذه العاصمة الخليجية المثيرة للجدل وعن اختلاف مشاهداتهم العينية عن الصورة القبلية التي كانت لديهم. والسبب في تلك الصورة أحكام مسبقة لا تستند إلى معطيات موضوعية بقدر ما تعبر عن خلفية سياسية وحساسية إيديولوجية، إذ عادة ما يكون الجدل الدائر بين السياسيين حول علاقة قطر بالإخوان المسلمين منطلقا لجعل البعض يعتقدون أن هذا البلد غارق في التزمت وأن الحياة فيه تشبه حياة البدو في عصور الإسلام الأولى أو على أقل تقدير أن تكون ضمائر الناس فيه خاضعة لرقابة صارمة يفرضها الدعاة ولجان الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما يجعل حياة المسلمين غير المتديّنين وحياة أهل الكتاب صعبة وعسيرة.

(مواصلة القراءة…)


زمن الطيب جعبة

عامر بوعزة

عامر بوعزة

يِتْجُوعِب، عبارة بليغة يستعملها التونسيون لوصف من يدّعي في العلم فلسفة ويهرف بما لا يعرف أو يفتي في كل شيء! ومن المرجح أن يكون اشتقاق الفعل من عبارة «جعبة» بسبب ذيوع جملة يستعملها طلاب المدارس الثانوية بكثرة في فروض الإنشاء يقولون: «فلان في جعبته الكثير من الأشياء» وهي صورة مستعارة من الجعبة التي تزدحم فيها الأقلام الملونة لتعبّر عن الوفرة، لكن هذه العبارة لا تستعمل بهذا المعنى الاّ مع ضمير الغائب فمن المستهجن أن يقول الشخص عن نفسه: «في جعبتي الكثير من الأشياء» لأن معنى هذه العبارة في ثقافة الشارع مختلف عن معناها في ثقافة الإنشاء.

لقد أضحى التجوعيب في السنوات الأخيرة ظاهرة ثقافية واجتماعية محيرة بعد انتشار الفايسبوك وتطور استخدامه من أداة للتواصل إلى وسيلة لنشر الأخبار والتأثير في الرأي العام، فالكتابة في كل المجالات وإنفاق الوقت في إحصاء الجامات والرد على التعليقات أمور تجعل الشخص بمرور الأيام والشهور والسنوات يفقد شيئا فشيئا إحساسه بالأرض التي يقف عليها وينسى حدود إمكانياته الذهنية المتواضعة فيرتدي قناع «الطيب جعبة» رمز التجوعيب في المخيال الشعبي، وهي شخصية ابتدعها الضمير الجمعي عندما كانت هذه الظاهرة نادرة تدعو إلى السخرية، أما الآن فقد جعل الفايسبوك  الحمار  يرى نفسه أسدا و الفأر يشعر بنفسه ديناصورا.

(مواصلة القراءة…)


حادثة شرف

عمار عمروسية التائب عن الجبهة الشعبية

عمار عمروسية التائب عن الجبهة الشعبية

يُروى أن الصّاحب بن عباد كان مولعا بالسّجع، فلمّا قال لقاضي مدينة “قم”: أيّها القاضي بقُمْ، قَدْ عَزَلْنَاكَ فَقُمْ، ظلّ القاضي يقول إذا سُئِل عن سبب عزله: أنا معزولُ السّجع من غير جرمٍ ولا سببِ! والذي حصل تحت قبة البرلمان التونسي في جلسة الحوار مع رئيس الحكومة يشبه هذه الحال التي تسيطر فيها اللّغة على صاحبها وتشلّ قدرته على الإدراك والتمييز، فقد استبدّت شهوة البلاغة بأحد أبرز وجوه المعارضة حتى وقع في الفخ.

لا يحتاج الأمر جهدا كبيرا لتبيّن الفرق بين دعوة الحكومة إلى رفع رجليها عن الشّعب وبين تهديدها بأن رجليها ستُرفع إذا لم تفعل ذلك، ففي علم اللسانيات للّغة ذاكرةٌ تجعل المجاز يحلّ محلّ الحقيقة بقوّة التداول، ونحن هنا أمام ظاهرة لغوية معروفة وطبيعية، والدليل على ذلك أن جزءا كبيرا من كلام الشارع التونسي يستوجب الحذر مغبّة الوقوع في ما يُعرف “بالغَشّة”، وهي ظاهرة شائعة تقوم على شحن المفردات اليومية بدلالات جنسية، والكلام التونسي يمتاز بقدرته على استيعاب المعاني الجنسية والتعبير عنها في عملية تفريغ جماعية للعواطف المكبوتة تحت وطأة المواضعات الاجتماعية، وعبثا يحاول بعض المفسّرين إقناع العامة بأن “نيتهم السيئة” هي التي جعلتهم يفهمون ما يفهمون في كلام المعارض لرئيس الحكومة لأن المتلقي لا يتحكم في الصورة الذهنية التي تكونها لديه العبارات التي يسمعها.

ظاهرة “الغشّة” قديمة في التراث العربي، وأبرز دليل على ذلك المعنى الذي يوحي به كلام التاجر في “المقامة المضيرية” للهمذاني وهو يفتخر أمام ضيفه بمكوّنات ثروته، إذ يقول “وَهذَا المِنْدِيلُ سَلْنِي عَنْ قِصَّتِهِ،..، وَقَعَ إِلَيَّ فَاشْتَرَيْتُهُ، فَاتَّخَذَتَ امْرَأَتِي بَعْضَهُ سَرَاوِيلاً، وَاتَّخَذْتُ بَعْضَهُ مِنْدِيلاً، دَخَلَ فِي سَرَاوِيلهَا عِشْرُونَ ذِرَاعاً”، وكان أستاذنا الجليل توفيق بكار يقول في شرح هذه المقامة: “إن ظاهر الكلام يدلّ على كمية القماش التي صنعت منها السراويل، أما باطنه فله معنى آخر والعياذ بالله!، وكنّا جميعا ونحن في ميْعة الصّبا وريعانه نفهم المعنى بجلاء، ونضحك في استحياء إجلالا للمقام الذي نحن فيه.

لا خلاف إذن في أن الاستعارة الأولى التي استخدمها عمار عمروسية النائب عن الجبهة الشعبية تعني شيئا أكثر من القهر والاستبداد، فوضعُ الرِّجلِ أعنف دلالةً من وضع اليد، إذ توحي بالإذلال، وهي استعارة موفقة في سياقها، أمّا التّهديد برفع الرجلين فلا معنى له في الذهنية العامة حقيقة ومجازا الا الجنس. وهكذا تضمحل الصورة التي ترسمها الاستعارة الأولى للحكومة وهي تضع رجليها على الشعب لتحلّ محلها صورة الاستعارة الثانية صورة الحكومة المهدّدةُ بالاغتصَاب.

إن حرص النائب على صياغة تدخله مشهديا وبمكونات خطابية استفزازية مبهرة جعله يمنح خصومه كرة ثمينة يسجلونها في مرمى المعارضة، فالانحراف بالنّقاش العام إلى حلبة “الأخلاقوي” بادّعاء العفّة والنّقاء لعبة معروفة في سياق التوزيع التقليدي للفصائل السياسية إلى فصيلين كبيرين: فصيل الأتقياء الأنقياء في مقابل الأشرار الفسّاد (بالمعنى العامي الأخلاقي الصرف). ومن السهل تسجيل الهدف، فمن الصعب على شعب يتحاشى استخدام عبارة “الفقوس” وهو يتبضّع في الأسواق أن يتقبّل بسهولة تهديد المعارضة للحكومة في مجلس النواب برفع رجليها. كلّ شيء الا الشرف!


الدور الإسرائيلي في انتخابات اليونسكو

د حمد بن عبد العزيز الكواريِ

د حمد بن عبد العزيز الكواريِ

  القول بأن الصهاينة هم أكبر المستفيدين من الخلافات العربية وأنهم أحرص الناس على تغذيتها ليس مجرّد نسج على منوال نظريّة المؤامرة وعزفا على وتر المظلوميّة، بل حقيقة تؤكدها أدلّة كثيرة عبر التاريخ، من ذلك ما وقع في باريس أثناء التصويت المشوّق طيلة أسبوع كامل من شهر أكتوبر العام 2017 لانتخاب خلف للبلغارية “ايرينا بوكوفا” على رأس اليونسكو. هذه الانتخابات دارت وسط أجواء مشحونة بالتوتر السياسي على خلفية أزمة الخليج ما أدى في نهاية المطاف إلى إسقاط المرشح القطري الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري بعد تحقيقه تقدّما لم يسبق أن حقّقه أي مرشّح عربيّ لهذا المنصب من قبل، لكنّ الديبلوماسية العربية عملت بضراوة على عرقلته في الأمتار الأخيرة وفسح المجال أمام المنافسة الفرنسية “أودراي أزولاي” بعد أن كان اللوبي الصهيوني أول من اعترض على ترشيحه لهذا المنصب.

خلال شهر مارس وعند الإعلان رسميا عن ترشّح حمد بن عبد العزيز الكواري وزير الثقافة السابق في دولة قطر لمنصب المدير العام لليونسكو، وجه سيمون صامويل مدير العلاقات الدولية في مركز سيمون ويزنتال رسالة احتجاج إلى رئيس المجلس التنفيذي للمنظمة، وهذا المركز هو جمعية غير حكومية معترف بها دوليا وتقوم بدور استشاري في الأمم المتحدة واليونسكو ومجلس أوروبا، تأسست هذه المنظمة اليهودية في العام 1977 ومقرّها في لوس أنجلس، أما نشاطها الرئيس فيتمثّل في ملاحقة المتبقين على قيد الحياة من الضباط النازيين والذين تعتبرهم مجرمي حرب، ومن أهدافها أيضا حفظ ذاكرة المحرقة النازية (الهولوكوست) لدى الأجيال الجديدة. وقد تضمنت رسالة الاحتجاج على ترشح الكواري تذكيرا بما رصدته المنظمة من منشورات تراها معادية للسامية وتحرض على كره اليهود في معرض قطر الدولي للكتاب خلال الفترة التي تولى فيها الكواري وزارة الثقافة والفنون والتراث. وتعتبر المنظمة كتاب “القدس في عيون الشعراء” الذي أصدرته الوزارة للكاتب محمد قجة دليل إدانة يكفي للاعتراض على وجود هذا الرجل في منصب مدير عام لليونسكو، ففي المقدمة التي تحمل1205 توقيعه يعتبر أن في وجود القدس ضمن سيطرة المسلمين رمزا لوحدة الـدولـة الإسلامية ورفعتها، وفـي احتلالها وضياعها رمـز لتفكّك الـدولـة وضعفها، ولم تتوقّف المنظمة عند المقدمة بل اعتبرت أن الكتاب رغم كونه يتضمّن مجموعة أشعار عن القدس ينطوي على معاداة للسّامية لا تخفى ويشيع نظرية المؤامرة، إذ يتبنى مقولة الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي عن الأساطير الصهيونية حول علاقة إسرائيل بالقدس، ويتضمّن اتهاما صريحا للكيان الصهيوني بالوقوف وراء كل مشاكل الشرق الأوسط من الحرب الأهلية اللبنانية حتى حربي الخليج الأولى والثانية وغزو العراق وأفغانستان كما يتهمه بالسيطرة على الإعلام الغربي ليستخلص محرر الرسالة أن الدكتور حمد بن عبد العزيز الكواري يتبنى أسلوب “جوزف غوبلز” وزير الدعاية السياسية في حكومة هتلر النازية وهو ما يكفي لتحذير اليونسكو من تبعات ترشيحه لمنصب المدير العام.

وبناء على هذا الموقف “شبه الرسمي” نشر موقع Jforum الناطق باسم اليهود الفرنكوفونيين على الانترنت، مقالا بعنوان “العرب لا يريدون اليهودية أزولاي في اليونسكو” اعتبر الترشيح الفرنسي عملا استفزازيا، وتوقّع أن تتأجّج مشاعر الغضب في الدول العربية لاختيار الإيليزي شخصا من أصل يهودي لقيادة اليونسكو التي تعتبر مسرحا تقليديا للنزاع حول القدس، لكن ذلك لم يقع البتة إذ كانت دول عربية عدة قد انحازت إلى إسرائيل في رفضها المرشّح القطري حمد بن عبد العزيز الكواري وأخذت تشتغل نيابة عنها لإقصائه. وقد تناقلت وسائل الإعلام ومواقع التواصل الافتراضي في شتى أنحاء العالم مشهدا مؤسفا لمسؤول مصري ينادي في كواليس اليونسكو بسقوط دولة قطر، وهو مشهد على ما يخلّفه في النفس من حسرة ومرارة يختصر عمق الأزمة التي تشقّ الصفّ العربي وتمنعه من التقدّم إلى العالم بالتّماسك المطلوب في خضم تدافع طاحن بين الهويّات والثقافات.


ضدّ الحكومة مرّة أخرى!

حاتم بن سالم وزير التربية

حاتم بن سالم وزير التربية

المسألة هذه المرة أبسط بكثير مما تقول وزارة التربية وأقلّ تعقيدا مما تحاول أن تقنع الناس به، فموت التلميذتين رحمة السعيدي وسرور الهيشري رحمهما الله، في حريق داخل مبيت المدرسة الإعدادية 25 جويلية بتالة من ولاية القصرين أمر لا بدّ أن تتحمّل الحكومة مسؤوليته بشجاعة أيّا كانت نتائج التحقيق الذي أمرت به.

نقول هذا بعد البيان الإعلامي الذي أصدرته الوزارة في ساعة متأخرة مساء السادس من فيفري والذي تعلم فيه أنها قد “بادرت بعدُ بالتّحقيق في ملابسات الحادثة، ورصد الإخلالات أيا كان مأتاها، وتحديد واضح للمسؤوليات في نطاق الإجراءات القانونية وطبقا للتراتيب المعمول بها في الغرض” والبيان كما هو واضح من خلال هذه الفقرة القصيرة صيغ بلغة خشبية ميتة وقوالب إدارية جاهزة استنفدت طاقتها التعبيرية منذ سنوات، فضلا عن وجود أخطاء في التركيب لا تناسب مقام الوزارة، ولا ينسى البيان أن يذكّر الناس بأنّ “الظرف يتطلّب الخشوع والترحّم على التلميذتين البريئتين” ولم يبق إلا أن يُذكّر بأنّ لكلّ نفس أجلا وأنْ لا رادّ لقضاء الله وقدره، يأتي كل هذا المجهود اللّغوي لتغليف الرسالة الأصلية التي كتب لأجلها البيان ونشر على عجل من غير أن يحمل حتى توقيع الوزير وهي الدعوة إلى النأي بهذه الحادثة عن التوظيف واتهام الجهات التي تستبق نتائج التحقيق بأنها جهات غير مسؤولة وأن ما تقوم به أمر غير مقبول!

بيان إعلامي
بيان إعلامي

لماذا يثير مثل هذا البيان حنق الناس ويفاقم غضبهم؟ لأنه ببساطة متخلف كثيرا عن اللحظة السياسية الراهنة، ففي الوقت الذي تتعلل فيه السلطة في تونس بشقيها التنفيذي والتشريعي بأن الانتقال الديمقراطي مكسب تاريخي يستدعي التضحية وتحمل المصاعب الاقتصادية والاجتماعية ما تزال ردود الفعل الحكومية على مقاس عهود الاستبداد، حيث لا مجال مطلقا للحديث عن المسؤولية السياسية والشجاعة الأخلاقية، وإنما يجري التّعامل مع الكوارث دائما بما يخدم صورة السلطة لا غير، هكذا يبدو الإعلان عن فتح تحقيق إداري أو قضائي إجراء استثنائيا ومزية كبرى والحال أنه أمر بديهي ومنطقي، علما أن هذا الأمر لم يعد ليُطمئنَ أحدا فكلّ التحقيقات التي فُتحت لم تُغلق، والتونسيون أصبحوا مقتنعين بأن أفضل طريقة لطمر قضايا الرأي العام تتمثل في فتح التحقيقات والدعوة إلى عدم التشويش عليها وانتظار نتائجها التي لن تظهر أبدا. وإذا افترضنا أن لهذا التحقيق نتائجَ عملية واضحة، كأن يكون التماس الكهربائي ناتجا عن تقصير أحد الأعوان، فستنتهي القضية بشكل قانوني مناسب وبسرعة قياسية وهو ما يسمى في لغة السياسة “البحث عن كبش الفداء”.

المطلوب إذن في ظل الوعي المواطني الجديد الذي تتباهى به السلطة بوصفه مكونا أساسيا من مكونات الدولة الديمقراطية التمييز بين المسؤولية القانونية التي سيحددها البحث الإداري أو القضائي والمسؤولية السياسية والأخلاقية التي لا تحتاج تحقيقا لإثباتها، فوقوع حريق داخل مؤسسة عمومية نتجت عنه أضرار بشرية يعني بشكل واضح إخلال السلطة في القيام بواجبها تجاه مواطنيها (دافعي الضرائب)، ويمكن رصد هذا التقصير في مستويين على الأقل، أولا في مستوى الأسباب التي أدّت إلى نشوب الحريق وثانيا في مستوى الأسباب التي جعلت عملية الإغاثة وإخلاء المكان دون وقوع ضحايا لا تتمّ بالشكل المناسب. وهذا ما يحتم على السلطة أن تتحمل مسؤوليتها كاملة وأي قرار يطالب به الرأي العام هو للتأكيد رمزيا على علوية العقد الاجتماعي والأخلاقي الذي يحدد العلاقة بين السلطة المنتخبة والمواطن الذي انتخبها، إن التغاضي عن تقصير السلطة وتهاونها يفضي بالضرورة إلى استسهال المواطن من جهته في القيام بواجباته والديمقراطية إذ تقوم على توازن دقيق بين الحق والواجب لها ثمن ينبغي أن يدفعه كل من يسهم بشكل أو بآخر في الإخلال بهذا التوازن.


شاهد ما شافش حاجة

عامر بوعزة

عامر بوعزة

لا حديث في أوساط التونسيين في الفايسبوك هذه الأيام إلاّ خبر حذف الأزهر بلادنا من قائمة الدول الإسلامية، وذلك بعد أن تداولت صفحات وجرائد كثيرة مقالا يتيما صدر في بعض المواقع المصرية يتحدث عن امتعاض برلمانيين مصريين من قوانين تعتزم بلادنا سنّها يرونها مخالِفة للشريعة الإسلامية ويرون أن مؤسسة الأزهر ينبغي أن تكون المرجع الوحيد للفتوى في العالم الإسلامي.

هذه الزوبعة التي يخوض غمارها بكفاءة واقتدار فايسبوكيون أشاوس، تُذكّر بمقطع شهير من مسرحية عادل إمام “شاهد ما شافش حاجة” عندما يقول إن إدارة البريد ستحجز عدّة الهاتف إذا لم يبادر بخلاص معاليم الفاتورة، ثم فجأة يتذكّر أنه لا يملك هاتفا، فالأزهر إذن سيحذف تونس من قائمة لا وجود لها أصلا، وحتى إذا وجدت قائمة مثلها لدى جهة ما فإنها بلا قيمة إذا لم تكن لها حجية في نطاق العلاقات الدولية.

لم ينتبه أحد إذن في خضم هذه الحميّة “الوطنية” إلى أنه ليس ثمة شيء في العالم اسمه “قائمة الدول الإسلامية”، وأن مثل هذه القائمة لا توجد الا في الموسوعات والمعاجم لأغراض تربوية وتتضمن أسماء البلدان ذات الغالبية المسلمة والتي يجوز نعتها تبعا لذلك بدول إسلامية. وهناك أيضا منظمة التّعاون الإسلامي التي تأسّست سنة 1969 إثر حريق المسجد الأقصى ولها عضوية دائمة في الأمم المتحدة. لكن التّهافت على الأخبار المزيّفة في الفايسبوك يعطّل ملكة التمييز وآلة النقد لدى الجميع، لا سيّما بعد أن تسري الإشاعة سريان النار في الهشيم، وتتطور لتتّخذ أشكالا أخرى من التّفاعلات تنسي العموم منشأ الأكذوبة الأصلي وسخفها، فالتونسيون تجندوا في قضية الحال بمختلف أطيافهم الذهنية والثقافية للدّفاع عما يعتبرونه “اعتداء أزهريا” على دولة ذات سيادة، وانبروا كلّ من موقعه في الدفاع الالكتروني الذي يبدأ من التذكير بأنّ الجيش الذي أسّس القاهرة قد حطّ رحاله في مصر قادما من المهديّة ويصل حتى المعايرة والمفاضلة بين ما آلت إليه ثورة 14 يناير في تونس وما آلت إليه شقيقتها ثورة 25 يناير في مصر.

لجنة الحريات الفردية والمساواة

لجنة الحريات الفردية والمساواة

ثلاث حقائق لا غير في زوبعة الكذب هذه.

الحقيقة الأولى أن المواقع والصفحات التونسية التي بادرت إلى ترويج المقال المستورد عن امتعاض البرلمانيين المصريين ودعوتهم إلى أحقية الأزهر في احتكار الفتاوي هي صفحات ومواقع قريبة جدا من حركة النهضة ومتحدثة باسمها وهي تمثل الحاضنة الإعلامية للرأي العام الإسلامي القاعدي في تونس.

الحقيقة الثانية، أن هذه الحملة تبدو تبعا لذلك أقرب إلى خطة استنفار مدروسة منها إلى ردة فعل عفوية فهي تستحضر زوبعة أزهرية أخرى ثارت بمناسبة دعوة رئيس الجمهورية في عيد المرأة إلى النظر في قوانين الميراث والاتجاه بها نحو المساواة التامة بين الجنسين، وتفعل ذلك في وقت أوشكت فيه لجنة الحريات الفردية والمساواة التي شكلها رئيس الجمهورية على الفراغ من أعمالها وهي لجنة تضم في صفوفها أشخاصا يعتبرهم الإسلاميون استئصاليين.

الحقيقة الثالثة وهي بمثابة الخلاصة تتمثل في عدم قدرة القاعدة الإسلامية في تونس على التخلّص في مستوى الفعل من التبعيّة الإخوانية إلى مصر رغم تنصّل قياداتها في مستوى التنظير والخطاب الإعلامي من هذه التبعيّة وزعمها أنها قد تطوّرت في اتّجاه أن تكون حزبا مدنيّا يساهم في إدارة شؤون الحكم في ظل توافق واسع النطاق. فالاستقواء بمؤسسة الأزهر بإقحامها في جدل تونسي محض ليس الاّ مناورة سياسيّة تستفزّ حميّة العامّة وتوهم بأنّ الخطر التكفيري قادم من الخارج وصادر عن مؤسسة دينية رسمية لها مكانتها الاعتبارية في الذهنية الإسلامية بينما المحرّك الحقيقي للزوبعة داخلي معروف، ولا شكّ أن قلة من التونسيين ما تزال تتذكّر لهجة الاعتداد التي تحدث بها قياديّ نهضوي نافذ إبّان حكم الرئيس محمد مرسي أمام قواعد الحركة عن المظلّة المصرية التي لن تترك أحدا يناوئ حكم الإسلاميين في تونس.

هي زوبعة في كأس إذن، لكن ثمة من يترشف بهدوء هذه الزوابع ويقتات منها.


السينما وأحلام الشعوب

Jay Bahadur

Jay Bahadur

في غرفة انتظار بإحدى العيادات، يلتقي الشاب الكندي “جاي باهادور” صدفة الصحفيَّ الكبير “سيمون تولدن” وقد كان مثلَه الأعلى في عالم الصّحافة، فيخبره أنه يعتزم الانتساب إلى جامعة هارفارد لمواصلة دراسته العليا، لكن سيمون يصرخ قائلا: تبّا هارفارد! إذا كنت تريد أن تكون صحفيا فاذهب إلى أرض مشتعلة، وستفرض نفسك على الجميع.

هكذا بدأت قصة “باهادور” التي حكاها في كتابه (المياه القاتلة، داخل عالم قراصنة الصومال السرّي) الصادر سنة 2011 والذي تصدّر حال ظهوره قائمة أعلى المبيعات في الولايات المتحدة الأمريكية قبل أن يتمّ استغلاله سينمائيا. هذه القصّة هي في الآن نفسه قصّة مشوّقة عن عالم القراصنة الغامض الذي لم يهتد الغربيون إلى فهمه بوضوح، وهي قصّة “باهادور” الذي ذهب إلى الصومال وهو في الرابعة والعشرين من العمر ليحقق حلم حياته، أن يكون صحفيا كبيرا، وما كان له أن يحقق هذا الحلم لولا نصيحة عرّابه “سيمون” الذي سنراه في نهاية الشريط يصرخ مرة أخرى مع المحتفلين بنجاح مغامرة “باهادور”: “تبّا هارفارد!”.

لكن من المهمّ جدا أن نحافظ على عبارة “تبّا هارفارد” داخل سياقها الدرامي أوّلا وداخل سياقها الأمريكي ثانيا، وألاّ نعتدّ بها وحدها للاستدلال على أن التّجربة العصامية أفضل في صنع النجاح من التكوين الجامعي مطلقا، فقد يكون ذلك فهما مختصرا ومضلّلا. إنّ الفكرة التي نستخلصها من سيرة باهادور الذاتية تتلخّص في معنى “إرادة الحياة”، وهو كما هو معلوم مفهوم كوني شامل ارتبط بالإنسان في كل زمان ومكان، وإرادة “باهادور” هي التي جعلته يرقى إلى مستوى البطل الحقيقي في تجربة هدفها تعريف العالم بالصومال على حقيقته، فالرسالة التي أراد الصوماليون إيصالها إلى الغرب عن طريق صديقهم “باهادور” تتمثّل في أنّ المدارس التي هدمتها الحرب لم تُبن من جديد! وهي رسالة تكشف عمق التباين بين نظرة صنّاع السياسات في العالم المتقدّم وتطلّعات الناس على أرض الحقيقة والواقع.

شريط قراصنة الصومال
شريط قراصنة الصومال

وما كان لإرادة باهادور أن تكون لولا إيمانه الشديد بحلمه. هل هذا يكفي؟ لا، فدور الصحفي “سيمون تولدن” مركزي في القصّة حيث جسّد التّرابط الوثيق بين جيلين من أجيال الصّحافة وصوّر بذكاء شديد كيف انتقل المشعل من هذا إلى ذاك، أما الرسائل النصية القصيرة التي وجدها باهادور على شاشة هاتفه النقّال عندما وصل إلى كندا عائدا من الصومال والتي قرأ فيها عروضا تهاطلت عليه من مختلف المؤسسات الصحفية ودور النشر فهي تصور إيمان المجتمع كلّه بالموهبة والإرادة ومن غير  ذلك لا تكتمل دائرة النجاح.

قصة جاي باهادور في فيلم قراصنة الصومال قصة نجاح أمريكية كلاسيكية تتكرر باستمرار في صيغ درامية مختلفة، فمثلها قصة رجل الأعمال “كريستوفر غاردنر” التي قدّمت سينمائيا في الفيلم الشهير “السعي للسعادة”، وعبر سلسلة طويلة من النماذج تعمل السّينما الأمريكية على بناء منظومة قيمية محورها الإرادة وحب التفوق والسعي إلى فرض الذات. وهي مسألة مثيرة للانتباه في ظل تصورات أخرى مغلوطة لدى بعض الشعوب الأخرى  تقصر دور الفن في نقل الواقع وأردأ ما فيه، السينما التي نعاينها ها هنا تحتفل بأفضل ما في الواقع إذ لا شكّ أن “بيل جايتس” و”بول آلان” عندما باعا برنامجهما الأول لشركة ميتس وهما بعد طالبان، قد صاحا بصوت واحد مثلما فعل باهادور بعدهما: “تبّا هارفارد!”.


حذارِ! فتحت الرّماد اللّهيب..

يستقبل التونسيون كل عام شهر جانفي بكثير من الخوف والترقّب والحذر، فهو شهر الاحتجاجات الاجتماعية العاصفة منذ أحداث الخميس الأسود في 1978، عندما حدثت المواجهةُ الدّامية بين اتّحاد الشغل وحكومة الهادي نويرة التي وضعت تونس على سكّة اقتصاد السوق. كما ارتبط شهر جانفي بانتفاضة الخبز في 1984 تلك التي اضطرّ فيها بورقيبة إلى التراجع في قرار رفع الدعم عن السلع الغذائية الأساسية لانتزاع فتيل الأزمة وامتصاص الغضب الشعبي بعد سقوط عدد كبير من الضحايا سرعان ما ابتلعهم النسيان، أما الحدث التاريخي الأكثر أهمية فهو سقوط نظام بن علي عشية الرابع عشر من جانفي2011 تتويجا لانتفاضة شاملة انطلقت من سيدي بوزيد يوم 17 ديسمبر 2010. وباستثناء هذا الحدث الذي لم يرتبط بشكل مباشر بقانون المالية العمومية فإن وقوع أغلب الاحتجاجات الشعبية في شهر جانفي مرتبط بتنفيذ قانون جديد للميزانية يحمل معه عادة أعباء مالية تثقل كاهل المواطنين وتهدّد مقدرتهم الشرائية، وهي الحالة النموذجية لأحداث جانفي 2018 التي تأتي في سياق مختلف تماما عن الأحداث السابقة.

حملة فاش نستناو؟

حملة فاش نستناو؟

بعد دخول قانون المالية الجديد حيّز التنفيذ وانتقال الزيادات في الضرائب فعليا من مداولات النواب في البرلمان ومنابر الجدل السياسي الإعلامية إلى الأسواق اكتشف التونسيون أنّ الإجراءات الضريبية المعلن عنها كانت لها انعكاسات مجحفة على القدرة الشرائية وخصوصا لدى الفئات محدودة الدخل من موظفي القطاعين العام والخاص، لكن حكومة يوسف الشاهد تمسّكت في الردّ على منتقدي سياستها الضريبية وحلولها المقترحة للخروج من الأزمة الاقتصادية بموقف موحّد عبّر عنه كلّ الوزراء المتحدثين باسمها على اختلاف انتماءاتهم السياسية، فهم يشكلون ائتلافا حكوميا بمقتضى وثيقة قرطاج التي أنهى بها الرئيس الباجي قايد السبسي حكومة الحبيب الصيد الحكومة الأولى بعد انتخابات 2014، ويعتبر موقف الحكومة أن التشكّي من غلاء الأسعار ينطوي على مبالغة وتحريض وأن الصورة التي تروجها وسائل التواصل الاجتماعي تختلف عن حقيقة الواقع، والذريعة في هذا أن المواد الأساسية المدعومة لم تشملها الزيادة، بل ويذهب أحد أعضاء الحكومة إلى القول بأن الزيادات تستهدف الأغنياء متسائلا عن الأسباب التي تدفع الفقراء إلى الاحتجاج عليها! ويشدّد هؤلاء جميعا على أن المواطن التونسي مدعوّ إلى التضحية، وأن مؤشرات عدة تدلّ على انفراج اقتصادي قريب في الأفق، ثم لا يتردّدون في اتّهام الجبهة الشعبية، ائتلاف الأحزاب اليسارية والقومية التي تشكل المعارضة، بالوقوف وراء أحداث الشارع رغم أن الجبهة أعلنت بشكل واضح ورسمي مساندتها لهذه التّحركات، لكنّ اتّهام الحكومة يقوم على خلط واضح ومتعمّد بين الاحتجاج السلمي وأعمال التخريب المصاحبة لتوريط المعارضة في العنف غير المشروع وكسب ورقة سياسية لدى الرأي العام.

أحداث جانفي 2018 يمكن النظر إليها بطريقتين مختلفتين، فإمّا أن نعتبرها محض صراع انتخابي بين أحزاب الحكم اليمينية والمعارضة، أو النظر إليها باعتبارها مؤشرا حقيقيا على انسداد الأفق الاقتصادي وفشل التمشي الذي تعتمده الدولة، فلا معنى للتنمية في غياب السّلم الاجتماعي، ومن الواضح أن حكومة يوسف الشاهد لا تريد أن تنظر بالعين الثانية وتمعن في الهروب إلى الأمام بالاقتصار في مقاربة الوضع على نظرة سياسوية ضيقة تتجاهل عبء الخيارات الاقتصادية الثقيل على الواجهة الاجتماعية. وتتسلّح هذه النظرة بحملة إعلامية تبدو مدروسة لشيطنة الحراك الاجتماعي واختصاره في أحداث شغب تستهدف مكتسبات المجموعة الوطنية حتى يصبح المواطن ذاته الذي يعاني غلاء الأسعار وشدّة وطأتها على قدرته الشّرائية مدافعا شرسا على خيارات الحكومة مستنكرا ما تقوم به المعارضة لعرقلة العمل بقانون المالية وإكراهاته المجحفة، وهذا ما يمثل منتهى السريالية في مشهد سياسي ديمقراطي طريّ!

يوسف الشاهد رئيس حكومة الائتلاف الوطني

يوسف الشاهد رئيس حكومة الائتلاف الوطني

تمعن الحكومة في تجاهل جملة من الحقائق لا سبيل إلى إنكارها، فعدم الزيادة في أسعار الموادّ الأساسية لا يعني أن مقدرة المواطن الشرائية في مأمن، كما أنّ التذرّع بما تمثّله في الإحصاءات نسبةُ الزيادة الضئيلةُ في الأداء على القيمة المضافة (1%) لا ينفي التجاوزات التي يمارسها قطاع التجارة بالتفصيل في مختلف المواد تحت طائلة الحرية الاقتصادية وغياب الرقابة وامتناع الدولة عن التسعير، لا تستطيع الحكومة أن تجابه بمثل هذه الجمل المستهلكة ما يصطدم به المواطنون في الشارع من ارتفاع ولو بدرجات متفاوتة في أسعار جميع المواد بدءا من أسعار الشاي والقهوة وصولا إلى أسعار مواد البناء والمحروقات والأدوية ومعاليم التداوي في القطاع الاستشفائي الخاص، ولا شكّ أن حديث أحد وزراء الحكومة عن زيادات موجهة للأغنياء أثارت حفيظة الفقراء يعتبر من النكت السياسية التي تبعث على الاستغراب وتكشف قصور عدد كبير من المنتسبين إلى طبقة الحكم في السنوات الأخيرة عن فهم متغيّرات الواقع لا سيما أولئك الوافدين من صفّ المعارضة. كما يتجاهل يوسف الشاهد أن الدعوة إلى التضحية لن تكون مقنعة الاّ في إطار قانون تقشّف استثنائي يشمل الجميع ويستهدف ولو بصفة ظرفية المصاريف الفلكية في بعض القطاعات والامتيازات العريضة لبعض موظفي الدولة حتى لا تكون التضحية حكرا على محدودي الدخل ولا ينتفع بها الا سواهم.

أحداث جانفي 2018 في تونس قد تكون عابرة سرعان ما تنتهي ويطويها النسيان دون أن تحدث تغييرا حقيقيا أو دراماتيكيا كما يحلم بعض الراديكاليين لكنها مؤشّر قويّ على ضرورة القيام بثورة اقتصادية تجعل من الحكومة سندا حقيقيا للفئات الاجتماعية الضعيفة بدل أن تكون كل خياراتها الاقتصادية على حساب هذه الفئات في غياب أي بارقة أمل على صعيد التنمية. إن الثّقة المفرطة في المنوال الاقتصادي الراهن والاقتصار على توجيه دفّة الأحداث نحو الاستقطاب السياسيّ الثنائي بين أحزاب اليمين وأحزاب اليسار ليس الاّ ارجاء لانفجار قادم حتما وليس من الضروري أن يكون ذلك في جانفي، فالثورة لا تستشير أحدا يوم تحين ساعتها، وقد قال الشابي منذ أمد بعيد حذار فتحت الرماد اللهيب.


Copyright © 1996-2010 آراء حرة. All rights reserved.
View My Stats iDream theme by Templates Next | Powered by WordPress